; المجتمع الثقافي (1113) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1113)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1994

مشاهدات 62

نشر في العدد 1113

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 23-أغسطس-1994

ومضة:

كنت أقرأ الحديث الشريف "لتقاتلن اليهود" وكنت ألمح بداية تحققه في تجمع اليهود من كل أنحاء الدنيا في فلسطين، لكن أمرًا ظل يشغل بالي، وهو كيف يتميز الصف المؤمن الذي يستحق الشطر الأهم من هذا الحديث وهو مقاتلة اليهود، في وقت كانت فيه المتاجرة بالقضية الفلسطينية سوقًا رائجة والمزايدة على حسابها سبيلًا للربح الوفير وطريقًا للمكاسب الشخصية والحزبية، خاصة أصحاب التوجه الغربي الذين كانت فلسطين أم القضايا في طروحاتهم وشعاراتهم، ومعركتها هي أم المعارك بالنسبة لهم؟ أما اليوم وقد تهاوت الشعارات والدعاوى العريضة، وتهافتت الأنظمة والمنظمات على الصلح مع اليهود والبكاء أمام حائطهم والاستسلام لإراداتهم ومشاريعهم، وأجمع القوم على الرضوخ لتعليمات العم سام وإشاراته الضمنية والصريحة.

واتفقوا -ولم يسبق لهم أن اتفقوا على شيء كاتفاقهم- على مصانعة اليهود والاعتذار عما سلف منهم، والارتماء المهين في أحضانهم، وإظهار كل آيات الود واللين، وهم الأفاعي السامة التي طالما لدغت الأهل والعشيرة، والكابوس المقيت الذي آن له أن ينزل من على صدور الشعوب المقهورة. وشارك في هذا الإثم كل أركان الضلال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بأفعالهم المشينة أو بموافقتهم على مبدأ الرضا من الغنيمة بالإياب، ولم يبق في الساحة إلا الإسلاميون يعارضون البيع ويرفضون الاشتراك في الصفقة، ويواجهون بصدورهم مخططات العدو الماكر، وهوان الصديق الغادر.

لقد تمايزت الصفوف ووضحت الصورة، وزال اللبس الذي كان، وغدا من قدرهم أن يستعدوا للمواجهة الفاصلة، وهي آتية لا ريب فيها كما ذكر الحديث. وإلى أن يحين الموعد المحتوم، تتعين مهمة الأديب المسلم في امتشاق القلم لتأكيد الثبات على الحق والإصرار على متابعة الطريق والثقة بنصر الله، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.

أوراق من ثقافتنا الحديثة: أولوية الثقافة: بقلم: الطيب بو عزة (*)

إن علاج أزمة المجتمعات الإسلامية الراهنة لا بد أن يضع علاج الأزمة الثقافية في موقع الأولويات، فالمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لا تعالج فقط بتبديل الأنظمة والقوانين وصيغ العلاقات السائدة فقط، إن تغيير هذه الأنظمة المجتمعية وتبديل قوانينها مطلوب ولا شك، لكن الاقتصار عليه واختزال مشروع التغيير في مساحته لن ينقذ هذه المجتمعات من أزمتها وتخلفها، فقد حصلت في مجتمعاتنا تغييرات متعددة في الأنظمة والقوانين، ورغم ذلك ظل التخلف والأزمات والمظاهر المرتبطة به معلقًا مؤجلًا في انتظار المعالجة الفعلية.

إن التغيير الذي يحتاجه العالم الإسلامي هو تغيير الإنسان بتغيير ثقافته، فلكي نغير نظام علاقة اقتصادية يجب التفكير -ابتداء- في تغيير الإنسان الذي يمارسها. وهذا يصدق كذلك على غير العلاقات الاقتصادية من علاقات وتنظيمات بنية الحياة المجتمعية، فتغيير الإنسان أولًا قبل تغيير العلاقات والأنظمة، وهذا يتماثل مع قاعدة التغيير القرآنية: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (الرعد: 11). ويتماثل أيضًا التغيير الإسلامي الأول الذي قاده الرسول بتوجيه قرآني، إذ بدأ هذا التغيير مع تبديل عقيدة المجتمع ومسلماته الثقافية، وحينما تحقق هذا التغيير الذي استغرق من التنزيل القرآني 13 عامًا (الفترة المكية) لم يستغرق تغيير العلاقات المجتمعية إلا 10 سنين (الفترة المدنية)، وذلك لأن الخلفية الثقافية والعقدية للمجتمع الجديد كانت قد تعمقت في نفوس الناس وعقلياتهم.

والواقع أن كل التغييرات التاريخية الكبرى لا بد أن تسبقها تغييرات في الرؤية الفكرية والثقافية، فالثورة الفرنسية -مثلًا- كانت هدمًا للنظام المجتمعي الإقطاعي، وتأسيسًا لمجتمع أحدث تحولًا تاريخيًّا في العالم الغربي، ولكن لم يحصل ذلك بدون مقدمات، بل سبق هذا التغيير السياسي تغيير للمسلمات الثقافية الكنسية قاده فلاسفة وعلماء أبرزوا سخافة الفكر الكنسي فزعزعوا ثقة المجتمع به، وأبرزوا قيمة الإنسان وحريته في الاعتقاد والتعبير والسلوك، فهدموا الثقافة السياسية السائدة، التي كانت تسلب قيمة الفرد الإنساني وحريته، تلك الثقافة التي كانت تسند النظام السياسي الاستبدادي، أي بعبارة مختزلة: كانت عملية التغيير السياسي لنظام المجتمع الفرنسي مسبوقة بتغيير ثقافي لنظام تفكيره واعتقاده.

وهذا التسلسل جد منطقي وواقعي أيضًا؛ إذ لم يكن بالإمكان حصول تلك الثورة الكبرى دون وجود خلفية فكرية جديدة تبين خطة السير، وتوضح شكل المجتمع البديل الذي يجب أن يتجسم في الواقع.

إن البشر لا يغيرون واقعهم الاجتماعي بدون أن يكونوا -ابتداء- معتقدين ذهنيًّا بنموذج مجتمعي بديل، وإنه لا يمكن لنظام مجتمعي أن يتجسد ويكون واقعًا ملموسًا بدون أن يكون أولًا حلمًا "يوتوبيا" في عقلية ووجدان المجتمع، وكل هذا راجع إلى أهمية البعد الثقافي وعمق وظيفته في حياة الإنسان.

ومن بين أهم أسباب تعقُّد واستعصاء مشكلاتنا المجتمعية عن الحل إهمال المكون الثقافي، ويتجلى ذلك واضحًا في طبيعة القرارات السياسية التي أنجزت في واقع الأمة، والتي عادة ما انشغلت بتبديل الظاهرة المادية للمجتمع، وتراكم المنجزات التقنية الغربية، وأهملت البناء النفسي للإنسان، وتأصيل وعيه وشخصيته الثقافية، وحفظها من مسارات التبعية والاستلاب.

واليوم ونحن على مشارف نهاية القرن 20، لا بد من مراجعة نقدية إسلامية لمشاريعنا الفكرية والثقافية؛ لأنه لا بد لنا من حسم مشكلة الثقافة كي نمهد لحل فعلي لمشكلة المجتمع. ومن جهة ثانية لأننا على ما يبدو نراوح نفس الموقع الحضاري، ونفكر في نفس الأسئلة التي واجهت مفكري اليقظة العربية الإسلامية التي شهدها واقعنا منذ بداية القرن 13 هـ (منتصف 19 م)، ما زالت نفس الأسئلة الإشكالية التي تنتصب أمامنا ثابتة مستفزة تدور حول هاجس حضاري عام مفاده: لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب؟ هاجس حضاري ولَّد مختلف الاتجاهات الثقافية وضبط تفكيرها، ولذا فإن مراجعة أوراق ثقافتنا الحديثة ليُعد ضرورة في زمن كهذا تتالت فيه الضربات على الأمة الإسلامية، وازدادت فيه مشكلاتها المصيرية تعقدًا واستعصاء، لكن ليس الهدف من هذه الزاوية تسطير تاريخ لثقافتنا الحديثة والراهنة، فهذه زاوية صحفية، ومن ثم فهي بطبيعتها لا تتناغم مع مثل هذا القصد، وإنما سنستحضر أوراقنا الثقافية من انشغالاتنا الراهنة ونصفها مع قراءة نقدية تميز الإيجاب من السلب، وتستمد المعالجات المعرفية المبلورة سابقًا لاختبارها ونقدها والإفادة منها.

(*) أستاذ الفكر الإسلامي والفلسفة- المغرب.

.

 

الرابط المختصر :