العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1525
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 58
السبت 02-نوفمبر-2002
الكتابة والشهادة
نذير مصمودي
mn56@ajeeb.com
اللحظات التي يلتحم فيها الإنسان بذاته هي من أدق اللحظات التي لا يمكن أن يكون فيها الإنسان إلا كما هو تمامًا بكل تناقضاته وتجلياته وحتى لو استطاع الإفلات في لحظة ما من الالتحام بذاته، فلا أظن كاتبًا أو شاعرًا يستطيع الإفلات من ذاته ولو لدقائق أمام مشهد طفلة ما زالت في المهد يمزق لحمها رصاص ليس طائشًا لأن الأصابع التي تحرك الزناد مبرمجة على القتل ولم يبق لها في هذه اللحظة أي احتياط إنساني يمكن أن تستدعيه ليحول دون الكارثة.
لست أدري هل يمكن لكاتب أو شاعر أن يتخلص في هذه اللحظة المشهدية من ضميره ويتحول إلى شاهد زور يمدح القاتل ويلعن المقتول؟ أنا شخصيًا لا أعرف كتابًا أو شعراء من هذا الطراز إلا إذا كانوا هم القتلة أنفسهم ولا أفرق في هذه الحالة بين قصيدة ملغومة تنفجر بين أصابع من يتورط في القتل أو يحرض عليه وبين من يعتلي دبابة تطحن كل من يقف أمامها.. وهذا الشعر المسلح ليس شعرًا إلا بالمقاييس العسكرية، فهو لا يعيش خارج الخوذة، ولا يقطر إلا من الأشواك والحديد.
لا أتحدث هنا عن هذا الصنف من الشعر والشعراء، إنما أتحدث عن شاعر مرهف الحس والضمير رأى طفلاً يموت لنقص الحليب وآخر يموت بالرصاص وهو بين أحضان أبيه هل يستطيع أمام هذه الغلظة والفظاظة أن يصادر ذاته ويكتب قصيدة أخرى لا علاقة لها باللحظة والمكان؟
لقد عرف تاريخنا في حقبه العمياء شياطين من الشعراء انهمكوا في مدح الجلاد إلى حد الاغتراب عن ذواتهم، وعرف أفاكين كان باعتقادهم أنهم سيموتون إذا توقفت عنهم الشرايين المتصلة بالمركز السلطوي، لكنهم سرعان ما فقدوا دورهم الرسالي كمبدعين ووجد شعرهم نفسه مقذوفًا بقوة الحق إلى الهامش وما زالت الأجيال المتعاقبة تطرد شعرهم إلى الضواحي النائية في الذاكرة كيلا تتذكره.
****
في هذه الأيام بدأت عبارات الانتفاضة والشهادة والجهاد تأخذ في الاتساع ورؤى الكتاب والشعراء ما زالت تتوغل كل يوم في الاستجابة لواقع جديد لا يستطيع الكاتب أو الشاعر أن يبقى بمنأى عنه أو يتورط في إعفاء ضميره من الشهادة عليه بالسكوت، ولم أجـد نموذجًا واحدًا يصلح أن يكون مثالاً لعكس هذه الحقيقة فكل القصائد والمقالات العربية التي تتحدث عن الراهن الفلسطيني وتعلق عليه وعلى مشاهده الملطخة بالدم تدعو إلى المزيد من المقاومة وتحث على مواصلة الانتفاضة وتمجد أبطالها من الشهداء وأنصاف الشهداء والشهداء الأحياء.
وهل يستطيع كاتب أو شاعر عربي مسلم أو مسيحي أن يتخلى في هذه اللحظة عن شرطه الديني ولا يحث على مواصلة المقاومة والجهاد؟ وهل المطلوب من أبناء فلسطين المحتلة أن يستقبلوا العدوان الإسرائيلي بالورود حتى لا تسميهم أمريكا إرهابيين، وينجوا بالتالي من حربها ضد الإرهاب؟!
وهل المطلوب من الكاتب أو الشاعر العربي المسلم في هذه اللحظة أن يفصل ذاته عن ذاته. ويصفق لشارون ويحييه على بطولاته حتى لا تصنفه أمريكا محرضًا على الإرهاب.
إن هذا الشاعر أو ذاك لن يترك بلده ويذهب إلى القدس ليفجر نفسه في عملية انتحارية، حسب الوصف الأمريكي المتداول، فلماذا إذن تخاف إسرائيل من شعراء يقولون ما لا يفعلون؟ لأنهم ببساطة يعبرون عن ضمير الأمة الجماهيرية التي تتحرق شوقًا إلى تحرير فلسطين، ولأنهم رفضوا التحول إلى سماسرة يبيعون لحوم الشهداء ويتاجرون بدمائهم، ولأنهم بقوا متحصنين بقصائدهم ضد خيانة أنفسهم وهم بذلك في نظر إسرائيل شحنة للمقاومة، بل شحنة في ذلك الجسد الملغوم الذي أصبح يهدد مستقبل إسرائيل في المنطقة برمتها.
هذا هو السر الذي كشف عنه إسحاق شامير ذات مرة حين وقف أمام الكنيست وبيده قصيدة لمحمود درويش هي «عابرون في كلام عابر»، وقال :بالحرف: إن هذا الشاعر الفلسطيني يحرض شعبه ضدنا ويطالبنا بالخروج من كل شيء حتى الملح.
وصدق شامير، فإن هذا الشعر هو الذي يخيف الجنرالات، لأنه الإفراز الأشد للحظة التحام الشاعر بذاته، التحام الكتابة بالشهادة والذي تغتصب أرضه، ويقتل أهله ويشردون لا يكتب شعراً إلا بقدر ما يزرع ألغامًا في القوافي مدججة البارود، وإلا تورط في الخيانة العظمى بامتياز.
غازي القصيبي كأي إنسان عربي مسلم اعتصرته اللحظة، وأفزعه المشهد، فاستعدى أصابعه لكتابة ما هو غير دبلوماسي... لقد استدعى احتياطي الإنساني الأقوى ليقول في لحظة صدق وإبداع:
حين يدعو الجهاد
لا استفتاء... لا إفتاء
يوم الجهاد دماء
ما أروع هذا التعبير وما أجمله!! لكن البيت الأقبح، الذي أغضب اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا، هو الذي يقول فيه الشاعر بوضوح:
وشكونا طواغيت بيت أبيض
ملء قلبه الظلماء
فهو إذن مدان بتهمتين على الأقل الأولى أنه سمى الانتحاريين الإرهابيين، شهداء، ويسمى الإرهاب، جهادًا، والثانية سمى قضاة البيت الأبيض العادلين بالطواغيت، وتهمة واحدة في مكافحة الإرهاب تكفي لإدانته.
وليكن... فالقصيبي في هذه اللحظة هو أنا أنت ونحن كما نحن... نحن الشعوب التي امتثلت طوعًا لنحن... نحن النظام العربي الجديد الذي يفتح الأبواب والنوافذ في الجدران ويغوي الشمس بدخولها... نحن الضوء وسوانا الظل... نحن الصوت وسوانا الصدى... نحن لا فرق بين من ارتدى خوذة، أو طربوشًا، أو عمامة، أو عقالاً، وكان عاري الرأس.
قضايا قديمة متجددة
رواية «الطريق» والتشكيك في وجود الله!
إيمان سالم البهنساوي
يقول نجيب محفوظ في هذه الرواية:
وهذه الحرب التي تهدد العالم الا تضمن لنا القطن؟
- لن تكون كالحروب الماضية.
- أجل إنها لن تبقي على شيء.
- القطن والفول والبهائم والخلق.
فتساءل الصوت الأول:
- وأين الله خالق كل شيء وحافظه؟
إن ترك الجملة هكذا في صورة أو صيغة استفهامية يومئ إلى التهكم والسخرية حيث إنه لم يرد أحد أو يجيب هو عن هذا التساؤل الذي قدم الكاتب وهو: وأين الله خالق كل شيء وحافظه؟
إن عدم إجابته عن السؤال الذي طرحه فيه تشكيك في وجود الله سبحانه وتعالى وفي قدرته عز وجل.
وفي روايته حب تحت المطر، يقول:
- وحفلات الساعة الثالثة في السينما.
- لا أهمية لذلك. المهم هل الله موجود؟
- ولم تريد أن تعرف؟
- كان شغلنا الشاغل الوحدة العربية والوحدة الإفريقية.
-وما دخل ذلك في وجود الله؟
-أصبح شغلنا الشاغل متى وكيف نزيل آثار العدوان.
-معي دقيقة واحدة أهو موجود؟
-كانت أيامًا مجيدة
-كانت حلمًا
-بل كانت وهمًا
- ويضيقون بوقوفنا دقائق في الناصية؟
-الكلاب
-إذا قدر لليهود أن يخرجوا فمن سيخرجهم غيرنا؟
-من يقتل كل يوم غيرنا؟
-ومن قتل عام ١٩٥٦م؟ من قتل في اليمن؟ من قتل عام ١٩٦٧
-يظن العجوز أن المحافظة على بنت نصف بارية هي كل شيء.
-علينا أن نبدأ من الصفر.
-أن تزاح عن صدورنا الكوابيس.
- لا أحد يريد أن يجيبني أهو موجود؟
-طيب يا أخي إذا حكمنا بالفوضى الضاربة في كل مكان، فلا يجوز أن يوجد.
-أليس من الجائز أنه يملك ولا يحكم؟
-والمصريون من عباده؟!! ص ٣٦ - ص 31
هكذا ينكر نجيب محفوظ وجود الله في صورة تساؤل لا جواب عنه سوى أنه من الجائز أنه يملك ولا يحكم!!
وسخرية أخرى أن المصريين يعبدون هذا الإله الذي لا يحكم وقد حسم الكاتب أنه لا يجوز أن يوجد هذا هو الفكر الشيوعي الذي روج له هذا الكاتب.
هبي.. رياح رمضان
عبد العظيم بدران
azim@islamway.net
بأطيب النفحات بأرق النسمات بكامل الرحمات..
بمفاتيح الجنات بتنحية الشهوات بحجب الفتن والمضلات..
هبي بسبحات النور، بأصوات المآذن بخشوع المصلين..
انثري بأسماعنا آيات الرحمن، وكلمات القرآن، وعبق الفتوح والفرسان..
هبي رياح الخير املئي به كل مكان عطري كل بيت..
قيدي كل شيطان من الإنس كان أو من الجان..
اقتلعي خيام المقيمين على المعصية اكفني قدورهم أطفئي نيرانهم..
فتشي في خبايا الفساد وأوكار الظلام اخرجي كل يد تنسج الفتن..
احملي البشرى لكل المستضعفين لكل الصابرين وهم يحتسبون..
اصنعي بنسماتك مطلعًا للفجر، طالما انتظرناه بعد طول عناء..
هبي يا رياح رمضان..
أزيحي عنا هذي الظلم.
أميطي عنا ذاك اللثام، وفكي اللسان لحسن الكلام..
أذيبي تلك القيود، وهذي العقد، فكم نبغي لها من يذيبها.
هبي ونادي بكل المسلمين:
يا قوم هبوا للكفاح، فالنصر لاح مع الصباح... والفجر عند صعودكم في كل ساح.. فالطفل يصرخ مستغيثاً: كل من في القدس ناح.
من فعل أوغاد صهاينة يدوسون الحرم.. لا يرقبون بأي مؤمنة ضميرًا، ما لكم أين النشامى والوعود وأين جيشكم انصرم؟!
يا قوم هبوا من رقاد كاد يأسر أمرنا ... قد كاد يحطم صدرنا..
قد أوثق القيد الحديد بكفنا.
يا قوم هذا يومنا، وغدًا عليكم فارقبوا.. لا يكتفي النذل الجريء بهتك عرض
فانهضوا.. فهرولوا..
لا يرتوي من شرب دم للرضيع من قبل أن يطغى شرار الجند زحفًا بيننا.
لا ينفع الشجب الكثير ولا القليل وإنما..
بالجيش ينهض بالأشاوس يملا الجو كما..
يملؤه الصقر الذي قد هام في كل السما..
فالنصر لا يخطئ قومًا قد أقاموا موعدا..
للثأر من نذل جريء يحمل الحقد بدا «1»..
يا قوم هبوا للكفاح فما لكم من مستقر والنيل والبترول حكم القوم شر مستطر..
والعز عند صعودكم في كل سهل أو جبل..
والنصر في قرانكم يغزو يهود بلا كلل..
هبي يا رياح رمضان.
احملي حنين المشتاقين إلى أعلى عليين..
واسمعي لشكوى المشتكين من كل أمر تعرفين
وابكي لهم، ولحالهم، والكل يعرف ما لهم.
هتك الوحوش بيوتهم، ضرب الرصاص صغارهم.
سرق اللصوص حبورهم والكل لا يرثي لهم.
والله في كلُّ لهم، لولاه ما كنا لهم..
يا أيها الريح التي مرت على أرضي
الحزينة... لوددت أني كنت عصفورًا يطير إلى
المدينة «2»
لأرى وجوه البائسين بكل أرض مستكينة...
ولأرقب الوغد الذي عاث الفساد، بل ضميرا
وبكل أحجار الجحيم أصبها فوق الرؤوس..
الأخلص الأهل الذين تجرعوا مر الكؤوس...
من شر قوم ما لهم عهد وهم شر ضروس.
الهوامش
«1» أي أن الحقد لم يكن في قلبه فقط إنما بدا على ظاهره وأفعاله.
«2» أي مدينة القدس.