; المجتمع الثقافي: 1664.. | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: 1664..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2005

مشاهدات 51

نشر في العدد 1664

نشر في الصفحة 50

السبت 13-أغسطس-2005

 قصة قصيرة من واقع الأسرى الفلسطينيين يحكون في بلادنا

صرخ ممثل غرفة رقم ٢ في قسمنا في سجن بئر السبع في السجان حسكل: 

- حسكل: بوينا مهر قالها بالعبرية (تعال أسرع)..

- ما أتا روتسيه ما كرى أرد عليهم (ماذا تريدون.. ما الذي حصل)؟

عندنا مريض في حالة سيئة على وشك الموت اطلب الممرض لنقله للمستشفى بسرعة وعد السجان الروسي الأصل بالاتصال بالإدارة.. فذهب لغرفته وبعد فترة عاد قائلًا إن الإدارة سترسل من ينقله من القسم. 

كان قسم الأسرى الفلسطينيين في سجن بئر السبع الإسرائيلي في تلك الفترة (۱۹۸۳م) يتكون من ثلاثة أقسام وكان القسم الذي نحن فيه يختلف عن كل الأقسام لأنه قسم قديم يتكون من أربع غرف كبيرة جدًا أشبه بغرف المحاضرات تحتوي كل منها على ستة وثلاثين سريرًا زوجيًا وتتسع لاثنين وسبعين أسيرًا... قسم منهم مضى على وجوده في الأسر أكثر من عشر سنوات مثل إبراهيم شيخة وأبو الغاز وخالد الزبدة وعلي جدة وغيرهم.

وكان كل قسم له أسير يمثل المعتقلين في الاتصال بالإدارة ولا يسمح لأحد بالتحدث مع السجان سواء كما يوجد لكل غرفة ممثل رسمي في الحالات الطارئة في الليل.. مثلًا لو أصيب أسير بمرض احتاج لعلاج وفوق كل ذلك يوجد ممثلان رسميًا للأسرى في السجن كله يمثلان المعتقلين في السجن أمام إدارة السجن العرض مطالب المعتقلين الحياتية. 

وقع علينا خبر مرض إسحاق مراغة وقع الصاعقة.. فقد كان مناضلًا محبوبًا من المعتقلين، تنقل في سجون كثيرة منها الرملة وسجن النفحة الصحراوي الذي كان أحد من شاركوا فيه وكان في إحدى لجانه القيادية بعد نقل محمد حسان ويعقوب دواني. 

أبو جمال، كان يعاني من أمراض كثيرة خلفتها الإضرابات الطويلة عن الطعام وخصوصًا إضراب سجن نفحة الصحراوي ومحاولة إدارة السجون بقيادة وزير الداخلية آنذاك يوسف بورغ فك الإضراب بالقوة وقمع المعتقلين.. حينها أصيب أبو جمال بعد أن حاولوا كسر إضرابه وسكب الحليب في فمه بالبربيع المطاطي وسحبه منه لينزل الحليب في رئتيه.. وفورًا أدخل غرفة العناية المركزة في السجن حيث كاد يفارق الحياة لولا أن طبيب السجن الجنرال الصهيوني أقسم له أنه لن يتركه يموت ليس لأنه يريد إنقاذ حياته، ولكن حسب ما قال له بالحرف الواحد لن أتركهم يجعلوا منك بطلًا قوميًا. 

لم يمت إسحاق مراغة في إضراب نفحة الشهير عام ١٩٨٠ لكن استشهد بدلًا منه علي الجعفري وراسم حلاوة رحمهما الله. 

كنت حينها خارج القضبان أسير مع المتظاهرين في شوارع القدس تضامنًا مع أسرانا المضربين في سجن نفحة، وبدل أن نغني أغنيتنا الشعبية المعروفة: 

من سجن عكا وطلعت جنازة *** محمد جمجوم وفؤاد حجازي

صرنا نردد:

من سجن نفحة وطلعت جنازة *** علي الجعفري وراسم حلاوة

لم يختلف شيء سوى السجن والسجان وأسماء الشهداء لكن الوطن واحد والشعب المكلوم واحد فشهداء اليوم هم أحفاد جمجوم و حجازي والزير ومن يدري من سيستشهد غدا؟

لم أكن أعرف أن إسحاق مراغة سيمرض بعد عدة سنوات وأنا معه في نفس الأسر، لكن في غرفة أخرى لم نستسلم لإدارة السجن تحركنا جميعًا وهددنا السجان أننا ستبدأ باتخاذ خطوات تصعيدية إذا لم ينقل أبو جمال مراغة فورًا للمستشفى، وكانت إدارة السجن تعرف أن تهديدات الأسرى تنفذ فتحركت بدقائق ونقلته من القسم. 

كان إسحاق في وضع صعب جدًا.. ودع سكان غرفته وشد على أيديهم كأنه يودعهم الوداع الأخير.

نقلوه وحده مع أن المريض أحوج ما يكون لمن يقف معه في تلك الظروف الصعبة، فكيف عندما يكون بين يدي أعدائه وتحت رحمة ممرضين جنود وضباط ومخابرات يهمهم قتلك وعلى الأقل قتل روحك المعنوية وكسر صلابتك وإيمانك بالثورة والوطن والشعب عندمايحاولون زرع الأكاذيب في نفوس المرضى وتحريضهم على شعبهم وأهلهم! 

نقلته إدارة السجن من القسم لتمتص غضب الأسرى لكنها تركته في عيادة السجن ولم تنقله فورًا لمستشفى سوروكا في بئر السبع القريب من المستشفى والذي عادة ما يرسل المرضى في الحالات الطارئة في السجن إليه. 

لم تكترث إدارة السجن لوضعه الصحي ولم تتابع الموضوع، وكانت تريد بذلك إذلال واحد من الأسرى الأشداء الذين كان موقفهم صلبًا في إضراب سجن نفحة الصحراوي الذي كشف للعالم وجه إسرائيل البشع، وقرارات الوزير الصهيوني يوسف بورغ من حزب المقدال الديني الذي أشرف بنفسه على ضرب الأسرى بالهراوات والغاز لكسر إضرابهم الشهير.

فقد نقلوا قسمًا من الأسرى في سجن نفحة الصحراوي بعد الإعلان عن الإضراب بحوالي الأسبوعين إلى سجن الرملة الجديد. وكان في استقبالهم هناك الدكتور يوسف بورغ وزير الداخلية الإسرائيلي وقوة ضخمة من السجانين معظمهم من أصل روسي.. وهناك كانوا يعرضون على كل أسير على حدة أن يفك إضرابه وعندما يرفض كانوا يضربونه بالهراوات على كل أنحاء جسمه ثم يسقونه الحليب الخاص بالمضربين بالقوة، ليس هذا فحسب.. بل كان السجانون  بأمر من الوزير نفسه الذي كان يتفرج. يدخلون البربيع المخصص لشرب الحليب في مؤخرته ثم يدخلونه بعد ذلك في فمه حتى يصل المعدة ثم يضغطون عليه الجرح معدته بعد ذلك يصبون الحليب.

كان أبو جمال في غرفة العيادة التي تركوه فيها وهو بين الحياة والموت يدرك تمام الإدراك ما يهدفون إليه وكان يصرح بهم بقدر ما يستطيع أن ينقلوه للمستشفى لأنه غير قادرعلى الحركة أو التنفس، كانوا يضحكون عليه قائلين: نحن ننتظر سيارة الإسعاف. 

جلس وحيدًا في العيادة، لا أحد معه الوحدة قاتلة في الأسر، فكيف لو كانت الوحدة مع المرض وبين أيدي سفاحين قتلة، يتمنون موتك كل لحظة؟؟

كان أبو جمال نائمًا على السرير غير قادر على الحركة، لم يعد يقدر أن يصرخ أو يناديهذه المرض، يتطلع لسقف الغرفة بعد ما بها من لمبات، ومن كراس.. يعود بذكرياته الأيام سجن نفحة وسجن الرملة.. تذكر يعقوب دواني وعمر القاسم وعوني الوعري ومحمود العبيدي، سليم، عطا محمد..

عشر سنوات مرت على أسرنا، فهل سنقضي بقية الحكم أم سنفاجأ بالثورة تحررنا من الأسر؟؟ 

كان أبو جمال يعلم أن هناك مفاوضات تبادل أسرى وكان يعرف أن اسمه سيكون واحدًا منهم!! من يومها وهو يحلم بالحرية يتذكر أم جمال مراغة....

عشر سنوات ما زالت تنتظر، لا بل لم تترك زيارة إلا وتزورني فيها، قاست من أجليالكثير، ضحت لي وللوطن، تحملت كل أعباء الأولاد، كانت لهم الأب والأم. 

عندما كانت تزورني كانت تشعرني بالحنان والدفء كانت تشحن بي الأمل والعزيمة.

تحملت الكثير، فقد آن الأوان أن أرى البسمة على شفتيها...

يا الله.. كم اشتاق أن أضمها لصدري عشر سنوات لم أرها إلا من وراء القضبان من وراء الحديد لم أستطع أن ألمس سوى أصبعها آه يا أم جمال يا حبيبتي يا أروع نساء العالم، كم أنا بحاجة إليك الآن بحاجة أن تكوني بجانبي، معي، فأنا من عينيك وعيون أولادنا استمد شجاعتي، كيف حال الأولاد؟؟

المرض يزداد آه يا رب.. رحماك فهل حانت ساعة الوداع، أصحيح أنني لن أرى جمالًا بعد اليوم؟؟

يارب إن كانت قد حانت ساعة منيتي فاسمح لي بزيارة واحدة أودع فيها أم جمال والأولاد، وإن من قبل ذلك فأنا أستودعك إياهم.

كنا في القسم وفي السجن نغلي.. فقد وصل الخير كل الأقسام كنا نسأل كل ساعة عن أبو جمال، والإدارة تقول إنه في المستشفى، لم تصدق فبدأنا بأول إجراء نضالي حيث أعدنا وجبة الغداء.

مساء اليوم تقريبًا جاءنا للقسم أبو مهادي ممثل القسم من الأسرى، حيث بلغ مسؤولي الغرف أن الإدارة أعلنت استشهاد الأسير إسحاق مراغة.

مات أبو جمال مراغة ابن القدس الوفي مات شهيد نفحة مع وقف التنفيذ (هكذا كنا نسميه لأنه كان على وشك أن يموت)... 

مات البطل...

مات الرفيق، الأخ الصديق، الأب، الزوج... 

مات فبكى الأسرى في كل السجن بكيت معهم، لم أتخيل أن الأسير الذي قدمت لزوجته عام ۱۹۷۸ هدية رمزية في نادي الموظفين في القدس تقديرًا لجهودها وتعبيرًمنا عن تضامننا مع أهالي الأسرى سوف التقيه بعد سنوات في السجن وسوف أبكي هناك على استشهاده!!

يا لهذا القدر! بدلًا من اللقاء في ربوع القدس التقينا في ربوع سجن بئر السبع كان الله في عونك يا أم جمال.

 كان الله في عونك يا جمال...

حزن الجميع.. توقفنا عن ممارسة الرياضة أغلقنا الراديو الذي لم تسمع منه سوى أغنية أم كلثوم فقد كنا حينها لا تمتلك أجهزة راديو ولا تلفزيون كما هو الحال هذه الأيام، وكل ما تسمعه هو إذاعة صوت إسرائيل، الذي تبته الإدارة علينا باللغة العربية عدة ساعات باليوم ولم يذع سوى السموم وصوت أم كلثوم الساعة السادسة والنصف كل مساء، لكن هذه المرة أغلقناه وخيم الصمت على كل الغرف.

بدأت الاجتماعات بين مسؤولي الغرف قبل أن يخيم الليل وتم التنسيق على إقامة احتفالات لتأبين الفقيد. 

في السابع عشر من تشرين الثاني – نوفمبر عام ١٩٨٣ أقمنا في غرفتنا رقم واحد حفل تأبين ونعي حيث القى عدد من الأسرى كلمات في مناقب الفقيد وخصوصًا رفاقه الذي عاشروه منذ أول يوم دخل السجن، محمود العبيدي عوني الوعري وألقى ممثلو الفصائل الوطنية كلمات تشيد بالمناضل الأسير رمز النضال الوطني، تأثرنا جميعًا، كل الكلمات حملت الإدارة مسؤولية قتله كما قتلوا غيره من قبل وفيما بعد، أهملوا علاجه وتركوه يموت في صمت مات شهيد نفحة مع وقف التنفيذ وكان استشهاده وصمة عار في جبين إدارةالسجون الإسرائيلية.

في ختام الحفل في غرفتنا وقفنا جميعًا لتردد بصوت واحد قصيدة شاعر فلسطيني اظنه محمود درويش بصوت حزين هادئ: 

يحكون في بلادنا *** يحكون في شجن

عن رفيق لي مضى *** وعاد في كفن

يحكون عن اسمه *** لا تذكروا اسمه

ثم أكملنا بصوت عال:       

خلوه في قلوبنا *** حلوه جرحًا راعفا

لا يعرف المحن *** لا يعرف المحن

سحقا لمن مس الكتاب بخسة

شعر: رافع علي أحمد الشهري

تبًا لكل منافق غدار 

تبًا لأهل البغي والفجار

سحقًا لأصحاب الرذيلة والخنا 

سحقًا لكل معاند كفار

سحقًا لمن من الكتاب بخسة 

لينال من قول العزيز الباري

صهيون ما فتئت تبث سمومها 

لتذيق أمتنا مزيد العار

ولتنكا الجرح الذي لم يندمل 

ولتمزج الآلام بالأكدار

أذكت لهيب العين في أعماقنا 

أذكت مواجع أمة المليار

أكبادنا قد قطرت من قهرها 

وقلوبنا صقلت بلفح النار

صرنا يتامى في معاقل تؤمها 

نشكو بكل تودد وصغار

الذل بات يلفنا بردانة 

والقهر خيم فوق سطح الدار

يا أمة الإسلام كم قد راعنا؟ 

نهب الديار وغربة الأمصار

كم راعنا غزو العدو لأرضنا؟ 

كم ضاع للإسلام من القطارة

كم دنس الأقصى ودنس غيره؟ 

كم شرد الأعداء من أحرار

الله أكبر كيف صرنا عالة 

من بعد عز شامخ ووقار

صرنا نلن وتشتكي في حسرة 

بين الأنام نعيش عيش أسار

قرآننا قد دنسته يد ولم 

تقطع بسيف صارم بتار

صهيون داسته بأنتن أرجل 

ورمت به في سلة الأقذار

ما دنسته حين كنا أمة 

تدعو إلى الإسلام في إصرار

ما دنسته حين كنا قوة 

بالحق في وجه العدو الضاري

بل بعد أن سقط الشموخ وأصبحت 

آمالنا في ذلة وعقار

والله ما ضر الكتاب صنيعها 

بل ضرامة أحمد المختار

لو شاء رب العرش صان كتابه 

من أشرس الأنذال والأشرار

لو شاء كان الناس صفًا واحدًا 

في ملة الأبرار والأخيار

لو شاء أخلى الأرض من أعدائه 

من كل باغ کافر ديار

لكن رب العرش يحكم بيننا 

والعدل عدل الواحد القهار

الرابط المختصر :