العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1445
الكاتب : مبارك عبدالله
تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1445
نشر في الصفحة 50
السبت 07-أبريل-2001
قصة قصيرة
رحلة.. استشهادية
السيد علي إسماعيل
دفء الحياة سرى إلى جسده، وهو ينقل خطواته إلى هدفه... قدماه خفيفتان كما قد تكون الجاذبية قد تركتهما له.... أبصر السماء فكأنما هي فوق رأسه تكاد تلامسه... ليس بينه وبين الهدف «شيئًا».... ليصعد.
لحظتها بدأ يتناقل حين جالت «الحياة» بخاطره نعم كانت له أسرة يعيش بينها، رغم المضايقات المتكررة، والاستهزاء والاستهتار به وبأسرته.. رغم محاربتهم له في قوته... ومصارعته من أجل لقمة العيش... كان يشعر بالدفء عندما يجتمع على المائدة مع أخيه «الأكبر قليلًا منه» ووالدته العجوز المرسوم على جبينها هول الأيام «الطيبة الذكية، قوية الشخصية»، وجده لأبيه ذلك الكهل القعيد الذي لا يتحرك منه سوى لسانه وعيناه، يجمعهم الحب والود والعطف والحنان يتذوق - في أضيق الحدود- بينهم طعم «الحياة» لأنها خارج نطاقهم كانت لا تصلح.. في كل ما يحيط بهم يجد انتهاكًا لحقوقهم، وسلبًا لحرياتهم، «والحياة لا تصلح! إلا عندما يكون الإنسان حرًّا .. مرفوع الرأس أمنًا في موطنه»... كما كانت تردد أمه هذه العبارة دوماً على مسمعه وأخيه صباح مساء.. حين يخرجون، وعندما يعودون... على طعامهم، وبين يدي جدهم حين يحكي لهم تاريخ استبساله هو وأبوهم الشهيد في الدفاع عن بيته وأرضه التي لم يتزحزحوا عنها مهما آذوهم وعذبوهم.
كانت «حياة» مع الاضطهاد.. هناك «حنان»... «أسرة» قاومت وقاومت، ثم انهارت بعد أن استشهد أخوه.. وتوفيت بعدها والدته.. وأيضًا حينما عاد متخفيًا كعادته من إحدى المهام السرية المكلف بها .. ليصعق حين يرى بيتهم وقد تحول إلى أنقاض... دمرته الجرافات اللعينة «صاحبة صوت الدمار المرعب للأطفال والكبار....» ويصرخ... يصرخ على جده ذلك الذي نسيه الجيران داخل «ما كان يسمى بيتًا» وهو قعيد لا يتحرك فلم يره الجنود، وربما رأوه ولم يبالوا به حين حطموا المنزل.
انتهت الحياة «الحانية» التي كانت تدفئه.. فلا بيت ولا أسرة وأهل مشردون شيئًا فشيئًا نسي طعم تلك «الحياة»، مع زخم مهماته الاستبسالية التي لا تنتهي.. أصبح همه الوحيد أن يقلق جانبهم يرعبهم ينشر الذعر في أوساطهم... ساعدته في ذلك شجاعته قوته، ذكاؤه، جرأته إقدامه روح الفداء العالية التي اتصف بها.
وحين استوت الفكرة العظيمة في عقله ووجدانه.. وتمت بين أضلاعه.. تطلع إلى هذه الدنيا الفانية.. ما قيمتها إن كانت بلا كرامة؟ بلا حرية في أرضهم.. حقهم.. ملكهم.. إذا انحنت هاماتهم للطغاة فما قيمة الحياة؟.. وجدها .. وجد تلك القيمة، واضحة تتجلى فيما يشاهده من الأبطال الذين يجودون بأرواحهم بكامل حريتهم لتعود لأهلهم «الحياة الكريمة»، فوق هؤلاء الخنازير المتوحشة التي تذيقهم ويلات من ألوان العذاب لتجعلهم شعبًا بلا هوية.
ولم يتردد كثيرًا حين قرر أن يتقرب بأثمن شيء لديه نفسه، يقدمها طائعًا مختارًا «لله القهار» حتى يظلم نهار أولئك الكلاب المسعورة التي تنهش في أجساد أهله وأحبابه.. سلك طريق المناضلين. الرواد الكبار. فاخترق صمت الأموات، تنفس نسائم الآخرة، وعد ساعاته المتبقية.. التي صارت تتقلص.. تتقلص بعد أن تجهز واحتزم بحزام الاستشهاد الذي أخفته ملابسه حين اكتسى بزيهم ما عليه الآن إلا أن يتابع خطواته.. بالثقة نفسها التي تنبع من عقيدته الراسخة وتفوح من عبق إيمانه.. الثقة نفسها التي مر بها من أمام جنودهم، فخافوه كأنه سيدهم.. ومضى مضى ليس على لسانه سوى رطوبة يستشعرها وهو يسبح ويهلل ويحمد الله على أنه مر من بين أيديهم.
الحلم في طريقه ليتحقق.. حلمه في أن يرى أباه وأخاه، وجده، ويرتمي في حضن أمه، في كون هادئ فسيح أخضر لهم وحدهم.. في راحة ونعيم لا يماثله نعيم الدنيا.. ليس فيه اضطهاد، ليس فيه احتلال بل سيلقى أحبابه الذين سبقوه، وعلموه كيف يمشي في طريق جهادهم، وكيف يسعى ليعيش حرًا ليلحق بركبهم المنشود.. هناك حيث يرى «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.. ولا خطر على قلب بشر».
لكم هي بطيئة تلك الدقائق التي تفصله عن هذا الحلم الذي عاشه وكافح من أجله.. يتحسس الساعة التي بيده بعد أن جلس على أحد المقاعد ينتظر «الباص» المخطط له.. ليعرف كم تبقى عليه من وقت.. دقائق كأنها الدهر يتمنى لو يمد يده «للعقرب» يحركه بنفسه.. وما زال ينتظر.. الدقائق عنده ما زالت متوقفة لكنها تمر.
وأخيرًا .. يراه.. إنه هو ذلك هو «الباص».
قلبه ينتفض جسده يرتعش.. ويتماسك.. يتماسك.. ويخطو نحوه خطوات متثاقلة حين شعر بدفء الحياة يسري إلى جسده.
لكنه حين يتذكر أنه كانت له أسرة يعيش بينها.. ينقل خطواته في ثبات ويصعد.. يصعد إلى «هدفه».
لم تتثاقل خطوته المتبقية بل أحس بخفة عندما صعد.
جسده صار خفيفًا .. وروحه خفيفة.. يريد أن يطير.
يطير يحلق في السماء.
الرئيس الفرنسي يدعو لتحالف لغوي يواجه هيمنة الإنجليزية
دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى إقامة تحالف بين الدول التي تعتمد لغات من أصل لاتيني للتصدي بشكل أفضل لهيمنة اللغة الإنجليزية، وقال الرئيس الفرنسي لدى افتتاحه منتدى جمع بين الناطقين بالفرنسية والإسبانية والبرتغالية «إنه في مواجهة قوة نظام مهيمن، يحق للآخرين حشد القوى الإرساء المساواة في الفرص وسماع أصواتهم».
ودافع شيراك عن مبدأ «تعددية اللغات في المجتمع الدولي»، ودعا شركاءه إلى الاستثمار بقوة في شبكات المعلوماتية.. مقترحًا إنشاء موقع للثقافات اللاتينية على الإنترنت.
وأعرب عن أمله في أن تعترف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» رسميًّا بحق التعددية الثقافية، من خلال إصدار «إعلان عالمي يكون بمثابة ميثاق تأسيسي».
وكان الاحتفال بيوم الفرنكوفونية الدولي في القارات الخمس (٥٥ دولة) بدأ يوم العشرين من مارس الماضي، وهو يوم انطلاق حركة الفرنكوفونية العالمية قبل ٣١ عامًا، وتضم اليوم ٥٥ دولة من الدول الناطقة كليًّا أو جزئيًّا بالفرنسية وتمثل نحو ٥٠٠ مليون نسمة عبر العالم.
وتم إنشاء الوكالة الحكومية للفرنكوفونية في العشرين من مارس ۱۹۷۰م في نيامي عاصمة النيجر بمبادرة من ثلاثة رؤساء دول أفارقة هم: السنغالي ليوبولد سينغور، والتونسي الحبيب بورقيبة، ورئيس النيجر حماني ديوري.
وكانت هذه الوكالة تدعى لدى انطلاقها وكالة التعاون الثقافي والتقني، وضمت ۲۱ دولة عملت على إرساء قواعد المجموعة فرنكوفونية قادرة على إسماع صوتها في إطار الحوار العالمي، وتعتبر الوكالة الفرنكوفونية المحرك الأساسي للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وهي تعد برامج مساعدة وتدريب في القطاعات اللغوية والثقافية والقضائية وفي مجال الإنترنت.
المجتمع: إذا كان هذا حال اللغات الأوروبية فمن باب أولى أن يستشعر الناطقون بلغة القرآن الخطر الذي يتهددها في زمن العولمة، وأن يسعوا لاستنقاذها..
الثقافة والمثقفون (۲) من (۲)
حرية الفكر.. منضبطة أم مطلقة؟
علاء سعد حسن
بينا سابقًا أن لكل مجتمع معايير ثقافية لا يمكن تخطيها ولا تجاوزها ومتى تم تجاوز هذه المعايير الثقافية باسم الحرية تحولت الحرية إلى فوضى، فلكل مجتمع مهما كان حرًّا ثوابت يحترمها الجميع (في الغرب حرية نقد حتى الشخص الحاكم، ولكن هل النقد يكون بالمناقشة الموضوعية أم بالتصوير في قصص وروايات تصفهم بما يسيء إليهم؟).
ثمة سؤال آخر حول الحرية والإبداع: أليس الصانع الماهر المبتكر مبدعًا؟ فهل يسمح لذلك الصانع المبدع أن يصمم سيارة مثلًا دون كوابح (فرامل) أو وسائل أمان بحجة أنها ستصبح -مثلًا- أسرع وأقوى في الأداء؟
يجب أن يخضع الإبداع للعقل والمنطق وإلا أصبح هراء لا يقبل التطبيق ولا حتى التصور في عالم الواقع.
من الواضح أن الأزمة الأخيرة التي أثيرت في مصر كانت بسبب روايات تناولت العلاقات الجنسية بشكل سافر يؤدي إلى الإثارة، حيث اعتبرها الفريق الثاني (فريق المبدعين المحافظين) خروجًا على الآداب العامة في المجتمع ودعوة إلى الفحش والرذيلة، بينما اعتبرها الطرف الأول (فريق الانفلات بلا حدود) حرية إبداع ووصف المخالفين بالظلاميين وأعداء الحرية والفكر.
وهنا يجب أن نطرح سؤالًا على العقلانيين من ذاك الطرف: هل وصف ممارسات جنسية وصفًا صريحًا -دون كنايات أو غيرها من فنون اللغة المعروفة- يعد إبداعًا؟ أو ليس من السهل على أي شخص سوقي ليس عنده حياء أن يفعل ذلك؟ أم أن الإبداع في هذه الحالة معناه التطرف في ترك الحياء؟
الممارسة الجنسية عملية مألوفة في كل مجتمع، وهي تجمع بين المتعة والتستر، لأنها خصوصيات شخصية وضرورات حياتية في آن، فما ضرورة هذا الوصف الذي يخدش الحياء خاصة إن لم يكن في الإطار العلمي أو التعليمي الذي يهدف في صورة علمية وفقهية صحيحة تبصير الأزواج بما يجب أن يفعلوه؟ وهل سيأتي اليوم الذي يطالعنا فيه كاتب مبدع عبقري برواية تحكي بين سطورها عن عملية الإخراج (الغائط) داخل دورات المياه على اعتبار أنها عملية حياتية لا غنى للبشر عنها؟
في هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام لم يحجر على تناول الجنس ولا غيره من الموضوعات، ولكن في الإطار الموضوعي المنضبط بالذوق العام والأخلاق والعلم والفقه والعقل والمنطق، وقد تناول الإسلام الجنس فكيف تناوله؟
تناول الإسلام الجنس على أنه ضرورة حياتية لحفظ النوع البشري ولكونه غريزة وفطرة ركبها الله تعالى في المخلوقات، فلم يحاول الإسلام أن يتجاهلها أو يكبتها أو يلغيها من الحياة بل عمل على تهذيبها تهذيبًا يسمو بها إلى مراتب أعلى من الغريزة الحيوانية المجردة، وشجّع الإسلام على الزواج وحث عليه باعتباره الوعاء الطبيعي لتفريغ هذه الغريزة، ثم أثاب على ممارستها في هذا الإطار.
الإسلام لا ينظر إلى الجنس نظرة الفلسفات والمذاهب الأخرى باعتباره شرًّا لا بد منه يعترفون بوجوده في حياة البشر مع استقذاره وتقبيحه، ولا ينظر إليه كذلك النظرة الإباحية التي تطلقه مشاعًا، لكن يجعله من الواجبات والحقوق في الحياة الزوجية، بل لا أظن أن هناك معتقدًا غير دين الله تعالى جعل من تعلم المسائل المتصلة بالعملية الجنسية من واجبات الفرد خاصة المقبل على الزواج ليعلم كيف يؤدي ما عليه من واجبات ولا يتعدى ما له من حقوق، فأي ثقافة مفتوحة هذه وأي دين عظيم مبارك ذلك الذي لا يحجر على عقول البشر بل يستحثها على معرفة ما يصلحها في هذا الشأن الدقيق، وتتناول آدابه آيات كتاب الله تعالى وأحاديث النبي ﷺ ويخصص له الفقهاء بابًا في الفقه يختص بآداب المعاشرة الزوجية وحقوق كل من الزوجين عند اللقاء.
والقرآن الكريم يتناول هذه العلاقة الإنسانية في آيات متعددة، ومن أمثلة التناول القرآني لهذه العلاقة في كنايات رائعة كريمة قوله تعالي: ﴿نِسَاۤؤُكُمۡ حَرۡثࣱ لَّكُمۡ فَأۡتُوا۟ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ (البقرة ٢٢٣)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِیفࣰا فَمَرَّتۡ بِهِ﴾ (الأعراف: ۱۸۹).
ومن هذا السمو في التعبير والرقي في التناول نجد أنه لا حرج في الإسلام من تدريس هذا الباب «باب المعاشرة الزوجية» للشباب والكبار على السواء دون أي إثارة.
واحة الشعر
قبل أن يسدل الستار
شعر : محمد علي الطبلاوي
بدمي أخط على جدار الصمت أغنيتي الحزينة
متأملاً متعجبًا متسائلاً: أهي المدينة؟
ما لي أراها في سياج العار تبدو مستكينة
تمضي إلى سوق النخاسة تحت رايات السكينة
في جرحها المحزون آهات وأنات ثخينة
وعلى انكسار إبائها قد كبلوا الأيدي الأمينة
فهتفت في جنباتها والذكريات بها دفينة
من باع شبرًا من ترابك للعدا قد باع دينه
***
هذا التراب وإن بدا متغيرًا تربي أنا
فأبي وجدي والعيال جميعهم ماتوا هنا
فدماؤهم روت الرمال حضارة وتمدنا
ما زلت أذكر هذه الأشجار عند المنحنى
كم سرت تحت ظلالها متهللاً متيمنا
وقطفت من زيتونها ومن الكروم اللينا
تهويدكم لن يطمس الشمس المضيئة والسنا
فإذا سألتم شمسنا ستجيبكم أرضي أنا
***
قد ألبسوك من ثياب الذل أردية اليهود
بل غيروا وجه الحقيقة في عصور من جحود
وعلى المآذن علقوا النجمات في صلف عنيد
وعلت مزامير المعابد فوق أنات الهجود
وعلى ترانيم الخيانة كبلوا صوت النشيد
لكننا رغم التآمر لا نبالي بالقيود
إن المظاهر لن تغير في الحقيقة قيد عود
عودي برغم المعتدين وذكرينا بالعهود
***
يا أمتي هذا أوان الشد أو وقت النهاية
فلتحذري قد شارف الفصل الأخير من الرواية
وغدًا سيسدل سترها إن لم تقم للحق راية
فانضوا سيوف إبائكم واقضوا على سلم الغواية
لا يسلم الشرف الرفيع من الدناسة والنكاية
حتى تراق على جوانبه تخاريف الحكاية
قد ضل من تخذ الضلالة للهدى دربًا وغاية
يا أمتي هذا أوان الشد أو وقت النهاية
السقوط من الداخل
د. عبد السلام الهراس
هذه حقيقة قرآنية يقينية لا جدال فيها وحقيقة اجتماعية تاريخية ثابتة، ثبوت طلوع الشمس من المشرق وغروبها من المغرب، لذلك ليس ثمة من مسوغ أن نتهم أحدًا بالانقضاض علينا وإيقاع الظلم بنا واحتلال بلادنا، ونهب خيراتنا وتشتيت وحدتنا، وإفساد أخلاقنا وإغواء شبابنا، وإغراء نسائنا وإغراق أسواقنا بما يصادم ديننا وأخلاقنا وتقاليدنا إلى غير ذلك من الشكاوى التي امتلأت بها أجواؤنا وأسواقنا وأبواقنا.
وإدراك هذه الحقيقة يقتضي الرجوع إلى الذات.. إلى الداخل.. إلى النفس للبحث في جذور ظاهرة الخذلان والسقوط والفشل والإخفاق.
ذلك أن علاج الذات بما يناسبها من دواء هو الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها، ولن يكون العلاج ناجعًا ولا ناجحًا إذا لم يوصف الدواء وصفًا علميًّا موضوعيًّا.
وفي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والسيرة المحمدية المشرفة غناء «وزاد» علمي عظيم، لا يعوز معه شيء آخر لمعرفة داء الأمم والمجتمعات وقيام الحضارات وانهيارها، والأمر لا يحتاج إلى تعمق بقدر ما يحتاج إلى هدي توجه وإخلاص تجرد وعرض الأعمال والسلوك والأفكار على الأصول والقواعد والقوانين لتنكشف الحقيقة ويتضح المرض، وعندئذ يسهل وصف الدواء، لكن الأهم بعد ذلك تناول هذا الدواء ولو كان مرًّا على النفس وثقيلًا على الهوى.
إننا في حاجة إلى مراجعة ومصارحة ومناصحة ومعالجة قبل فوات الأوان فالأعراض قد استفحلت والإخفاقات قد توالت والمؤشرات النازلة قد تسارعت ولم يبق بيننا وبين الدمار الشامل والسقوط الهائل إلا مسافات قليلة وقليلة جدًّا، فهل أنتم فاعلون؟
العاصفة
خولة محمد العناني
في لحظة عاصفة مجنونة، قرر قراره ووضع متاريس حول عاطفته وحدّث نفسه أجل.. سوف أتخلص من عذابك من السنوات المريرة التي عشتها معك.. ثم أنسى صوتك المبحوح الذي تابع خطواتي وأقلق غفواتي وأرتاح من أعمالك المدمرة، سوف أنسلخ من ذاتي وأرمي بكِ هناك. كان يحدث نفسه وهو يقود سيارته وقد وصل أطراف مدينته.
ويسترق النظرات إليها وهي نائمة على الكرسي بجواره.. ثم ينتابه شيء من الضحكات الهستيرية شاعرًا بنشوة النصر.. لأنه زاد جرعة الحبوب المنومة أحس أن الظلام زحف مبكرًا.. فالسماء ملبدة بالغيوم والهواء بدأ يشتد فقال لنفسه: «سأسرع قبل أن تشتد العاصفة، سأرمي بها بعيدًا ثم أهرب... سأختار لها موقعًا مناسبًا!! وبعد العاصفة ستشرق حياتي مع بداية الربيع.. توغلت سيارته في الطرق الترابية.. بدت له شجرة كبيرة ملتفة الأغصان فقال لنفسه هنا سأريح وأستريح!!..»
ثم حمل الصغيرة ووضعها بهدوء.. نظر إليها نظرة الوداع.. قاوم دموعه وركب سيارته قاصدًا العودة حاول أن يسرع بسيارته لكن العاصفة هاجمته قبل أن يبتعد كثيرًا عن الصغيرة النائمة.
ضغط على مقود سيارته كأنه بطل سباق... فانغرست عجلات سيارته في التراب.
لف معطفه وأحكم غطاء رأسه وخرج يحاول علاج الموقف.. فتح باب السيارة.. لفح وجهه «من يلفح من» الهواء البارد.. فارتعدت مفاصله ثم سمع صوت ذئب.. فتضعضعت قواه وبكي أغلق باب سيارته.. ووضع يده على جبينه واسترسل في البكاء... وأخذ يتذكر كلام أمها رحمها الله:
إنها قدرنا يا أحمد بل هو امتحان من الله لنا
أنا أدعو الله عليها ليل نهار
فتجيبه بصوتها الحنون
بل ادع الله لنا ولها يا أحمد....
تنهد بعمق وقال لنفسه كم عانت أمها معها وصبرت.. أما أنا فلم أحتملها سوى أشهر قليلة.. وها أنا أهرب من ذاتي وأرمي بها..
أحس أن نبع مشاعره تفجر فأغرق كيانه وعلم أنه سلك سبيل الشقاء وجانب درب السعادة... كيف يهرب من مشاعره الأبوية مدى الحياة وهو الذي استسلم بعد دقائق معدودات.
بل كيف يتركها للذئاب تنهشها ويرمي نفسه بين رحى الألسن الحادة التي ستلاحقه والنظرات المتسائلة التي ستتابعه.. اشتدت العاصفة، فنهض مسرعًا وخرج من سيارته باحثًا عنها كالمذعور وأخذ يركض بين الشجر رأى جميع الأشجار كبيرة، فأخذ يبحث تحت كل شجرة ويشهق لهفة عليها، ويدعو الله ألا يكون قد اختطفها ذنب.. أو سرقها أحد.
لم يكتشف أنه غبي بليد إلا في تلك اللحظات... ركض ولهث وتعب ثم سمع صوتها تبكي بذعر بالغ!!.
اختلطت الأصوات لديه.. صوت الريح المجنونة مع الأمطار المنهمرة ممزوجًا بصوت الذئاب المسعورة، لكن صوتها هي كان أخفت الأصوات في سمعه، وأشدها في قلبه!!
تابع الركض.. سارع الخطوات خفق قلبه قاوم مخاوفه، إنه يريد أن يصل إليها عبر كل المتاهات التي يراها أمامه بدأت خطواته تسير في الاتجاه الصحيح وضح صوتها أكثر اقترب منها.. سبقت ذراعاه قدميه.. عانقها بلهفة.. أغرقها بقبلاته ودموعه، حدق في عينيها وقال: «عيناك الجميلتان قدري وسوف أرضى به....».
حملها، ومسح رأسها وقال لنفسه رغم «بلاهتها»، فهي ابنتي حبيبتي وهي هبة الرحمن لي حملها على ظهره المنهك، وتذكر وجه أمها المضيء وثغرها الباسم وهي تردد الآية الكريمة: ﴿وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُۚ﴾(القصص: ٦٨).
لأول مرة: الإخوان يلتقون أبرز كتاب الدراما في مصر
نظمت جريدة الميدان القاهرية المستقلة ندوة الأسبوع قبل الماضي حضرها أربعة من الإخوان المسلمين في مواجهة كاتبين للسيناريو تثير أعمالهما الجدل بسبب تناولها لقضايا إسلامية واجتماعية.
حضر عن الإخوان النائبان د. محمد مرسي ود. جمال حشمت، إضافة إلى د. عبد الفتاح رزق المرشح في الانتخابات السابقة ود. عصام العريان النائب السابق، وواجههم فيها كاتبا السيناريو أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد، إضافة إلى الكاتب الصحفي صلاح عيسى، الندوة التي أدارها رئيس تحرير الجريدة دارت حول أفكار «الإخوان الجدد» كما سمتهم الجريدة واعترض الإخوان الحضور على تلك التسمية مع الإقرار بأهمية التجديد والابتكار بالتزامن مع الحفاظ على الثوابت والأصول.
النقاش دار حول القضايا المثارة نفسها حول الإخوان، إلا أن الجديد كان استماع هؤلاء الكتاب من الإخوان مباشرة ومعرفة وجهة نظرهم: من هم الإخوان؟ ماذا يريدون؟ قضية الحزب السياسي، دولة مدنية أم دينية، النماذج والتجارب الإسلامية في الحكم وصلة الإخوان بها وانتقاداتهم للتطبيق، الديمقراطية وموقف الإخوان منها - المواطنة – الدستور... إلخ.
أسامة أنور عكاشة التزم قدرًا من الحياد والموضوعية، وكان خلال الندوة مستمعًا جيدًا، يبدي دائمًا دهشته لأفكار الإخوان ويتفق معهم في معظم ما يقولون.
أما وحيد حامد فهو أبرز الذين ساهموا في تشويه صورة العمل الإسلامي وخلط في أعماله الشهيرة مثل أفلام «الإرهابي»، و«الإرهاب والكباب» بين الإخوان المسلمين وجماعات العنف وخصص فيلمًا كاملًا للدعاية السوداء ضد الإخوان في نقابة المحامين وهو فيلم طيور الظلام.. وقد وجه إليه د. عصام العريان اتهامًا صريحًا بأنه أحد المشاركين في الظلم الواقع على مختار نوح النائب السابق وأمين صندوق نقابة المحامين السابق.
وقد خصص وحيد حامد مقالات في جريدة أخبار اليوم ومجلة روز اليوسف للتعليق على الفوز الكبير للإخوان في انتخابات مجلس الشعب ونقابة المحامين، هاجم فيها الحزب الوطني وأحزاب المعارضة والمستقلين الذين لا يستطيعون منافسة الإخوان ويسعون إلى مغازلتهم محذرًا من الأخطار التي ستترتب على ذلك السلوك.
ينتظر أن تعقب هذه الندوة لقاءات أخرى لشباب الإخوان مع الكتاب والصحفيين والمثقفين، حيث أصبح الإخوان رقمًا مهمًّا في الحياة العامة في مصر، خاصة مع قرب انتخابات النقابات المهنية ومجلس الشورى والمجالس المحلية.
لغويات سياسية
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شئ، حتى اللغة .. واللغة داخلة منذ القدم في كل شئ حتى السياسة»
إذا انسلكت الأفعال «جزر، جار، زأر، جأر» في سلك واحد اجتماعي أو سياسي في أي زمان وأي مكان.. إذا حصل هذا وجدت حالة مميزة قائمة بنفسها اسمها «الجزائر»
فإذا سل الحاكم سكينه، وطفق يجزر شعبه، كما يفعل أي جزار، بقطيع من البقر
أو الغنم..
وإذا جار الراعي على رعيته دون وازع من خلق أو ضمير
وإذا زأر فرسان السلطة (عسكرها. وأجهزة قمعها) كالأسود الضارية، في وجوه العزل والضعاف والأرامل واليتامى وأصحاب الفكر والرأي.. من أبناء الشعب.
وإذا جأر المظلوم بالدعاء أو الشكوى، ولم يجد له ناصرًا من ظلم الأجهزة القمعية.. لا هي تنصفه من نفسها، ولا تترك له سبيلًا للبحث عن النصفة، لدى غيرها.
إذا حصل هذا كله، حصلت معه –غالبًا- حالة تسمى «الجزائر» ﴿فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ﴾ (الحشر: 2).
إن لكل حرف في كلمة «الجزائر» قيمته ودلالته، وإيحاءاته، فإذا حذفت الراء، أصبح باقي الكلمة «الجزاء».
وإذا حذفت «الهمزة» صارت الكلمة الجزاء، وهي مخففة من الجزاء هذا إذا حذفت الهمزة والراء معًا، أما حذف الهمزة وحدها فيجعل الكلمة «الجزار»، وإذا حذفت الزاي وحدها، صارت الكلمة الجائر، وإذا حذفت الجيم وحدها أصبحت الكلمة الزائر، وقد يكون الزائر فرنسيًّا، أو أمريكيًّا، ومن طراز خاص، حتى يتمكن من إيصال الجزائر إلى الحالة التي وصلت إليها. إذ ليس كل زائر يجيد السباحة في مستنقعات الدم. وهكذا يرتبط الجزاء بالجور برابطة «السببية».
ويرتبطان معًا برغبة «الزائر»، وعبقريته في تأجيج النار، من خلال أن العنصرين الرئيسين فيها «الجور والجزاء» لياكل كل منهما الآخر، وياكلهما معًا، أرضًا وشعبًا وحضارة.
عبد الله عيسى السلامة
واحة الشعر
متى يكون لفيل القدس ترحيل؟
شعر: د. مصطفى عراقي حسن
(1) الأمس:
سحابة الموت تحوي الأفق تطويه
مع الطيور ببيت الله تفديه
تطير مشتاقة تسري بساحته
تردد اللحن أشواقًا تحييه
تطوف بالبيت تسعى في جوانبه
تزور أركانه بالحب ترويه
تطارد الغدر تخزي وجه قائده
وفيله الضخم ترميه وترميه
قد غره أن بيت الله دون حمى
وما درى أن رب البيت يحميه
سيل من النار والطير الأبابيل
حجارة الثأر إعصار وسجيل
حرب من الله هل يقوى يواجهها
مهما تدثر بالأوهام ضليل
ستجرف الريح جيش الوهم تنثره
بين الخيام فمقطوع ومقتول
ما عاد يسعى بهم مكر يجندهم
وما وقتهم من الموت الأساطيل
(۲) اليوم:
أحلامنا في ضلوع الأرض غائبة
وقلبنا القدس معزول ومأسور
دموعه انتثرت في كل ناحية
وقلبه في سجون الليل مشطور
أمامه القهر يمشي يرتدي مزقًا
وحوله هام تشريد وتهجير
تهيج من تحته الأحجار يشعلها
شوق قديم تعاديه الأساطير
أرجاؤه انتفضت فيها مشاعرها
تسعى ويسبقها حب وتكبير
أبناؤه احتشدوا ألقوا نيازكهم
ليرحل الفيل عنا، يقبل النور
حجارة الثأر تمحو الليل عن وطن
قد طالما رقدت فيه الأباطيل
تثور في وجه جيش الليل ترهبه
فما تقيه من الخزي الأقاويل
تعانق الموت في حب وفي ألق
فالفجر خلف جبال الموت مأمول
يا رب أنت هزمت الفيل حين عتا
متى يكون لفيل القدس ترحيل؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل