; المجتمع الثقافي (1352) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1352)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999

مشاهدات 74

نشر في العدد 1352

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 01-يونيو-1999

خيول السلطة والصراع الأجوف!

بقلم: د. حلمي القاعود (*)

قبل فترة أصدر المسؤول الثقافي في بلد عربي إفريقي قرارًا بتعيين أحد الكتاب رئيسًا لتحرير إحدى المجلات الثقافية بعد رحيل سلفه. كان القرار بمثابة الشرارة التي أشعلت حربًا شعواء ضد الرئيس المعيّن، وتمجيدًا غير محدود للرئيس الراحل! ورأى الناس تهمًا من العيار الثقيل توجه إلى الوارث الجديد من عينة «داعية التطبيع» و«نصير اليهود» و«رجل كل العصور»... إلخ! وقرأ الناس عن أمجاد ومفاخر للمورّث القديم تحلّق في سماوات العروبة والوطنية والاستنارة.. وما شابهها!

المفارقة أن الناس لا يعنيها التغيير في رئاسة المجلات، فقد تعودوا على هذه التغييرات، ونما لديهم يقين ألا فرق بين الراحل والقادم، كلاهما من خيل السلطة، تستعين به في الوقت الملائم، وإذا كان فريق منهم يعلو صوته ضد الآخر، فليس ذلك تعبيرًا عن وطنية أو استقلالية أو ثورية.. ولكنه حالة من الدجل يقتضيها توزيع الأدوار، كل حصان يقوم بدور أو بمهمة يخدم بها من يملكونه ويمسكون لجامه.. كل ما هنالك أن بعض الفرقاء يريد أن يتميز على بعض، ويحظى بامتيازات تفوق غيره، فضلًا عما يستشعره حين تربت عليه السلطة، وتهدهده، وتلمعه في أجهزة دعايتها، وتجعله يطل على الجمهور باستمرار: نجمًا لامعًا في بطانتها، ومنقذًا مخلصًا لإرادتها!

وخيول السلطة تتفق على شيء واحد، هو العداء للإسلام وما يتعلق به، وتهميش الصراع مع العدو الصليبي وطليعته اليهودية من خلال مصطلحات وتعبيرات مراوغة، جوفاء المضمون، هشّة الجوهر، ولو أننا مثلًا رأينا حالة المطبوعة الثقافية التي يتصارع عليها الفرقاء، لوجدنا أن الفريق الذي يمثله المحرر الراحل يدّعي التقدمية والتنوير والقومية، وهذا الادعاء مسوغ -من وجهة نظره- للهيمنة على وسائل التعبير ووسائط الدعاية، ولا حق لأحد سواه في الوصول إلى هذه الوسائط، ولو تحت دعوى «الديمقراطية»، فهو وحده الذي يملك مفاتيح التقدم والاستنارة والعروبة.. أما غيره فلا! وإذا عرفنا أن بعض هذا الفريق ينتمي أساسًا إلى «الطائفية» المتعصبة المغرقة في ولائها للعالم الصليبي، أدركنا أن المسألة لها وجه أخر يفيض بالانتهازية بل الخيانة للأوطان والأمة والضمير! وهؤلاء وأحزابهم هم الذين يؤمنون بحق اليهود في احتلال فلسطين من خلال ما يسمى بوحدة «الطبقة العاملة»، وهم الذين أعلنوا صراحة عام ١٩٤٨م، أن حرب فلسطين حرب قذرة، وأدانوا تدخل الجيوش العربية في الحرب ضد الجيش اليهودي الذي يقوده حزب العمال اليهودي!.. وما زالوا حتى الآن يحصرون مسألة الصراع في مصطلح «التطبيع»، وكأن احتلال القدس وتشريد الشعب واحتلال الأرض والعدوان المستمر على لبنان نوع من المزاح الذي يزول «بالتطبيع» أو عدمه.

الفريق الآخر الذي يمثل «الوارث الجديد» أكثر صراحة ووضوحًا، لا يلجأ للمراوغة أو استخدام الطلقات «الفشنك»، فهو يؤمن بالتعامل مع «الشعوب» اليهودية في فلسطين والتعاون معها إلى أقصى حد، والاستفادة من خبرتها وعبقريتها، فالعداء لم يجرّ علينا -كما يقولون- غير المتاعب والمشكلات، وهذا الفريق خبير بالعدو اليهودي، من حيث آرائه وأفكاره ونكته وطرائفه، لا من حيث ما ينبغي على الأمة أن تفعله لتسترد حقوقها وكرامتها وشرفها!

الفريقان إذن يعملان في إطار توجه واحد يكرّس الاستسلام لأعداء الدين، ويروج لقبول الهوان على مستوى الأمة، ويحارب في الوقت ذاته عقيدة الإسلام، ويرفض صراحة تطبيق الشريعة الإسلامية.

... ولكنها مفارقات خيول السلطة في صراعهم الأجوف ضد بعضهم البعض، وصراعهم الأخرق ضد عقيدة الأمة وقيمها ومثلها دون حياء أو خجل.

(*) أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا - مصر.

 

قصة قصيرة:

بل أشد قسوة

بقلم: علاء الصفطاوي

بعد عمر طويل وجهاد مرير، أصيبت بداء عضال ألزمها الفراش وهي التي كانت لا تكل ولا تمل، شاء الله أن يموت زوجها وهي في ريعان شبابها ترك لها أولادًا صغارًا في حاجة إلى عين تحرسهم ويد تطعمهم، فتحملت المسؤولية بكل تفانٍ وإخلاص، لم تبخل عليهم بشيء، كانت لهم الأب الحازم والأم الحنون، لكن المرض هد كيانها.

في الغرفة التي ترقد فيها جلس في أحد الأركان واضعًا يده على رأسه، والدموع تتساقط من عينيه، وهو يبكي.. سمع صوتها تناديه: محمد، هرول ناحيتها.. أمسك بيدها قبل جبينها ثم قال لها: نعم يا نبع الحنان.

أريد أن أطمئن على إخوتك

كلهم بخير يا أمي

هل زارني أحد اليوم؟

جمع غفير ولكن الطبيب -كما تعلمين- يمنع الزيارة.

هل حضر خالك؟

تنهد وشرد قليلًا ثم قال: أمي لا تفكري فيه فحضوره لن ينفعك وغيابه لن يضرك. أدارت وجهها.. جرى على خديها خطان من الدموع، خرجت بفكرها من الحيز الضيق الذي ترقد فيه ورجعت بذاكرتها إلى الوراء، إلى الأيام التي كان فيها أخوها صغيرًا تخاف عليه كما تخاف الآن على ولدها.. تهتم به وترعاه، وعندما تزوج كانت تزوره من حين لآخر وهي تحمل معها من خيرات الله سبحانه، تذكرت يوم أصيب في حادث..

وجاءها النبأ.. عندها هرولت مسرعة حافية القدمين، دامعة العينين، حزينة الفؤاد، ولما رأته وهو فاقد الوعي صرخت وسابقتها دموعها، ارتمت عليه، ظلت تقلبه ذات اليمين وذات الشمال تبحث عن موضع الإصابة في جسده النحيف، ابتهلت إلى الله بالدعاء أن يعافيه ومن كل شر يقيه، ولما رأت قلة موارده وكثرة عياله تركت له أرضها ليعيش من خيرها، وبمرور الأيام تحسنت أحواله المادية، وأقبلت عليه الدنيا فطالبته بأرضها، تهرب منها، ماطلها، ولما أصر قاطعها وقلب لها ظهر المجن ونسي فضلها وتنكر لجميلها ولكن حنينها لرؤيته أخذ يلح عليها فينسيها الظلم الذي وقع عليها ويمحوه من ذاكرتها.. نظرت إلى ولدها وقالت له: أريد أن أرى أخي قبل أن أموت، ثم فقدت وعيها، خرج محمد من عندها، سار في ردهات المستشفى يفكر فالأمل في خاله مفقود والنصح له مردود، ولكن تفكيره هداه إلى أن يذهب إلى شيخ القرية، طلب منه أن يحث الناس في الخطبة على صلة الرحم لعل خاله يسمعه فيتأثر ويرق قلبه ويذهب لزيارة أخته.

صعد الشيخ المنبر وبدأ يتحدث عن صلة الرحم قائلًا: إن صلة الرحم من أعظم الأعمال عند الله، وقد حذَّر الله سبحانه وتعالى ورسوله له من قطع الرحم، قال تعالى في (سورة محمد) ﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ ۝٢٢ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰۤ أَبۡصَـٰرَهُمۡ ۝٢٣﴾. 

ألم يقل النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع» يعني قاطع الرحم.

ولما انتهى الشيخ من الصلاة التفت محمد إلى خاله -وكان يصلي بالقرب منه- نظر إليه وكأنه يستعطفه، لكنه لم يأبه له ولم يعره اهتمامًا، وكأنه لم يسمع شيئًا، وذهب كلام الشيخ أدراج الرياح، فردد محمد في نفسه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74).

سار محمد إلى بيته حزين الفؤاد، منكسر الخاطر، فأمنيته تحطمت على صخرة عناد خاله وقسوة قلبه.

في صبيحة اليوم التالي ذهب إلى المستشفى وهو يفكر بماذا يجيب أمه إذا سألته عن خاله؟ هل يقول لها الحقيقة، وإن كانت مرة فيزيد ألمها؛ أم يكذب عليها، ظهرت عليه علامات الحيرة والقلق، وفي الممر قابله الطبيب - وقد رآه محمد خارجًا من غرفة أمه - سأله: كيف حال أمي؟ نظر إليه ووضع يده على كتفه ثم قال له: البقاء لله «لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب»، لم يتمالك نفسه، أجهش بالبكاء، دخل على أمه ورفع الغطاء عن وجهها وقبلها ثم خرج وتوضأ وصلى لله ركعتين دعا فيهما لوالدته بالرحمة والمغفرة.

 

مجلة الأدب الإسلامي

بهذا العدد العشرين أكملت مجلة الأدب الإسلامي الفصلية سنتها الخامسة، بتوفيق من الله سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا.

وقد اشتمل هذا العدد على موضوعات كثيرة متنوعة.. فمن المقالات والبحوث: نحو منهج إسلامي في المسرح للدكتور غازي طليمات، ونظرات في الشعر العربي في القرن العشرين للأستاذ الأديب راضي صدوق، وقراءة في ديوان مدائن الفجر للأستاذ الدكتور محمد بن سعد بن حسين، كما تضمن حوارًا مع الدكتور حسن بن فهد الهويمل.

أما في مجال الإبداع فنحن نقرأ قصيدة لفواز الشروقي بعنوان: «دموع من أجل ليلى»، وقصيدة لرفعت المرصفي بعنوان: «رباعيات إلى الوجه الجميل»، وقصيدة: «رحلت يا أسد الآداب» لخليفة بن عربي، كما تضمنت قصيدة طويلة بعنوان «ستار» للدكتور حيدر الغدير عن نزار قبانی.

وفي مجال القصة تضمن العدد قصة مترجمة عن الأدب الأردي بعنوان: «الستار» ترجمة د. سمير عبد الحميد، وقصة أخرى بعنوان: «عرف الديك» لحسني سيد لبيب، وفي العدد مسرحية عنوانها: «الرضا» لفيصل غمري.

المراسلات: السعودية -الرياض ١١٥٣٤- ص.ب ٥٥٤٤٦، هاتف وفاكس: ٤٧٩٣٢٣٤

كوسوفا لا تناديني!!

شعر: محمد الأمين محمد الهادي

كوسوفا لا تناديني!!

أنا هنا مشلولة إرادتي

مغلولة قيادتي

كوسوفا لا تناجيني!!

فإنني أعيش لا سمع لديّ ولا فم

أعيش لا أدري متى

سيأمر الحاكم بالقبض عليّ فأعدم

أخاف إن أصخت سمعي لحظة

من تهمة الإرهاب

وبندقيتي كمدفع الحكام

لكنني أدسه تحت التراب

أخاف أن يشتم مني أنني

أناصر الإرهاب

كوسوفا.. إنني أفديك!

لكن بالكلام

مجرد الكلام!!

فلست أملك الزمام

كان أبي يقول لي:

إن الحيطان -يا بني- تسمع الكلام!

صدقته -بالرغم مني- ارتعشت

مفاصلي

واصطكت العظام

إني أخاف دائمًا من لعنة الحكام

كوسوفا لا تلوميني!

يكفيك في هذا الأسى «ناتو»

مأساتنا واحدة

لأن خالدًا وجعفرًا وحمزة ماتوا..!!

كوسوفا لا تلوميني!!

فإنني مخدر بأغنيات الحب والغرام

تلفازنا يعرضها والناس فيهم للهوى هيام

تلفازنا يعرضها.. من قال إنها حرام؟!

شاهدت في تلفازنا

أطفال كوسوفا اليتامى يُذبحون

من قبل أن يبلغوا الفطام

نساء كوسوفا الثكالى

يغتصبن.. ينتهكن.. بانتظام

لكنني كأنني أشاهد الأفلام

أشرب من عصائري

وآكل الطعام

فلا يغص حلقي بلقمة

وينتهي الكلام

تلفازنا عظيم.. يديره العظام

دقيقة لكوسوفا

وما بقي من وقتها الثمين

لمطرب.. أو رقصة شعبية والسلام

دقيقة تكفيك يا كوسوفا

لا.. لا تطمعي في غيرها!!

إذن قل لي متى ستعرض الأفلام؟

قل لي متى سنستضيف عندنا

الممثل الهمام

همومنا أكبر من طموحنا

لأننا بلا طموح!!

أقوالنا أكثر من أفعالنا

لأننا نحيا لكي نبوح!!

كوسوفا.. أنت جرحنا

تترف في أعماقنا

كذبتُ

لست جرحنا!!

فلست في صحرائنا

ولست من أوطاننا

من المحيط الهادر!!

إلى الخليج الثائر!!

لماذا تزعجيننا؟

فلا عروبة تمت فيما بيننا!!

ولا قومية تشد أزرنا!!

ولا أواصر تضمنا سوى الإسلام!!

ونحن من قديم.. قد نبذنا ديننا..

وانتهى الكلام!!

الآن قد فهمت

لِمَ الحكام عندنا لم يصدروا بيانهم

بالشجب والتنديد

ولم يكن -كدأبهم- خطابهم

يضج بالوعيد

لأن الفرق بيننا.. بعيد

فقد تكون عندكم مآتم

وعندنا أيام عيد!

كوسوفا.. لا بد أن أقولها..

إني لأعشق الجهاد

لكنني أخاف إن نبست باسمه

أن يحذف الرقيب هامتي

لأنني سأرعب العباد

لكنني أمارس الجهاد

ما بين نفسي دائمًا

حتى أعيش سالمًا كي لا تبوح بالهوى

ولا تبوح بالوداد

حتى أموت كاتمًا

حبي.. بقلبي.. سالمًا

وعندها يقال:

مات شهيد حبه

وكله -يا كوسوفا- استشهاد!! 

 

التاريخ الإسلامي.. كيف نعيد النظر فيه؟

كتب التاريخ محشوة بالمغالطات والانحرافات التي تدّعي عدم وجود نموذج إسلامي لنظام الدولة

القاهرة: رضا عبد الودود

لم يتعرض تاريخ أمة إلى التشويه والتحريف مثلما تعرض التاريخ الإسلامي، ولم يكن ذلك على يد المستشرقين والمتغربين فقط بل أسهم في ذلك أدعياء التاريخ وأصحاب الأغراض الخاصة وهواة الروايات والحكايات غير الموثقة التي تخدم المذهبيات.

ولما كان التاريخ الإسلامي يمثل ذاكرة الأمة وحاضرها ومستقبلها، فإن تحريره يحتاج إلى منهج واع ورصين ومعايير موضوعية نزيهة؛ إذ لا ينبغي أن تتقاذف كتابة التاريخ الآراء والأهواء الشخصية، والتجارب الذاتية، والدوافع التي تفتقد إلى التجرد والحياد.

في هذا الإطار جاءت الندوة المغلقة التي عقدت في القاهرة مؤخرًا لبحث مسألة منهج النظر في التاريخ الإسلامي، موضحة المخاطر والتحديات التي تواجه كتابة التاريخ الإسلامي وكيفية مواجهتها.

 

 

مغالطات وانحرافات

استهل د. عبد العظيم الديب -أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بكلية الشريعة جامعة قطر- حديثه بالتأكيد على أن المستشرقين تحاملوا على الإسلام، واتجهوا إلى كتب التراث باعتبارها الخرائط والصور التي تصوغ عقولنا وعواطفنا ومشاعرنا واتجاهاتنا واهتمامنا، وحبنا وبغضنا، فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يخططون لتدميرنا ثقافيًّا واجتماعيًّا وعلميًّا، وجاءت معظم أعمالهم في مجال التاريخ بمعناه العام: التاريخ السياسي والحضاري والاجتماعي، وتاريخ الفرق والمذاهب والرجال والطبقات ومعاجم البلدان، وتركز اهتمام المستشرقين على تاريخ الفرق والصراع بينها، وكانت لهم عناية خاصة بتاريخ الزندقة والزنادقة والقفز من وراء العصر الإسلامي إلى التاريخ القديم لإثارة النعرات الإقليمية وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية.

وتناول د. الديب قضية كتابة التاريخ، مشيرًا إلى أن المعلومات حينما تكون مغلوطة تؤثر تأثيرًا خطيرًا في التوجيه الفكري والنفسي؛ لأن الإنسان يتصرف بمشاعره وعواطفه أكثر مما يتصرف بعقله؛ فالتاريخ مجموعة معلومات ونسق فكري وثقافي معين يتلقاه الإنسان ويسيطر عليه، ويربي عنده اتجاهًا ثم اهتمامًا ثم عاطفة ثم يملك عليه عقله، ومن ثم يتصرف بهذه الطريقة، وهذا هو الفرق بين الفكر والإيمان، فصاحب الفكر لديه مقدمات وقياسات تقول: إن هذا صحيح، ولكنه ينتهي عند هذا الحد، أما صاحب الإيمان فينتقل بعد ذلك إلى مرحلة أخرى وهي التطبيق والتنفيذ، ولذلك نجد القرآن الكريم يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) فعقلًا هؤلاء مصدقون ولكن لم يؤمنوا. ولعل القران الكريم أشار في مواطن كثيرة إلى أن القلب هو مكان الفقه والفهم والفكر، فهذا يدل على أن القضية لا بد من أن تنتقل من العقل إلى القلب، ولذلك فإن الاستعانة بمعلومات خاطئة في كتابة التاريخ يترتب عليها مشاعر وعواطف بائسة تجاه تاريخنا الإسلامي نستطيع أن نلمح هذا في أحاديث الدعاة؛ إذ لا يتجاوزون في استشهاداتهم عهد عمر بن الخطاب، وهذه كارثة لما تحمله من تصديق وأخذ بالكلام الذي يثار حول التاريخ من عدم وجود فترات مشرقة لدى المسلمين في طريق النهوض الحضاري عدا فترة عمر رضي الله عنه.

كما نجد أن معظم كتب التاريخ محشوة بمغالطات وانحرافات تردد أن عثمان بن عفان خان مال الأمة وأعطاه لبنى أمية، وأنه ولّى أقاربه رقاب الناس، وانتشرت في عهده المحسوبية، وأن بني أمية قاتلوا من أجل السلطة، وأن يزيد قتل الحسين، وانتشر الاستبداد في عهد بني أمية، وهارون الرشيد كان مترفًا ولديه جوارٍ كثيرات، والمماليك كانوا جهلة، والأتراك كانوا مستبدين، وللأسف فإن بعض المسلمين يسلمون بهذه المعلومات المحرفة إذا اطلعوا عليها. وتبرز هنا خطورة الادعاء بأنه لا يوجد نموذج إسلامي لنظام دولة تقوم على الحكم الإسلامي.

فلا بد مع تجلية التشريع الإسلامي وتأكيد صلاحيته لكل زمان ومكان، وأن نثبت أن هذا التشريع قد نجح وطبق، وأن الأمة سارت بهذا التشريع نحو ألف عام وقادت به البشرية، ولذلك حينما نقول: إن الإسلام يحكم على المسلمين، والمسلمون لا يحكمون على الإسلام، نكون قد أغفلنا بديهية قائدة وهي: أن الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية قامت وقادت الدنيا، وارتادت البشرية كلها بالحب والعلم والفكر والفن والإخاء والمودة وذلك نحو ألف عام.

أسطر قليلة لها قيمة كبيرة

ينبغي أن نبحث عن هذا التاريخ -يستطرد د. الديب- وأن نطهره وننقيه من الشوائب لأهميته: حيث إن الأمم الواعية عرفت كيف تهتم بالتاريخ؛ فمثلًا في عام ١٩٨٤م نشرت الصحف أن الصين حشدت جنودها على حدود اليابان بسبب أن اليابان أرادت أن تغير بضعة أسطر في تاريخها. وهذا الخبر منشور في كتاب «التربية عند اليابان».

وذلك أنه في عام ١٩٤٥م عندما انهزمت اليابان، أحضر ماك آرثر - قائد القوات الأمريكية - عددًا من خبراء التربية (حوالي ١٧ خبيرًا) وضعوا مناهج تاريخ اليابان، وهي المعلومات التي تؤثر في العواطف والمشاعر وتكوين الاتجاهات لدى المجتمع، وكتبوا في منهاج التاريخ أن الجيش الياباني كان معتديًا على الصين، فأرادت اليابان إعادة صياغة الكتابة، فإذا بالصين تنذر وتحشد الجيوش لتظل هذه الأسطر موجودة.

وفي هذه الواقعة يظهر لنا حرص الصين ومعرفتها بمصادر القوة الحقيقية لدى الأمم والمتمثلة في القوة الفكرية لا في الجيوش والأسلحة.

وأمامنا مثال آخر يبين لنا حجم المغالطات التاريخية التي نعيشها، حيث كنا نحتفل في العام الماضي بالحملة الفرنسية - وكلنا درسنا تاريخنا الذي يقول: «وجاء نابليون بأول مطبعة، وعمل بمصر أول خريطة..» وهذا الكلام غير صحيح البتة، ويدخل في جزئية تاريخية، حيث إن المطبعة كانت معروفة في الشرق قبل نابليون بأكثر من مائة عام، ولا أدري ما السر الذي يجعلهم لا يذكرون المطابع العربية التي كانت موجودة قبل مطبعة نابليون: حيث كانت توجد ثلاث مطابع في الشام، في إسطنبول العاصمة، التي كان يزورها كبار الشخصيات المصرية، وكذلك كان للمطابع فرمان ينظم عملها: حيث ينص على «جواز طبع الكتب الدينية...».

وفي التاريخ المصري العديد من المغالطات التاريخية وذلك يرجع للطبيعة الاستعمارية، التي شوهت تاريخنا فهناك كرومر الذي سألوه عندما دخل مصر عن حجم الأموال والسلاح الذي يحتاجه لتثبيت أقدامه في مصر فقال: أريد خبراء في التربية، وجاء بالفعل دانلوب -القسيس- الذي كانت له بصمات واضحة في تاريخنا، ورومين دبرال - شخصية لم تدرس في التاريخ - والذي قال: «يستحيل الانتصار على المسلمين بالسلاح؛ لأن الانتصار عليهم لن يكون إلا بالمنصرين، وينبغي أن نستبدل الكلمة بالسلاح والجند»، وأسس مدرسة فكرية تقوم على التنصير والروح الصليبية مما كان له تأثير واضح في بلاد الشام.

منهج النظر

ويؤكد د. عبد العظيم الديب ضرورة إعادة النظر ودراسة الدورة الحضارية لأمتنا مع التفريق في ذلك بين تدوين التاريخ وعلمية التاريخ وفلسفة التاريخ، حيث إنه لدينا تاريخ مدون، ولكننا وقفنا عند ذلك، ولم نزد على ما صنعه الأئمة السابقون.

ويقول الإمام الطبري في مقدمة كتابه: «وما يكن في كتابي من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه من أجل أنه لا يعرف وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا إنما أوتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا». لذا نجد عند الطبري الخبر وضده - وذلك من باب الأمانة.

وذلك يحتم علينا ضرورة نقد هذه المرويات ونستخدم علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، وينبغي ألا يقتصر منهجنا على كتب التاريخ التي تعتمد في منهجها على ذكر الأحداث والوقائع، التي عادة ما تكون جرائم ومآسي وحروب، ولكنها لا تذكر جهود الأمة.

وهذا يستدعي منا الرجوع إلى كتب الطبقات التي ذكرت الأحداث التي صنعت وأثرت في تاريخ الأمة، مع الأخذ بجميع المصادر المتاحة من الحديث والأثر وكتب الفكر.

هذا إلى جانب ضرورة التعرف على مناهج المؤرخين: أي لا بد من الحذر عند نقل الأحداث التاريخية، خاصة ما هو موجود في كتب الأدب والتي تكثر فيها الروايات، إلا أنها يعتريها بعض التشويه نظرًا لأنها قد تكون ملونة بلون العاطفة.

ويورد د. عبد العظيم الديب أسماء عدد من الكتب الأدبية التي تجاوزت الواقع، منها: كتاب الأغاني للأصفهاني - الذي يأتي بالعجائب ولم يحدثه أحد، وقال عنه رجال الجرح والتعديل «إنه أموي دمًا وشيعي مذهبًا..».

يأتي بعد ذلك دور التفسير والتحليل على يد المؤرخ، وكيف يكون المؤرخ لديه قدرة على التوسم، مشيرًا إلى أن الذين نقدوا الماركسية كانوا على علم بها وبتاريخها، وقالوا: إن أخطاء ماركس في نظريته جاءت لأنها فلسفة تاريخ مشوه، ولو رجعنا إلى كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، نرى أن علي عبد الرازق يقول: «لو أردت لأتيت لك بطابع القهر والإذلال على كل حلقة من حلقات الخلافة الإسلامية»، وكذلك ما أورده أحد الكتاب المسلمين في كتاب ترجم إلى اللغات الأجنبية. كتب يقول: «غزا العرب مصر»، «ولما أنهى عمرو بن العاص احتلال مصر» «غزا المسلمون الشمال الإفريقي».

وهذه المغالطات التاريخية جعلت أحد الكتاب الإسلاميين يكتب عن الشيشان قائلًا: «عندما زرت العاصمة جروزني وجدت فيها بعضًا من مشاهد يوم القيامة، وكل مشاهد مأساة كربلاء، فقد دكت الأرض فيها دكًّا كما ورد في القرآن، وتعرض أهلها لمذبحة مروعة تمامًا كما حدث في كربلاء مع الحسين بن علي وأهله وصحبه»، أي يقرر أن الرئيس يلتسين في هذه المذبحة تقمص شخصية الخليفة يزيد بن معاوية الذي تذكر كتب التاريخ أنه على مدار ثلاث سنوات هي فترة حكمه قتل الحسين السبط الحبيب، وهتك حرمة مدينة رسول الله ﷺ. وهذه رواية خاطئة وضعيفة، حيث لم يورد هذا الخبر إلا لوط بن يحيى، وهو شيعي محترق، كما يقول رجال الحديث.

في العدد القادم مداخلة المستشار طارق البشري.

 

رابطة الكتَّاب الأردنيين والنفق المظلم

محمد شلال الحناحنة (*)

أدباء الأمة وكتابها ومفكروها هم صفوتها في الوقوف أمام المحن والعواصف، ومن هنا يقاس تقدم الاتحادات الأدبية ونهوضها وروابط الكتاب في مدى تعبيرها عن شخصية الأمة ووجدانها وأهدافها، إلا أنَ رابطة الكتّاب الأردنيين المضطربة منذ تفتت اليسار ما زالت تمعن في الانعزالية عن وجدان الأمة، بل تسابق في الطعن في إسلامها وتراثها وآمالها وطموحاتها عبر محاولات تهميش الكتاب ذوي الاتجاه الإسلامي، وإبراز الاتجاه العلماني على الرغم من طفولته الفكرية والإبداعية في الساحة الأردنية، إلى التشكيك بهوية الأدب الإسلامي على لسان رئيسها «فخري قعوار»، ولم تقف الرابطة عند تلك المواقف، بل تعدت ذلك إلى الوقوف في صف الأعداء، فقد مرت مجازر البوسنة والهرسك بكل لوعاتها واحتراقاتها، أمام صمت مطبق من الرابطة، بل ظلت تتغنى بالأيديولوجية الشيوعية المجرمة في بلجراد!!

ثم رأينا أن هذه المجازر الهمجية تتكرر ضد مسلمي كوسوفا باللعبة نفسها، وبالدم البارد نفسه، ومن مجرمي الحرب الصرب وعلى رأسهم ميلوسوفيتش نفسه أيضًا، إلا أن الرابطة هذه المرة أبدت حقدها العلماني ضد مسلمي كوسوفا وضد وجدان الشعب الأردني فاستقبلت -بانحياز واضح- القائم بالأعمال اليوغسلافي في عمّان، ليدافع هذا الصربي الهمجي عن بلاده في هجمتها لتصفية مسلمي كوسوفا، فهم في رأيه إرهابيون أصوليون ينبغي إبادتهم جميعًا صغارًا وكبارًا ضمن ما يسمى في الحرب الحديثة «الأرض المحروثة».

وصف هذا الصربي أهل كوسوفا بالأصولية والتطرف والإرهاب وهو يدرك أنه بهذا الوصف يحك للرابطة على جرب..!!

وأمام هذه الانحرافات المضنية التي آلت إليها رابطة الكتاب الأردنيين «رابطة الثقافة والأدب والتقدم» فإننا لا نستبعد أن يكون ضيفها في مرات قادمة «نتنياهو» أو «باراك» ليدافع عن حقه في ارتكاب المجازر المتتالية مع أهلنا وأمتنا في فلسطين ولبنان وغيرها من أقطارنا. ومع هذا فلم نزل نأسى لكوكبة من كتّاب الأمة يغرر بهم باسم الأدب، وإنْ كان بعض الكتّاب المخلصين الراشدين قد انسحبوا مكوّنين اتحاد الكتّاب في الأردن، ورابطة الأدب الإسلامي منذ سنوات، فإنّ هذا لا يُعفينا من الدعوة لإعادة الرابطة إلى المسار السوي، وانتشالها من النفق المظلم الذي سقطت فيه.

(*) شاعر وناقد إسلامي أردني.

الرابط المختصر :