; المجتمع الثقافي (1140) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1140)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995

مشاهدات 69

نشر في العدد 1140

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 28-فبراير-1995

ومضة

إعداد: مبارك عبد الله

التهالك على التطبيع، ما أسبابه ومبرراته؟ هل لأنه طبيعة الحقبة، وشعار المرحلة أم لأنه من ضرورات عملية السلام؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

أما إنه طبيعة الحقبة، فهذا ما تكذبه الأحداث التي يشهدها العالم، ويشمئز ضميره من بشاعتها وتتعالى صيحاته في استنكارها، في الوقت الذي يشارك في ارتكاب الجريمة، والإجهاز على الضحية، من يسمون أنفسهم رعاة السلام، بسكوتهم تارةً، وبمساواتهم بين المعتدي والضحية تارةً، ثم بانحيازهم إلى الطرف الظالم خفيةً أو على المكشوف في مرات أخرى.

وأما إنه شعار المرحلة فهذا ما يحتاج إلى برهانٍ عمليٍّ من الجهة المستفيدة أكثر من غيرها، يؤكد صدقها وسلامة نواياها، حيث يلاحظ أن هذه الجهة تؤمن بنظرية الحب من طرف واحد، فهي دائمًا تأخذ، وباستمرار تطلب المزيد، دون أن تعطي شيئًا يذكر.

وأما إنه من ضرورات السلام فيقتضي أن تتكافأ الفرص أولًا، وأن تكون التنازلات من الجانبين وبنسب متساوية، وأن يكون العائد عليهما هو نفس المقدار من المصالح والمنافع، لا أن يكلف أحدهما بالتضحية، بينما يتفرغ الثاني لجني الثمار.

إذن ما سر كل هذه الاستماتة لتكريس التطبيع، وفرضه كأنه أمر واقع، والارتهان في مشاريعه كأنه قدرنا المحتوم، ومصيرنا الذي لا نستطيع منه فكاكًا؟

وعلى أي حسابات يعتمدون وهم يبشرون بازدهار الاقتصاد؟ وعلى أية إحصاءات يعولون وهم يتوقعون ارتفاع معدلات التنمية في بلادنا؟

ومن أين لهم هذه الوعود التي يكيلونها لشعوبهم بتوفير المن والسلوى، وتوديع الحرمان، وانتهاء البطالة وانتشار الرفاهية.. في حال نجاح عملية التطبيع؟ أم إنها قبضة الريح تتسلمها الأمة المقهورة التي دفعت من دماء أبنائها وعرقهم أجرة ساجنيها في جزيرة الوهم، أولئك الذين طالما راودهم الأمل في الارتفاع على أنقاضها، وإعلان أنفسهم فراعين إلى الأبد.

اللسان العربي

العزة اللغوية

بقلم: عبد الوارث سعيد- مدرس بجامعة الكويت

شكونا من قبل من فقد الغيرة على اللغة العربية، ومن ترك حرمتها نهبًا للأعداء وللعاقين من الأبناء، واليوم نشكو من غياب «العزة اللغوية» من مجتمعاتنا العربية أولًا، ثم من المجتمعات الإسلامية ثانيًا.

والعزة خلق يمنح صاحبه قوة النفس وإباء الضيم ويعصمه من الوقوع في الهوان أو الرضا به أيًّا كان مصدره أو حجمه، لا يساوم على ذلك ولا يترخص، وإلا بدأ طريق المنحدر الذي لا يقف إلا عند قاع الذلة والخزي.

من يهن يسهل الهوان عليه                        ما لجرح بميت إيلام

ولا ينتظرن فاقد العزة أن يوقره الآخرون أو حتى يبالوا بجرح كرامته:

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها               هوانًا بها كانت على الناس أهونا

وإذا كان شاعر النيل -رحمه الله- يرى أن كثيرًا من الأمم قد عزت بعز لغاتها، فيقول:

أرى لرجال الغرب عزًا ومنعةً                     وكم عز أقوام بعز لغات

فإن الإسلام يعلمنا أن الأمور تبدأ أولًا من داخل الإنسان: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (الرعد: 11)، وأن مصدر العزة الحقيقية لهذه الأمة المسلمة إنما هو إيمانها بالله تعالى مالك العزة الحقيقية، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر: 10)، ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).

أما الآخرون -كالذين أشار إليهم حافظ إبراهيم- فقد تكون لديهم عزة ولكنها عزة الإثم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة: 206)، أو عزة الباطل والطغيان.

من هنا بدأت الكارثة عندنا بفقد الارتباط بالمصدر الحقيقي للعزة، ومن بعدها بدأنا الانحدار: فقدنا الاعتزاز بلغتنا والغضب لما يمس حرمتها، وحين فعلنا ذلك هنا على الآخرين وهانت لغتنا؛ فكرامتها وعزتها من كرامتنا وعزتنا، ونرى تلك الإهانات اللغوية تضرب وجوهنا وأقفاءنا كل يوم ونحن لا نحرك ساكنًا أو حتى نبدي أي امتعاض، وإليك الأمثلة من أرض الواقع:

1.      لا يحرص أحد من المسؤولين في العالم أن يتعلم لغتنا، وإن تعلمها فلا يخاطب مسؤولينا بها حين يلتقون به، بل يخاطبهم بلغته هو، أما مسؤولونا فدائمًا يظهرون براعتهم في التحدث بلغة الآخرين في كل مناسبة، سواء أكانوا في بلادنا أم في بلاد الآخرين، وإلا اصطحبوا هم مترجمًا -أو مترجمين- معهم!

2.      كثير من المؤتمرات التي تعقد في بلاد العرب والمسلمين تسيطر عليها الإنجليزية، أو غيرها من اللغات الأوروبية، لمجرد أن بعض المشاركين هم من أهل تلك اللغة، وكان الواجب أن تعتمد العربية.

3.      معظم المنتجات التي تستوردها بلاد العرب بمليارات الدولارات من بلاد الغرب تجد كتيبات الصيانة أو التعليمات أو البيانات المرفقة بها أو المطبوعة عليها مكتوبة بعدة لغات أوروبية وآسيوية ليس من بينها العربية.

4.      يقيني أنه لو أصرت الحكومات أو شركات الاستيراد، أو حتى بعضها على عدم استيراد أية سلعة إلا إذا كانت التعليمات مكتوبة بلغة عربية فصحى سليمة، لاستجابت تلك الحكومات والشركات الموردة، ولنظرت نظرة إكبار واحترام لأهل اللغة العربية، ثق أنهم سيفعلون لأنهم عبيد مصالحهم والتجربة خير برهان، وللجماهير دور فعال في هذا لو تبرمت من الوضع وتداعت إلى مقاطعة البضائع التي لا تكتب أسماؤها وإرشاداتها بالعربية، وأبلغ ذلك مستوردنا إلى مصادر تلك البضائع.

5.      ورابعة الأثافي -ومعذرة لنص المثل العربي- أن العمالة الوافدة من الدول غير الناطقة بالعربية إلى بلاد العرب صارت تفرض اللغات الأجنبية على البلد العربي، والذين أصبحوا -غير مكرهين- يرطنون بخليط من تلك اللغات في أسواقهم وبيوتهم، على أن يعيش أولئك الأجانب سنوات طويلة يعملون في بلاد العرب، ويندر من بينهم من يستطيعون التفاهم بالعربية، دعك من إتقانها، وكثير من هؤلاء مسلمون يتشوقون إلى تعلم العربية -لغة القرآن، ولكن الكثيرين منا -للأسف- يؤثرون أن يتحدثوا معهم بالإنجليزية لا بالعربية، فيقتلون فيهم تلك الرغبة الطيبة.

نافذة الحوار

  • منذ سنوات، بدأت لجنة التعريف بالإسلام (IPC) في الكويت تجربة طيبة في دعوة الأسر إلى إرسال العاملين في بيوتهم إلى فصول مجانية لتعليم العربية لغير الناطقين بها افتتحتها لأداء هذه الخدمة وتعويض هذا القصور فينا، فكر في حالة غير الناطقين بالعربية في موطنك، خاصة من المسلمين، وابعث عنها إلى الأجهزة المختصة في بلدك، مع ما تراه من الحلول العملية، وأرسل مشكورًا إلى «المجتمع» بمقترحاتك أو خبراتك لعلها تفيد آخرين.
  • ماذا تقترح لتنمية مشاعر الاعتزاز باللغة العربية في نفوس الشباب المسلم؟

واحة الشعر

إن المآذن لا تطأطئ رأسها

شعر: سعد خضر

مالي على الأحزان والنيران                                 متقلب النبضات والخفقان!

لا ألتقي بالبشر حتى أنثني                                فأعود للحسرات والأحزان

من كل ناحية يواجه خافقي                             بوابل ما يدمي من الأشجان

خبر يصك مسامعي، ووراءه                             خبر تسيل لأجله العينان

يتسابق المذياع والتلفاز في                               نشر الذي قد صار للشيشان

قتل وتشريد، وهتك محارم                              ولظى يصب على بني الإنسان

والمسلمون كأنهم في هجعة                                لا يحفلون بوابل الحدثان

يتسمعون وينظرون، ولا ترى                           أثرًا لهم، كالصم والعميان

يا ويحكم يا مسلمون: ألم تروا                        ما حل بالأشياخ والولدان؟!

هدمت مساجدكم، وريع حمامها                    ومدينتي صارت بلا حيطان

دول كثير عدها إن أحصيت                            لكنها كالذر في الميزان

شيشان يا أرض الأسود تجلدي                      فالنصر يستجدى من الرحمن

حسبوا اقتحامك نزهة لجيوشهم                  كلا فتلك عرائن الشجعان

أرض إذا وطئ العدو ترابها                                أمست لظى يقضي على العدوان

فيها رجال كالجبال تسامقًا                               ربوا على الإصرار والإيمان

عاشوا على قمم الجبال أعزة                          إن الصقور تهيم بالطيران

سل عنهم التاريخ يشهد أنهم                            أهل التقى، والبأس في الميدان

لزموا المساجد فاستقاموا سيرة                      وتعودوا الإخبات للرحمن

واستلهموا عز المآذن وانبروا                            يتسابقون إلى ذرا الإحسان

إن المآذن لا تطاطئ رأسها                                 وهلالها للرأس ليس بحان

«الله أكبر» قوتها وشرابها                                  هل ينحني المقتات بالإيمان؟

إن اتحاد الكفر ولى وانتهى                               يوم استباح مواطن الأفغان

ولسوف يلقى هؤلاء مصيرهم                          جراء هجمتهم على الشيشان

إن انفراط العقد عقبى دولة                           درجت على الإيقاع بالجيران

عاثت فسادًا في البلاد وسيطرت                     بالقهر والجبروت والطغيان

وطوت شعوبًا في عباءة بغيها                            ومضت تهين كرامة الإنسان

زعمت بلاد المسلمين بلادها                              بالإفك والتضليل والبهتان

ومضت تؤكد زورها بجيوشها                          وتؤكد البهتان بالنيران

فاصمد أخا الشيشان وامض مظفرًا            واقهر جنود الظلم والعدوان

ولسوف يظهرك النصير عليهم                        ما دمت ترفع راية القرآن

والنصر من عند العزيز منزل                          فارجُ المهيمنَ بارئ الأكوان

سيُتِم نصر المؤمنين بفضله                            ويذل أهل الجور والكفران

الأديب الإسلامي الكبير نجيب الكيلاني لـ«المجتمع»:

·         خيال الأطفال أصيب بالمرض بسبب الإعلانات وحلقات الإذاعة والتلفزيون

·         مغامرات «السوبر مان» وتزييف الكبار للخيال يحوله إلى «إثارة» مرضية

  • من الخطأ الكبير أن نحول «أدب الأطفال» إلى أسواق تجارية.

حاوره في القاهرة: محمود خليل

غني عن الذكر أن نقدم لقراء «المجتمع» رائد الأدب الإسلامي الكبير الدكتور «نجيب الكيلاني»، فهو واحد من أهم الأصوات على ساحة الأدب الإسلامي بإبداعاته الضخمة -أكثر من 60 كتابًا- ما بين الرواية والقصة والشعر والمسرحية والنقد، وتتميز كل كتابات «الكيلاني» بنفاذ الرؤية ووضوحها، وتكامل الموهبة العالية وشمولية الإبداع الذي ينطلق من مناخ إسلامي نظيف.

ولأن «أدب الأطفال» هو الشريحة المظلومة في ميدان الإبداع الأدبي يميل إليه البعض أحيانًا على أنه النشاط الأسهل والأكثر رواجًا مما جعل من سوق الكتاب الخاص بالطفل «كرنفالًا» مختلط الألوان والتراكيب، الأمر الذي يضاعف من أهمية الأدب الإسلامي الخاص بالطفل التائه في عالم الأزرار والكمبيوتر وصحب الألوان والأصوات؛ فكان من الضروري بمكان أن نتعرف من واحد من الرواد الكبار للأدب الإسلامي على ماهية وضوابط أدب الطفل المسلم.

المجتمع: إذا أردنا أن نحدد بدقة مفهوم أدب الأطفال من وجهة النظر الإسلامية آخذين في اعتبارنا فنية وجمالية الأشكال والأطر الحديثة؟

د. نجيب الكيلاني: إذا كان البعض يزعم أن الدين والفن لا يلتقيان ويظن هذا البعض أن هدف الفن: الجمال، وهدف الدين: الحق، إذا كان الظن كذلك فإنه ظن أوحت به نظرية «الفن للفن» وغيرها من النظريات التي تركز على الاستمتاع وحده، ونسوا أو تناسوا أن الحق قمة الجمال والروعة، وأن الدين يسعى لإسعاد الإنسان وجعل حياته تتسم بالنسق والنظام والإبداع البديع في ظل الإيمان والصدق، ذلك هو الفن الصحيح وما عداه فهو فن غير سليم، وغير سوي وغير صادق.

لهذا فإن الأدب عمومًا، وأدب الأطفال خاصة من وجهة النظر الإسلامية البحتة لابد أن يأخذ بأرقى القيم الجمالية والفنية، ومن هنا فإن أدب الأطفال الإسلامي هو «التعبير الأدبي الجميل المؤثر الصادق في إيحاءاته ودلالاته، والذي يستلهم قيم ومبادئ الإسلام وعقيدته، ويجعل منه أساسًا لبناء الطفل، عقليًّا ونفسيًّا ووجدانيًّا وسلوكيًّا، وبدنيًّا، ويساهم في تنمية مداركه، وإطلاق مواهبه الفطرية، وقدراته المختلفة وفق الأصول التربوية الإسلامية التي تتسم بوضوح الرؤية وقوة الإقناع، وسداد المنطق وإشراق الجمال بما لا يتعارض مع حقائق الإسلام ومفاهيمه».

المجتمع: المقتبس والمترجم والمعرب يحتل حيزًا كبيرًا في مكتبة الطفل العربي والمسلم، لا شك أن تباين الخلفيات الأخلاقية والسلوكية تلعب دورًا خطيرًا في هذا السبيل، ما رأيكم؟

د. الكيلاني: لكم طالبت وناديت بأن توضع خطة على مستوى الدولة للرقابة على منشورات الأطفال بصفة عامة، سواء منها ما هو في القطاع الحكومي، أو في القطاع الحر الخاص، وسواء ما هو منها في المذياع أو التلفاز أو المسرح أو السينما أو الصحف أو المجلات والكتب، وبغير هذه الخطة لن نستطيع تخليص التراث الأدبي للطفل مما شابه من آفات نفسية وعقلية وأخلاقية وسلوكية وأيديولوجية .

ولعله لا يغيب عن أحد، تباين الثقافات واختلاف الحضارات والمعارف وما يشيعه ذلك في العمل الأدبي عامة وأدب الطفل خاصة من ناتج ثقافي ومعرفي لا يخفى أثره، ولا يقدر على هذا التمثل المعرفي العالمي إلا من أوتي المواهب المركبة، وهذه قضية في غاية الحساسية.

المجتمع: لكن هذه الخطة من سيضعها؟ ومن سيشرف عليها؟

د. الكيلاني: علماء الدين والتربية وعلم النفس والمجتمع ورجال الإعلام والأدب ورجال النشر والتوزيع، وجهاز الترجمة من اللغات الأجنبية، ومن خلال عدة مراحل من المراجعة بالتقييم والتقويم، إذا استطعنا ذلك فقد وصلنا بإذن الله إلى الغاية المنشودة لأدب الطفل العالمي، الذي يبرأ من الآفات النفسية، والعقلية والأخلاقية السلوكية والأيديولوجية .

مسؤولية الكلمة ومسؤولية الفعل

أدب الأطفال ليس خيالًا كله، ولا خرافات كلها، والطفل يكون مبتور الثقافة معوج الشخصية ما لم يستلهم تجاربه الحضارية، ويستوعب منجزاتها، ويعرف امتدادها ومستقبلها، بمعنى أن خاصية التفكير المنظم لدى الطفل، وإيضاح العلاقة بين التجربة والمشاهدة والاستنتاج والوصول إلى النتائج، وحفز الطفل للتفكير والعمل، وتوقع بعض النهايات لافتراضات معينة أصل ثابت في معظم تراثنا وحضارتنا، ولا نقصد هنا العلم الطبيعي وحده، فهناك العلوم الشرعية أيضًا بشتى فروعها وهناك العلوم الأخرى كالجغرافيا والفيزياء والحيوان والنبات وغيرها، ومن فضل الله تعالى أن ديننا وتراثنا وحضارتنا تطبيق واقعي لذلك الذي نقول، وحضارتنا العلمية والتاريخية تعتبر مثالًا يحتذى في منهجها وأسلوبها وتعاملها، وديننا لا يفصل أبدًا بين مسؤولية الكلمة ومسؤولية الفعل المترتب عليها.

والذين يغفلون هذا من أدباء الأطفال -خاصة في المترجمات- وينقلون إلينا تراث الوثنيات والخرافات التي تتنافى مع العقيدة الإسلامية جاهلون ومغرضون ويجب الحذر منهم. وهو من أخطر ما ينقل إلى أدبنا ويجب بحثه وتحليله ودراسته وتفنيده، وإن النموذج الإسلامي الواقعي لأدب الأطفال يقدم الشخصية السوية قولًا ومعتقدًا وسلوكًا حتى ولو كان بطل العمل جنيًّا أو إنسيًّا أو حيوانًا أو جمادًا أو ملاكًا، إن هذا النموذج يجب أن يتم التعامل معه وهو يعمل ويأكل ويتعلم ويجاهد ويتعبد ويتكلم ويتفق ويختلف وفق المعايير الإسلامية، والذين يظنون أن التشويق والتأثير والإقناع لن يتم إلا بسلوك منحرف أو مستورد -كما قلت- هم واهمون، ذلك لأن الهدف الأساسي لأدب الأطفال هو مدّ الطفل بالخبرات الوجدانية والعقلية بهدف طبع سلوكه بطابع خاص، هذا السلوك يترجم عما في داخله من عقيدة ويطبق ما استقر بها من أفكار.

لكي يؤدي الخيال دوره!

المجتمع: من المعروف أن الطفل -كما يقول علماء النفس- يبني لنفسه عالمًا من الخيال، ويلح في طلب المزيد من الحكايات التي تساعده في ذلك، فهل نرفض هذه الرغبة عند الطفل ونكبحها فيه أم كيف نستطيع التعامل معها حتى يؤدي هذا الخيال دوره البناء؟

د. الكيلاني: الخيال ضرورة وملكة الخيال فطرة في الإنسان، والخيال بداية العلم وكم تحول الخيال إلى واقع أو حقيقة، ويمكننا القول إنه بداية الإبداع الفني والعلمي، ومن المعروف أن الطفل في صغره يحادث الجماد والدمى والحيوانات وكأنها بشر تفهمه ويفهمها، بل تحاول الطفلة أحيانًا أن تسقي عرائسها وتطعمها وتعاتبها وتعاقبها، بل أكثر من ذلك فإن الطفل يخترع الحكايات، وقد يروي عن نفسه قصصًا لا تحدث في الواقع، وهو لا يقصد بذلك الكذب بل هو الخيال الجامع المنعكس على ممارساته ومشاعره، لكن ما أكثر ما أسيء استخدام الخيال خاصة في الغرب حتى إن مفكرًا مثل «بيير طيفيه» يقول في مؤتمر «نيس» العالمي للكتاب: «خيال الأطفال أصيب بالمرض بسبب الإعلانات وحلقات الإذاعة والتلفزيون ومغامرات السوبر مان، وبسبب تزييف الكبار للخيال وتحويله إلى الإثارة».

ولكي يؤدي الخيال دوره التربوي البناء يجب أن يراعى الآتي:

  • مراعاة نفسية الطفل والمؤثرات التي تفعل فعلها فيها والنتائج المترتبة عليها، خاصة قصص الرعب والخوف التي لا ترتبط بمنطق سوي.
  • ربط الخيال بهدف عالٍ يثري خبرة الطفل وثقافته ويساهم في إنماء قدراته الإبداعية.
  • ارتباط الخيال بما هو صحيح في سنن الكون وربما بما هو جائز أو ممكن.
  • التعرض للمعجزات والسحر والكرامات في ضوء الاشتراطات الدينية والقرآنية الصحيحة.
  • يجب أن تتناقص جرعات القصص الخيالي مع نمو الطفل العقلي وزيادة عمره الطبيعي.
  • ارتباط الخيال قدر الإمكان بالواقع والبيئة، بأسلوب محكم وإيحاءات قادرة.

وهذه مهمة صعبة لمن يكتبون للأطفال، تقتضي منهم الإلمام العلمي الكافي بنفسية الطفل، وتطوره العقلي، واحتياجاته الروحية والبدنية والسلوكية، بما يحقق لديه التوازن النفسي المطلوب من أدب الأطفال.

المجتمع: لكن البعض من أدباء الأطفال، يستغلون شراهة السوق بكتب الأطفال فيملأون السوق بكل غث بقصد أو بغير قصد دون تأهيل كاف لذلك، فهل من «مراجعة» من أديبنا الإسلامي الكبير د. نجيب الكيلاني؟

د. الكيلاني: لدينا بحمد الله تعالى فئة ممتازة تمتلك الأدوات والمواهب العالية ولديها إنتاج طيب في هذا المجال من أمثال الأساتذة كامل كيلاني، ومحمد الهواري، وسعيد العريان، ومحمد عطية الإبراشي، وأمير الشعراء أحمد شوقي، ومحمود أبو الوفا، وسيد قطب، وحامد القصبي، وتوفيق بكر، وعلي فكري، وأحمد نجيب، ولكن يجب فعلًا تشكيل «فريق مراجعة» يجند للعمل على مراجعة تلك المطبوعات التي تزحم المكتبات، وأرصفة التوزيع، لأن الملايين من أطفالنا يريدون أن يقرأوا رغم وجود التلفاز والمذياع ودور الخيالة، ويجب أن يعمل الفريق على الإجابة على هذه الأسئلة: هل أدت دور النشر رسالتها الصحية الصحيحة؟ وهل توافر لهذا العمل ركائز الإبداع والجودة؟ وهل يستحق هذا العمل أن يقدم للطفل عامة، والطفل المسلم خاصة؟ كما يجب كذلك أن تقوم لجان وزارات المعارف والتربية والتعليم بدورها المتميز في هذا السبيل من خلال الاختيار والتعديل وفق القواعد العلمية السليمة، وذلك لأن الكتاب هو «العمدة» في ثقافة الطفل المسلم.
الرابط المختصر :