العنوان المجتمع الثقافي (1454)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2001
مشاهدات 69
نشر في العدد 1454
نشر في الصفحة 50
السبت 09-يونيو-2001
بقلم: أحمد الخاني
توجه رامي إلى قاعة الكلية وأخذ مكانه في الصف الأمامي، وملأ الطلاب القاعة بدأت الدكتورة محاضرتها وهي تغرب وتشرق بعينيها الغائرتين، وجبينها الناتئ ذي اللون البني المحروق. في أصل النشوء والارتقاء يقول داروين إن أصل الإنسان قرد قالتها بكثير من الثقة، ساد القاعة لغط وارتسمت على الوجوه علامات الاشمئزاز في المقاعد الأمامية لاحظت الدكتورة ابتسامتين رسمنا على الشفاة وسمعت همساً: كلام الدكتورة صحيح، تحولت كلها إلى أذن صاغية، وتفتحت أساريرها كأنما عثرت على كنز وسمعت الصوت نفسه يقول: نعم، إنني أعتقد ذلك صاحت الدكتورة بما يشبه فرحة الانتصار: اسمعوا تنبه الطلاب للحدث المفاجئ مستغربين اسمعوا، وعدة قرعات على منبر القاعة سادت لحظة صمت، وظلت الأعين محملقة في الدكتورة وقد بدت معنوياتها عالية اسمعوا إلى ما يقول زميلكم وأشارت إلى مصدر الهمس ممكن تسمع زملاءك رأيك إذا سمحت؟
قال: رامي بكل سرور، وقف مترنحاً والتفت إلى زملائه داروين وفرويد تحت الأضواء اليهودية
وقال: ما قالته الدكتورة عن نظرية داروين صحيح، بل إنني أعتقد ذلك.
ساد القاعة تداخل أصوات ثم قام طالب وسال: أنت تعتقد صحة نظرية داروين في أن أصل الإنسان قرد أنت تعتقد ذلك؟
أجاب رامي نعم نعم قال الطالب وما دليلك؟
أشار رامي بيده إلى الدكتورة وقال:
هذا هو الدليل.
صاحت الدكتورة (شمطلس) اخرج برا.
بعد المحاضرة انصرف الطلاب كل إلى شأنه، ورفع الأذان للصلاة، توجه رامي من الكلية
إلى المسجد القريب. قرأ الإمام {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } (المائدة: 79)، عاد رامي إلى الكلية.
بدأ الدكتور المحاضرة يقول فرويد تبادل بعض الطلاب النظرات، وتابع الدكتور حديثه إن الطفل يشتهي امه جنسياً في أثناء الرضاع، ولما يكبر ينصرف الدافع الجنسي إلى الـ «هي» أو إلى فتاة الأحلام ارتسمت ابتسامات السخرية على شفاه الطلاب، رفع رامي يده، قال الدكتور:
نعم، ما سؤالك؟ قال رامي: هل تقر فكرة فرويد الدين المنزل من السماء؟
أجاب الدكتور: لا أدري قال رامي: هل يقر فكر فرويد السابقة إحدى العقائد الوضعية البراهمية البوذية المجوسية أو غيرها؟ قال الدكتور: لا أدري ولم هذه الأسئلة؟ قال رامي إن كنت أنت يا دكتور لا تدري فأنا أدري قال الدكتور بضيق هات ما عندك. قال رامي إن فسيولوجية الطفل في سن الرضاع ليس لديها دوافع الغريزة لأن أداة الإخصاب لا تنضج إلا في سن البلوغ فكيف
أنضجها فرويد في الأشهر الأولى من الولادة؟ ضحك الطلاب وصاح صوت بما يشبه الهمس: لعنة الله على فرويد وعلى اليهود، تابع الدكتور كلامه وقد اصطبغت شفتاه بلون الكلس المتشقق المائل إلى الخضرة ويقول فرويد فطاشت الهمسات المزعجة من الشفاة المبتسمة ابتسامة السخرية ضرب الدكتور بقبضته على خشبة المنبر، وتابع محاضرته إن الإنسان إذا رأى فتاة في الطريق وأشاح بوجهه عنها أو غض بصره، فهذا دليل على ضعف شخصيته، وهكذا قال فرويد. تذكر رامي تلاوة الإمام، رفع يده مستأذنا، وتلا قوله تعالى﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: 31).
ألا يعلم أستاذنا الدكتور وهو رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أن النفس الإنسانية، كالحصان الجموح، وأن العقل بمثابة الفارس الذي يقود الحصان، هذا التشبيه أدركه فلاسفة اليونان منذ آلاف السنين أفيجهله أستاذنا؟
والعرب في جاهليتهم على الرغم من سذاجة علومهم وبساطة معارفهم أدركوا هذه الحقيقة
فقال شاعرهم أبو ذؤيب الهذلي:
والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع
والبوصيري وهو شاعر عصر الانحطاط.
ونحن في عصر الارتفاع - قد أدرك حقيقة النفس فشبهها بالطفل إذا ردعته ارتدع حيث قال:
والنفس كالطفل إن تهمله شب عحب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
قال الدكتور: أراك يا هذا فيلسوفاً فهلوياً.
وأديباً أريباً، قال رامي: يا أستاذي الدكتور إن الله تعالى لعن اليهود لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، بينما نسمع كلاماً في عصرنا هذا من فرويد واليهود يدعون فيه إلى المنكر وينهون عن المعروف، إن غض البصر مفتاح الارتفاع والسيطرة والاستعلاء على النفس في تطلعاتها ونوازعها، إذا لم يكن للعقل دور في قيادة مركبة الإنسان فما معنى وجوده؟ ولماذا سمي العقل عقلاً إذا لم يعقل صاحبه عن التردي، يا أستاذي العظماء صادقون مع أنفسهم، فهل تعتقد بما قاله فرويد عن نظرية الغرائز والجنس؟ صمت الدكتور برهة ونظر إلى أعلى ثم قال:
الواقع أن فرويد قد بالغ كثيراً في أمر الجنس قال رامي هؤلاء أعداء الإنسانية الذين يراد لنا نحن المسلمين أن نتطبع بطبائعهم ونتخلق بأخلاقهم.
صديقي
د. طارق البكري
docbakri@yahoo.com
كنت أبلع ريقي حال مخاطبتي إياه، متلمساً أطراف أناملي، مراقباً كلماتي المرسلة بتؤدة شديدة واختيار حريص خلاف غيره من الأصدقاء، وأظل مبتسماً مهما تداعمت الخطوب خشية استفزازه وانتشاله من لحظات الهدوء النادرة التي كنت أعشقها وأعرفها كخبير محنك
يميز بين الماس الحقيقي والمزيف. عرفته منذ زمن بعيد، لا أدري متى تحديداً.
ربما من ثلاثين سنة، وربما أكثر، حتى أني نسيت كيف التقينا وفي أي مناسبة، ولماذا أغرقت في ود هذا المصقول بالتجارب والزاخر بالخفايا؟!
كان صديقي القريب، وكنت صديقه الوحيد بقيت صامداً رغم انفضاض الكل عنه، وتأرجحه في دوامة من الحدة التي تفشت في نفسه وأضحت طبعاً أصيلاً لا ينفك عنه في أفضل الظروف والمواقع.. وعصبيته الزائدة.. فتاكة لطالما نسفت كل الأشياء الجميلة التي يخفيها تحت كومة من الأشواك المسننة الحادة.
عاش حياته متناقضاً لا يمكن أن تفهم ما يريد ساعة تراه محباً طيباً ليناً، مستعداً للتنازل عن كل ما يملك لقاء ابتسامة، يتلقاها رضية من محتاج وفجأة، دون إنذار أو سبب مفهوم، ينقلب قاطعاً خيوط التماس، وغالباً ما قذف بعضاً ممن يكون حوله بكأس ماء أو بملعقة أو بجهاز هاتفه النقال، لسبب أو لغير سبب. ورغم هذا أحببته بصدق، ربما أكثر من زوجته وأولاده الذين فروا يائسين خائفين عيل صبرهم فتركوه يمارس هواية القسوة وكأنه يتلذذ عندما يمعن حتى الإضرار.
نعم أحببته، لامني الناس على محبتي، حتى زوجتي فالأمر لم يكن بيدي، كنت أتنازل عن رأيي الذي اعتبره صائباً، وأتخلى عن كبريائي
واعتدادي بنفسي أمامه.. لأني أحببته بصدق وأمنت بطيب معدنه ولو بدا للناس غير ذلك.
في البداية حاولت جاهداً ثنيه عن عصبيته الفريدة من نوعها، ثم تراجعت مرة قلت مستغلاً لحظة صفائه بشكل عارض: «إن الغضب مطية الضعفاء، فانقض علي وكاد يهشم رأسي لولا
فراري من أمامه فرار الشجعان ومازلت أذكر ذلك النادل المسكين الذي كسر له عظم يده لأنه أوقع على ثوبه الجديد قليلاً من الشورية.. عن غير قصد، فقعد في جبيرته الأيام وصديقي حل ضيفاً على السجن إلى أن رفق به النادل وتنازل عن حقه بعد إلحاح ورجاء وتعويض مجز مني.. كان سراً لا لشيء إلا مخافة أن يصيبني ما أصاب النادل المسكين. لم أفهمه يوماً .. ربما لقصور في نفسي، وربما لعجز.. لكن هل كل الذين كانوا يحيطون به عاجزون مثلي؟! لست أدري كان يفعل المستحيل من أجل إنفاذ حاجة الإنسان وإن كان لا يعرفه، فقد كان خدوماً إلى أبعد الحدود.
كنت معجباً كثيراً بإصراره الفريد على فعل المستحيل، فلا يتردد في الدخول إلى مكتب مسؤول كبير وحتى وزير من أجل حل مشكلة إنسان تعرف إليه قبل لحظات. وربما على باب المسؤول.
نعم.. أحببته، رغم كل عصبيته.. لأنه كان صادقاً في كل شيء حتى في غضبه وعنفوانه وثورته. اليوم صباحاً ودعته للمرة الأخيرة، لأنه غادرني رغم أني كنت لصيقاً به على عكس إرادته ودعته من نافذة أغلقت عليه بهدوء دون أن يعترض كعادته، رافقته وحدي وبعض البسطاء الذين
لا يعرفونه.. حتى أقاربه لم يأت منهم أحد. تركته هناك.. تحت الرمال الرطبة .. فوقه شاهد صغير، مؤكداً له أنني سأزوره من وقت لآخر متفقداً ومستذكراً أيامه التي لا تنسى.. موصياً بمكان يكون لي بالقرب منه.
ومنذ ذلك اليوم، ورثت عنه العصبية.. فقد أصبحت وحيداً رغم كثرة الذين هم حولي... شعرت أني فقدت الصدق الطبيعي التلقائي.
والآن.. الآن فقط.. بعدما لملم أوراقه وتركني في وحدتي.. فهمته.. نعم فهمته.. ربما أبلغ مما أفهم نفسي
واحة الشعر
الجوارح والكواسر
شعر: محمد أبو دية
بين الحين والآخر يوجه بعض الملثمين إنذاراً إلى المعتدين من اليهود الصهاينة ليكفوا عن عدوانهم المستمر على الشعب الفلسطيني، وبعد فترة لا يطول انتظارها، يفجر الاستشهاديون أنفسهم في التجمعات العسكرية في العمق اليهودي أو في المغتصبات المستوطنات.
حاذر من الليث إن الليث غضبان والغاب بالأسد والأشبال ملان
والجوارح صيد حيثما ذهبت وللكواسر أظفار وأسنان
وللمقنع إنذار يصدقه أهل التجارب والتجريب برهان
قال المقنع، ما أحلى مقالته نحرر الأرض والأرواح أثمان
إن نام أهل الحمى في الليل نحرسهم العين تسهر والخفاق يقظان
صبت يهود على بيتي جرائمها نار وموت وتدمير وأحزان
براً وبحراً أتى من كل نائية روم وروس وأحباش وطليان
البر والبحر والأشجار تلعنهم والله يلعنهم والإنس والجان
أذنتهم بثلاث لا أكررها زولوا عن القدس أهل القدس شجعان
حذرتكم مثلما قالت شريعتنا فما سمعتم فهز الأرض بركان
أشلاؤكم نثرت في كل زاوية قد راح يجمعها في الكيس ولهان
في تل أبيب جنازات تسير بها نحو القبور خواجات ونسوان
غداً ستبكي عليكم ألف نائحة وسوف تفنى من الأسواق أكفان
نحن الشباب وقد لان الحديد لنا قول وفعل وإصرار وإيمان
ونكتم السر لا يدري به أحد شاباك تفشل والموساد حيران
إن طاح منا شهيد قام صاحبه حتى يزول عن الأوطان عدوان
بيت الشهيد به في الليل تهنئة وللشهيدة تكريم ورضوان
قالوا هو العنف قلنا تلك عادتنا مع العدو الذي أغراه شيطان
قالوا السلام فقلنا لا أبا لكمو هل يعرف السلم إلياهو ودايان
صوت البنادق يوم الحرب يطربنا وللرجال من البارود قمصان
ولن نكف عن الهجمات ما بقيت في جنة الحسن حول القدس غربان
قصة روايتين.. وثلاثة كتب
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
لا ريب أن الشجار الذي جرى إثر نشر رواية وليمة لأعشاب البحر، للكاتب السوري حيدر حيدر، خلف ندوباً وجروحاً غائرة في الوجدان المصري والعربي العام وكان من الصعب.
والفتنة مشتعلة، وقوى الشر تزيدها اشتعالاً، وتحرق مسيرتها لتحرق هياكل ثقافية وأبنية فكرية ووسائط صحفية - أن يتعرف الناس إلى الحقيقة في رواية رديئة لكاتب مغمور، طفا على سطح الشهرة فجأة، وصار نجماً تطير إليه الصحافة، وتطلبه التلفزة، وتهاتفه الإذاعة.
مضى وقت حتى خرجت أعمال مستفيضة تناقش الرواية وملابساتها، وتدلي بأحكام علمية أو مذهبية أو انطباعية، من خلال قراءة متأنية هادئة، تصل إلى رصد الإيجابيات والسلبيات أو
واحدة منهما دون الأخرى.
أول الكتب كان للدكتور جابر قميحة وصدر عن دار الاعتصام بالقاهرة، وعنوانه رواية وليمة لأعشاب البحر في ميزان الإسلام والعقل والأدب، ويقع في نحو ٢٥٠ صفحة من القطع الكبير، وقد خصصت له مقالة مستقلة عرضت فيها المضمونه ونتائجه، والكتاب يعتمد منهجاً علمياً صارماً، يدرس الرواية دراسة فنية شاملة، يمهد لها بطرح مجموعة من الظواهر الشائعة في الواقع الثقافي، ويربط بينها وبين ما أثير حول الرواية في إطار الحملة التي يشنها البعض ضد الإسلام والحركة الإسلامية، ومع أن الكتاب يرصد بعض نقاط الضوء في الرواية إلا إنه يتوصل في النهاية إلى نتيجة سلبية في الحكم على الرواية تصفها بالسقوط والرداءة.
الكتاب الثاني الغه الصحفي اليساري حلمي النمنم، وصدر عن دار الحرية بعنوان وليمة للإرهاب، وهو يتبنى وجهة نظر مؤيدة للرواية على طول الخط مع هجاء المعارضين لها. والتشنيع عليهم، والتشهير بهم، وأحكامه مطلقة
لا تستند إلى دليل أو منطق مقنع، الإيجابية الوحيدة إن صح أن تسمى إيجابية هي تسجيل مجموعة من وثائق الفتنة وبياناتها مثل تلك التي تتعلق باللجنة الرسمية التي شكلتها وزارة الثقافة أو بيانات الأزهر وغيرها.
الكتاب الثالث: الذي سنتوقف عنده هو قصة روايتين المؤلفة رجاء النقاش، وصدر عن دار الهلال، والكتاب في مجموعه عبارة عن فصول نشرتها مجلة الوطن العربي التي تصدر في باريس، وهو كتاب يتسم بالاعتدال إلى درجة ملحوظة، ويتطابق في نتائجه إلى حد كبير، مع ما توصل إليه الدكتور جابر قميحة في كتابه، لكن الجديد لدى رجاء النقاش هو كشفه عن رواية أخرى لكاتبة جزائرية اسمها «أحلام مستغانمي اعتمدت اعتماداً شبه كامل على رواية الوليمة وأخرجت منها رواية جديدة بعنوان ذاكرة الجسد، تتطابق مع شخوصها وأحداثها وبالإضافة إلى ذلك فإن رجاء النقاش يطرق قضية أخرى خطيرة هي الأدب الحزبي أو الحزبية في الأدب، وهي سبب كثير من التشويش الذي يغلف حياتنا الأدبية.
ويحمل رجاء النقاش على الشيوعية والنازية والفاشية التي صنعت الأدب الحزبي ولم تخلف وراءها نصاً له قيمة أدبية، ويضرب أمثلة عديدة بما جرى في الاتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين وغيره من تضييق على حرية الإبداع، كما يكشف عن فشل جميع المحاولات في خلق أدب حزبي ناجح ومؤثر.. ومن هذا المنطلق يضع رواية حيدر حيدر في قلب الأدب الحزبي، بل أدب «التكفير والهجرة على الطريقة الماركسية، مما أضعف موقفه الفكري والإنساني، وأضر بسلامة فنه الروائي (ص ٨٦). إن الأدب القائم على القيم» مثل العدالة والحرية واحترام الإنسان والمساواة بين البشر. هو الأدب الذي يمكن أن يكون جميلاً وصادقاً ومؤثراً في مسيرة الإنسان والحضارة. ومن هنا نجحت - كما يرى رجاء النقاش - رواية الإخوة الأعداء» للكاتب اليوناني كازاتنزاكس، أما رواية حيدر حيدر فلا تحمل غير ومضة تتمثل في قصة الحب العذرية الرقيقة بين آسيا ومهدي جواد كانت هذه القصة نغمة صافية إنسانية في الرواية من أولها إلى آخرها، ولولاها - كما يقول رجاء - لما كان مصيرها غير سلة المهملات الأدبية، لأنها رواية حزبية بالمفهوم الضيق للحزبية، وهي رواية تخلو من أكسوجين الفن الإنساني الحر مما يؤدي بها إلى أن تكون حجرة مغلقة بلا نوافذ، ومصير من يبقى فيها هو الاختناق (٩٥). إن الوليمة بعيداً عن هذه القصة - حب آسيا ومهدي - رواية لا يطيقها العقل، أو القلب، أو الذوق، أو المنطق الموضوعي الذي يحرص على تصوير النماذج الإنسانية المختلفة المتنوعة بعمق وصدق حتى لو كانوا على اختلاف مع أراء الكاتب الحزبية، فكل من هم ليسوا ماركسيين في الرواية يظهرون في مظهر تافه شرير سطحي ولأن الرواية سياسية بالدرجة الأولى، فإن رجاء النقاش، يرى أنه لا يمكن محاسبتها فنيا فقط، بل لابد من محاسبتها فكرياً أيضاً.
ويتوصل رجاء النقاش إلى أن الرواية منشور سياسي أو أقرب إلى منشور سياسي منها إلى عمل فنى له جوانب إنسانية مؤثرة متعددة فالرواية لا توجد بها شخصية يتعاطف معها الكاتب إلا الشخصيات الماركسية، ولا توجد فكرة يحترمها الكاتب إلا الفكرة الماركسية المتشددة ولا يوجد حزن في الرواية يتدفق إلا على الماركسيين الذين لم ينجحوا في تجربتهم الثورية بقية الشخصيات كلها هامشية، وبقية الأفكار لا قيمة لها .. (ص ٩٤). إن حيدر» لم ينتبه إلى المسافة الواعية الضرورية التي كان ينبغي أن تمنع الفنان من أن يختلط بأبطاله ويفنى فيهم ويترك لهم الحبل على الغارب ليفعلوا ما يشاءون بأنفسهم، وبه، أي بالمؤلف نفسه (ص ٦٧). ولا يوافق رجاء النقاش أولئك الذين يسوغون البذاءة في التعبير ومجافاة الذوق بحجة الواقعية أو التعبير الواقعي، فالإنسان يدخل الحمام يومياً، فهل يأتي رسام ليصور لنا هذه الصورة بحجة أنها واقعية؟ ليست هذه واقعية ولكنها سخافة وقلة ذوق - حسب تعبير النقاش. ص ٦٩ - ويتساءل رجاء ما الحكمة في تقديم مهيار» وهو مثقف ثوري محبط على أنه أنه سافل ومنحط، ولا يراعي مشاعر أحد في تعبيره عن أي شيء حتى عن الدين؟
رجاء النقاش يقع في التناقض ومع ذلك فإن رجاء النقاش يقع في تناقض غريب، ففي الوقت الذي يثبت فيه أن حيدر توحد مع روايته وأبطاله، يحاول أن يقنعنا بطريقة غير منطقية أن الوليمة في جوهرها تثبت أن حيدر أكثر تديناً، بل أقرب إلى التصوف الديني العميق من المتطرفين الذين انتقدوه باسم الدين (ص٧٣) ويسجل رجاء هذا الرأي في أكثر من موضع (انظر مثلاً ص ٧٥ - ٧٦).
المفارقة التي يسجلها رجاء - كما سجلها غيره.. هي أن حيدر لا يفرق بين آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، بل يكتب هذه وتلك بصورة تشير إلى بعده الكامل عن الثقافة الإسلامية، بل إنه نسب في روايته إلى الرسول أنه اتخذ خليلات وجواري وزوجات، وهو ماكرره على الهواء في حديث تلفزيوني حين استبدل لفظة عشيقات. بخليلات هذا فأي تدين. الذي يصف به رجاء مؤلف الوليمة؟ ثم إن حيدر نفسه ينتمي إلى طائفة تسمى «النصيرية ويطلقون عليها مجازاً لفظ «العلوية»، ولعلماء الدين وفقهائه رأي أو موقف سوف يزعج رجاء النقاش أو يدهشه على الأقل، لأنه رأي علم وأصول ولأن مصرية رجاء النقاش تدفعه إلى تفنيد ما زعمه حيدر» حول صورة المصريين، فأعتقد أن إسلاميته - وهو ليس متطرفاً - كان ينبغي أن تدفعه إلى تفنيد ما زعمه حيدر حول الإسلام والمسلمين، وهو ما تولى الدكتور جابر قميحة القيام به في كتابه. تبقى إشارة ضرورية إلى انتقاد رجاء لمن دافعوا عن الإسلام أو انزعجوا مما ورد في الوليمة حوله، وتتمثل في مفهومه أن الإسلام لا يضيره ما كتبه حيدر أو غيره، لأنه دين قوي وراسخ وصامد، وينتصر على أشد أعدائه وأقواهم منذ البعثة المحمدية، وهذا صحيح، ولكن إهانة الإسلام والشرائع السماوية عامة أمر غير مقبول، ولا يصبر رجاء النقاش نفسه أن يشتمه سفيه أو يسبه حقير، ولكن تبقى الشتيمة أو السب عملاً غير مسوغ، ولا يمكن أن يقره أحد. وإذا كان المسلمون في زمننا لا يستطيعون الدفاع عن دينهم التي توجه إليه الطعنات والإهانات من هنا وهناك، فإن غيرهم يعرفون جيداً كيف يؤدبون من يقترب من عقائدهم، والأمثلة أوضح من أن تذكر.
ضمن نشاطات رابطة الأدب الإسلامي العالمية:
الأدباء يحلقون في فضاء الشهادة في موعد مع القدس
عمان: محمد شلال الحناحنة
كان نشاط رابطة الأدب الإسلامي العالمية من خلال مكتبها الإقليمي في الأردن زاخراً في دورته الحالية مع بداية هذا العام إذ تعدى أعضاءها العاملين لدعوة مجموعة من المثقفين والمفكرين في مؤسسات أخرى كالجامعات والاتحادات الأدبية في الساحة الثقافية المحلية.
كما تميز هذا النشاط بالحضور الفاعل والحوارات الواسعة، ومن هذه النشاطات أمسيات شعرية وقصصية وندوات أدبية.
● التحليق في فضاء الشهادة
فارس الأمسية الشعرية الأولى في الرابطة الشاعر الإسلامي غازي الجمل، وهو شاعر جماهير الحركة الإسلامية في الأردن، ومن شعراء الجهاد الفلسطيني، وقد ألقي عدداً من قصائده منها ابن الشهيد) وفي (الغربة) وهجرة المصطفى)، و (لغة العيون وغيرها. وقد حضر هذه الأمسية جمع من أعضاء الرابطة وجمهورها، وتميزت بتفاعل واضح بين الشاعر والحضور، إذ زف لفلسطين بكل جراحها وأحزانها أعراس البطولة والفداء وتراوحت لغته بين الابتكار والجاهزية، وعبرت صوره الشعرية عن قدرة فائقة على الالتحام بهموم الأمة، بكل جزئياتها ومواجعها، وقد قوطع بهتاف الاستحسان مرات كثيرة، إذ استطاع أن يثير دهشة الجمهور عبر إلقائه الإيقاعي الجميل. وفي نهاية الأمسية تساءل بعض النقاد فايروا حوارا مدهشا هل يبدا الشعر الحقيقي القادر على أن يهزنا من خصوصيته وما مكانة القيم الجهادية في ضمير الأمة وشعوبها؟ وكيف نوظف الرمز الديني لننهض بقصائدنا؟! وما مدى أهمية الاقتباس القرآني في إثراء الصور الشعرية؟ أين نضع مقدمات القصائد أهي مع الشاعر أم عليه؟! وقد حاور الشاعر الدكتور الأديب عودة أبو عودة، والناقد عباس أمير والشاعر فتحي غانم، والشاعرة نبيلة الخطيب والقاص عبد الغني عبد الهادي، فطرحوا المزيد من الأسئلة النازفة!!
● حين تزمجر حجارة فلسطين
جاءت الأمسية الشعرية الثانية للشاعر الطبيب عبد الله عبد الرزاق السعيد، وأدار الأمسية وقدم لها الشاعر فتحي غانم، ثم ألقى الشاعر من خلال إيقاع خليلي جهير عدة قصائد صافحت فلسطين الجريحة وباركت السواعد الضاربة لمجاهديها حين تزمجر الحجارة ويزغرد الرصاص، ومن هذه القصائد: (تحية الأطفال الحجارة) (الأقصى الجريح) (ياقدس) نطق الحجر).
وقد استنهض في هذه القصائد الهمم الشامخة، رافضاً الضيم والهوان، ماضياً مع مواكب الصامدين المجاهدين، معانقاً شموس الشهادة مع ثلة التقاة القابضين على الجمر رغم ما في الأفق من مرارة وأشجان يقول الشاعر د عبد الله السعيد في قصيدة (الأقصى الجريح)
إلا هيا لننقذ أجمعينا
بيوت الله والأقصى الحزينا
ومسرى المصطفى أضحى أسيراً
يدنسه الغزاة المعتدونا
وفي ساحاته عاث الأعادي
وراحوا يقتلون الساجدينا
انرضى بالهوان ونحن عرب
ومنا المصطفى المختار فينا
سنمضي والأباء وكل حر
يريد العدل والحق المبينا
لترجع أرضنا مهما نلاقي
وأول قبلة للمسلمينا
فمن يلق الشهادة في حماها
ينل خيراً على مر السنينا
ويسكن جنة الفردوس حالاً
ولن يلقى الردى المستشهدونا
وطرحت الأمسية تساؤلات كثيرة أهمها:
ما مدى قدرة الشاعر المعاصر على النهوض بلغتنا القديمة؟!
موعد مع القدس: أما الأمسية الثالثة التي دلت على انتشار الرابطة وحيويتها وتواصلها في الساحة الثقافية فكانت للقاص نعيم الغول، وهو قاص مبدع ذو رؤية تستضيء بهدى الإسلام ولا تنأى عن آفاقه المشرقة، وقد قدم لهذه الأمسية كاتب هذه السطور إذ عرضت بداية نبذة من السيرة الذاتية للقاص وألقيت الضوء على معالم تجربته الموغلة بالغربة، والمشتعلة بصفيح المخيم والنفي، ومواجع الذات والجماعة والحق أن القاص نعيم الغول استطاع أن يشد جمهور الحضور من خلال قصصه (القرار)، (السقوط الأخير) (موعد مع القدس واعتمدت القصة الأولى على بنية الحس الشعبي المشحون من خلال التكرار أحياناً أو من خلال الجمل القصيرة والتكثيف واستخدام المفارقات المعنوية، والإلحاح على الرؤية الإسلامية في فضائها العام، واتكأت القصة الثانية على الاستبطان الداخلي) واستحضار الموروث الديني من خلال تبادل الدلالات الحركية والصوتية، وتعدد أبعاد النموذج الواحد، أما قصته (موعد مع القدس) فجاءت أقل القصص حظاً واعتناء بفنيتها، مع سمو مضمونها، وإشراقات غاياتها، فقد أثقلت بالخطاب السياسي المباشر والنبرة العالية، رغم استثمار عنصر السخرية الذي ألح عليه القاص.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل