العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1539
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1539
نشر في الصفحة 48
السبت 22-فبراير-2003
أوهام ثقافية
محمد السيد
قال ابن المقفع في أدبه الصغير: «فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران»، وقال الحسن رضي الله عنه: «أدركت قومًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح».
وأكد من ذلك وأبعد في المعنى والمبنى قوله تعالى جل من قائل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).
إن هذا الذي قدمناه من حكم، يرمي إلى اعتماد العلم ونبذ الوهم، إذ إن الكلام الذي يقال والمصطلحات الثقافية أو الفكرية التي يشاع استعمالها إن لم تكن مستندة إلى علم وثيق وبرهان دقیق، كان تداولها واستخدامها مفسدًا للفكر، ناقضًا لمصداقية الكاتب أو المتكلم، وذاهبًا باحترام الكتابة والثقافة، واضعًا إياهما في جحيم الإعراض والهوان، ودافعًا بهما بقوة إلى قبور الوهم المزري بالمشهد الثقافي العام لأي شعب أو أمة.
ويتجلى هذا الوضع المزري للمشهد الثقافي في عالمينا العربي والإسلامي أكثر ما يتجلى في استخدام الكثير من المصطلحات، وفي طرح العديد من الأفكار، بدون تروٍ ولا مراجعة حقيقية، ولا تدقيق عميق في حقيقة المصطلحات والأفكار المطروحة، أي أن الأمر كله يجري بلا علم وثيق، معتمدًا على النقل عن الآخر، والوهم بأن ما يطرحه الآخر علمي نزيه، وأن ما يبتغيه هو النصح ليس إلا.
بناءً على ما تقدم، لا بد من إيراد الأسئلة لتتوضح صورة الوهم الذي يهيمن على مجرى الحدث الثقافي والفكري العربي والإسلامي.
مصطلح التطرف
لا شك عندي أن غالبية من يستعملون هذا المصطلح في كتاباتهم أو كلامهم اليومي العادي، لا يدرون ما الذي يراد من هذا المصطلح أن يحدث في ثقافة وذهن المتلقي، وبالتالي في سلوكه الوطني العام، وفي علاقته مع الآخر من بني جلدته المشارك له في المواطنة واللغة والدين والتاريخ والآمال والآلام.
إن الغرب الذي صدر لنا هذا المصطلح أراد له أن يستقر أولًا في العقول والقلوب، ثم على الألسنة، وأخيرًا فوق القراطيس في كتابة الكاتبين و«فزلكات» المفكرين والمثقفين، وعندئذ يريدون منه أن يستوطن سلوك المواطن وطريقة تعامله مع كل من يتمسك بخصوصية الأمة وهويتها، بحيث يكون الشك والريبة هما السيدين في ذلك السلوك، وتلك الطريقة من التعامل، إذ إن التطرف في رأي المصدرين للمصطلح يطلق ويراد منه أن يشمل كل متمسك بدينه وشعاراته ومبادئه، وإلا لماذا هذا الإصرار من وسائل إعلامهم، ومن الأبواق التي تقلدهم في ديار المسلمين على إضافة كلمة متطرف بعد إيراد اسم أي شخص إسلامي، أو أي تنظيم إسلامي مهما كان نهجه وطريقته؟! ولو أنك سألت أيًا من الأبواق التي تردد المصطلح عن معناه ومراميه وأهدافه لتلجلج المسؤول، وراح يدور في فراغ الكلمات والأفكار لتخرج من أمامه بلا شيء، ولا عقلانية في المعنى، ولا منطقية في النتائج، وذلك لأن هذا المردد للمصطلح رضي لنفسه أن يكون تبعًا وعبدًا لا يسأل سيده عن المعاني والمرامي، وإلا كان أبقًا في عرف السيد.
مصطلح الإرهاب
ما قيل عن مصطلح التطرف، يصلح أن يقال في سياق الكلام عن مصطلح الإرهاب، ونزيد هنا: إن الذين أوجدوا المصطلح وعمموه يعرفون أهداف إطلاقه، لكنهم لم يحددوا معناه في العلن وذلك عن قصد وتدبير، إذ إنهم يريدون استخدامه بمكاييل متعددة، واتجاهات متنوعة لا يفقهها سواهم، وهي مكاييل واتجاهات تناسب قدودهم ومصالحهم، وعلى المرددين والأبواق أن يأخذوها هكذا، كما جاءت من الأصل، وأن يخضعوا في فهم معانيها ومراميها للنسخة الواردة، وإلا كانوا مع الإرهاب.
إن الذين يعتقدون أن كلام دولة ما أو توجيهها قدر مقدور، منطلقين في فكرهم وكتاباتهم من هذا المنطلق، يظلمون أنفسهم كثيرًا، ويظلمون الذين يتلقون عنهم، فالله وحده هو صاحب الأمر والنهي وصاحب المشيئة والإرادة في هذا الكون... ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21).
يجب أن يكون كل ذلك مفهومًا، وإلا فإنه الوهم الثقافي والفكري والسلوكي.
حول أدب الأطفال (1)
الطفولة في القرآن والسنة
د. وجيه يعقوب السيد
الحديث عن أدب الطفل حديث مهم للغاية، لأنه من الوسائل المعينة على تربية الطفل وتهذيبه وتثقيفه، وهو يعكس الاهتمام المتزايد الذي توليه الدول والمؤسسات للطفولة.
والإسلام بوصفه دينًا شاملًا، يعالج كل جوانب الحياة، لم يهمل هذا الجانب المهم، بل أولاه اهتمامًا كبيرًا، وقد استرعى حديث القرآن الكريم والحديث الشريف انتباه الكتاب والمفكرين - قديمًا وحديثًا - فاستخرجوا مادة وافية أفادتهم في تأليف عدد كبير من الكتب في تربية الأبناء في ضوء القرآن والسنة.
ونشير في هذا الصدد إشارة سريعة إلى القرآن الكريم وحديثه عن الطفل، والاعتناء به صحيًا ونفسيًا وتعليميًا، منذ ميلاده، فالطفل له الحق في الرضاع بمجرد أن يولد، والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين، ومقابل ذلك على والد الطفل أن يرزقها ويكسوها بالمعروف، وفي حالة وفاة الوالدين ألزم الأقارب والمجتمع برعاية الأولاد والترفق بهم والعطف عليهم، وأظن أن حديث القرآن الكريم المتكرر عن طفولة الأنبياء والصالحين، إنما يهدف إلى احتذائهم والتأسي بهم في هذه المرحلة المهمة من العمر، فقد تحدث القرآن عن طفولة إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى ويوسف عليهم السلام.
وحديث لقمان إلى ابنه في القرآن حديث لكل الأطفال، وقد ركز فيه على الإيمان بالله، وبر الوالدين، وحسن الصحبة والمراقبة، وكذلك المحافظة على الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والابتعاد عن الأخلاق الذميمة كالكبر وعلو الصوت.. وهذا حديث مباشر للأطفال، وغيره في القرآن كثير.
وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته مليئة بالمواقف التي تؤكد حرصه الشديد على الأطفال، وخصوصيتهم عنده، فحين سمع بكاء الحسن والحسين تأذى لذلك، وحين سمع بكاء طفل، وهو في الصلاة، خفف من صلاته، حتى لا تنشغل والدته، وتفرغ لطفلها وترى ما به.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخص الأطفال بالحديث الذي يناسب أعمارهم واهتماماتهم، فهو يعلم أن احتياجات الطفل واهتماماته تختلف عن اهتمامات الرجل البالغ، وقد اهتمت هذه الأحاديث بالجانب التربوي والتعليمي والوجداني، وصيغت في ألطف العبارات وأرقها.
ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس وهو غلام صغير، نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يرشده إلى مراقبة الله وحسن التوكل عليه حتى يكون متيقظ الضمير.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (رواه الترمذي).
ولا شك أن هذه المعاني العظيمة التي أثارها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه إلى عبد الله بن عباس، تصلح لكي تكون منطلقًا ينفذ من خلاله كتاب الأطفال لإبداع عشرات القصص والحكايات التي تبني هذا الجانب في نفوس الأطفال، وقد رأينا المعلمين والمربين قديمًا يستلهمون هذه المعاني في كثير من القصص، وحكاية الأستاذ الذي أراد أن يختبر ذكاء تلاميذه، فأمر كل واحد منهم أن يأخذ طائرًا، ويذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، وعودة أحدهم وهو يقول لأستاذه: كلما بحثت عن مكان لا يراني فيه أحد لم أجد، لأن الله يراني أينما كنت.. هذه القصة المعروفة والمشهورة مستلهمة من معاني حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تعليم الأطفال خاصة الأدب الرفيع والسلوك الحضاري، فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلامًا في حجر رسول صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة - أي تتحرك وتمتد في نواحي الإناء، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك» (متفق عليه).
ومقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تدل دلالة واضحة على اهتمام الإسلام بالأطفال، وبذل الجهد الكافي في تأديبهم وتعليمهم وتثقيفهم، حيث أرسل إلى الآباء والمربين في كل الأقطار الإسلامية يقول: «علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل، ورووهم ما جمل من الشعر».
فهو يهتم بالناحية البدنية والصحية للأولاد، كما يهتم بالناحية الأدبية والتربوية والوجدانية من خلال دراسة الشعر الرفيع.
وقد ترتب على اهتمام الإسلام بالأطفال بروز أسماء عدد كبير من الأطفال الأبطال، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان لهم تأثيرهم الواضح في المجتمع مثل: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ومعاذ بن جبل، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج، والحسن والحسين.. فقد شارك هؤلاء الصحابة وهم أطفال صغار مشاركة فعالة في الدفاع عن الإسلام، وكانوا نماذج تحتذى لكل الأطفال.