; المجتمع الثقافي (1158) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1158)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995

مشاهدات 83

نشر في العدد 1158

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 18-يوليو-1995

ومضة

قيثارتي ملئت بأنات الجوى

 

 

لابد للمكظوم من فيضان

 

 محمد إقبال

هذه حقيقة في النفس الإنسانية يغفل عنها كثير من المتنفذين والمتجبرين وأصحاب السلطان، حيث إن للنفس حدودًا في الصبروالتحمل، فإذا تجاوزها الألم وزاد عنها استشعار الظلم، تحولت إلى بركان ثائر يمكنه أن يحدث أثارًا وتغييرات لا تتحقق في فترة الكمون السالفة.

وهنا تدور الألسن بسؤال وجيه، ما الذي يستطيع أن يفعله القليل الضعيف المحاصر والمضيق عليه؟ لن أتعجل الإجابة. ولن أفترض الحل أو اقترح الطريقة، لأن لكل حالة خصوصيتها، ولكل إشارة استفهام جوابها المناسب.

لكنني ألفت النظر إلى حقيقتين اثنتين: الأولى: أن المرجل عندما تزيد درجة غليانه لابد أن ينفجر. الثانية : أن انفجاره يُحدث من الأخطار وربما الأضرار التي لا يمكن التنبؤ بحجمها ومدى تأثيرها.

الجدير بالملاحظة أن الانفجار المتوقع قد يحرق صاحبه قبل أن تصل شظاياه إلى الآخرين، ولذلك ينبغي التنبيه إلى أن الإنسان عندما يبلغ السيل الزبى يجب أن يبقى متحكمًا بالطاقة المندفعة ليستطيع توجيهها والاستفادة منها، وليس منفعلًا أفلت منه الزمام وتعامل مع الحدث من غير إرادة واعية وكأنه مغلوب على أمره.

أصدق مثل لهذه الصورة هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث تحكم بالطاقة، وضبط اندفاعاتها في مكة، فأمكنه بعد ذلك أن يوجهها لتحقيق الأهداف المنشودة، وقد كان.. ومرة ثانية.. ما الذي يستطيعه القليل الضعيف؟

يصنع ما صنع أبو بصير الذي كون مع عدد من أمثاله سرية صغيرة أخذت تعترض قوافل قريش مما اضطرهم إلى التنازل عن بعض شروطهم لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن يمنع هؤلاء من اعتراض طريقهم، علمًا بأن عمل أبي بصير لم يكن ضمن الخطة النبوية. أو كما فعل شامل باسييف الذي أجبر القيادة الروسية على الرضوخ لشروطه، والنزول عند إرادته، من غير أن يحمل قيادة الشيشان أية مسئولية.

اللسان العربي

الترقيم في التراث

بقلم: عبد الوارث سعيد[1] 

عرضنا في الحلقة السابقة أطرافًا من تاريخ الترقيم في غير العربية من اللغات، واليوم نتابع عرض موقف تراث العربية من هذا الأمر قبل أن تستعير علامات الترقيم الحديثة من اللغات الأجنبية.

ذكرت دائرة المعارف البريطانية في معرض حديثها عن الترقيم في اللغات الشرقية والإفريقية، أن «المخطوطات العربية المبكرة خلت من علامات الترقيم حيث إن تركيب اللغة يضمن التمييز بسهولة بين الجمل الأساسية والجمل التابعة بدون تلك العلامات» وهي حقيقة تفردت بها العربية بفضل نظام الإعراب الكامل الذي احتفظت به، والذي كان يغني أهل اللغة حتى عن نظام التنقيط الخاص بتمييز الحروف الكتابية المتشابهة شكلًا والمختلفة نطقًا، فهناك ارتباط وثيق جدًا بين الإعراب والمعنى حتى بات من مسلمات النحويين مقولة: «الإعراب فرع المعنى»، وكثير منهم عرف النحو بأنه «علم الإعراب» كما قال بعضهم-في معرض الرد على المطالبين بإسقاط الإعراب من دعاة العامية-إن «الإعراب هو روح اللغة، وإن الكلام دون إعراب لا طائل من ورائه، ولن يكون مفهومًا»[2] وأن «تسكين أواخر الكلمات هو بمثابة إعداد لكثير من المعاني التي كان الإعراب يدل عليها»[3]، وهذا يصل بنا إلى الإقرار بأن «العربية حقًّا لغة حساسة بل رقيقة الإحساس في مفرداتها وأساليبها جميعًا، فما يكاد يصيب هذه أو تلك شيء من تغيير حتى يكون له صدى في معناها على وجه من الوجوه»[4].

ومع ذلك فإن علماء العربية- خاصة علماء الدراسات القرآنية، وبالذات علماء القراءات- قد عنوا بتقنين أنواع العلاقات ودرجات الاتصال بين الجمل، ورتبوا على ذلك درجات الوقوف.

فعلماء النحو أفردوا بابًا للوقف، وإن كان تركيزهم فيه على ما يصيب أواخر الجمل من تغيير عند الوقف عليها، وعلماء البلاغة أفردوا مبحث «الفصل والوصل»- من علم المعاني- وشددوا على أهمية قضاياه إلى حد أن رأى بعضهم أن البلاغة هي معرفة «الفصل والوصل»، وفي هذا المبحث يدرسون درجات الاتصال والانقطاع على أساس محتوى الجمل ووظائفها النحوية، وما لذلك من أثر على نوع العلاقة التي تربط بينها.

وفي مجمل القراءات القرآنية، تقدم علماؤنا خطوات أبعد في مجال تقنين علاقات الجمل وتحدد درجات الإلزام في الوقف بناء على درجة الترابط بين الجمل مضمونًا ووظيفة، وقد شددوا- كالبلاغيين- على أهمية إتقان قارئ القرآن لقضايا الوقف والابتداء، حتى قالوا- مثلهم- إن «التجديد هو معرفة الوقف والابتداء»، وجاء المتأخرون من علماء الرسم القرآني فوضعوا رموزًا وعلامات تجسم للقارئ حدود الوقف والابتداء وأحكامه وعرفت بـ «علامات الوقف».

"م: وقف لازم، لا: ممنوع، قلي: الوقف أولى صلي: الوصل أولى، ج: الوقف والوصل سواء، تعانق الوقف.....، فضلًا عن مراتب أخرى، كالوقف المطلق والسكتة"، وقد أصدروا على مراتب الوقف وحالاته أحكامًا موضوعية شرعية من واجب جائز وممنوع وحسن وقبيح .... إلخ.

معنى هذا كله أن قضية إدراك العلاقة بين أجزاء الجملة، أو بين الجمل، وتحديد درجة هذه العلاقة قدوة وضعفًا، ومن ثم تحديد نوع الوقف الملائم. أمر يجب أن يضطلع به منشئ النص "متحدثًا أو كاتبًا" ومتلقيه "مستمعًا أو قارئًا" بناء على درجة فهمه جانبي النص الأساسيين: البناء اللغوي، والمحتوى الفكري، وعلى هذا تكون علامات الترقيم في رأس المتعامل مع النص يمارسها عمليًّا على أساس واضح لديه، به يستغني عن تلك العلامات التي لا تظهر فقط إلا في النص المكتوب، وبهذا الأساس يعتصم من الخطأ إن وضعت له علامات الترقيم بشكل عشوائي خاطئ كما هي حال الكثير من النصوص التي يكتبها اليوم من يستخدمون علامات الترقيم المستوردة لنقص في فهمهم للنظام اللغوي للعربية، فضلًا عن نقص في وضوح المضمون لديهم.

البقية العدد القادم.

واحة الشعر

شعر: مشتاق شبير حسين

رحلة أمل

عام أطل ونجم عـــــــام قـــــــد أفل      والعـــمـــرُ عَجَل لِلقَاءِ مَعَ الأَجَلْ
يَئِسَ الفؤاد من الحياة ملالة               فَلْتَمْنَحِيه-أمتي- بعض الأمل
أملًا يجوز به صراط مصائب                   ملكتْ عليه النور من حضن المقل
أمل بدا لي قبل ترحال الصبا                وفقدته يا حــــســـــرتـا وأنا رجل
أمل بدا في لحظة- يا حلوها-              هي لحظة وهي الحياة لمن عقل
أمل يلوح- كما السراب- لناظري         فأظل اتْبَعُهُ كَمَنْ يشكو الخَبَلْ
عشرون عامًا سرتها متثاقلًا              والشوك في دربي حـكـا قــــــد الأسل
ما عدت أقوى فالحياة تسوقني       بسلاسل التوهين من ذل لذل
أبني الأماني العذاب تفاؤلًا               فتخر قدام الحـقـيـقـة فـي عَجَلْ
وأصوغ من أبيات شعري حلية          لسيوف جيش زينت كوخ الكسل
تاج الهزيمة فوق هامته استوى    «لكنه بالنصر دومًا يحتفل»
عزم الكفور يكاد يقتل همتي         وسدور قومي كاد ينسيني الأمل
صبرًا أيا نفسي فإن بقية                    منا بعصر الجاهلية لم تَزَلْ
تَسْتَعيدُ الأحرار تسحقهم مخـــ      افة أن يهزوا العرش تحت «أبي جهل»
ومضيت لم أحفل بهم لكنني       في آخر المشوار لاح لي الجبل
فأدرت ظهري للرجوع فإذا به        يأبى علي وصاحَ بي حينَ انْفَعَلْ
«من لا يُحب صعود أجبال الهدى     سيعيش طول العمر في حُفَرِ الوَحَلْ»

فارحل إلى الآفاق وابحث في الذرى      واركب بساط الريح والطير استقل

حتمًا سَتَبْلُغُ ما أردت من المنى       فَمَعَ الجهاد إلى مطامحنا نصل
قُلْ للذي ثَكِلَتْهُ أم فانبرى           ومضى يُغالب قوة الرب الأجل
ما أنت والإسلام تنطح صخره؟!      ارجع فقد أوهيتَ قَرْنكَ يا وَعَلْ

 

 

قصة قصيرة

بنت الحطاب

قلم: عبد الله عبد الهادي

يروى أن رجلًا كان يعمل في الاحتطاب، وكان مقتنعًا بما يرزقه الله كل يوم، ويحمده على خيره الوفير، وكانت له زوجة وفية عاشت معه شظف العيش دون تذمر أو شكوى، فيكفيها في هذه الدنيا زوجها الصالح الحريص على دينه، والناصح لأهله وأقربائه وجيرانه، ولم يكن له ابن أو بنت، وكان صابرًا محتسبًا .

وبعد انتظار طويل رزق الحطاب بابنة جميلة، فأقام لها وليمة كبيرة جمع لها أهل الحي الذين أغدقوه بالهدايا تعبيرًا عن مشاركتهم في فرحته الكبرى.

وعندما التقى الحطاب صديقه النجار أخذ يتفاخر بابنته لامزًا النجار لعدم إنجابه الذرية، فلم يعر النجار ذلك الموضوع اهتمامًا لأنه مقتنع بحاله وبقدر الله عز وجل، وعاذرًا صديقه القديم لفرحته الكبرى بابنته.

إلا أن حطابنا لم يقف عن الغمز واللمز بصديقه النجار بمناسبة وبدون مناسبة عن الذرية، فذكره النجار أن تلك النعمة لم تكن له لولا تقدير الله عز وجل، ولم يمنعها عنه إلا بتقديره عز وجل، وأن ذلك ليس من الفخر من شيء ما لم يقترن بالعمل الصالح.

فاستشاط الحطاب غضبًا.. كيف يجرؤ من هو دونه- حسبما يعتقد ويظن-ليتطاول عليه بالنصح والتذكير، فهو الأفهم في هذه الدنيا لأنه تميز على صديقه بالذرية ولديه خبرة حياتية في الأبوة، وهو المحرك لعمل النجار فلولا الاحتطاب لما حصل النجار على خشب ليعمل به، وهكذا... أخذ حطابنا يرتب لنفسه الفضل والأفضلية على أصدقائه وجيرانه وأحبابه ويقنع نفسه بذلك، وهم يتحملون ما يبدر منه للعشرة والجيرة.

وتمر الأيام، ويلتقي ذلك الحطاب بكبير التجار "أو كما يسمونه شاه بندر التجار" ليتفق معه على شراء احتطابه، وكان ذلك التاجر غير متوافق مع أهل المدينة الصغيرة لما يتصف به من ظلم وقسوة في معاملتهم واستخدام المكر والدهاء في خداعهم وإثقالهم بالديون والعقود الواهية، فلا هم أخذوا أموالهم ولا هم أخذوا بضائعهم، وكان الحطاب من أشد المعادين لذلك التاجر، إلا أن التاجر كان من الذكاء والفطنة استطاع أن يجذب الحطاب نحوه، فقد أغدق عليه الأموال وهو الحطاب الفقير، وأخذ يؤجج فيه روح الاستعلاء والكبر على أهله وجيرانه مؤكدًا أنه أعلى منهم علمًا وقدرًا ونسبًا وذرية،ومالًا، وصدق الحطاب ذلك، وأخذ يستعدي أهله وجيرانه بعد أن سال لعابه لكرم التاجر وكلامه المعسول.

ولم يقف حطابنا عند ذلك، وإنما استمرفي عناده ومكابرته بأن أخذ يتبنى الدفاع عن التاجر، وأنه غير ظالم، وما يقوم به إنما هي تجارة.. بيع وشراء وأصبح يحمل أفكاره ويدافع عنها أكثر من التاجر نفسه، حتى أن التاجر نفسه نصحه بعدم المبالغة!!

اشتكى الأهالي إلى الوالي ظلم التاجر وخداعه، فلم يتكلم التاجر بكلمة واحدة، بل انبرى لهم الحطاب وأخذ يترافع أمام الوالي عن التاجر وحسن نواياه، وأخذ يؤكد للوالي أن ما يحصل إنما هو خلاف شخصي بين التاجر والأهالي ليس له علاقة بالتجارة والعمارة، ولو كان شاه بندر التجار شخصًا آخر لما أقاموا عليه الدنيا وأقعدوها، وأن الحق مع التاجر وأن ما يزعمون هو الباطل.

وهكذا تنكر الحطاب لأهله وجيرانه، وأخذ يشيد بالتاجر ويُروج أن الخلاف شخصي وليس جوهريًّا، ونسي هو أن خلافه مع أهله شخصي أيضًا وليس جوهريًّا، قد نشأ من بداية اختلافه مع النجار، حيث لم يرغب باستماع نصائحه واعتبره أقل من أن يستمع إليه.

وتمر الأيام على هذا الحال حتى صدق الوالي كلام الحطاب بشكل كبير لأنه أصلًا- أي الحطاب- أحد أبناء هذه المدينة وجزء من أهله وجيرانه، فضلًا عما عرف عنه من الصلاح، فقام الوالي بتقليد التاجر منصب حاكم المدينة، فاستاء الناس وأهل المدينة من هذا القرار، وعزم بعضهم على ترك المدينة إلى مدينة أخرى، أما الحطاب فقد سعد سعادة كبيرة، وذهب مباشرة إلى الحاكم الجديد لتهنئته بالمنصب الجديد، مؤملًا أن يلاقي مكافأته عنده، فما كان من الحاكم الجديد إلا أن ألقاه خارجًا، وقال له: لقد كنت صوتًا جيدًا لي، وعملت ما لم أستطع أن أعمله وحدي..والآن..انتهى دورك!!

قال الحطاب وقد خنقته المفاجأة: ولكني تركت أهلي وجيراني لأجلك! فرد عليه الحاكم: وهل آمن عليك بعد أن تركت أهلك وجيرانك لأجلي.. أن تتركني لأجل غيري؟! عاد الحطاب إلى أهله مطأطئ الرأس مصابًا بذهول الحدث، فهو لم يحسب لذلك حسابًا، وأخذ يفكر.. كيف سيستقبله أهله وجيرانه، وبأي وجه سيقابلهم؟

إصدرات

الدعوة

نشرة شهرية تربوية تصدر عن جماعة الدعوة الإسلامية في استراليا وتهتم بشئون الجالية الإسلامية هناك، وقد جاء في افتتاحية العدد الأول منها «سوف يكون لنا بإذن الله تعالى لقاء شهري في رحاب الإيمان والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة من غير غلو ولا تنطع ناصحين لله ولرسوله.. ولأئمة المسلمين وعامتهم..».

وقد حفلت النشرة على صغر حجمها بالمواضيع الشيقة، ففي الصفحة الأولى موضوع عن الدعوة إلى الله، ذكر الكاتب فيه أن الدعوة إلى الله وإلى الطريق الصحيح من ألزم الأمور وسط هذا الخليط من الرايات والتيارات والتجهيل والتشكيك والتغريب والانحراف.

أما الصفحة الثانية فتناولت موضوع «الاختلاف في الإسلام وآدابه» وقد تضمنت العديد من النماذج الإسلامية الرائعة التي تمثل القدوة الحسنة في أدب الاختلاف ختمت بمقتطفات من الرسالة المشهورة التي بعث بها الليث بن سعد إلى الإمام مالك رحمهما الله والتي تقطر أدبًا وتلطفًا وبيانًا متزنًا لوجهة النظر الخاصة، وقد تناولت الصفحة الثالثة موضوعًا عن المرأة والعلم في الإسلام.

هذا ولم تغفل نشرة الدعوة على ضيق مساحتها آخر الأحداث في الشيشان وفلسطين ومصر والبوسنة والصومال.. على صفحتها الأخيرة، وفي الختام نشكر الشيخ عبد الناصر شمسين الذي أتحفنا بهذه النشرة على هديته الأخوية.

قراءة نقدية في قصة « على طريق القافلة»المنشورة في العدد «١١٣٥» من «المجتمع»

بقلم: محمد شلال الحناحنة (*)[5]

تتميز الصفحات الثقافية في «المجتمع» بقدرتها على التوهج بنبض الحروف في محاولة رائدة لمواكبة هموم القارئ المسلم، من خلال إبداع يمتشق عنفوانه الإسلامي، وجماله الفني في آن واحد، تُصافحنا في هذا العدد قصة «على طريق القافلة» للقاص عبد الناصر محمد مغنم، وهي قصة تبرق بشعاعها الروحي معانقة الأرض الفلسطينية، راسمة لوحة معبرة عن الجهاد الفلسطيني المتميز رغم الاندحارات المحيطة والتلون في مستنقع ما يسمى «السلام».

إن القصة في مضمونها تحكي نمطًا متوهجًا من سطور مشرقة لجهاد أهلنا في فلسطين المحتلة وهي توثق لهذه المقاومة الراسخة، ولشموخ الإصرار الإسلامي في مواجهة قوى البغي والحقد اليهودي، ولذا تغدو هذه القصص سجلًا مشرفًا للبطولة والإباء، وجهادًا صادقًا بالكلمة الطيبة القادرة على شحننا بالفعل الجهادي.

تبدأ هذه القصة بفتح صفحة نازفة معطرة بتراب الأرض الزكية المباركة: "تصبب العرق من جبينه الذي بدت عليه آثار الغضب، توقف هنيهة عند شجرة صنوبر بين الأحراش يستظل من أشعة الشمس اللافحة، كان متعبًا يلهث من شدة الإعياء نظر «كمال» إلى الدم الرقراق النازف من يده الجريحة، تلفت يمنة ويسرة عله يجد مخبأ يختفي فيه من أنظار اليهود"

 هكذا بدأ القاص تصوير المشهد الأول من قصته، وهو مشهد مترع بالتوتر والترقب، وذلك من خلال شرود ولغة مشبعة بالحركة تشوق القارئ لمتابعة القصة، ونلاحظ اختيار الألفاظ الحركية بعناية فائقة في هذا المشهد "تصبب، توقف، يلهث، نظر، الدم الرقراق النازف، تلفت..."، والقصة في مضمونها تدور حول نموذج من نماذج هذه المقاومة العنيدة للاحتلال اليهودي، والتي تتكرر يوميًّا، «فكمال» بطل القصة فتى ريفي يرسله أبوه إلى مدينة نابلس ليشتري له بعض الحاجيات، وحين يصل إلى المدينة المتميزة بمواجهاتها الملتهبة مع قوات الاحتلال يجد أمامه الاشتباكات العنيفة بين قوات العدو وأهالي المدينة الباسلة، حيث يغلق جنود العدو الطرق لحصار المدينة، فيرشده بعض شباب الانتفاضة إلى طريق ليعبر منه إلى قريه «سالم» وهي قرية قريبة من نابلس، وحين يعبر«كمال» ذلك الشارع الضيق، يرن في أذنيه صوت فتاة فلسطينية تستغيث وتصرخ، فقد كان جنديان يهوديان يعذبانها ويؤذيانها بكل رعونة وصلف، مما أثار «كمال» فأخرج سكينًا من جيبه وهجم بكل جرأة وشجاعة على الجنديين فطعن أحدهما في ظهره فوقع ينزف على الأرض أما الجندي الآخر فهرب، واستطاع كمال أن ينقذ تلك الفتاة، وحين أدار ظهره ليسلك طريقه أطلق الجندي الجريح النار عليه من بندقيته فأصابه بیده، فسار قليلًا ثم بدأ الجرح ينزف، وبعد ذلك غاب في غيبوبة من شدة النزف حتى أنقذه شيخ يبيع الخضار، مخاطرًا بنفسه في سبيل إنقاذه.

لقد استطاع القاص أن ينقلنا إلى خلجات البطل ومعاناته مستخدمًا أساليب متنوعة من حوار وسرد واسترجاع المواقف والصور، مما أثرى قصته لتلتحم مع مواقف جهادية حافلة بالبطولة، وما زالت ترعب جيش الاحتلال وتقض مضاجعه والقصة تفتح أشرعتها للرؤية الإسلامية الجادة، وتنبض بآفاق رحبة من الإخاء الإسلامي والمصابرة، والتكافل الاجتماعي والتعاضد الذي يسمو بالجماعة الإسلامية ويحقق أهدافها الرفيعة، فنقرأ على لسان «كمال» بطل القصة: 

"ما هذا يا ترى؟ هل حل الظلام؟ أم أنه غبار يغطي المكان؟"، لم يلبث إلا قليلًا حتى انهارت قواه وسقط مغشيا عليه، أفاق بعد ساعات ليجد نفسه مستلقيًّا على فراش لين في غرفة جميلة زينت جدرانها بآيات قرآنية وحكم نبوية مؤثرة ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء:88)،

 ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(آل عمران:120)

لقد تميزت هذه القصة ببساطتها ولكنها بساطة، لم تخل من بعض الهنات حيث نرى تدخل القاص القسري، مما أفقد القصة بعض وميضها الفني، فحين يروي «كمال» قصة اشتباكه مع جنود الاحتلال بعد معاناته للشيخ الذي أنقذه يقول: «ماذا أقول يا عماه إنها لوحة قاتمة تعبرعن المأساة، إنها الكرامة المهدورة، إنه الشرف المداس، أين النخوة والنصرة؟ أين الشهامة والنجدة؟ حكاية تُعمق الجراح، وقصة تفوح بالأسى، لست إلا قطرة من الدم المسفوح في الجدول الفلسطيني الأحمر الذي لا يجف».

إن هذه العبارات الخطابية المباشرة مما لا يحتمله الفن القصصي، وتنأى عنها شفافية الرؤية الفنية التي ينبغي أن يحرص عليها أدبنا الإسلامي، إن الأدب في جوهره قدرة كامنة على التلميح لا على التصريح، والحق أن القارئ المسلم الجاد ليس بحاجة للشرح والتصريح، لأن دوره أن يميز ويدرك عمق صراعنا مع أعدائنا، وقد استطاعت القصة في بعض مشاهدها أن تحفزنا للمشاركة الفاعلة!.

 أخيرًا فإن قصة «على طريق القافلة» للقاص عبد الناصر محمد مغنم هي قصة ممهورة بكثير من المعاناة والدماء، وهي ترنو للقافلة القادمة الزاخرة إن شاء الله بعطاء أعظم تدفقًا وتكثيفًا.
 

[1]- مدرس بجامعة الكويت

[2]- د. أحمد سليمان ياقوت-.ظاهرة الإعراب في النحو العربي "جامعة الرياض-السعودية، ۱۹۸۱م" ص ٤٤،٤٢

[3]- د. أحمد سليمان ياقوت-.ظاهرة الإعراب في النحو العربي "جامعة الرياض-السعودية، ۱۹۸۱م" ص ٤٤،٤٢

[4]- علي النجدي ناصف، من قضايا اللغة والنحو "مكتبة نهضة مصر ١٩٥٧" ص٩

[5]-عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم