العنوان المجتمع الثقافي (عدد 1408)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 11-يوليو-2000
▪ قصة قصيرة.. ما زلت على قيد الحياة
بقلم: حيدر قفه
اطمئني.. ما زلت على قيد الحياة، أكل إذا جاء ميعاد الأكل، وأنام إذا جاء ميعاد النوم، وأتناسل كذلك.. لم يتغير شيء في حياتي سوى مساحة الشعر الأبيض التي يتآكل أمامها سواد الفتوة، وتغضن في الوجه يفرض علي احترام الستين، وقد بدأت تشاغلني من قريب، وبدأ جسدي يطامن من عنفوانه في معركة التحدي مع شيخوخة مبكرة.. أهي الهموم تفعل فعل السوس في الخشب الرصين قد تكون أو لا تكون، غير أني أصبحت زاهدًا في الخروج إلى الحياة، وقد صدمت كثيرًا في النماذج الرائعة من الناس بعد أن اقتربت منها ونقرتها بأصابعي نقر الفخار، فانكسرت حدة الألق في نفسي، وورثت الخوف من الجديد.. أي جديد.
أيهاذي التي تشاغلني بهواتفها الصامتة، ولا تتكلم.. زيارات صامتة يومية؟!! أرهقتك أم أرهقتني؟ لا أدري أينا أشقى بها أو أسعد؟ إن كانت زياراتك الصامتة للاطمئنان علي فأخبرتك أني ما زلت علي قيد الحياة، وإن كانت استجابة لشوق جامع أقض المضجع، فأي شوق هذا الذي استل «نصاله» وطعن الظهر على رؤوس الخلق في ظل تصفيق وأضواء تشع؟ وإن كانت قناعة بقديم حديث قد ولده القلب ذات يوم تحت شجرة، فما زال على الكتف متسع لرأس أثقلته الهموم مثلي، وأيقن أن العمر لا يرحم، والناس من حولنا تبحث عن نفسها، وتركض خلف الجديد الفتي، وكلما لاح لها أفق بكر ركضوا نحوه وتركوا دفء الوفاء يلملم أشلاءه.
دعينا من العتاب المر، فلم يعد في الحلق متسع لمرارة جديدة، لكني أتابع مسيرتك منذ أن كنتِ عصفورة المنصور، وسيدة حلمي وجنية أحمد، وربما اليوم جارية الوليد.. لا أدري ماذا يخبئ الزمن الجديد من مزيد؟ لكن الذي استقر في النفس أن كل إضاءة جديدة خلفها عتمة مظلمة الروح ودرب موحل.. تلك هي الحقيقة الموجعة.
أقول: دعينا من العتاب المر، فلست اليوم أقايضك العتابا، لكني ألج مساحة الصدر الحنون الذي احتضن رأسي ذات ضحوة، وجفف الدمع من مآقي، ووعدني بسعادة غامرة، واسترد وعده إذ لاح له برق خلب.
دعيني أقف عند ظني الأول.. غاضًا الطرف عن إمكان أن يكون «تموز» بما يحمل بين دفتيه من فتيت الذكرى خلف تكرار هواتفك الصامتة.
دعيني أقف عند ظني الأول.. فاطمئني.. ما زلت على قيد الحياة.. غير أن الحياة بدأت تدير ظهرها لي في كل شيء، وبدأت تسلبني مكاني، وبت أمني النفس بالراحة والفرح لما يمن علي ببقائه إلى حين. بالأمس كنت السيد المطاع، ومن حولي تابع لي، فأنا الرأس ولي الصفي والنشيطة والفضول والمرباع (1).. لكني لاحظت تغيرًا يتسرب من تحتي، وينزع الكرسي على مهل حتى لا أفاجأ بأني أمسيت بلا كرسي.
كانت زوجتي- إذا قسمت الطعام- تخصني بأجود الحصص وأكبرها، واليوم يا ويح اليوم أصبحت هذه من نصيب غيري.. في البداية رمقت الأمر بشيء من الامتعاض، لكنني أقنعت نفسي بأن ابني الرياضي الفني الذي خصته بدلًا مني.. هو اليوم أولى مني.. فجسدي لا مستقبل له، وهو يحتاج إلى طاقة لبناء هذا العضل المفتول.. أقنعت نفسي فاقتنعت.. واسترحت.
لقد أصبحت جدًا حقيقيًا منذ شهور، حفيدتي التي تشبه أباها الذي يشبهني سمراء متواضعة الجمال- لكنها عندي حلوة الحلوات- أضع صورتها فوق مرآة تسريحة غرفة نومي وأناغيها كلما نظرت إلى وجهي في المرآة، أخاطبها، ألثغ بلغتها، فيتفطر القلب حنينًا إلى شغبها.. أمها تحتجزها رهينة مقابل دراهم سرقتها مني يوم أن تواطأ بعض دمي معها في سحق حلمي وتحطيم كبريائي، فلما تبين له عتمة الطريق نكص على عقبيه باكيًا مستنجدًا من وهم الصدر الحنون الذي مني به.. منذ سنة أو يزيد، وهي تساومني لكسب المزيد.. هيهات، شب عمرو عن الطوق، وتناثرت حبات مسبحة شاء الله أن تجمع بين يديها يومًا من التاريخ فما صانتها، وظنت كل رجل شهابًا.. فانفرطت.
هل تريدون من أخباري المزيد؟؟
أمسيت أحن إلى تربة تضم عظام أبي، وتضم صلابته وشموخ رأسه، وهأنذا ألملم ملهياتي، وأوحد همومي لعلي لا أهلك في وادٍ من أوديتها.
ها هي الأمراض تفرض زيارتها علي- وأنا الأبي- فلا أملك ردها، بعضها يطيل المكث، وبعضها يرحل إلى حين، وآخر استوطن ولا حيلة عندي أو عندهم لإخراجه، فأمسيت أداهنه وأقنى له بعد أن نصح الطبيب: «تعايش معه»، فما رأيت ألد من هذا الرفيق الذي يطربه أنيني.
أستغفر الله من حنين إليك قاومته زمنًا، وعضضت على المر حتى انقاد لي.. لكنني أتوب إلى الله من خيال جامع يتأبى علي، فكلما وسدت رأسي هرب مني مهاجرًا إليك، فلا أسترده إلا قبيل صلاة الصبح.
وعند المساء وقد أنهكت الرحلة الشمس فاحمرت خجلًا من الهزيمة، أرطب جوفي ثم أدعو لك، فيأتيني رنين هاتفك الصامت.. يلح في الرنين، لكأنه يذكرني بك- وهل نسيتك؟- أقطع دعائي وأقوم إلى الهاتف.. أرفع السماعة.. فتصمتين ولا تجيبين.. فيغفل القلب عن الدعاء.
هل تريدين من أخباري المزيد؟!
في آخر محطات العمر أمست لي وظيفة جديدة: «سائق خصوصي»، في البداية امتعضت، ثرت، لكن ثورتي اصطدمت بواقع مر أملى علي الرضا، حيث لا بديل أقدمه، فأصبح جدولي اليومي مقرونًا بحوقلتي: الصباح، أوزع الأبناء على أعمالهم، وعلي أن أعود إلى المنزل لأكون في خدمة سيدته، فإذا أمرت بإحضار الخبز، ذهبت فسلكت نفسي في صف ممتد، ينز العرق من مسامي كلها، وأزحف زحف السلحفاة حتى إذا وصلت أمام المیزان تصنعت ابتسامة، أزين بها وجهي، أستمطر رضا البائع حتى لا يدس رغيفًا مشوهًا أو محترقًا ومجروحًا بين ثنيات الأكياس.. فإذا جاء موعد الغداء خرجت سريعًا لا ألوي على شيء، حتى أكون في مكاني أمام مدرسة الصغيرة فلا تقلق أو تخاف، فنحن حريصون على راحتها المربوطة بالدرجات التي نأمل أن تنالها في الامتحان التوجيهي.. وعلي بعد ذلك أن أتذكر كل أمر نسيته سيدة البيت حتى لا أضطر للخروج عصرًا لإحضاره، أما الحفلات والأعراس والمناسبات، فعلي ألا أرفض واحدة منها حتى لا أعزلهم- في ظل حكمتي وتجاربي- عن المجتمع.. في البداية، ضقت بهذا الأمر ذرعًا، ورفعت عقيرتي احتجاجًا، لكن الحياة خضدت شوكة الإباء عندي، فاستسهلت الأمر بعد.. وطيبت خاطري بالتعلات، فامتثلت نفسي.. وغاب «الإيلام».
ما زالت أصابعي تتأبي علي فلا تكتب ما أريد، رغم ضجيج الذاكرة، إلا أن أصابعي مشدوهة أمام هذا العنفوان المتلاطم من مشاعري.. حتى لساني حرن هو الآخر، فلم يعد يستجيب لي.. فتركت سدة المحاضرات لغيري.. وانصرفت أوحد همي فما توحد، هذه سنة كاملة تمر وأنا أراقب هذا الجنون.
أتذكرين يوم المشتل؟! يوم أن ترجلت أبحث عن نبتة قد عشش منظرها في تربة الإعجاب عندي، فما وجدتها.. يومها.. زرعت على الرخام كل زهوري، وتركتها تغرس جذورها في حنايا القلب.. ثم افترقنا.. وكلما مر أحدنا من هناك دعا للآخر بالسعادة.. أتراه كان وهمًا هذا الذي يصفق بجناحيه بين الأضلاع وينمو؟
قلت لكِ ذات همسة: إن الحب العظيم يحتاج إلى ألم عظيم حتى ينضج.. فهل ترانا استكملنا حلقة الألم العظيم حتى نقطف ثمار الوجد المضمخ بنار الحنين؟
أينا ضل الطريق؟ أينا أشعل الحريق؟ أينا أغراه البريق؟ والعمر يركض.. ألهثته إحباطات الحياة، فاستسلم للشيب يغزو القلب، وقد فرت الدنيا من بين الأصابع.. فهل أتابع؟!
لا.. وألف لا.
ورحلت عنك.. وامتطيت صهوة الصوم أسابق العمر، فلا ليل أنام ولا نهار، وسميري آيات تنازعني التفلت والفرار، والذاكرة تخون.. فأكابد وأکابد.. فتأتى هواتفك الصامتة.. زياراتك الصامتة.. في السحر.. في الضحى.. عند الغروب.. في كل وقت.. أتراه الشوق أضناك؟ أم معرفة أخباري؟ إن كانت الأخرى، فاطمئني ما زلت على قيد الحياة.
(1) مسميات لأنصبة كان يفوز بها شيخ القبيلة قبل الإسلام.
▪ مجلة «الأدب الإسلامي»
صدر العدد الخامس والعشرون من مجلة «الأدب الإسلامي»، متضمنًا المقالات التالية: قضايا الأدب الإسلامي للدكتور عماد الدين خليل، ومقال الحرم في شعر إقبال للدكتور ظهور أحمد، ومقالًا للدكتورة رجاء محمد عودة بعنوان: الصورة الفنية في أدب النبوة، كما كتب د. سعد أبو الرضا بين ملتقيين: الملتقى الدولي الأول للأديبات الإسلاميات ومؤتمر مائة عام على تحرير المرأة، بالإضافة إلى لقاء علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، حاوره فيه د. عائض الردادي.
وضم العدد مجموعة من النصوص الإبداعية، ففي الشعر قصيدة للدكتور عبده بدوي بعنوان مسجد في ليننجراد، ورسالة إلى أمي للشاعرة أم البراء، وأهلًا وسهلًا لمحمد عبد الله الهويمل، وقصيدة طويلة في مأساة الشيشان للشربيني محمد شريدة، وعندما تبوح الجراح للشاعرة عواطف الحجيلي، وفي القصة: البحث عن راحة لحسن حجاب الحازمي، ودعوة صائم العبد الجواد الحمزاوي، بالإضافة إلى مسرحية بعنوان المكافأة لعلي الغريب.
وفي العدد من الأبواب الثابتة: من ثمرات المطابع لقاء مع د. عبد الباسط بدر ومن تراث الشعر والنثر، ومكتبة الأدب الإسلامي، وردود ومناقشات، فضلًا عن الأقلام الواعدة، وأخبار الأدب الإسلامي، والورقة الأخيرة التي كتبها د. أحمد البراء الأميري بعنوان: في انتظار المطر، وهي تحية إلى الأديبة الإسلامية رفاه المهندس.
