العنوان المجتمع الثقافي (عدد 1489)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1489
نشر في الصفحة 52
السبت 16-فبراير-2002
▪ رحلة الخلود.. وليد مسملي
(١)
جلس منهك القوى خائر العزم ينظر حوله فلا يرى إلا الدمار والخراب، ولا يستنشق إلا روائح الدخان المتصاعد.. يهوله منظر الأشلاء الممزعة، والدم القاني الذي يصبغ وجه البسيطة فيتركها كئيبة، توحي باليأس من المأمول والهلع والخوف من المستقبل.
وهو كذلك أخذ يدور في عقله شريط الذكريات فيذكر خبرًا من أفزع ما رأى وسمع.. يذكر ذلك الشاب المؤمن الطموح يوم كان سعيدًا، باسم الثغر، يلهج لسانه بذكر الله، والابتسامة لا تفارق محياه، يوم كان في ذلك المنزل الجميل المنقوشة عليه آيات من القرآن الكريم.. مع أبيه المربي الفاضل، والمزارع الكادح، ومع أمه الجنون ربه البيت.. وهو يخاطب أباه قائلًا:
أبي سوف أصبح بعد قليل***يشار إلى أنا بالبنان
يقولون ذاك الغلام النبيل***وأصبح بالعلم ملء المكان
يسطر تاريخنا علمه***وينشد أشعاره ذا الزمان
أبي سأكون رسول سلام***وأنشر في الكون هذا الضياء
وأبعث في الكائنات الحياة***وأفرش أرضي بفيض السماء
وأقمع أعداء كل جميل***وأغرس في الأفق سيف الإباء
▪ الأب:
أرى همة جاوزت عصرها***ومنها سيصدر عز الدهور
ومن أفقها لمعت نجمة***تنير الدروب بكل العصور
أيا ولدي هاك لب أبيك***فسر للعلا ولتجيش الصدور
▪ الغلام:
أبي أنا بالله أمضي أرى***هنائي في دعوتي للوري
أعيدهم لطريق الهدى***وأهديهم للعلا معبرًا
أقودهم لنزال العدا***لنستشهد اليوم أو ننصرا
▪ الأب:
عرفت بني سبيل الخلود***وأدركت سر صلاح الوجود
ومن همتها قد بدأت الطريق***فثم وعود وثم وعيد
نعيت إلى حياتك إذ***أرى في جبيك وسم الشهيد
فكن يا بني ذكي المقال***سعيد السماع لبيب الفعال
فقد يرصدون عيونًا ترى***تحس الخطأ وتثير السؤال
وكن رجلًا قد يرى كالرماد***توقد جمرًا على كل حال
▪ الغلام:
أبي لا عليك فربي معي***وقرآنه حل في أضلعي
وأمشي على سيرة المصطفى***وما في للذل من مطمع
وما أنا بالحب مهما دنوا***فلي أفق ليس كالمطلع
يمسك الأب بولده وفي عينيه دمعات الحب والخوف معًا، وعينا الغلام تبرق بالإصرار والثبات، ثم يهزه هزة قوية لينتقض عنه كل ما يجرح الإخلاص ليمنحه معنى التجرد والإيمان بالفكرة
(۲)
لم يكن الغلام المؤمن يدرك أن العدو كان يحصي عليه كل كلمة يقولها.. ولم تسعف الأب في ثورة النشوة ذاكرته بما تعوده من أفواج الجواسيس مباغتته بما لم يحسب حسابه.
بعد ذلك الحوار الذي دار بين الأب وابنه التفت جاسوس إلى رئيس الجواسيس وفي وجهه علائم الذعر والخوف على عرش «ربه» وقال:
أيا سيدي ما الذي يا ترى***سيصنع في الغد ذاك الغلام!
أرى في يديه زناد قتال***ولعمًا وقنبلة وسهام
فلا بد من سجنه عاجلًا***لئلا يثير سكون الظلام!
سدد رئيس الجواسيس نظرة شزرًا إلى ذلك الجاسوس، ونفث موجة من الدخان المتصاعد من سيجارته المحترقة وبدت عليه أمارات الإعياء من جراء عمل متواصل في سبيل استتباب الأمن، وقال:
غدًا ستجيء، به ههنا***لننظر في أمره جيدًا
فإني على موعد مسبق***وأكره ليلي أرى سيدًا
سئمنا التنصت فلننطلق***بعيدًا نلبي لها موعدًا
قام الرئيس ومشي متثاقلًا وكأنه أمضى يومه وليلته في الشراب ومضى شبحًا مخيفًا في ذلك الليل البهيم.
