; المجتمع الثقافي (1127) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1127)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

مشاهدات 89

نشر في العدد 1127

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

اللسان العربي

تعلم العربية: فرض عين أم فرض كفاية؟!

بقلم: عبد الوارث سعيد (*)

من جوانب العظمة في شريعة الإسلام أنها ترسم للناس منهجًا قويمًا في بناء شخصياتهم وتنظيم شؤون حياتهم حفاظًا على جهودهم وأوقاتهم أن تضيع سدى في غير مجالها الصحيح، إن حكمة الخالق العظيم قضت أن تستقل الأجهزة والوظائف الأساسية في جسم الإنسان عن تحكم الإنسان نفسه، فالمخ والقلب والغدد والمعدة وأمثالها تعمل منذ ولادة الإنسان حتى يفارق الحياة ولا تنتظر من الإنسان صاحبها أمرًا أو توجيهًا، ولو ترك للإنسان مهمة تشغيلها والتحكم فيها لأفسد حياته بيده ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 71)

كذلك قضت حكمة الشارع الحكيم أن يجعل ركائز الحياة وأسس صلاح الفرد والمجتمع فرضًا عينيًا على كل مؤمن لا يسعه أن يتخلى عنها، وإن فعل أدى بفعله إلى الفساد.

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: 59)، وقس على الصلاة كل الفروض العينية المعروفة في الشريعة، إضاعتها تؤدي إلى اتباع الشهوات والسقوط في الغي.

من هذا المنطلق الشرعي، نعيد السؤال العنوان: هل تعلم العربية فرض على كل مسلم؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل هو فرض عين أم فرض كفاية؟

إن مقتضى الإيمان بالله ربًا له الخلق والأمر والحكم، وإلهًا، تجب عبادته على علم، أن على العبد المؤمن بالله أن يفهم ما أنزله الله إليه- قرآنًا وسنة- لأن فيه وحده منهج العمل والتعبد لله، ولما كان كتاب الله لا ينفك عن العربية ولا يكون قرآنًا إلا في نصه العربي، أصبح تعلم لغة القرآن واجبًا على كل مسلم من باب أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في تعيين العلم الذي هو فرض عين على كل مكلف بناء على الحديث النبوي: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، ومما انتهوا إليه أنه هو العلم بما كلف الله تعالى به عباده من الأحكام الاعتقادية والعملية، كذا في «الإحياء» للغزالي، وقالوا أيضًا: طلب العلم فريضة بقدر ما يحتاج إليه لأمر لابد منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع والأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض(1).

أما علوم اللسان العربي، وأركانه أربعة: اللغة والنحو والبيان والأدب، فمعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة... والذي يتحصل أن الأهم المقدم منها هو النحو (2)، وإذا كان تعلم هذه العلوم اللسانية ضروريًا على مستوى التخصص لعلماء الشريعة والمجتهدين، فإن تعلم الحد الأدنى الذي يمكن المسلم من قراءة القرآن والسنة قراءة سليمة من حيث نظام التركيب اللغوي العربي يكون واجبًا على سائر المسلمين، وإلا وقعوا في الخطأ وتعذر عليهم فهم خطاب الله تعالى لهم.

إن علماء التجويد والقراءات متفقون على أن تعلم التجويد واجب على كل مسلم يقرأ القرآن لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: 4)، وفي هذا الحكم قال الإمام ابن الجزري في منظومته:

والأخذ بالقرآن حتم لازم                                من لم يجود القرآن آثم

لأنه به الإله أنزلا                                              وهكذا منه إلينا وصلا

وعليه فلنتدبر حقيقة وظيفة كل من: علم التجويد، وعلم اللسان العربي بالنسبة لتلاوة القرآن، ولنزن قيمة كل من التلاوة السليمة بدون فهم للمعنى مقارنة بالتلاوة المصحوبة بالفهم الميسرة له التدبر الذي جعله الله غاية إنزال القرآن : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص: 29)، لو فعلنا ذلك لاتضح لنا بجلاء أن علم اللسان العربي، أرجح كفة، ووظيفته أشد خطرًا.

لقد استعرضنا عبر أكثر من عشر حلقات سابقة أساسيات علوم اللسان العربي بنوعيها علوم الصحة وعلوم الجمال لتكون حافزًا ودافعًا لكل مسلم أن يخرج من دائرة الإثم فيقبل بنية أداء الواجب على تعلم هذه العلوم- أو الحد الأدنى منها على الأقل، وإذا أحس البعض شيئًا من الصعوبة فيما قدمته الحلقات، فلا يركبنه اليأس، بل عليه أن يحس بثقل التبعة والمسؤولية وشدة التقصير الذي قد لا يكون هو المسؤول وحده عنه نظرًا لشدة تأثير أنظمة التعليم وسياسة الدول بشكل عام في عدم اهتمامها بتعليم العربية الفصحى، والخنوع لمخططات أعداء العربية والإسلام في حربها، لكنه، وقد أحس بحقيقة النقص ووجوب البراءة منه، وأمره الآن بيده كاملًا فلا يقبل منه أن يستمر مصاحبًا لهذا النقص، بل يسارع إلى التدارك معطيًا الأمر ما يستحقه من الاهتمام والبذل جهدًا ومالًا..

الهوامش

1 - صديق بن حسن القنوجي أبجد العلوم (دار الكتب العلمية، دمشق 1978) ص 352 - 353

2- السابق، ص 232

(*) مدرس بجامعة الكويت.


ومضة

في أحد الأقطار العربية، جلس المحافظ الجديد- الذي عين على إثر انقلاب وقع في تلك السنة- يدير اجتماع مجلس المحافظة المكون من الفعاليات الإدارية والمالية، والخبرات الثقافية والعلمية، وكان كلما عرضت مسألة للنقاش أو مشكلة للحل انبرى المحافظ- وهو عسكري متهور لم ينل حظًا وافرًا من العلم- وضرب الطاولة بيده وقال: «هذه الإشكالات نحلها بالبسطار» هكذا ببساطة من غير أن يكلف نفسه المشاركة في الحوار، أو عصر دماغه لاستخراج الحل المناسب.. فلا نامت أعين العلماء!

هذه الصورة المزرية تتكرر بألوان وأشكال أخرى، يقوم مقام المحافظ فيها كاتب جاهل لبس بسطاره في رأسه بدل أن يلبسه في قدميه مقلدًا منظر الدنجوان الذي شاهده في أحد الأفلام، فهو لا يكف عن تقليده ومحاكاته، وراح يهوش على ما قاله الدكتور النفيسي في إحدى محاضراته، أقول يهوش- التي لا تبعد كثيرًا عن معنى يهوس في الاصطلاح العراقي المعروف- ولا ينتقد أو يرد لأن الرد والنقد لهما أصولهما العلمية وسماتهما الأخلاقية، وفوق ذلك إذا أردت أن تنقد عالمًا في مجال تخصصه فأول ما يطلب منك لقبو ل نقدك واعتبار رأيك أن تكون من أهل ذلك الاختصاص المتبحرين بعلومه المتعمقين في بحوثه ودراساته، لا أن تكون خاوي الوفاض من كل ذلك، سلاحك قلم أتيحت له الفرصة لملء الفراغ في إحدى الصحف، ثم تأتي لتناطح الأساتذة الكبار والعلماء الأجلاء والذين أفنوا حياتهم في المطالعة والبحث وشابت نواصيهم في التفكير والدرس، ولم يكتسبوا معلوماتهم من أحاديث المارة في الشوارع المجاورة، ولم يستقوا أفكارهم من عواطف البسطاء الذين لا يرون ما هو أبعد من رؤوس أنوفهم، ولا يعرفون شيئًا عن تسلسل الأحداث وترابطها أو تحليلها والاعتبار بما فيها، ولا عن التفكير العلمي الذي يصنفها ويرتبها ويحدد أولوياتها.

ليس عيبًا أن تكون جاهلًا مع حرصك على التعلم والاستفادة، لكن العيب أن تفاخر بجهلك وتناطح به عاليات الجبال.


واحة الشعر

شعر: نجم رضوان

الذكرى الخامسة لاستشهاد الدكتور عبد الله عزام

وداعًا شيخنا الشهيد

أنا ما نظمت الشعر يومًا للتغزل بالخدود

أنا ما نظمت الشعر مدحًا طالبًا عيشًا رغيد

لكن سأرثي قائدًا ومجاهدًا صلبًا عنيد

حل الأسى برحيله كالصاعقات لها رعود

عزام يا شيخ الشباب لفقدكم ضج الوجود

أنت الذي علمتنا روح البطولة والصمود

لله درك شيخنا لله درك من شهيد

ستظل نبراسًا يضيء طريقنا مدى العهود

 

لاموك أنك قد خرجت مجاهدًا نحو البعيد

وتركت أقصانا الجريح يئن من كيد الجنود

لكن نَسَوْا في غفلة من أوصدوا كل الحدود

تبًا لكم حراسنا فالظلم دومًا لا يسود

تبًا لكل الجاحدين وكل خوان حقود

تبًا لكل مساوم ليبيع أرضي لليهود

 

سنحرر القدس الشريف ونقهر الخصم اللدود

سنحرر الأقصى الجريح نقيه من أيدي اليهود

قرآننا بيميننا، بشمالنا فك القيود

قسمًا سنثأر شيخنا، قسمًا بذي العرش المجيد

قسمًا سنثأر للدماء الزاكيات وللشهيد

قسمًا وربي شاهد والكائنات له شهود


إصدارات

الإيمان بالله

الحقيقة التي يلمسها كل قارئ للقرآن الكريم، أن الإيمان بالله يعني الإيمان بدين له رسالة وأنبياء ورسل لهم دعوة ومنهج للتغيير والتجديد، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور في ربط واضح بين الدنيا والآخرة، باتباع سنن الله تعالى الثابتة التي تربط الإيمان بالعمل والسلوك والجزاء. وإن القرآن يوجه الأفكار إلى مظاهر الروعة في ملك الله -عز وجل-، وإثبات هذا الخلق البديع لله تعالى، لا شريك له، وفي هذا المضمار يرد القرآن الكريم على الشانئين والجاحدين.

وحول الإيمان بالله في القرآن الكريم، ولدى السلف والمعتزلة المعاصرين يطرح المؤلف «جمال البنا» العديد من الأدلة أن السبب الكامن وراء كل صور الكفر والشرك التي تخل بالوضع الطبيعي السليم للكون والحياة والمجتمع، إنما تأتي من تغليب الأهواء على العقول، وطمس ملكات التدبر والتفكير.

ثم يعرض الكتاب للإيمان بالله، كما يقدمه السلف والمتكلمون والصوفية ملقيًا الضوء على أهم الكتب في هذا المجال مثل: العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، لأبي القاسم القشيري ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني الشافعي، صاحب الملل والنحل (479 - 548).

كما ناقش الكاتب- جمال البنا- آراء الجويني إمام الحرمين، وابن تيمية وأبي حامد الغزالي.

وإذا كان الكاتب قد شكر للمعتزلة والمتكلمين إرساءهم لمبدأ التحسين والتقبيح العقليين، وتنبيههم الناقد لبعض الموضوعات في الأحاديث والتفاسير، إلا أنه قد أشار إلى أنهم قد دخلوا بهذا العلم إلى معارك جدلية ومماحكات لفظية، وافتراضات شكلية، في تحقيق وجود الله، وهل هو في أي مكان أو كل مكان، وكيف يستوي على العرش، وكيف يسمع ويرى مما أدى بهم إلى كثير من الشطط؛ الأمر الذي جرهم إلى بناء الإيمان بالله على ركائز من الفلسفة اليونانية، والمنطق الأرسطي، مما أدى إلى بذلهم لجهود هائلة ومعضلات ذهنية شغلت العقل المسلم بذات الله، وأهملت رسالته في إحقاق الحق وإبطال الباطل، في إصلاح دنيا الناس في معاشهم ومعادهم.

وإذا كان المؤلف قد عاب على الصوفية كل ما يتعلق بالشطحات والحلول ووحدة الوجود، وكثيرًا من طقوسهم وشكلياتهم التلقينية، إلا أنه يذكر- للإنصاف- أنها ظهرت وسط جفاف الفقهاء، ومدرسية المتكلمين وأنها قد سدت فراغًا، وأرست تقاليد تربوية، وتوصلت بحكم الممارسة إلى معرفة جوانب من النفس ومعالجتها، وأن المجددين المعاصرين من أمثال محمد عبده، وحسن البنا، ومحمود خطاب السبكي، قد مروا جميعًا بتجارب صوفية أفادوا منها، في ظل الكتاب والسنة.

وقد عالج المؤلف بمهارة الاتجاه المتحرر من الطرق التقليدية فيما يخص علم الكلام، وذلك بالاقتراب من القرآن والسنة، والتقليل ما أمكن من النقاط الجدلية كرسالة التوحيد للإمام محمد عبده، ورسالتي «العقائد» و«الله في العقيدة الإسلامية» للإمام حسن البنا ثم الكتابات التي تنتهج هذا السبيل في الربط بين النهج القرآني في الإيمان بالله تعالى، وبين أطروحات العصر، وتساؤلات العلم الحديث.

يقع في 128 صفحة من القطع المتوسط وهو من منشورات دار الفكر الإسلامي بالقاهرة.

الكتاب: الإيمان بالله.

المؤلف: جمال البنا.

الناشر: دار الفكر الإسلامي 195 شارع الجيش 11371 هاتف: 936494


المشكاة

صدر العدد 19 من «المشكاة» المجلة الثقافية التي تعنى بالأدب الإسلامي متضمنة العديد من الدراسات والمواضيع والمشاركات الشعرية والقصصية، كما تضمنت المجلة ملفًا خاصًا عن: الخطاب القرآني حيث كتب عدد من المتخصصين في مواضيع مثل: إشكالية التأويل في القرآن الكريم وتوجيه المعنى في النظم القرآني وأثره في العقيدة، أما الموضوع الأكثر جدة في هذا الملف فهو البنية الحجاجية للخطاب القرآني، حيث يفرق الكاتب بين الحجاج وبين البرهان في عملية الاستدلال، فالبرهان يعتمد على مقدمات منطقية تؤدي إلى النتيجة بصورة حتمية، أما الحجاج فهو توظيف لمعلوماتنا بالسنن والنواميس الطبيعية تنتج عن رأي أو نظرية احتمالية تثبت أو لا تثبت فإن ثبتت أثبتنا بها رأيًا آخر أو نظرية ثانية ومن ثم ننتقل لإثبات نظرية ثالثة في متوالية جدلية تهدف في النهاية إلى وضع تصور يرضي العقل وترتاح له النفس.

هذا وقد حفل عدد المشكاة (19) بمواضيع أخرى منها: الحداثة وما فوق التجريد- عن التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني، وهذا الموضوع جدير بالقراءة المتأنية نظرًا لأهميته وحساسية موضوعه في وسط يتمشى مع إيحاءات الحقبة العبرية- ثم موضوع في النقد الإسلامي وما يتميز به من عمق وصدقية وموضوعية وواقعية تصعيدية تترفع عن الإسفاف والدمامة.

في الختام لا يستطيع قارئ «المشكاة» أن يعثر في حناياها على موضوع غير ذي أهمية، كما أننا لا نستطيع أن نعرض كل ما فيها من كنوز ثمينة، لذلك نترك للقراء الاستفادة والاستمتاع كل حسب ما يستطيع أو تتاح له الفرصة.

عنوان مجلة «المشكاة»:

ص.ب: 238- وجدة- المغرب


قصة قصيرة

ثأر الكرامة

بقلم: عبد الناصر محمد مغنم

على الطريق الممتد المتعرج في المنعطفات الحادة الكثيرة بين «البادان» ونابلس، وفي ساعة متأخرة من الليل كانت شاحنة النقل التي يقودها «سمير» تتهادى ببطء، وتسير بتثاقل تقاوم حدة المرتفعات الجبلية وتصاول لاجتياز الطريق الخطر على حافة الوادي السحيق الذي مات فيه العشرات نتيجة لحوادث سير مروعة أدت إلى سقوط سيارات كثيرة بركابها في المنحدرات نحو الأعماق. لم ينس سمير ذلك الحادث المفزع الذي وقع لجاره أبي أحمد سائق «القلاب» عندما فقد توازنه أثناء عودته إلى البيت من قرية «الفارعة»، وكان لابد من اجتياز الطريق الجبلي الوعر ليصل «مخيم عسكر القديم» حيث كان يقيم، وفجع أهله به عندما علموا بوفاته بعد سقوط سيارته في الوادي وكان المشهد مرعبًا عندما جيء به مقطع الأوصال في أكياس مبللة بالدماء.

لهج سمير بذكر الله وتعوذ من الشيطان عندما وصل المكان الذي تحطمت فيه سيارة أبي أحمد. كان الإعياء باديًا على جسمه المتهالك نتيجة لتلك الرحلة الشاقة إلى الأردن، داس على «البنزين» بقوة يستنهض عزيمة شاحنته، ليصل إلى البيت بسرعة. لقد اشتاق لأمه وأبيه وإخوته، تهلل وجهه بالسرور عندما أيقن أنه اجتاز طريق الوادي المخيف. فوجئ بحاجز عسكري عند بوابة المخيم أشار له الجنود بالتوقف والترجل من السيارة. أوقف سيارته وتمتم بكلمات غاضبة : سترك يا الله ترى ما الخبر؟

صرخ عليه أحد الجنود بلكنة عربية لا تخلو من اللحن :

  • انزل من السيارة.
  • لماذا؟
  • قلت لك انزل يا…
  • لا داعي للشتائم.. سأنزل.

وبمجرد نزوله من سيارته فوجئ بالجنود ينهالون عليه ضربًا.

  • ما الذي فعلته لتضربوني هكذا؟ أنا لم أفعل شيئًا.
  • اخرس يا…. كلكم مجرمون قتلة ... متطرفون..
  • لا أعلم عم تتحدثون كنت في الأردن ووصلت للتو.
  • ولكنك منهم أنت واحد من أبناء المخيم.
  • ماذا تعني.. أنا لا أفهم شيئًا.
  • هذا لا يهم.. اضربوه بشدة.
  • دعوني أرجوكم.. دعوني ناشدتكم بالله.
  • ماذا تقول.. هاهاها ...

وتتوالى الضربات المؤلمة على الجسد المتعب المتهالك ويسقط «سمير» مغشيًا عليه ويسرع الجنود بمغادرة المكان وتتعالى ضحكات العهر والنذالة ويشتد الظلام حلكة وتمسك النجوم بريقها وتلملم أشعتها وتتسلل خجلًا خلف السحاب الغاضب. ظل سمير فاقدًا لوعيه، حتى الصباح. فتح عينيه ونهض بتثاقل شعر بآلام حادة تتسرب إلى عظامه تأوه وأن أنين المكلوم، صرخ يطلب النجدة زحف نحو سيارته صعد إليها بصعوبة صب الماء على رأسه سار نحو بيته الذي أصبح قريبًا جدًا ببطء شديد. هرعت إليه أمه تستقبله، أسرع إليه أخواه، لم تكتمل فرحتهم بوصوله بعد تلك الرحلة الشاقة، أصابهم الوجوم عندما رأوه يسقط كجذع شجرة متآكل بدت على وجهه آثار الكدمات، بكت أمه كثيرًا وهي تضمد له الجراح. مكث أيامًا في الفراش لا يستطيع النهوض وذات ليلة أفاقت أمه على صراخه: مجرمون سفلة ماذا فعلت لكم؟ لماذا تضربوني؟ لماذا لماذا؟

  • ولدي «سمير» ولدي!

يستيقظ والعرق يتصبب من جبينه.

  • ماذا بك يا ولدي؟
  • ...آه.. من.. أمي!

يضع كفيه على وجهه ويلقي برأسه على الفراش.

  • كابوس مزعج.
  • لا تشغل بالك كثيرًا بما حدث يا بني.
  • لا عليك يا أمي هل أذن الفجر؟
  • لم يؤذن بعد يا بني.
  • ساعديني كي أتوضأ. أريد أن أصلي ركعتين.
  • حسنًا يا ولدي.

ويتعافى سمير بعد أيام ليعود إلى عمله ويتجهز لرحلة أخرى ينقل فيها فواكه وحمضيات الضفة الغربية إلى الأردن. تطل عليه أمه وهو يتهيأ للمغادرة:

  • انتبه جيدًا يا بني لا تتأخر كثيرًا ولا تأت إلينا ليلًا أرجوك يا ولدي.
  • لا عليك يا أمي لن أدعهم هذه المرة يفعلون بي مثل الذي فعلوه في المرة السابقة.
  • وماذا ستفعل لهم يا بني؟
  • سأتولى أمرهم.
  • لا تغامر بحياتك يا ولدي.
  • لن يحدث إلا الخير إن شاء الله اطمئني يا أمي، وكل ما أطلبه منك هو ألا تنسي الدعاء لي فدعاؤك سكن لقلبي.
  • في رعاية الله يا ولدي.

تنحدر الدموع سخية على وجنتيها لفراق ولدها الحبيب إلى قلبها، يودع أباه وأخويه ويكتم دمعة كادت تتسلل من بين جفنيه.

تحركت الشاحنة وسط أمطار الشتاء الغزيرة سارت الهويني نحو طريق الوادي خفف سمير السرعة أمام منعطف حاد اقترب من مكان الحادث الذي وقع له مع الجنود ذوي الوحشية القاسية، تخطى المنعطف تذكر تلك الحادثة ليفاجأ بحاجز عسكري في نفس المكان، أشار إليه أحد الجنود بالتوقف تمتم والغضب يملأ قلبه: اللعنة عليكم ماذا تريدون؟

اقترب من الحاجز ببطء شديد أضاء أنوار التوقف ومال بسيارته نحو الجانب الأيمن. تجمع اليهود أمام شاحنته ترامى لمخيلته مشهد الأوغاد الذين انهالوا عليه ضربًا بكل قسوة.. اقترب الجنود من الشاحنة تتابعت صور الوجوه الشوهاء، وهي تصرخ به وتضرب وجهه وجسده المتعب المتهالك، صرخ بأعلى صوته: مجرمون قتلة الله أكبر.

ويدوس على «البنزين» بشدة وتتحرك الشاحنة بسرعة ويدهش الجنود أمام هذا الغضب الجامح يتراجعون إلى الوراء بسرعة. تسرع الشاحنة الغاضبة، وكأنها وحش فاغر فاه تدوس القدم الثائرة على «البنزين» تقترب العجلات المتحفزة من الأجساد المتلفعة بالمعاطف الملوثة بدماء الأبرياء، تعلو الصرخات الخائفة، وتملأ الجو المشحون بالغضب، تتناثر أشلاء أربعة من الجنود وتسقط الجثث وتنزف الدماء غزيرة على الطين والوحل الأسود على جانبي الطريق. تنطلق رصاصات متتابعة تتوقف الشاحنة بعد اصطدامها بالحاجز العسكري يترجل منها سمير، واضعًا يده على رأسه يترنح والدماء تنزف بغزارة، يسقط على الأرض بدمه الزكي يلفظ أنفاسه وتصعد روحه إلى بارئها.

تشرق الشمس ساطعة بعد تلك الليلة المطيرة وترسل حبات الندى بريقًا رائعًا يضفي جوًا من الفرح والسرور، ويشهد المخيم احتفالًا رائعًا وموكبًا مهيبًا يزف فيه سمير في العلياء.. إلى الحور العين بإذن الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

179

الثلاثاء 16-يونيو-1970

خير أمـة أُخرجت للنـاس!

نشر في العدد 14

158

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مع القراء- العدد 14

نشر في العدد 63

162

الثلاثاء 08-يونيو-1971

العقيدة.. أولًا