; المجتمع الثقافي (1173) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1173)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1173

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 31-أكتوبر-1995

ومضة:

لم يغمض له جفن تلك الليلة وهو يردد تساؤله المرير، متى تستطيع مدارسنا مواجهة التحدي الذي تشكله مدارس المبشرين؟ لكنه لم يستسلم لليأس أو يسترخ للأمنيات العاجزة وإنما بادر مع إشراقة شمس اليوم التالي إلى الاتصال بعدد من زملائه التجار العرب والمسلمين، ودعوتهم العاجلة لدراسة الصفقة التي أقضت مضجعه تلك الليلة.

في مساء اليوم نفسه كان الاجتماع الأول افتتحه التاجر العربي بطرح فكرته لإنشاء مدرسة عربية إسلامية تغني أبناءنا وتحميهم من شرور المدارس الأجنبية التي تعمل لتخريب عقائدهم وإفساد طبائعهم، وزرع بذور الانحراف في سلوكياتهم.

كانت كلماته بسيطة وموجزة ومعبرة، ولاقت قبولًا واستحسانًا من الحاضرين الذين شعروا بأن الفكرة تعبر عن مكنونات ضمائرهم، وترتق جراحًا غائرة في أعماق نفوسهم، سببتها تلك المدارس الغازية التي سعت لإيجاد شرخ في بنيتنا الاجتماعية، بتخريجها دفعات من الأبناء الذين يعانون من انفصام شخصياتهم فهم يعيشون على أرضنا الطيبة ويفكرون بعقول المستعمرين الخبيثة، فأصبح العري والانتحار والجريمة من سمات الجيل التائه لمجرد أنها من صناعة وتصدير المجتمعات التي تعلموا الانبهار والإعجاب بها.

وكأن هذه النتيجة هي مهمة تلك المدارس الغريبة، وليس نقل المعارف والعلوم، وتشجيع المهارات العملية والصناعات، وغرس روح الطموح ومحاولة الاكتشاف والاختراع، لأننا لا نرى لهذه الإيجابيات أثرًا في جيل المدارس التبشيرية.

انفض الاجتماع الأول وتتابعت بعده الاجتماعات والدراسات ووضع الخرائط ورصد الميزانية، واستمرت خلية النحل في نشاطها وحماسها إلى أن جاء العام الدراسي التالي وفي أول أيامه تم الاحتفال بافتتاح مدرسة الأندلس، الذي يرمز اسمها إلى حضارة الأندلس التي أعطت الغرب أوليات الحضارة ونقلت إليهم العلم التجريبي الذي كان أساس نهضتهم فيما بعد.. وهكذا تحصن الأبناء وتحقق حلم التاجر العربي بالجهد والتصميم وليس بالتأفف والتحسر والترجي.

واحة الشعر

شعر: سليم عبد القادر

الصراع

ضياع الغرب يجلبه علينا *** بنونا، والمصائب مستمرة

وقد حَشَدُوا مِنَ الْأَبْواقِ جَيشًا *** عبيًا، طائعًا طَوْرًا، ومُكْرَهُ

فهذا مدمن خمرًا وفسقًا *** وذاك يبث باسم الفكر كُفْرَه

وذلك موغل في الغَيِّ مُغْرَى ***  بحرب الله باسم الفن، جَهْرَةً

قد اسْتَقْوَوا بعسكرنا علينا  *** بأجر تارة، وبغير أجرة

وقد ضحكوا عليهم، ضَلَّلُوهُمْ  *** إلى أن أصْبَحُوا للدِّين ضَرَّة

إذا بَصُروا بإنسان يُصَلِّي  *** يُنَاجِي رَبِّه، ويُحبُّ ذِكْره

رأيت سفاهة الشيطان فيهم  *** تبدت في الوجوه المكفهرة

على أَوْطَائِهم صاروا أسودًا  *** وكلهم أمام الخصم فأرة

كان ربوعنا أمسَتْ سُجونًا  *** فما من بقعة في الأرض حرة

وحتى الهمس قد أمسى أسيرًا  *** يعاني القيد، فك الله أَسْرَه

ألا عُذرًا إذا بالشرِ ضَفْنَا  *** وألقينا بِوَجْهِ الشر شره

وآمنا برب الكون ربًا *** وحاربنا من الأرباب غيره
تطيع الله حقًا لا رياء  *** ولا نعصي لأجل الناس، أَمْرَهُ

وتؤمن أنه رب قوي  *** سيؤتي جُندَهُ الْأَحْرَارَ نَصْرَهُ

فَقُلْ لِلسَّادِرِين([1]) وقد تَمَادَوْا  *** وقل للهازلين: الدهر دورة

وقل للساقطين بلا قرار:  *** ألا، لَنْ تَسْلُبُوا الإنسانَ طُهْرَهُ

وقل للشامتين بنا: سَنَبْقَى  *** ولو حفرت لنا مليون حُفْرَةٌ

وقُلْ لِلْمُرجفين([2]): الفجر آت  *** ولا، لن يستطيع الغرب قَهْرَه

هي الدنيا صراع مستمر  *** وكل باذل في الساح عُمْرَهُ

فهذا في سبيل الله يمضي  *** وذلك مالِي بِالوَهُم صَدْرَهُ

وتنكسر الزيوف هنا تباعًا  *** ويبقى ذكرها للناس عبرة

 

في ندوة أدب د. نجيب الكيلاني بالقاهرة: نجيب الكيلاني خرج بالأدب الإسلامي من الانحباس في أروقة التاريخ : رحيله بهذا الصمت دليل على فتور وعي الأمة

القاهرة: محمود خليل

ستظل الرحلة الإبداعية الثرية للراحل الدكتور نجيب الكيلاني مصدرًا لاهتمامات الأدباء والدارسين والباحثين على طريق الأدب الإسلامي فكرًا وتطبيقًا.

في هذا الإطار عقدت رابطة الأدب الإسلامي العالمية، فرع القاهرة ندوة بدار الشبان المسلمين لمدارسة التراث الإبداعي الشامل للدكتور نجيب الكيلان من شعر ورواية، ومسرح، ونقد، وتنظير، وركزت الندوة على الريادة التي مثلها الكيلاني للرواية والقصة الإسلامية، ذات البناء المحكم، والفكرة القوية القويمة، والمعالجة العالمية، التي أسهمت بشكل كبير في تشكيل الوجدان المسلم، والشخصية المتوازنة التي تعتنق الرؤية الإسلامية للإنسان والكون والحياة، والعلاقات الإنسانية.

وقد أشار الدكتور عبد الحليم عويس، إلى شمولية، وعمق، واتساع ثقافة الدكتور الكيلاني، واحتشاده القوي لكافة أعماله فخرج بنا وبالأدب الإسلامي من الانحباس في أروقة التاريخ، إلى رحابة التعامل والتفاعل مع أحداث ومشكلات عصره، فكان صورة صادقة للنبض الإسلامي على مساحته الجغرافية والسياسية الواسعة.. فكانت رواياته وقصصه تجسيدًا حيًا للهموم الإسلامية في نيجيريا وتركستان، ومصر، وإندونيسيا، وغيرها من ممالك الإسلام والمسلمين.

كما عرض د. محمد السعيد جمال الدين للرحلة الإبداعية للدكتور الكيلاني باعتباره من مواطنيه بمسقط رأسه - قرية شرشابة.

كذلك عرض د. علي صبح - العميد الأسبق لكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر للركائز الإبداعية للإنتاج الشعري للدكتور نجيب وإسهماته التجديدية في القصة الشعرية... لغة وتصويرًا.

وعرض الدكتور علي عشري زايد - رئيس قسم النقد بكلية دار العلوم للدراسات والبحوث- التي تناولت أدب الكيلاني في الداخل والخارج، وأشار إلى عكوفه على دراسة تحليلية حول أدب الراحل الكبير.

وأكدت بحوث ودراسات المشاركين في هذه الندوة على أن أدب الكيلاني هو أدب الحياة المثلى، وأن أسلوبه الروائي والقصصي قد امتاز بروعة التحليل والتمثيل، ورقة ودقة العبارة التي فاض فيها شعره على نثره، كما امتاز بإحكام البناء وبراعة الاستبطان النفسي مستندًا في للشخوص والمواقف التي عالجها ذلك إلى ثقافة علمية، وأصالة إسلامية في ظل الموهبة الكبيرة التي حباه الله إياها.

وأكد المشاركون أن رحيل «الكيلاني» في صمت بهذا الشكل دليل على فتور وعي الأمة ذلك لأنه أديب لم يشاركه في موهبته سواه.

وفي ختام الندوة القى الشاعر محمود شاهين صهر الدكتور نجيب الكيلاني قصيدة بعنوان: «إلى النجيب» منها:

قولو لكل الناس ما مات النجيب بل اشترى

قصرًا من الياقوت في أعلى فراديس الذرى

حلاه بالتوحيد مزدانًا بما قد سطرا

إن يرقد الجسم الذي عانى ووافاه الكرى

واستلهم الآنات أن تشكو العذاب السافرا

فالفكر لا يفنى.. بها غنى «نجيب» وبشرا

يا هازم الأجسام لن تخبو مصابيح السري

لا لن يموت الصوت.. من كانت رؤاه منبرا

والله إن غاب «النجيب».. ففكره لن يقبرا

كما ألقى الشاعر الكبير محمد التهامي قصيدة طويلة بعنوان: «رحيل شاعر» منها:

أيها الشاعر ماذا روعك  *** فاحترفت الصمت كي لا نسمعك

وارتضيت البعد عن أنظارنا  *** فحملت الصبر والسلوى معك

قل لنا بالله يا قنديلنا  *** كيف يحيى في الدجى من شيعك

تغرس البسمة في أفواهنا  *** وتداري في شموخ أدمعك

وترد النار عن أضلاعنا  *** حين تلقى في لظاها أضلعك
وتضيئ الحلم في أجفاننا  *** والسهاد المر أشقى مضجعك
وتصب الشهد في أفواهنا  *** قانعًا من نحله أن يلسعك
أغلق الحق على أسراره  *** وعليها في جلال أطلعك

 

«أهل الحميدية».. وموقف الإيمان من الطغيان في قصص المرحوم الكيلاني

بقلم: الدكتور محمد عادل الهاشمي

أنها من جواهر ما كتب المرحوم نجيب الكيلاني، يمكن أن توضع مع روائعه.. عذراء جاكرتا، وعمالقة الشمال وليالي تركستان، فقد جمعت رواية أهل الحميدية للكيلاني بين المعالجة الفنية المبدعة، والفكرة الرفيعة، فجاءت -خلا هنات- رواية إسلامية تعري عهدًا مظلمًا في مصر، وتلقي الضوء ساطعًا على حقوق الإنسان المهدرة فيه، ويخرج الكيلاني فيها من تصوير معاناة الشعب من الطغيان إلى تجسيد هذه المعاناة من شخوص الرواية المذكورة وأحداثها وحوارها، فيطرح من خلال ذلك كله التساؤل الآتي: هل يحيا الإنسان أهدافه ومبادئه، فيعاني في سبيلها ويشقى ويضحي، فيكسب عند الله الأجر، وعند الناس الذكر، فيحقق ذاته وإنسانيته؟ أم يمضي مع الغمار متذرعًا بالوقاية والبعد عن المشكلات، مؤثرًا السلامة؟

لقد نجا «عبد المغيث» بطل الرواية من عسف الطغاة، ومن السجن، ومن التعذيب حين هادن الطغاة، وجامل المحققين ووارى مبادئه من حيث رسف في السجن الرهيب صديقه راضي وخطيبته السابقة «رحاب» اللذان جابها الطغيان، وصدعا بالحق، فذاقًا منه العسف والإهانة والتنكيل، وإن كانا قد مارسا الذات المؤمنة -من خلال هذا الابتلاء- وعاشا مبادئهما.. أما «عبد المغيث» الذي أثر العافية، وهادن الطغيان، فقد عاش في أحضان الدعة والسرور، والعش الزوجي الدافئ، واستغرقه العمل والحياة الأسرية، فقلما يصحو للمبادئ التي سبق أن اعتنقها ثم تركها.

واسترسل «عبد المغيث» في طريقه الهين اللين الذي نال رضاء السلطات، بينما رسف رفيقاه في ظلمات السجون، ولكن الأيام تكر ويخرج رفيقاه «راضي»، و«رحاب» من السجن وهما على أتم ما يكون المرء إيمانًا وتمحيصًا ثم يتزوجان فهما رفيقا مبدأ وجهاد، ويعملان معًا ويسافران إلى الخارج.

وتلح فكرة السفر على «عبد المغيث» ابتغاء العافية والنجاة من تقلب الأحوال، فتتشبث زوجته بالبقاء فيرضخ لرغبتها ويبقى، ولا سيما أن الحياة تمضي هادئة دون تفكير، ولكن الطغيان لا أمان له فهو يعسف بالمتمرد والمسالم على السواء، فلم تنج عبد المغيث، مسالمته ومهادنته، فإذا بالطغيان يقرع بابه، وينتزعه من بين أفراد أسرته إلى المعتقل الرهيب، حيث الوجوه الشائعة التي هرب منها.

هنا يصحو «عبد المغيث» وهو يساق إلى السجن أن تغيير الطريق لا ينجي من الابتلاء فأخذ ينشد بكل حواسه أنشودة الثورة على الطغيان غير مبال بتحذير السجان وتهديده فهذه فرصته أن يستعيد ما كان قد تخلى عنه ابتغاء السلامة.

لقد رعى المرحوم الكيلاني جانب الفكرة الرفيعة، فكانت حافلة بالمواقف المؤمنة والأحاسيس الصادقة، والمثل العليا، كما رعى جانب الفن المتماسك مع الفكرة في الرواية، إذ كان يتألق بتألقها ويزيدها إيحاء ونفاذًا إلى القلوب من ذلك ما يبرز في اصطفائه شخصيات الرواية التي جعل كلًا منها يجسد طريقًا في الحياة، كما يتضح في رسمه لهذه الشخصية وتطويرها وإغنائها بالأحداث، ملونًا بذلك وقائع القصة، ومثيرًا فيها دواعي التشويق، وأوضح مثال للتطوير والتلوين في أهل الحميدية شخصية العم «متولي»، فقد تقلب من إنسان متغطرس يفرح لكثرة ضحاياه إلى إنسان نفعي يوظف نفوذه لاقتناص الزوج المناسب لابنته، ثم إلى إنسان وادع قد استراح لبلوغ مأموله، إلى إنسان تائب يبكي خطيئته، ويستغفر من ذنبه.

إن المرحوم الكيلاني في رواية أهل الحميدية، يحكي قصة الطغيان في كل زمان ومكان، ويؤرخ لآثاره في إفساد بني الإنسان

فهو ابتلاء مسلط يمحق التفكير، ويشوه الإرادة، ويكرس السلبية، ولا يصمد لتنكيله إلا النفوس الكبيرة التي اعتصمت بإيمانها ويقينها، ولقد أسمى الكيلاني هذه الفئة بجماعة «الصفوة» ابتلاؤها بطولة واستشهادها انتصار.

قالت ملكة زوجة عبد المغيث، ولكن كاتب الصفوة شنقوه.

راجي: ولكنه انتصر.

ملكة: وكيف؟

راجي: لقد استشهد، والاستشهاد انتصار!!.

ولعل المرحوم الكيلاني يرمز بهذا الحوار إلى ولادة جيل الصحوة الذي انبثق من تنكيل الطغاة بالدعاة، واستشهاد الرواد، فلقد تمثل انتصار كاتب الصفوة «الشهيد سيد قطب» على الطاغية الذي اغتاله في ترعرع الجيل المسلم المعاصر الذي تربى على مبادئ كاتب الصفوة، واتخذه رائدًا، فكان استشهاده رمزًا لاستعلاء دعوة الإيمان، وكان دمه المطول شعلة مباركة، أيقظت قلوب مئات الملايين الصحوة إسلامية، استطار نورها في الخافقين وتدفقت منها بطولات وقرابين.

لقد أخذت ظاهرة جهاد الإيمان براثن الطغيان مساحة واسعة في معالجات المرحوم الكيلاني القصصية والروائية، فإن كانت رواية «أهل الحميدية» وأقصوصة «الكابوس»، مثلًا تعرضان لموقف الإيمان من الطغيان الداخلي، فقد أفرد الكيلاني لموقف الإيمان من الطغيان الخارجي رواياته المشهورة: «عذراء جاكرتا» في مقارعة الطغيان الشيوعي في إندونيسيا، و«ليالي تركستان» في مقارعة الطغيان الروسي الصيني في تركستان المسلمة، و«عمالقة الشمال في مقارعة الطغيان الكنسي في نيجيريا»، و«الظل الأسود»، في مقارعة الطغيان الكنسي في الحبشة، وقد سبقت هذه الروايات الأخيرة روايات أخرى تعد مبكرة في نتاج الكيلاني القصصي، سارت على هذا المنحى من مقارعة الطغيان والاستعمار من مثل: «اليوم الموعود»، و«الطريق الطويل»، و«رأس الشيطان»، و«النداء الخالدة»، و«أرض الأنبياء»، و«طلائع الفجر».

إنه لعمق هذا المنحى في نتاج الكيلاني القصصي واستفاضته، يجدر إخراج هذا الموضوع الكبير في رواياته وقصصه في دراسة مستقلة.

قراءة في رواية «مشرد بلا خطيئة».. 

تأليف الدكتور محمد عبده يماني

بقلم: يحيى بشير حاج يحيى([3])

زمن هذه الرواية: عام النكبة الأولى عام 1948م، وما سبقه من أحداث، وما تلاه من معاناة وتشرد حتى عام 1968م. ومكانها على أرض فلسطين، وفي مدنها وقراها.

وأبطالها: أسرتان متجاورتان فلسطينية، وأخرى يهودية مهاجرة يعيشان في قرية عين كارم.

كان «حاييم» رب الأسرة اليهودية يمثل اليهودي المسالم والتاجر الحريص الذي يتعايش مع الآخرين دون أن تبدو عليه بوادر العدوان، وفي المقابل فقد عامله أهل القرية معاملة طيبة، على الرغم من الإرهاب الذي يمارسه يهود في أماكن تواجدهم على أرض فلسطين، وكان ابنه «يوري» وابنته «راشيل» يعيشان مع أطفال القرية في أمان.

ومع اشتداد المواجهة بين العرب واليهود، وما تلاها من هجوم غادر على دير ياسين ومن ثم عين كارم، انكشفت خفايا «حاييم» الذي لم يكن أقل عداوة من رجل عصابات الهاجانا، والأرغون.

مما اضطر أسرة جاره «أبو إبراهيم» إلى الرحيل إلى القدس لتكون في منجاة من فظائع اليهود، وقد عبر «حاييم» عن غدره حين أجال النظر في بيتهم المتواضع قائلًا لزوجته وهو يضحك «غدًا يكون بيت الحاج أبو إبراهيم لنا؟!!»

وسقط «أبو إبراهيم» في المعركة، ونقل «نمر» أحد المقاتلين الواقعة كما جرت «لقد رأيت بعيني هاتين ابن بلدتنا المسالم المسكين «حاييم»، وهو يجلس وراء مدفع رشاش فوق إحدى المصفحات يوجه نيرانه نحونا.. نحو البلدة التي أوته نيفا وربع قرن والقوم الذين عاملوه كواحد منهم عندما جاء بلدتهم يائسًا، فقيرًا، مشردًا «ص 88».

وعن حسن الظن الذي لم يكن في مكانه تحدثت الرواية أن الفلسطينيين كانوا يحسبون «حاييم» فلسطينيًا لأنه يعيش بين ظهرانيهم، له ما لهم، وعليه ما عليهم، كما حسب البوسنويون أن جيرانهم الصرب مثلهم؟!! ولكن مجريات المعركة كذبت هذا الظن، وأظهرت براءة هذا التصور أو سذاجته، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وسار مخطط التقسيم كما أراد له واضعوه، ومنفذوه وتمضي الرواية لتتحدث عن رحيل أسرة «أبو إبراهيم» المؤلفة من زوجة وطفل، من القدس إلى أريحا، ثم إلى عمان، وتنتقل الأرملة مع طفلها الوحيد من معاناة إلى معاناة، ويبقى «نمر» مخلصا لأبي إبراهيم يرعى أسرته من بعده.

ويبقى الطفل إبراهيم متصورًا أن «يوري». و«راشيل» قد نزحا معهم، فخرج ذات يوم يبحث عنهما بين الجموع المتدفقة معللًا غيابه لأمه أنه تعاهد مع يوري أن يظلا صديقين، وهذا الوشم دليل على ذلك العهد، حرصت الأم على تعليم ابنها، واضطرت إلى العمل في بيوت الأغنياء لتوفر له ما يحتاجه، ويكبر إبراهيم وتكبر همومه وكان لنمر الذي جعله إبراهيم مكان الأب والأخ الأكبر، أثر كبير في تهيئته ليكون مجاهدًا يشارك في مقاومة العدو.. ويعبر الاثنان الخطوط ليقوم إبراهيم بأول مهمة في نسف موقع صهيوني وفي اللحظة التي وضعًا فيها أقدامهما على الجانب غير المحتل من الأرض، ومضت في السماء ومضة هائلة من النور أعقبتها سلسلة متتابعة من الانفجارات، ثم ساد الظلام المنطقة كلها» (ص 190).

وجن جنون العدو من حادثة نسف محطة الكهرباء، وإن كان قد نسبها إلى حدوث ماس كهربائي.

ومرت سنوات ولم تتحسن أحوال سكان المخيمات، بل ازدادت سوءًا، ولم تفلح قرارات الأمم المتحدة في ردهم إلى ديارهم ولا أفلحت في إغاثتهم.

وجاءت النكبة الثانية عام 1967م، وكان وقعها كبيرًا على أبناء الأمة، ووصلت الغطرسة الصهيونية إلى الذروة، وأصبحت العمليات الفدائية مصدر إزعاج ورعب للكيان الصهيوني بينما سكتت المدافع الرسمية أو كادت ورأى العدو أن يوجه ضربة إلى مخيم الكرامة الذي اشتق اسمه من اسم قرية «عين كارم»، ونهض «إبراهيم» و«نمر» مع الناهضين، وكانت أم إبراهيم تحت ولدها على المشاركة في المعركة المرتقبة، وظن يهود أن المعركة ستكون مجرد نزهة، فدفعوا بدباباتهم في أوائل مارس «آذار» 1968م، ووراءها الآلاف من جنود المشاة تجتاز الجسور على نهر الأردن لتلتف حول مخيم الكرامة والقت الطائرات بأحمالها من المظليين ولكنهم فوجئوا بالنيران تشتعل بها الأرض، ومع اقتراب القوات المدرعة من المخيم فوجئت بنيران مدفعية الجيش الأردني، وراح المنهزمون يتراجعون بغير انتظام، وسيق الأسرى إلى مغارة في الجبل، وكان إبراهيم مكلفًا بحراستهم.. قال أحدهم أرجو أن لا تقتلنا، إننا لسنا سوى جنود ننفذ الأوامر، فرد إبراهيم: هل تحسبون أن الناس كلهم مثلكم.. تستطيعون أن تناموا بكل اطمئنان.. فهزوا رؤوسهم طائعين.

نظر إبراهيم إلى أحد الأسرى، وكان قد وضع يده تحت رأسه، واستلقى على ظهره وراح يحدق فيه، وقد بدا عليه ذهول عميق؟

فخاف الجندي وتملكه ذعر شديد، وأمسك إبراهيم رشاشه في حالة تهيؤ، وقال: أرني ذراعك اليسرى ولا تتحرك من مكانك!! ومد الجندي ذراعه وهو يرتجف، لقد كان عليه وشم يشبه الوشم الذي على ذراع «إبراهيم» (ص 217)، وتأكد «إبراهيم» أن أسيره ليس إلا «يوري» الذي أصبح جنديًا يقاتل، ولكن «يوري» لم يستطع أن يتعرف على «إبراهيم» إلا حين كشف عن ذراعه؟! فنهض في فرح يمد يده إلى صديقه القديم وهو يقول: أرجوك ساعدني، إن بوسعك أن تنقذ حياتي ووضع يوري يده على صدره، وكأنه يريد أن يؤكد كل كلمة يقولها، وفي مثل لمح البصر لمع في يد «يوري» خنجر قصير كان يخفيه تحت إبطه برباط، ووثب على «إبراهيم» يريد أن يطعنه به ولكن حركة واحدة من إصبع «إبراهيم» كانت كافية لأن ينطلق سيل من الرصاص (ص 229).

وتهاوى «يوري» على الأرض، وكأنه لم يكن يتوقع هذه النتيجة، وقال بصوت مختنق.. قتلتني... قتلتني يا إبراهيم؟!.

فرد إبراهيم.. وأنت ماذا كنت تريد أن تصنع بي، ومعك هذا الخنجر؟

وحين أقبل نمر، وأخبره «إبراهيم» عن هوية القتيل، قال وهو يتذكر غدر أبائه: إنني لم أر ولم أسمع عن شعب جبل على الغدر مثل هؤلاء الناس.. ولعله أدرك حين أرديته برصاصك أننا معشر الفلسطينيين قد بتنا أكثر وعيًا من أن تخدعنا أساليبهم الغادرة، ومضى الاثنان وقد وصل إلى أسماعهما أصوات أهازيج النصر وفي هذه الخاتمة على لسان نمره يلخص الكاتب موقف يهود من كل اتفاق، ونقضهم للمواثيق، وتنكرهم للجيرة.

([1])السادرين: الطغاة.

([2])المرجفين: الذين يشيعون الأكاذيب على المؤمنين.

([3])عضو رابطة الأدب الإسلامي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

879

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك

نشر في العدد 3

211

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك رضي الله عنه