عنوان المجلة:
المملكة العربية السُّعُودية
الرياض ١١٥٣٤ - ص.ب ٥٥٤٤٦
هاتف وفاكس: ٤٧٩٣٢٣٤
www.interlog.com/-ulil
E-mail:ulil@interlog.com
▪ واحة الشعر.. مسلم في زمن العولمة
شعر: د. حبيب بن معلا المطيري
عزم على صهوات الريح يبتدر***وفي المدى.. في الروابي الفيح ينتصر
ركابه الفجر.. يطوي الليل مؤتلقًا***وفي السرى حادياه العز والظفر
يمد في شاهق الأفلاك قامته***وبالغمام وعز الدهر يعتمر
توضأ الفجر في أماقه ومضى***لينثر الطهر فيها روحه العطر
في موكب الطهر يقفو الأنبياء له***في إثرهم.. خلف درب المصطفى أثر
عز الكرامة نبض في أضالعه***وليس يعنو إذا ما سَامَة الأشر
يسير في الأرض.. لكن روحه طفقت***تطوف بالعرش نوراً دأبهُ الذَّكَر
تسبح الله.. تطوي الدهر ساجدة***والدمع من لهفة الأشواق ينهمر
في هدأة الليل يدعو الله مبتهلًا***ترف في قلبه الآيات والسور
يظل في روضة الإيمان مبتهجًا***في نطقه عبر في صمته فكر
يا أيها المسلم المشهود مشرقه***يا نفحة الروض مما أعقب المطر
يا مزنة الغيث يا سر الحياة بها***يا ومضة النور.. بل لآلاؤها النضر
أنت العزيمة.. تاهت في تألقها***ما الليل؟ ما صولة اللأواء ما الغير
يا فارس الفجر ذاب الفجر في دمنا***وأطرق العز لا نار ولا شـرر
قم ذوب الصمت أشعل كل ساكنة***وخذ زمام الهدى يعنو لك البَشر
العالم اليوم.. فوضى لا خطام له***مستوحش ساكناه الخوف والنظر
يهیم بستمطر الإنقاذ من نخب***إلى المطامع والشهوات تستعر
والعالم اليوم.. حيران يؤرقه***ضرام شك لروع القلب يَعْتَصِرُ
والعالم اليوم.. ألوى في تمزقه***ملوثًا في تُراب الذل ينتحر
والعالم اليوم.. أمراض وأوبئة***وأغلب الناس قد ماتوا وما شعروا
والعالم اليوم دوى الهم مضطرمًا***بصدره قلقًا يلوي به الكدر
والعالم اليوم رعب.. ضح في دمه***أهواله والدم الفوار منفجر
والعالم اليوم أنات مروعة***وسامعو الهول لا رجع ولا أثر
حضارة آل مسراها إلى لجج***من العواصف لا تبقي ولا تذر
فخلص الأرض من أهوال تهلكة***وعلم الناس كيما تبلغ النذر
ماذا يضرك حقد الدهر مجتمعًا***يظل في والغات الليل ينتظر؟
ماذا يضرك كيد الكفر إذ كثرت***أخباره زاغ منها السمع والبصر
ماذا تضر «روايات» ينمقها***منافقون لهم في رسمها وطر
أنت الخلاص لهذا الكون من ظلم***أنت النجاء لمن في غيهم سدروا
قم عانق القمة الشماء في لهف***فأنت فيها عماد ليس ينبتر
قم طهر الناس من أدران غفلتهم***فهم من الغفلة الشوهاء قد ضجروا
قم علم الناس أن يحيوا لخالقهم***موحدين فلا شرك ولا أشر
سيشرق الفجر في آفاق ظلمتنا***نهرًا من السندس الوضاء ينفجر
ويغمر الكون من أنوار طلعته***شلال ضوء على الآفاق ينحدر
وتصبح الأرض نورًا لا ظلام به***بحرًا من الشمس لا غم ولا قتر
اليوم يشرق منه العزم ملتهبًا***اليوم يرجع لا ذل ولا خــور
اليوم ما أطيب اليوم الذي وثبت***عزائم في صلاها الصخر ينصهر
(ه) أستاذ النقد الأدبي بجامعة الإمام محمد بن سعود - الرياض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل