; قراءة في ديوان البوسنة والهرسك.. | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في ديوان البوسنة والهرسك..

الكاتب يحيى بشير حاج يحيى

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

مشاهدات 84

نشر في العدد 1122

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

يحمل هذا الديوان الرقم السادس في سلسلة إصدارات الرابطة وقد ضم ثلاثًا وأربعين قصيدة بلغت فيه القصائد الخليلية اثنتين وثلاثين، وقصائد التفعيلة إحدى عشرة قصيدة، وبلغ عدد المشاركين فيه ثلاثين من شعراء الرابطة. والملاحظة الأولى أن لفظة الاعتذار، وعناوين الاعتذار قد غلبت على غيرها، من ذلك عفوًا سراييفو - عذرًا سراييفو - العذر منك سراييفو، اعتذارية إلى أهل البوسنة والهرسك. وأمام هذا الاعتذار الذي سببه عدم تقديم شيء يذكر، فلا بد من الدعوة إلى الصبر والمصابرة، فجاءت عناوين عدد من القصائد تحمل هذا المعنى: صبرًا سراييفو - سراييفو شوكة في حلق التنين - لا تنطفئ شمسك يا سراييفو - نشيد أطفال سراييفو - لعل هذا الصبر يجيء بالفرج، ومع ذلك فإن شعراء هذا الديوان يخشون أن يطول هذا الصبر وهذه المعاناة، فيستصرخون الأمة لنجدة إخوانهم في البوسنة، ويحذرون أن تصبح أندلسًا جديدة فجاء عدد من القصائد يحمل هذه العناوين: وامعتصماه - أندلس أخرى – واإسلاماه - سراييفو تقول لكم، وهي حال تستحق المناشدة والاستغاثة، وقد عاث مجرمو الصرب في دماء المسلمين وأعراضهم فحملت قصائد أخرى عناوين: مأساة البوسنة والهرسك - دماء المسلمين - صور من المأساة - مأساة أمة - عندما يئن العفاف.

ولهذا الديوان محطات كثيرة، وتلك محطة طال الوقوف بها حتى مل الواقفون الوقوف ألا وهي محطة عجز المسلمين في هذا العصر وتقاعسهم!!! وهو عجز يصوره الشاعر محمد وليد في قصيدته «لؤلؤة الثغور» إذ يقول:

سراييفُ، مأساتنا في الزمان الفجيع

تموتين ذبحًا

وقومك عند الملايين مثل القطيع

نعيش على هامش العصر

خلف الجموع

وأما الشاعر مصطفى أبو الرز فيعلن رفضه لهذا العجز في قصيدة بعنوان «ارجعوا» وهي على لسان امرأة مسلمة:

صرخت في وجهنا باحثة                                أيها القوم أفيكم مسلم؟!

أين أنتم؟ ما دهاكم؟                                     أفصحوا هل يرى بينكم معتصم؟

 نمتم -يا قوم- عن أعراضكم                      لا يصون العرض قوم نُوَّمُ

أما الدكتور عدنان النحوي فيقول في قصيدة سراييفو:

وطفل يكاد الهول يطلق صوته                   أغيثوا بني الإسلام عرضي ومحرمي

تلفت كي يلقى أباه مضرجًا                           تهاوى على سيل الرصاص المدمدم

تدفق مسك من عروق وأضلع                    وظِلّ حنان من عيون ومن فم

وكم كاعب ردت على الطهر خدرها            تناش بوحش مجرم الطبع مُدْعَمِ

تلفت للآفاق على حماتها                              يطلون من أفق هنالك مظلم

وأما المحطة الأكثر إيلامًا، فيستوقفنا فيها على استحياء ممزوج بالمرارة الشاعر عبد الرحمن صالح العشماوي، وهو يصور في قصيدته «عندما يئن العفاف» المرأة المسلمة المسبية، وكأننا أمام صورة من صور مآسي الأندلس، والعلوج هم العلوج وليس كثيرًا أن تطرق خجلًا، وننكس رؤوسنا حياءً، أو فلنصم آذاننا ألسنا نسمع صرخات المرأة المسلمة واإسلاماه، فلا نستجيب؟!!

ويجرني وغد إلى سردابه                                قسرًا، وتظلم حولي الآفاق

ويئن في صدري العفاف ويشتكي                 طهري، وتغمض جفنها الأخلاق

أنا لا أريد طعامكم وشرابكم                       فَدَمي هنا يا مسلمون يُراقُ

عرضي يدنس أين شيمتكم؟                       أما فيكم أَبِيٌّ قلبه خفاق

وأما هدم المساجد والمدن فتنقله صور مرعبة رهيبة ويندرج تحت ما يسمى التطهير العرقي «الإفناء للمخالفين في الدين» وهي صور تلطخ وجه حضارة الغرب ومجلس أمنه، يقول الشاعر عبدالرحيم عبدالكريم العبيد في قصيدة مأساة البوسنة والهرسك:

ومساجد تشكو مظالم أمة                          فجعت بها الصلوات والأذكار

في كل يوم ذلة                                                  يسقى بها قومي، وجرح نازف وصغار

يا مجلس الأمن الذي أشبعتنا                    خطبًا فصاحًا كلها استنكار

أوما ترى ذبح الشعوب كأنه                         ذبح الشياه يسوقها جزار

ويعرض عبدالرحمن بارود الصورة من زاوية تجمع بين هتك المحصنات وهدم المدن ودكها على رؤوس الآمنين فيقول في قصيدة «سراييفو الشهيدة»:

ومئات القرى حطام                                       وأما عن بيوت الرحمن فهي انسحاق

وعلى المحصنات تبكي البواكي                     يا لعرض الإسلام كيف يراق؟

وأما الشاعر أحمد محمد صديق فيحمل هذه الحضارة بخلفيتها المادية ووجهها الصليبي وزر ما يجري فيقول في قصيدته لِدماء المسلمين:

لقد رفعوا الصليب لهم شعارًا                    والعدوان قد جعلوه سترًا

وهل هي ذي الحضارة أم تراها                    بغيًا تعرض الشهوات عهرًا!

وترتكب الجرائم لا تبالي                                ولو حصدت بها شوكًا وخسرًا

وفي محطة استغلال المأساة للتنصير يدعونا الشاعر خالد سعود الحليبي إلى محطة القطار التي أقلت أطفال البوسنة والهرسك المسلمين إلى أوروبا لتوزعهم الكنائس والملاجئ أو تتبناهم بعض الأسر غير المسلمة؟!! فيقول في قصيدته «أطفالنا في ضيافة الذئاب:

قف يا قطار فإنني                                          منذ انطلقت بهم كئيب

دعني أحدق في صحا                                      ئف لم تلطخها ذنوب

ويمضي قطار التنصير، والأمة لاهية، غافلة مقصرة عاجزة!! وكانت أولى باحتضانهم وفيها ما فيها من الإمكانات المهدورة، والطاقات المعطلة. قد تكل الأقلام، وتنوء الصحف لأن المأساة أكبر من أن يحيط بها ديوان أو دواوين! ومع ذلك فإن علينا أن نصرخ -كما قيل- وليس علينا أن يطلع الفجر. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

165

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

518

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال