; المجتمع الثقافي (1820) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1820)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008

مشاهدات 63

نشر في العدد 1820

نشر في الصفحة 34

السبت 20-سبتمبر-2008

كان إعجاز القرآن الكريم انقلابًا بكل المعايير في حياة العرب العقدية والفكرية والثقافية والعلمية، ذلك أنه قدم لهم نموذجًا فريدًا في التعبير والصياغة والمضمون من واقع لغتهم التي يستخدمونها في أشعارهم وخطبهم ورسائلهم وأحاديثهم، ومع ذلك فهو مختلف ومغاير وممتنع وقد دفعهم ذلك إلى دراسة اللغة والأدب والبحث في القرآن الكريم تفسيرًا وفهمًا وبحثًا عن ظواهره اللغوية والأدبية والفكرية واحتشدوا لذلك احتشادًا، وكانت اللغة في البداية هي المحور الذي قامت عليه علومهم لضبط قراءة القرآن الكريم وتفسيره، واستخراج ما فيه من دلالات ومعطيات وكانت دراسة الشعر والخطابة والأمثال وكل ما يتعلق باللغة العربية قبل الإسلام وبعده، وسيلة من وسائل الاقتراب من القرآن الكريم، والوعي بجوانب إعجازه وبلاغته وتفرده التعبيري، وكانت هذه نقطة ارتكاز لبناء نسق علمي يتشعب ويتفرع في كل المجالات؛ ليبني صرحًا عاليًا ورفيعًا من العلوم الإنسانية والتجريبية وصل أقصى مداه مع قوة الدولة الإسلامية في العصر العباسي، محققًا ثروة ضخمة وعظيمة من الإنجازات والمؤلفات تناولها باحثون عرب وأجانب، في موسوعات وكتب ممتدة تشهد بتأثير القرآن الكريم في اللغة العربية وتحويلها إلى لغة علم وبحث على مستوى العالم كله، وليس على مستوى العرب وحدهم.

بواكير

وقد كانت دراسات القرآن العامل الأكبر في العناية بتدوين اللغة، وجمع الشعر، ورواية الفصيح، وبحث طرائق اللغة في التعبير، وأساليبها في البيان ويمكن أن نرصد أهم هذه الدراسات التي ظهرت مع نهاية القرن الثاني الهجري

(۱) کتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة «ت ۲۰۹ هـ»، وهو أحد أعلام الرواية الأدبية.

(۲) كتاب «معاني القرآن» للفراء «ت ٢٠٧هـ»، وهو أحد أعلام النحو.

(۳) کتاب «مشكل القرآن» لابن قتيبة «ت ٢٧٦هـ» وهو أحد أعلام الأدب والبيان.

الكتاب الأول

ويعد كتاب أبي عبيدة «مجاز القرآن» محاولة في تفسير القرآن الكريم، وبيان نهجه ومجازه في التعبير، ووجوه نظمه التي يوجد مثلها في كلام العرب من إضمار الكلمة، أو الاستغناء عن تتمة الجملة أحيانًا، أو إرجاع اللفظ لواحد من اثنين مشتركين، أو زيادة حرف، أو تقديم أو تأخير، والاستشهاد لكثير من ذلك بأمثلة من كلام العرب.

الكتاب الثاني

وكانت غايته التوسع في التخريج النحوي وبيان القراءات، وأوجه التفسير، إلى جانب عنايته بالشرح اللغوي والتنبيه إلى ظواهر الاستعمال والاستشهاد بالشعر.

الكتاب الثالث

وقد وجه عنايته إلى بيان أسلوب القرآن، وجريه على مجازات العرب في كلامها من استعارة، وتمثيل وقلب، وتقديم وتأخير، وحذف وتكرار، وإخفاء وإظهار، وتعريض وإفصاح، وكناية، وقصد العموم بلفظ الخصوص، والخصوص بلفظ العموم، وما إلى ذلك من ظواهر.

يقول ابن قتيبة: «وإنما يعرف فضل القرآن الكريم من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة واتساع المجال ما أوتيته العرب، خصيصى من الله لما أرهصه في الرسول ﷺ وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب، فجعل علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور به في زمانه المنبعث فيه». (1).

دراسات بيانية

وسوف نلاحظ أن كتب الدراسات القرآنية هي في الصميم -كما يقول محمد خلف الله أحمد- كُتب نقد بمفهومها المعاصر، تحاول فهم النص القرآني، وتعرف ظواهر الاستعمال اللغوي والتركيبي فيه، والإشارة إلى ما فيه من وجوه المجاز. 

فقد اهتمت كتب «الطبقات ونحوها» مثلًا بترتيب طبقات الشعراء وبيان خصائصهم وبيئاتهم، وظاهرة البيان، والخطابة ومظاهر الحسن والقبح، وظهر تياران نقديان كبيران ولكنهما متداخلان (۲). ويمكن أن نرصد أهم الكتب النقدية والبلاغية في هذا السياق التي ظهرت بالتتابع، وأكمل بعضها اللاحق، جهود بعضها السابق على سبيل المثال: 

(۱) كتاب «الصناعتين» لأبي هلال العسكري «ت ٣٩٥هـ»، ويرى في مقدمته أن دراسة البلاغة ومعرفة الفصاحة أحق العلوم بالتعلم بعد معرفة الله جل ثناؤه، الذي يعرف به إعجاز الله تعالى. 

(۲) كتاب «سر الفصاحة» لابن سنان الخفاجي «ت ٤٦٦ هـ»، يؤكد فيه أن الفصاحة تفيد في ناحيتين: الأولى في العلوم الأدبية، والأخرى في العلوم الشرعية لمعرفة الإعجاز. 

(۳) «دلائل الإعجاز»، ومعه «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني «ت ٤٧١هـ»، وفيهما يطرح فكرة أن القرآن الكريم معجز بنظمه، والبلاغة هي الطريق لمعرفة الإعجاز.

 (٤) «الكشاف» لجار الله الزمخشري «ت ٥٣٨هـ»، ويرى أن الطريق إلى الإعجاز هو تفسير القرآن، وتأمل عنوان كتابه كاملًا «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل».

 (5) «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير «ت ٦٣٧هـ»، وفيه يجمع البلاغة إلى التفسير، ويعد القرآن أول الأدوات التي لا بد لمن ركَّب الله فيه طبعًا قابلًا للأدب أن يستعين بها.

(6) «الطراز المتضمن الأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإيجاز» ليحيى بن حمزة العلوي «ت ٧٤٩هـ»، وفيه يركز على البلاغة والبيان طريقًا لفهم أسرار الإعجاز.

الهوامش

(۱) محمد خلف الله أحمد: مقدمة كتاب: أثر القرآن في تطور النقد العربي المحمد زغلول سلام- ط دار المعارف- الإسكندرية- د.ت. ص ۱۲، والكتاب المذكور يتوسع في تناول تأثير القرآن الكريم على علوم البيان واللغة والأدب، وتبلورها في دراسات وكتب كانت أساسًا لتراث حافل على مدى القرون التي تلت بدء الرسالة المحمدية.

(۲) السابق: ص 12 ، 14

الرابط المختصر :