جلس الجاسوس حانقًا على ذلك الغشوم الذي يقتات على جهد أتباعه الأغبياء، ويلقنه كل يوم درسًا في الذل والخضوع أمامه، ويدربه تدريبًا قاسيًا على الطاعة العمياء دون أي سؤال أو استفسار.
أخرج زفرة عميقة فاحت لعنات على ذلك الرئيس الديكتاتوري وكل من هو على شاكلته من العنجهيين الذين يصبون حنقهم على أتباعهم فيفرغون هم ذلك الخنق على الأبرياء تنهد مليًا ثم قال:
أرى الكون يلعنكم كلكم***ويسفهكم أيها الجبناء
خلقتم قلوبًا أنانية***وصدرًا حقودًا وخوف ظباء
طلعتم على الكون زائدة***وعشتم جمودًا كسيل غثاء
تنادون بالعدل في معشر***فكيف وأنتم قطيع ذئاب
تبيتون في حضن مؤسسة***سكارى على نتن وخواب
تزيف للشعب هيئاتكم***ونحن نرى خسة كالكلاب
غدًا وغدًا وغدًا وغدًا***وفي كل يوم يجيء غد
وفي كل يوم لنا لعبة***نداعيها فتكل اليد
فإما شبعنا أسلنا الدما***نقهقه: سوف سيجيء غد
جيء بالغلام الشامخ مقيدًا يسوقه جلادان، وهو يتمتم بعبارات غير مسموعة وكأني به يقول: اللهم اكفنيهم بما شئت.. اللهم ثبتني على الحق يا رب العالمين.
رماه الجلادان أمام هيئة التحقيق ليحاكم وينال جزاه.
▪ المحقق:
فتبًا لكم يا دعاة الفساد***تريدون إرهاب أمن البلاد
كشفنا تأمركم واضحًا***فمن سوف ينكر سوف يباد
فكن هادئًا ثم قل في هدوء***لنا اسمك حتى يعم الوداد
▪ الغلام:
أنا اسمي أسامة لا تنسني***وأمي الشريعة نعم الوطن
وفي خافقي ثقة في الإله***وفوقي مسوح تسمى كفن
أرى جنة فتحت بابها***فليس سواها لقلبي سكن
المحقق: «وقد تغيرت سحنته وانتفخت أوداجه وقال بلهجة المغضب».
كما أنتم لا يفل الحديد***غير الحديد فسوف ترى
أخذوه لحفلة تعذيبه***ورووا السياط دماء القرى
وبالكهرباء قلموا ظفره***ليأتي يقول لنا ما نرى
اتجه المحقق إلى أذنابه القابعين خلفه تلفه سحابة من الدخان المتصاعد من فمه، وأطرق يفكر تعلو فمه ابتسامة التشفي وتبرق من عينيه نظرات الظلم.
ويساق الجسم الطري إلى أول حفلة تعذيب فيسمع صياحه وعويله الظالمون فيضحكون، ويسمعه المخلصون بقلوبهم فلا يزالون يتألمون، تطول اللحظات الرهيبة حتى كأنها سنوات وهو صابر محتسب.. والوفد الحاقد يقهقه فرحًا.
يخفت الصوت الجريح شيئًا فشيئًا.. لقد فقد وعيه من شدة التعذيب.. رشوه بالماء.. وأمروا على أنفه زجاجة بعد أن فتح رباطها.. فاستيقظ بين الموت والحياة.. فساقه الطغاة مجندلًا إلى التحقيق مرة.
لقد تغيرت ملامحه تمامًا.. عين أكبر من عين.. خد مخدوش.. فم مقطوع تكسوه الدماء.. ظهره لهب حارق.. ورجلاه نار تلتهب.. ويداه تورمتا وقد أكلتهما السياط.. اختلط الماء بالدم فصار وجهه لوحة زيتية عبث بها رسام يده مبتورة لا يعرف إلا اللون الأحمر.
المحقق يبتسم وهو يمسك بقدح من الخمر والزبانية يتضاحكون وهم ينظرون إلى الضحية تلفظ أنفاسها الأخيرة.
▪ المحقق:
فلسنا نريد سوى كلمة***تفوه بها ثم عد آمنا
تضيع علمك في لحظة***وتنسي فضائل حكامنا؟
وأما أبوك فهه قد قضى***لماذا تزيد من آلامنا؟
الغلام أسامة: بصوت متهدج لا يكاد يسمع:
أنا بعت روحي لربي ولا***أقيل ومن يستقيل الإله؟
ومن أجل ديني يهون العظيم***وفي دعوتي قد وهبت الحياة
أردد- والكون يصغي: أنا***لربي ولا رب عندي سواه
كانت تلك آخر كلمة يقولها ذلك الشاب الداعية، وهكذا طوى الزمان صفحة من صفحات الدعوة المشرقة، حياة شبل من أشبالها تربى على المعاني السامية، فمات في سبيلها وانطلق في رحلة الخلود.
التفت الرجل إلى الأشلاء.. ثم أعاد الشريط وضغط زر آلة التسجيل ليمحو ذلك العار الذي سجله التاريخ على جيلنا المنكوب، ولكن هيهات إنه التاريخ لا يحابي، وأن الظلام الذي حاكه الظالمون ليبدده النور الذي أنكاه دم ذلك الشهيد.
▪ واحة الشعر.. في رحاب عرفات
شعر: محمد أبو العز
وركب كمثل الفجر يقبل مشرقًا***بهيًا مضيئًا باسم القسماتِ
يجئ إلى أرض الحجاز ملبيًا***عليه وقار واثق الخطواتِ
يسير بأرض سار فيها نبينا***يُنير بهدي حالك الظلماتِ
مطهرة الأجواء طيبة الثرى***منورة الأعلام والجنباتِ
ملائكة الرحمن تزجي تحية***لزوار بيت طاهر العرصاتِ
هنيئًا لمن لبوا نداء مليكهم***وجازوا إلى أم القرى القنواتِ
وجاؤوا يحثون الخطى لمغانم***وكلهم شوق إلى عرفاتِ
كأنهم ما عاينوا من مشقة***وما كابدوا في الدرب من عقباتِ
إذا شاهدوا بيت المليك تحادرت***دموعهم كالغيث منهمرات
ِيطوفون بالبيت المطهر سبعة***متممة الأشواط مكتملاتِ
وزمزم يجري ماؤها متدفقًا***تفيض على قصادها البركات
ِويسعون سبعًا بادئين من الصفا***يسيلون في الوادي مسيل فراتِ
ويوم يرى فيه الحجيج كأنهم***لحشرهم سيقوا بغير أناة
أفاضوا من «الخيف» الرحيب ومن «منى»***ومن كل فج فقد أتوا عرفاتِ
وقد لاح نور الفجر في كل جبهة***مطهرة فيها سنا السجدات
ِوفي عرفاتِ الله أعظم مشهد***كمشهد يوم العرض بعد مماتِ
يباهي به الرحمن أهل سمائه***ويدنوا إليه ينشر النفحات
ِيقول انظروا ها هم عبادي قد أتوا***يرجون نيل العفو والحسناتِ
فأشهدكم إني محوت بعزتي***وعفوي وجودي ماضي الهفواتِ
وأشهدكم أنى أفيض عليهم***بموقفهم من واسع الرحماتِ
وساروا إلى «جمع» يلبون ربهم ***وقد ودعت شمس السما عرفاتِ
وباتوا «بجمع» والملائك أنزلت***عليهم من الرحمن بالبركاتِ
إلى «الجمرة الكبرى» أفاضوا لرجمها***بأيديهم سبع من الجمرات
ِيذيقون إبليس الرجيم لهيبها***ويصلونه نارًا من اللعناتِ
أفاضوا إلى البيت المقدس من منى***وطافوا به سبعًا بكل أناة
وأبوا إليها يرجمون جمارها***يهلون بالأذكار والدعواتِ
ولما دنا وقت الرحيل توافدوا***يفيضون حول الكعبة العبراتِ
يودون لو أن الحجاز مقامهم***ومثواهُم مِنْ بَعْدِ طول حياة
وعادوا وقد أدوا مناسك حجهم***وسالت بهم وديان كل فلاة
فسبحانك اللهم أنت جمعتهم***صنوفًا من الألوان واللهجاتِ
وساويت بين الكل دون تفاوت***وفاضلت في الإيمان والقرباتِ
سواسية لا يعرفون وجاهة ***لمال غني أو لقدر سراة
وللحج غاياتِ ونبل مقاصد***وفي الحج آياتِ وحسن عظاتِ
وأمر بمعروف وإنكار منكر***وحلم وإحسان ووصل عفاة
وخفض جناح للخلائق رحمة***وصبر على العاني من العقباتِ
وما الحج إلا دوحة عذبة الجني***مذللة الأفنان والثمراتِ
فيا رب يسر لي بفضلك حجة***تجب ذنوبًا سودت صفحاتِي
ويا رب هل تمحي الذنوب بحجة***إذا لم تجد يا رب بالرحماتِ؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل