العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1538
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003
مشاهدات 94
نشر في العدد 1538
نشر في الصفحة 46
السبت 08-فبراير-2003
قصة قصيرة
«يُخربون بيوتهم بأيديهم»
عاد من عمله وآثار الإرهاق تبدو على وجهه، فالعمل الذي يؤديه شاق ويتطلب منه أن يظل فترة طويلة تحت أشعة الشمس التي لا ترحم خلع ملابس العمل المتسخة وارتدى ثوباً فضفاضاً، جلس على كرسي في صالة البيت ليريح جسمه الذي أنهكه التعب.
تناول جريدة وضعت على طاولة بجانبه.. بدأ يقلب صفحاتها.. أقبل عليه ابنه وقسمات وجهه تدل على فرحة غامرة برؤية والده الذي احتضنه وقبل جبينه ثم سأله كيف حالك؟
- الحمد لله.
- ماذا فعلت اليوم؟
- شاهدت التلفاز ولعبت «البلاي ستيشن».
من حين لآخر كانت الزوجة تعتذر عن تأخرها في إعداد الطعام وتقول له: دقائق ويكون الطعام على المائدة... فهي حريصة على أن يكون الطعام جاهزًا عند قدوم زوجها... ونادرًا ما يأتي والطعام غير مُعد.
أشفق على زوجته وقال لها: لست متعجلًا... وعلى العموم أنا ألاعب ولدنا الحبيب.. ثم استمر في لعبه مع ولده فجاه توقف الولد عن اللعب واقترب من والده ثم همس في اذنه أبي.. أريد أن أخبرك بشيء ما.
تصنع الآب الاهتمام وقال لولده:
ماذا وراءك يا بُني؟
قال الابن: عندما تخرج من البيت لتذهب إلى عملك يأتي أحد الرجال ويطرق علينا الباب فتفتح له أمي ثم تأخذه إلى غرفة النوم وتغلق الباب عليهما.
انتفض من مكانه.. أحمر وجهه.. انتفخت أوداجه.. تطاير الشرر من عينيه.. أرغد وازيد.
ماذا تقول يا ولد؟
خاف الولد.. ارتعدت فرائصه فأسرع إلى غرفته وأغلق على نفسه الباب.
- نادي على زوجته بصوت عال.
- أتت مسرعة... قالت - وهي خائفة - نعم.
- أخبريني... ماذا يحدث بعد خروجي من البيت؟
تصنُعت الابتسامة ثم قالت: ما الداعي لهذا السؤال وأنت تعرف الإجابة.
- قلت لك.. ماذا يحدث بعد خروجي من البيت؟
أدركت أن هناك شيئًا ما فقالت بجدية واضحة:
بعد خروجك أبدًا في تنظيف البيت ثم أوقظ ابننا فأنت تعلم أنه...
قاطعها قائلًا: ما عن هذا سألتك.
- عن أي شيء تسال؟
عن الرجل الذي يأتي إليك ويدخل بيتي وينام على سريري يا...
ماذا تقول... هل جُننت.. ألم تعرفني بعد كل سنوات العشرة هذه؟
رد عليها قائلًا: لم أت بشيء من عندي.... اسألي ابنك الذي حكى لي عن كل شيء.
إن ابنك يكذب... وأنت تعلم أني لا افتح الباب لأحد بعد خروجك.
قولي كلامًا غير هذا.. ثم قال باستهزاء:
لابد أن تنكري.
بکت خانتها قواها.. جلست على أقرب كرسي... نظرت إليه نظرة تحمل كل معاني العتاب التي تعجز الكلمات أن تقوم بها... ثم قالت والدمع يسيل على خديها مدرارًا:
لقد قلت لك الحقيقة، والله شاهد علي ولك أن تصدق أو لا تصدق.
قال لها «بكل غلظة»: أذهبي إلى بيت أبيك.. وستصلك ورقة الطلاق في القريب العاجل...
ذهبت إلى بيت أبيها والحزن يلفها والغم يكاد يقتلها... حكت لأبيها ما حدث... كانت ثقته بابنته عوناً له على تلقي الـصــدمــة.. هدا من روعها... بث الطمأنينة في قلبها ثم قال لها في حزم.. إن كنت مظلومة يا ابنتي فالله معك وهو ناصرك لا محالة، ألم يقل ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ﴾ (الحج: ۳۸)، وتذكري يا ابنتي أن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قد اتُهمت في عرضها لكنها صبرت وبرأها الله من فوق سبع سموات.
خرج أبوها متجهًا إلى زوج ابنته وكله أمل أن ينهي هذا الموضوع ويضع يده على الحقيقة الغائبة ويغلق هذه الصفحة السوداء.
طرق الباب.. فتح له.. ألقى عليه السلام.. ثم دخل ووضع يده على كتفه وهو يقول: لقد أخبرتني ابنتي بما حدث وأنا أعلم أن الموقف صعب، ولكني أريد أن تتأكد مما سمعت... فربما يكون الولد كاذبًا.. وهذا ما أرجحه.
- ومــــــا الداعي لأن يكذب... ثم إنه طفل لا يعرف الكذب.
- كذلك يا ولدي زوجتك لا تعرف الخيانة ولا بد أن في الأمر شيئًا ما.
- أرجوك يا عمي.. لا داعي للنقاش... كل شيء انتهى... وابنتك ستصلها ورقتها قريبًا.
خرج الرجل وحبل الأمل بداخله مقطوع.. فزوج ابنته عازم على الطلاق.. ثم قال في نفسه - والمرارة تعتصر قلبه - يا ليت الأمر يقتصر على ذلك... وإنما سيحاول زوج ابنتي أن يفضحها لينتقم لنفسه... يومها لن أستطيع أن أواجه الناس، وسيظل العار ملتصقًا بي إلى أن القى الله.
فكر.. وفكر.. حتى أتعبه التفكير.. ماذا يفعل.. هل يسكت؟
قرر أن يكرر المحاولة.. وهو في الطريق كان لسانه يلهج بالاستغفار فهو يعلم أن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا.. ومن كل ضيق مخرجًا.
عندما اقترب من المنزل.. زادت نبضات قلبه.. تأرجح بين الأمل واليأس.
فتح له.. اسـتـغـرب مـجـيئه... نظر إليه مستفسرًا عن سبب عودته.
- أريد ألا تركب رأسك ويسيطر عليك العناد.
- القضية محسومة... ولا داعي للنقاش... ثم فاجأه بهذا السؤال.. عمي: ماذا تفعل لو كنت في موقفي هذا؟
-صمت برهة... ثم قال: الإجابة على هذا السؤال صعبة ... ولكن... ولكن...
... لماذا سكت؟
لم يُعره اهتمامًا... فقد كان باله مشغولًا بشيء آخر.
قام من مكانه... ذهب ناحية التلفاز.. مد يده واخذ شريط فيديو كان موضوعًا على أحد الأرفف... اتجه ناحية زوج ابنته ثم قال له:
- اقرأ
- رد بلا مبالاة.. اقرأ ماذا؟
- اقرأ عنوان الشريط
وما علاقة الشريط بمشكلتنا؟
- «بانفعال»: قلت لك اقرأ.
نظر إلى الشريط باهتمام... «امرأة خائنة» ... لم يدعه يكمل.. طلب منه أن يقوم بتــشــغــيل الشريط.
قام الزوج ووضع الشريط داخل الفيديو وأدار حركته.
- بدأت أحداث الفيلم... ومع تعاقب الأحداث... بدأ التعجب يظهر على وجهيهما... نظر كل منهما للآخر... وقالا في وقت واحد: ما هذا؟.. امرأة تخون زوجها... ما حكاه الولد يحدث أمامهما.
نظر إلى زوج ابنته متسائلًا: هل شاهد ابنك هذا الشريطة؟
- نعم.
- إذن يمكنني القول إن ابنتي بريئة.
- وكيف عرفت ذلك؟
- ابنك عندما شاهد الفيلم ظن أن كل النساء مثل تلك المرأة التي رأها.
- أطرق رأسه... وضع يده على جبهته... ماذا يقول وقد ظلم زوجته وطعنها طعنة قاسية؟!
هم الرجل بالخروج لكنه التفت ناحية الزوج قائلًا: الحمد لله أن المشكلة مازالت في مهدها وحلها في أيدينا... ولكن أريد أن أقول لك كلمة.
- «بانكسار» تفضل يا عمي..
- يا بني أنت راع لهذا البيت ومسؤول عن رعيتك فلا تدخل بيتك ما يضر حتى لا تكون ممن يخربون بيوتهم بأيديهم.
علاء محمد الصفطاوي
واحة الشعر
العيد في القدس
شعر: محمد أبو دية
أطفالك تفرح بالعيـد والأيدي ملئت بالحلوى
أولاد فازوا باللعب ويتيمات القدس توارت
وصغار تسأل عن «بابا» وأبوهم في الســـــــــجــن حـــــــــزين
أطفال مدينتنا فرحوا وبأرض الأقصى أحبابي
أطفال في عمر الزهر لا يملك خبزًا يكفيهم | وسعيد يفرح بسعيد وهدايا من كل جديد
وصـــــــبــــــايا فازت بالذهب لا تملك ثوبًا للعـيد
بالدمع تجاوبهم «مـــــــامـــا» والســـــجــــن مــــــــحــــــاط بـحـــــــديد
واللهو كثير والمرح ما بين جريح وشهيد
وأب يحمل هم الفـقر هل يملك مصروف العيد؟!!
|
هي القدس
شعر: د. عبد الرزاق حسين
إلى المغربي المتيم بالمشرقية.. إلى الدكتور حسن الأمراني
بمناسبة صدور ديوانه «شرق القدس.. غرب يافا»
هي القدس
تحتل كل القلوب
ومن نورها تستضيء الدروب
هي القدس طورًا
تكون كشمس الضحى في العيون تجلى
وطورًا تكون كعفرا وليلى ومن وسلوى
هي القدس توقد زيت القلوب اشتعالا
فتصطف كل الدنا في هواها احتفالا
ويعبق طيب السماوات في الأرض حين تلالا
وترنو فينهل غيث يسيل انثيالا وحين تهل تفيض الشذى والهوى والوصالا
ويغدو المحبون أسرى ثمالي
إذا ما أشارت بطرف وأومت تعالى
ويمشون في الركب موجًا توالى
من الأطلسي يموج الهوى
ويعبر كونا فيغدو مثالًا
ويصبح غرب لها مشرقًا
ويغدو الجنوب لعين شمالًا
وينضم في حضنها كل رقراق نهر إلى نيلها
وتعبر نهر الفرات
لدجلة تمضي
لسيحون جيحون تعدو
وتخترق الأرض طولًا وترقي جبالا
ويفتن في سحرها الناظرون فيستسلمون
ويلقون أرواحهم
لتغرف من نهرها غرفة تعيد الحياة وتحيي الوصالا
هي القدس تعبر كل الحدود
وتمخر ماء المحيط
وترسو بكل الشطوط
لتزرع كل القلوب ابتهالا
«ليليان».. نافذته الوحيدة
الإعلام الإسلامي البوسنوي.. بين الطموحات والإمكانات
منصور بردار مدير عام مجلة ليليان البوسنية لـ المجتمع:
نمثل أقوى جسر للتواصل بين مسلمي البوسنة في الداخل والخارج منذ 1991
500 وسيلة إعلام في البوسنة تمولها جهات غربية.. ونحن في أمس الحاجة إلى الدعم المادي
حاوره في سراييفو: عبد الباقي خليفة
«ليليان» من المجلات الرائدة في البوسنة والهرسك، واكبت الحرب، وحملت مشعل الدفاع عن قضايا المسلمين، وتعمل دائمًا على تقريب البوسنة من العالم الإسلامي من خلال التطرق أسبوعيًا لأمهات القضايا الإسلامية، وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس، بجانب التعريف بالشخصيات الإسلامية المهمة في العالم الإسلامي، التي يمكن للشعب البوسني أن يتجاوب مع ما تطرحه من أفكار تراعي ظروف الزمان والمكان باعتماد فقه وفكر وسطي بعيدًا عن الإفراط والتفريط.
تعرضت «ليليان» للمضايقة فتم طردها من كرواتيا بأمر من الخارجية البريطانية إبان الحرب، وقد انتقلت بعدها لسلوفينيا، وبعد نهاية القتال عادت للبوسنة لمواصلة رسالتها التي تواجه تحديات كبيرة.
واقترابًا من الحالة الإعلامية البوسنية بشكل عام والتعرف على الظروف الخاصة لمجلة «ليليان» كان لنا هذا الحوار مع منصور بردار مديرها العام
«ليليان»، متى وكيف بدأت خطواتها الأولى؟
«ليليان» مجلة سياسية بوسنية، أسست في سراييفو سنة ۱۹۹۱ وكانت تصدر باسم «صوت المسلمين». وبعد اندلاع الحرب في بلادنا نقلنا جزءًا من هيئة التحرير إلى زغرب «كرواتيا» وهناك واصلنا إصدار المجلة باسم «ليليان».
هل كانت الظروف مواتية في زغرب لمثل هذا الإصدار؟ ولماذا انتقلتم من كرواتيا إلى سلوفينيا؟
في الشهر الثامن من عام ۱۹۹۲ أي بعد أربعة أشهر من بداية العدوان الصربي على المسلمين في البوسنة أصدرنا أول عدد من مجلة «ليليان» من زغرب، وذلك بسبب الحصار الذي كان مضروبًا على سراييفو، وكان هدفنا أن نصدر المجلة بدون معوقات، وأن تصل لكل مكان بما فيه البوسنة، وكان عدد كبير من المسلمين قد هاجروا إلى خارج البلاد، وتشتتوا في أماكن مختلفة من العالم. فأردنا أن تكون «ليليان» إحدى الجسور التي تربطهم ببلادهم. كنا نعمل على التواصل مع المهجرين ونوصل لهم أخبار البوسنة وتربطهم بأحداثها، وكنا نتحدث عن الموقف من قضية البوسنة في العالم العربي الإسلامي، وأخبار التعاطف والدعم الإسلامي، لتثبيت جيشنا في الجبهات، حيث كنا نرسل آلاف النسخ من مجلة «ليليان» إلى خنادق القتال.
أما عن ظروف انتقالنا إلى سلوفينيا فقد عملنا في كرواتيا ١٠ أشهر، وبعدها طلب منا غلق مكتبنا في زغرب وسحب منا ترخيص العمل كان ذلك بسبب نشرنا وثيقة تتضمن مخططات ضد مسلمي البوسنة والهرسك بنشرنا تلك الوثيقة كشفنا نواياهم وبعدها طلبت بريطانيا من كرواتيا منع صدور ليليان. كان ذلك متزامنًا مع العدوان الكرواتي على مسلمي البوسنة سنة ١٩٩٣، وقد دفعتنا تلك الأحداث للانتقال لسلوفينيا، وهناك بقينا إلى نهاية الحرب.
كيف كنتم تتواصلون مع الأحداث في البوسنة، بينما المجلة تصدر من خارجها؟
قلت إن جزءًا من هيئة التحرير فقط انتقل إلى زغرب، بينما مراسلونا، وجزء من هيئة التحرير ظل في سراييفو، ومناطق أخرى في البوسنة والهرسك في زغرب كان العمل مقتصرًا في معظمه على الأمور التقنية والطباعة والتوزيع، وكنا نستخدم الهواتف والأقمار الصناعية في نقل المعلومات والتقارير للمجلة عن طريق تلك الوسائل التي كانت احتكارية في ذلك الوقت يملكها أجانب جاؤوا للبوسنة بغرض تحقيق ربح مادي من خلال تقديم خدمات تكنولوجية للمراسلين، وكانت هيئة التحرير في زغرب تستقبل التقارير وتعدها للنشر والتوزيع، ولأننا كنا موجودين في مناطق المعارك كانت لدينا أخبار وافية ومتنوعة وكان الناس ينتظرون وصول المجلة إليهم بفارغ الصبر.
كيف كانت ظروف عملكم أثناء الحرب؟ وما الصعوبات التي واجهتكم؟
هي ظروف العمل الإعلامي داخل معمعة القتال، لا يمكنني أن أصف ما كان يحدث وصفًا دقيقًا، ليس من رأى كمن سمع، بعض صحافيينا جرحوا وبعضهم قضى فترات طويلة في المعتقلات لكن الصعاب لم تهزمنا كنا مصرين على مواصلة رسالتنا، وكان يحدونا الأمل في أن تهزم الشر كان أملنا أقوى من أطماع أعدائنا. وكانت ليليان رمزًا لصلابة البوسنة، كانت تجسد أمل المستضعفين والمهجرين المشتتين في مختلف أنحاء العالم. كانت مهمة ليليان، زرع الأمل في قلوب الجنود في الخنادق، والمهجرين في أصقاع الأرض، وبأنهم يومًا ما سيعودون كانت ليليان العنوان الوحيد الذي من خلاله استطاع المهجرون أن يعرفوا شيئًا عن مصير أقاربهم أو أفراد عائلاتهم والذين لم يروا بعضهم لعدة سنوات.
مجلتكم كانت تصل إلى البوسنة وللمهاجرين في الخارج أثناء الحرب، كيف حدث ذلك رغم وجود الاحتلال؟
الصعوبات كانت كثيرة، وقد استخدمنا وسائل مختلفة في إرسالها إلى البوسنة، كنا نمر عبر مناطق محتلة، وأحيانًا عبر المؤسسات الخيرية، وأحيانًا تحت عنوان وغطاء آخر، أما في الخارج فلم نواجه صعوبات تذكر في عملية إرسال المجلة، فشبكات التوزيع متطورة جدًا.
بعد نهاية القتال عدتم إلى سراييفو هل استمرت المجلة بنفس الأسلوب الإخباري والتحليلي السياسي، أم أدخلتم تطورًا جديدًا على نمط ومحتوى المجلة؟
بعد نهاية القتال أواخر سنة ١٩٩٥، أعدنا بعض طاقمنا في الخارج إلى البوسنة لم تتغير أهداف المجلة وهي الدفاع عن مصالح المسلمين البوشناق في البوسنة وهم الطرف المظلوم قبل الحرب وأثناءها وبعدها فبسبب أننا مسلمون عانينا الأمرين وتعرضنا لحملات الإبادة عدة مرات ومعاناتنا لم تنته بانتهاء القتال، فقد انتهى القتال ولكن الحرب تواصلت بأساليب أخرى هي أشد وأعنف وأكثر تأثيراً من الحرب بمفهومها العسكري: القتل والإبادة الجسدية واصلت الحرب بمشروع إبادة ثقافية وسياسية والمعركة مستمرة، وستستمر إنها حرب مفروضة علينا، لم تردها ولم ترغب فيها. هناك استراتيجيات معادية تريد قتل دولتنا وإفناء شعبنا وتقسيم ممتلكاتنا محيطنا معاد لنا، ولا تزال تحكم أوروبا عقدتها تجاه الإسلام البوشناق سيظلون يوضحون ويثبتون بأنهم ليسوا إرهابيين وذلك مقروض علينا أيضًا، رغم إننا نحن الضحايا، ونحن من يحتاج أن يثبت الآخرون لهم حسن نواياهم رغم إننا نحن الأضعف والآخرون هم الأقوى هم يظهرون خوفهم منا ليبرروا اضطهادنا، مثل قصة الحمل والذئب ولذلك يجب على المسلمين البوشناق أن يكونوا يقظين وأقوياء ومتحدين لأن أي ضعف داخلهم سينعكس سلبًا على مستقبلهم في أرضهم. لقد عاش المسلمون البوشناق الحرب وأثبتت رقابهم أنها أقوى من السكين وهم في حاجة ليعيشوا في سلام بعد كل المذابح التي تعرضوا لها على مدى التاريخ الطويل. وهذا ما تحاول «ليليان» أن تضمنه رسالتها الإعلامية الآن.
«ليليان» مجلة وحيدة وسط ركام من المجلات التي تمولها جهات خارجية من بينها الملياردير الأمريكي يهودي الأصل سوروس ما موقعكم وسط هذا الكم الإعلامي المنافس؟
كنا الأوائل أثناء العدوان، وبعد نهاية القتال، ظهرت وسائل إعلام أخرى وبالتالي أصبحت تقاسمنا الساحة ولها وسائلها الخاصة في جذب القراء بعيدًا عن قضاياهم الحقيقية، لا سيما أن حالة من مرض كسل الذاكرة أصابت بعض الناس بسرعة وأصبح همهم توفير رغيف الخبز لذويهم فقط وبأي ثمن. كما أننا تتعرض المنافسة عدائية من قبل مراكز مختلفة يقف وراها الغرب بقوة، لاسيما من الناحية المادية، وهذا ما جعلها تستمر في الحرب ضدنا، ليس ضدنا كمجلة، بل كثقافة وتاريخ عريق. لقد بقينا دون أي دعم مالي ولم نتمكن من مواجهة تلك المنافسة الشرسة بنفس القوة التي تواجهنا بها. وأي مجلة في العالم كانت ستضعف إن لم تنهر لو عاشت ظروفنا هناك كثير من الكوادر الصحافية التي لم تصير على وضع التقشف لدينا بسبب فقرنا المادي. ولكن -وبغض النظر عن الجانب المادي - تمكنا من التغلب على الضغوط، وتمكنا من المحافظة على ثقة القراء ولو أن المجلات المدعومة من مراكز الثقل في الغرب تعيش ظروف عملنا لانهارت بسرعة المبادئ التي نعمل من أجلها هي التي دفعتنا للتضحية ومواصلة رسالتنا بحزم وصبر دائبين وأؤكد أن ذلك ليس سهلًا أبدًا، وأقول باختصار في البوسنة توجد وسائل إعلام لها تأثيرات مختلفة، وبالرغم من ذلك تنفرد «ليليان» من بينها بخصوصيتها وبنكهتها الخاصة التي ذكرتها آنفًا، والتي تجعلها تتميز عن مئات المطبوعات، لكنها ستكون أقوى لو كان لها دعم مادي، من بعض المراكز التي لديها اهتمام بالإعلام الذي يخدم قضايا المسلمين، فمثلاً «سوروس» له إعلامه المفضل في البوسنة الذي ينفق عليه بسخاء.
بخلاف ما ذكرتم عن المبادئ ما الذي يميز «ليليان» عن بقية الجرائد والمجلات البوسنية؟
ليليان تكتب باللغة البوسنية، أي بلغة البوشناق، التي تختلف نسبيًا عن الكرواتية والصربية، ولم يكن مـعـتـرفـًا بهـا فـي العـهـد الشيوعي، وتحاول بعض الجهات تغييبها حاليًا في وسائل الإعلام ولا سيما التلفاز واللغة البوشناقية تحفظ للمسلمين تميزهم وثقافتهم شديدة الصلة بالإسلام وتكريس لغتنا في خطابنا الإعلامي هو الاتجاه الأساسي الذي يميزنا عن الآخرين، إلى جانب تميزنا في الطرح السياسي من ناحية الدفاع عن مصالح البوشناق انطلاقًا من مرتكزاتنا الفكرية
قلتم إن هناك مئات المطبوعات، سواء كانت جرائد يومية أو مجلات أسبوعية أو دوريات، كم عددها تحديدًا؟
في البوسنة توجد حوالي ٥٠٠ وسيلة إعلام مختلفة، أغلبها مدعوم من مراكز القوى في الخارج، منها محطات تلفزيونية، وأخرى إذاعية والتمويل الخارجي هو الذي يحدد سياسة وسيلة الإعلام.
أنتم قريبون من حزب العمل الديمقراطي، ومن الزعيم علي عزت بيجوفيتش لماذا لا تفتحون نوافذ على الفضاءات السياسية والحزبية الأخرى في البوسنة؟
نحن مجلة تتبنى الفكرة السياسية للزعيم علي عزت بيجوفيتش، نحن قريبون فعلًا من الرئيس علي عزت، ولنا علاقات خاصة معه، هو بالنسبة لنا رمز سياسي وفكري، وأحد المعالم البارزة في تاريخ البوشناق، بل هو أبرزها على الإطلاق، فقد أدى في السنوات الاثنتي عشرة الماضية دورًا عظيمًا في بقاء شعبنا، والحفاظ على الدولة، وبالتالي فولاؤنا له مفهوم وواضح ومبرر. أما بالنسبة للشخصيات والأحزاب الأخرى، فعلاقاتنا معها محدودة، ودائماً نطوعها الخدمة قضايا المسلمين في البوسنة والهرسك وتلك شروطنا في التعامل مع الشخصيات السياسية وحتى الدبلوماسية في بلادنا.
هل أنتم مع الصحافة الحزبية أم ضدها؟
في البوسنة، كما هو في العالم، هناك صحافة مؤسساتية إن صح التعبير، إذ لا يوجد في أي مكان من العالم صحافة «مستقلة» وكل ما يقال عن الصحافة المستقلة اختلاق وهناك جهات في العالم تتحدث عن صحافة محايد، ومستقلة دون اعتبار المعايير النسبية وغالبًا ما يطلق على صحافة ما ألفاظًا وأسماء، هي في الحقيقة نوع من الإرهاب الفكري ومن وجهة نظري هناك صحافة جيدة وصحافة سيئة الصحافة الجيدة هي التي تخدم أهدافًا إنسانية تتوافق وعقائد الناس وثقافاتهم ودينهم والسيئة هي التي تحاول هدم كل ذلك، لأن هدمها يعني الخراب وتقوم بذلك صحافة المقاولات التي تعمل لصالح جهات خارجية أو لإرضاء أطراف داخلية لها أجندة خاصة متعلقة باستراتيجيات دولية.
هل لا يزال لديكم اهتمام بالمهجرين البوسنيين بالخارج؟
أكبر عدد من النسخ يذهب للخارج، فهناك أكثر من نصف مليون بوسني في شتى أنحاء العالم، وتشتتهم جعلنا نجد بعض الصعوبات في الوصول إليهم، وخاصة الذين غيروا عناوينهم، أو انتقلوا لدول أخرى وما زلنا نزود المراكز الثقافية البوسنية في الخارج بالمجلة.
عرفت بلادكم تضحيات كبيرة عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا، ما المطلوب لإيجاد إعلام إسلامي فعال وقوي في البوسنة؟
لو كنا نعيش في عالم غير مليء بالأفكار المسبقة عن الإسلام والمسلمين والنوايا السيئة تجاههم، لسهل ذلك علينا عملنا، لكن الأمور كما في ولا يوجد خيار للوصول إلى غاياتنا الأفكار ليست سلعة تباع وتشترى، فمن أجل الأفكار نعيش، ومن أجل المثل التي تدعو إليها نكافح مدى الحياة لو كان الإسلام «سوفت وير» لكان اعتماده بالدرجة الأولى على تجار جيدين في السوق، لكن الظروف مختلفة والفكرة تحتاج لأن نعتني بها وننميها وندافع عنها، وأن نجسدها في ذواتنا، لا أقول إننا كذلك تمامًا، ولكننا نسعى ونعاود المسعى في هذا الاتجاه علينا العمل والنتائج بيد الله.
مر على تأسيس ليليان أكثر من عشر سنوات، كيف تنظرون لمستقبلها؟
منذ فترة احتفلنا بالذكرى العاشرة لتأسيس ليليان سنوات قليلة مضت على تأسيسها، ولكن إنجازاتها كبيرة نظرًا لظروف المجتمع الذي نعيش فيه، فنحن نعتبر أننا نجحنا نجاحًا كبيرًا، ولكننا لا نعتقد أننا وصلنا إلى مبتغانا إنه طريق طويل، ونأمل في تطوير أكبر واستخدام تقنيات حديثة لنستطيع الاستمرار لدينا مشاريع تعمل على تنفيذها بإذن الله وعونه، كلنا أمل في المستقبل، وعلى ذلك نراهن فالقضية التي تناضل من أجلها لا تزال قائمة والمعركة لا تزال محتدمة أعداؤنا لم يتخلوا عن أطماعهم، ومشكلات شعبنا وبلادنا لا تزال تنتظر العمل للوصول للحل.
مراجعات حول أدب الأطفال مع الشاعر «أحمد سويلم»:
الكتابة للأطفال عمل شاق يتطلب قدرات خاصة
علاقة الأطفال بالكلمة المكتوبة لا بد أن تبدأ قبل دخول المدرسة
متى نصحح الكتابة للأطفال بعيدًا عن الترويض والتدليل؟!
حوار: محمود خلیل
الشاعر أحمد سويلم، غزير الإنتاج، متعدد العطاءات، له أكثر من عشرين ديوانًا، أولها «الطريق والقلب الحائر» عام ١٩٦٧م، وآخرها «صرخات تحت قبة الأقصى» عام ٢٠٠٢م وست عشرة دراسة أدبية متخصصة في التربية الثقافية للطفل العربي والمسلم.. إضافة إلى المسرح الشعري الذي برز فيه بشكل واضح منذ أخرج عام ١٩٨٢م مسرحيته الشعرية «أخناتون» ثم تبعها «بشهريار» و «الفارس»، ثم عززها بعدد من مجموعات المسرح الشعري الخاص بالأطفال، ولاقت قبولًا من المتلقين والدارسين.. وقد عكف مؤخرًا على جمع وتحقيق ودراسة ديوان الطفل العربي في أجزاء عدة... وحول أدب وثقافة الأطفال.. دار حوارنا معه:
لا تنفصل حياة أي مبدع عن إبداعه أبدًا.. فمن الشاعر «أحمد سويلم» وكيف بدأت رحلتكم مع أدب الأطفال؟
ولدت في 8 ديسمبر عام ١٩٤٣م ببيلا مركز كفر الشيخ في مصر، وحصلت على بكالوريوس التجارة عام ١٩٦٦م.. وعملت بالصحافة والآداب طوال هذه السنوات متمنيًا أن أضيف جديدًا إلى المكتبة العربية يحدوني قول الشاعر الفيلسوف «محمود أبو الوفا»:
لم أقل غير ما حسبت مفيدًا
ليت شعري هل قلت شيئاً مفيدًا
فإذا عشت عشت حرًا ضميري
مستريحًا لما صنعت سعيدًا
وإذا مت، مت حرًا لأني
لم أضف للحياة قيدًا جديدًا
وحصلت خلال هذه الرحلة على عدد كبير من الجوائز، منها كأس «القباني» في الشعر عام ١٩٦٧م، وجائزة «المجلس الأعلى للفنون والآداب لشعراء الوطن العربي الشبان» (١٩٦٥ - ١٩٦٦م) وجائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام ١٩٨٩م، والدكتوراه الفخرية في الآداب مع الأكاديمية العالمية للثقافة والفنون عام ۱۹۹۰م «كاليفورنيا» ثم جائزة كافافيس عام ١٩٩٢م.
أما عن أدب الأطفال، فقد بدأت معه منذ ربع قرن تقريبًا، حين بدأت تبسيط قصص «ألف ليلة وليلة مع التهذيب الواجب.. وكانت لغة التبسيط نثرية، أو لنقل إنها كانت لغة شاعرية.. وفي أواخر عام ١٩٨٢م، كتبت أول مسرحية شعرية باللغة الفصحى عن «كامل كيلاني» في ذكراه، بعنوان: «حكايات وأغاني كامل كيلاني».. وتضافرت جهود كثيرة في إخراج هذا العمل على المسرح، وأحمد الله أن استقبله الكبار والصغار في حب وتقدير، وقد أنتجه المركز القومي الثقافة الطفل بالقاهرة.
لماذا عمدتم إلى كامل كيلاني في بداية الرحلة مع الأطفال؟.. وهل كان وراءها ما دفعكم إلى السير على خطى هذا الرائد الكبير؟
أدب الأطفال بالنسبة لي هو رحلة إمتاع وإبداع تلازمني منذ بدأت أمسك بالقلم، فأنا واحد ممن يؤمنون بأن أي ثقافة لا تبدأ بالطفل، هي ثقافة مبتورة وفاشلة.. ورغم إيماني بأن الكتابة للأطفال عمل شاق، يتطلب قدرات خاصة لدى الكاتب.. كما ستل الكاتب الإنجليزي «صمويل بكيت» يومًا: لماذا لم تكتب للأطفال؟ فقال: لأنني لم أنضج بعد!!.
لهذا.. فقد بدأت احتشد وأتكون جيدًا لهذا الباب الصعب من أبواب الثقافة والآداب.. ولكني عمدت في البداية إلى كامل كيلاني إحياء لذكره أولًا، ثم لأقدم من خلاله التراث الشعبي من حكايات «جحا» والتراث الفني من خلال «ألف ليلة وليلة» والتراث الفلسفي من خلال «حي بني يقظان» في رؤية درامية تسجيلية تمتع الأطفال وتقنع الكبار.
وكيف وجدتم هذا المشوار الصعب بعد ذلك؟
وجدت الآفاق أمامي مفتوحة للكتابة للطفل... فبدأت أكتب محاولات قصيرة شعرية بعضها قصائد.. وبعضها أقاصيص شعرية على أفواه الحيوانات والطيور، ومن بين هذه القصائد التي تتسم بالإيقاع ما كتبته تحت عنوان «أتمنى لو» وفيها أقول:
أتمنى لو أني عصفور
ألهو.. العب.. وأغني في النور
وأنقر في الصبح نوافذ أصحابي الظرفاء
وأقول: صباح الخير.. صباح النور
أتمنى لو أني ديك الفجر
أصحوا وأؤذن لصلاة الفجر
أرفع رأسي لله الخالق
وأسبحه وأقول: «سبحان الله.. حي على بيت الله..»
وأصلي لله صلاة الشكر
فالناس يحبون صياحي
وندائي في كل صباح
فأنا أوقظهم وأقول:
«قوموا للعمل تنالوا من رب العالم أعظم أجر»
وبعد نجاح هذه الأعمال بحمد الله وتوفيقه.. انتهيت من كتابة «خمس وعشرين» مسرحية شعرية مستمدة من حكايات التراث العربي صدرت عشر منها في كتب، وقدمها التلفاز العربي... وهكذا....
الانشطار اللغوي
أطفالنا مساكين بين لغة يسمعونها في البيت والشارع، ولغة نطالبهم أن يتثقفوا بها.. الأمر الذي يوقع بعض كتاب الأطفال في حرج قد يدفعهم إلى الكتابة بالعامية توهماً أنها الأصلح والأكثر تأثيرًا في ثقافة الطفل.. ما رأيكم؟
لا ينطبق هذا للأسف الشديد على كتاب الأطفال وحدهم، بل نرى الكثير من وسائل الإعلام يتردى في هذه الهاوية، ظنًا منها أنها تنقذ الطفل من متناقضات نفسية وتربوية، إلى آخر هذه الترهات التي لا يقوى عليها شاهد علمي أو عملي... والطفل ولا شك مسكين أمام ذلك «الانشطار» اللغوي الذي يعانيه.... فلماذا لا تكون الفصحى المبسطة هي لغتنا في مخاطبة الطفل؟.. ولماذا يخشى كاتب الطفل استخدام هذه اللغة؟.. إنه لن يكلف نفسه مشقة البحث عن الكلمة المناسبة إذا هو وضع نفسه مكان القارئ الصغير واستخدم القاموس الملائم له!
فماذا لو جرب الكاتب أن يكتب ما يريد في أبسط المفردات.. فبدلاً من أن يقول «يأكل» بالعامية... يضع الهمزة على الألف ليقول «يأكل»!، وبدلًا من «يأخذ» يقول «يأخذ».. بل يمكن للكاتب المقتدر أن يبتعد عن مشكلات اللغة المعقدة التي يغرق فيها الكبار أنفسهم.
اللغة العربية تحتوي على مفردات ومترادفات ثرية قابلة للاختيار والاستخدام الأنسب في أي مجال، بعكس اللغة الأجنبية.. مثلًا: I have eat
En; tتعني بالعربية «أكلتها».. كلمة واحدة في مقابل أربع كلمات.. مما يحفز على ثراء تلك اللغة الأصيلة وجذب انتباه الطفل إليها من أيسر الطرق.
ولقد جرت محاولات كثيرة لإنشاء قواميس للمفردات الشائعة التي يتقبلها الطفل.. وفي مقدمتها تلك القواميس المستخرجة من قصص كامل كيلاني، وهي محاولات تستحق التقدير والتفعيل.
وفي أي سن ترون البداية المناسبة لإنشاء علاقة صحية بين الطفل والكلمة المكتوبة؟
قبل أن يدخل الطفل المدرسة.. وأي تأخير عن هذه السن يؤدي إلى قطع العلاقة المرتقبة بين الطفل والكتاب.. فالطفل ينبغي أن يكتسب الخبرة المتمثلة في علاقته بالكلمة المكتوبة قبل أن يدخل المدرسة، ولعل ذلك يفسر ضرورة أن ينشأ الطفل في بيئة تشجع على القراءة وفي بيت لا يخلو من مكتبة. فيشاهد الكبار كيف يتعاملون مع الكتاب.. فيحاكي دورهم في ذلك الصدد بنفس العناية والاهتمام... لأن المحاكاة أول وسائل التعلم لدى الأطفال.. ومن ثم يذهب الطفل إلى المدرسة وهو مسلح بتلك الخبرة الخاصة، فيقبل بسعادة وشغف على الكتاب المدرسي.
إذن مرحلة السلوك الحسي لدى الأطفال تعتبر مرحلة أساسية في السلم التثقيفي لديهم؟!
بالقطع.. لأن مرحلة ما قبل القراء هي أهم المراحل في تكوين قدرات وملكات الطفل، وإذا تراجع الكتاب عن دوره في هذه المرحلة فسيؤثر ذلك بالضرورة على تلك الملكات والقدرات وليس المقصود هنا أن يكون الكتاب بالمفهوم العام المتعارف عليه لدينا نحن الكبار، وإنما ينبغي أن يفي بحاجة تلك المرحلة من العمر. فهو يقترب من الألعاب، وتساهم الحواس المختلفة في التعرف عليه.. ولقد أدرك ذلك كثير من المتخصصين في الدول المتقدمة، فقدموا للأطفال الكتاب المصور، والكتاب المجسم والكتاب الموسيقي والكتاب المطرز والكتاب الناطق، على ورق مقوى يقاوم عبث الأطفال، ويتدرج معهم من مرحلة التناول باليد إلى مرحلة الإشارة إلى الصور إلى مرحلة تسمية الأشياء إلى مرحلة البحث عن المعاني مع نهاية السنة الثالثة من عمره تقريبًا.. ثم نأتي مرحلة سرد القصص وملاحظة الحروف إلى أن يكتسب الطفل مع عامه الخامس بعض المهارات اللازمة للقراءة، ثم تأتي مرحلة ما بعد القراء، حيث تنمو مهاراته الأساسية ويكتسب عاداته القرائية، ويمزج بين الكلمات والجمل، وينتقل الطفل بعد الثامنة إلى العاشرة من مرحلة القراءة إلى القراءة للتعلم. وتتكون عنده ثروة لغوية هائلة لديه يتوسع بعدها في القراءة.. بل يمكن أن تصل اهتماماته وميوله إلى حد التخصص.
حتى يسلم وجدان الطفل
ولكن.. ألا ترى أن شعر التفعيلة يمكن أن يمثل خطرًا في تشتيت وجدان الطفل؟
شعر التفعيلة يحاول أن يقترب من لغة الحكي المعاصرة، وأنا مع الجمال في كل شيء... ولهذا اعتبر الشعر رأس الفنون الجميلة، بل هو «الجمال المتحرك» بعيدًا عن الجمال الثابت المتمثل في العمارة والتصوير، والأمر لا يكاد يختلف في الموسيقى عنه في الشعر.. فالموسيقى ترقم بواسطة تألفات متتابعة تعرف باسم القفلات والرنين الخاص بكل قفلة يعرفه كل دارس للموسيقى ويمكن في هذا المقام أن نقول: إن شعر التفعيلة يستفيد من هذه القفلات على مستويات عدة.. فهناك قفلة تشعر بالراحة وقفلة توحي بعدما الانتهاء.. وقفلة توحي بالمفاجأة أو المقاطعة.. كل ذلك يعبر عن الحالة النفسية بل يقترب ويمتزج بها.
والأمر في بدايته ونهايته يتوقف على مدى رعاية الموهبة ورهافة التذوق بين المصدر والمتلقي.. كما يقول أحد فلاسفة التربية - روسو: «إن الحياة هي المهنة التي أريد أن أعلمها للطفل، فإذا خرج من يد المعلم فلن يكون قاضيًا أو جنديًا أو رجل دين... وإنما يكون أولًا إنسانًا، وما من شك في أن هذا الجانب الإنساني ما هو إلا قاعدة الإبداع الشعري في كل زمان وكل عمر وكل أمة..
ومن ثم فإنني أؤكد أن هذا الفن الخالد لن يصل إلى الطفل من خلال «النظم الجاف» الذي يقوم به زبائن التأليف.. ولكن لابد من تقديم النماذج الرفيعة المرهفة الواعية، سواء من الشعر التقليدي أو من شعر التفعيلة.. مثلما قدم شوقي والهراوي والكيلاني وسليمان العيسى وآخرون.. فالأمر أمر فن وموهبة ومسؤولية.. قبل أن يكون أمر شكل أو هيئة أو تقليد.
تصحيح المسار
المأمول من الكتابة للأطفال أن تجذبهم لا أن تؤنبهم.. والملاحظ بصفة عامة أن معظم الكتابة الخاصة بالأطفال تسير بين فلكين خاطئين، فهناك من يعتبرهم رجال صغار فيقدم لهم ما يقدم للكبار دون محاذير، وهناك من يتبسط معهم لدرجة التسطيح التافه.. فكيف نقدم لأطفالنا أدبًا خاصًا بهم بعيدًا عن هذا الإفراط والتفريط؟
البعض للأسف يفترض «غباء» الطفل وجهله، ومن ثم فإنه يكتب له من باب «الترويض».. والبعض الآخر يفترض خلو أذهان الأطفال من أي عملية معرفية.. ومن ثم فهم «يدللونهم» بأدب سطحي خال من العمق والقيمة.. وهذه - للأسف - نظرات قاصرة لا يقوم بها إلا المتهافتون على الكتابة للأطفال من منطلق إثبات الذات لا غير.
وهناك نظرة أشد منها خطرًا تدل على عظم هذا الجرم في حق الأطفال.. فقد تهافت كتاب وشعراء لا علاقة لهم بالكتابة - وأحسب أن معظمهم يعملون في التربية والتعليم بحكم وظائفهم- تهافتوا على كتابة أناشيد وأشعار، ما هي إلا منظومات لا لون لها ولا إحساس فيها... تسطح وجدان الصغير وتبعده عن لغته وتراثه، بالرغم من وجود نصوص جيدة لدى شعراء آخرين. قدماء ومعاصرين - يمكن تقديمها إلى عقل الصغير ووجدانه.. وهي تحترم إدراكه وذكاءه وتدرك عالمه المعرفي إدراكًا صحيحًا.
فمتى نقيق وتوقف هذه التيارات التي تظلم الطفل ممن يقوم على تربيته. فلدينا تجارب شوقي والهراوي وعمر الأميري وعبد الرزاق عبد الواحد وعبد العليم القباني وصلاح عقيقي، إلى جانب عشرات الشباب الواعدين الموهوبين الذي يمتلكون الموهبة والإبداع والعلم والفن.. فمتى نصحح المسار؟
وماذا عن آخر دواوینکم «صرخات تحت قبة الأقصى» الذي يضم طرفًا من رحلتكم الإبداعية؟
لم يكن في ظني أن أصدر هذا الديوان، ضمن سلسلة الإبداع الشعري المعاصر فأنا أرأس تحرير هذه السلسلة.. لكنني وجدت الأحوال التي تمر بمنطقتنا تزلزلنا وتنزعنا من أنفسنا، وتفرض علينا أن تتحول الكلمة إلى ما يشبه الفعل فتؤثر في وجدان القارئ وتوقظ الوعي وتجمع الشتات. وتضيء الحق حتى يظل صامدًا في الأعين راسخًا في القلب.. ومن ثم... كان لابد أن تواكب هذه السلسلة جهاد الشعب الفلسطيني الذي يحرث أرض الحرية بدمائه الذكية.. مما دفعني إلى تقديم هذا الديوان إلى القارئ الكريم، ليضم بعض الشجون مع أيام وليالي الجهاد المقدس على مدى أكثر من ربع قرن.. فهو بكائية تحمل الفكرة، وتمتد بأطرافها إلى عمق التاريخ حينًا، وحينًا تنزف مع الواقع الأليم.
أحد.. أحدْ
ما من أحد..
في الصور ينفخ.. أو يعيد الوجه من لون الكمد
ما من أحد
إلى على جفن الدماء
وجاء ينجز ما وعد
والعين تشهد والقلوب
وأنة الأطفال والربات
والصلوات تذبح فوق رمل يتقد
ومآذن كسرت أذان الفجر
فانعصرت شموس
قطرت آلامها فوق الزيد
والصمت يخرس قادة الدنيا
ولو صاحت بقلب الليل عاهرة لهبوا
إنه صوت الجسد
ما من أحد
لباك يا صوتًا يبح على حناجر لا تعد
يبقيك فوق مآذن الإيمان غصنًا ينعقد
فرسان هذا العصر مأجورون
يومًا لليسار
ويوم يغريهم يمين يهرعون
فمن ترى فيه السند
يا ضيعة الدفء المجنح والولد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل