; المجتمع الثقافي (1121) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1121)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

مشاهدات 100

نشر في العدد 1121

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

 ومضة

ظننته سيفرح عندما يقرأ أن العالم الإسلامي بمقدوره -إن أراد زعماؤه- أن يضغط على هذه الدولة الاستعمارية، أو تلك من الدول التي لا تحترم مشاعر المسلمين ولا تراعي حريتهم في ممارسة عباداتهم والتمسك بآداب دينهم، لأن لهذه الدول مصالح حيوية في بلاد المسلمين وتحت سيطرتهم، ولأن هذه الأمة الإسلامية تستطيع أن توقف هذه المصالح، وتؤثر بالتالي على اقتصاديات تلك الدول الاستعمارية، وتقطع الشرايين التي تمد ذلك الجسد الاستعماري بالأموال الإسلامية وتمنع عنه الدماء التي تُبقي عليه سليمًا معافى.

كنت أظن ذلك بدافع من طبيعة المسلم الذي يقدم حسن الظن بالآخرين، ولأن هؤلاء ربما شاركوني الإحساس بالفخر لما يمتلكه المسلمون من قدرات مؤثرة تعيد لهم شيئًا من الاعتبار، وتعيد لنا شيئًا من الثقة بالأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس.

لكن يبدو أن الأوعية الملأى بالدرن الفكري والغدد المتعفنة، تأبى إلا أن تنضح بما فيها من قيح ومن نتن ومن رائحة كريهة، ولا ترى لها عيشًا إلا في حماية أعدائها وتحت ظل حرابهم، دون أن تذكر -ولو على سبيل الرواية التاريخية- أن هؤلاء الأعداء لا يقدمون لنا خدمة أو يخوضون معركة إلا إذا تقاضوا أضعاف ما قدموا من خيراتنا وعطايانا الجزيلة، فهم في حاجة مستمرة لما نمتلكه، أما نحن فإن احتجنا إليهم اليوم فقد نستغني عنهم غدًا، وربما أنجزنا ما يعوضنا عن خدماتهم إلى الأبد.

ومع ذلك فصاحب المصلحة الدائمة يستعلي علينا ويشمخ بأنفه، وصاحب المصلحة الطارئة يذل ويخضع، لأن بعض أبناء جلدتنا، باعوا أنفسهم لأعداء أمتهم عندما رضوا أن يكونوا سماسرة لثقافتهم الوافدة، متنازلين بذلك عن ذاتية أمتهم وكيانها وهويتها المميزة.

 اللسان العربي بين الفصاحة والبلاغة

بقلم: عبد الوارث سعيد

بعد علوم «الصحة اللغوية» تأتي علوم «الجمال اللغوي» أو «البلاغة» كما شاعت تسميتها، وإذا ذكرت البلاغة ورد على الذهن فورًا مصطلح الفصاحة. ماذا يعني المصطلحان؟ وما الفرق بينهما؟ وما دور كل منهما في الجمال اللغوي؟

لنبدأ بـ«الفصاحة»:

«فَصُح» اللبن: خلص مما يشوبه أو يغطيه كالرغوة. «أفصح» الصبح: بدا ضوؤه، وأفصح النهار: خلا من الغيم.

و«فصح» الرجل: نطق بكلام صحيح واضح، وفصح الأعجمي: جادت لغته فلم يلحن، و«أفصح» الأمر: وضح، وأفصح عن مراده: بينه ولخّصه. ولعل من هذا المعنى قول موسى -عليه السلام- كما سجله القرآن الكريم: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (القصص: 34).

أما في اصطلاح البلاغيين، فإن «الفصاحة» تستعمل وصفًا للكلمة المفردة، فتعني: خلوها مما ينفر منها الأذن أو يجعلها ثقيلة في النطق، أو مجافية للذوق لغرابة في المعنى أو نشوز عن قواعد اللغة أو عن السياق. كما تستعمل وصفًا للكلام، فتعني: خلوه من تنافر حروفه وكلماته مجتمعة مما يجعل نطقه ثقيلًا، أو من ضعف المعنى أو ركاكته أو تعقيده. وكذلك وصفًا للمتكلم فتعني أن لديه ملكة وحسًا وذوقًا بها يقتدر على الإبانة عما يريد، وأنه خال من آفات النطق والتعبير التي تشوه كلامه منطوقًا أو مكتوبًا.

فالأساس في كل ذلك هو الوضوح والبيان والخلوص من الآفات والمعوقات، وهو قريب من المعنى الأصلي للكلمة.

وماذا عن «البلاغة» التي صارت علمًا على علوم الجمال اللغوي؟

«بَلَغَ» -لغة- تعني:

أ- الوصول إلى حالة النضج والتمام، يقال: بلغ الشجر: حان إدراك ثمره، وبلغ الغلام: أدرك (بلغ سن التعقل)، وبلغ الأمر: وصل إلى غايته.

ب- الوصول إلى هدف مقصود: بلغ المكان أو بلغ هدفه: وصل إليه.

و«البلاغة» -على هذا- هي: استيفاء الكلام مقومات الجمال والقوة والتأثير بحيث يبلغ في وضوح وقوة إلى عقل المتلقي -سامعًا أو قارئًا- وقلبه فيؤثر فيه ويحقق الغاية المقصودة منه. ولن يبلغ الكلام غايته ما لم يأخذ «المتلقي» وظروفه الخاصة والعامة في الحسبان، ولهذا عرف البلاغيون «البلاغة» بأنها:

«مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع خلوه مما يخل بفصاحته» فالبلاغة ملكة وقدرة تمكن صاحبها من إبلاغ رسالته وإحداث الأثر المطلوب، وهي تقوم على دعامتين:

1- تملك الأداة، وهي اللغة بمعرفة خصائصها وإمكاناتها التعبيرية، ومقومات الصحة والقوة والجمال فيها، والتمرس بذلك عن طريق دراستها علمًا، ومعايشة نصوصها الراقية -نثرًا وشعرًا- فهمًا وتذوقًا ومرانًا على محاكاة الأساليب اللغوية الراقية وأدواتها حتى يصل إلى درجة التمكن التي تؤهله لمرحلة «الإبداع الفني».

2- استيعاب «المقام» ومراعاة أبعاده المختلفة في صياغة الخطاب، و«المقام» -الذي سماه البلاغيون العرب «مقتضى الحال»- هو «جملة الموقف المتحرك الاجتماعي الذي يعتبر «المتكلم» جزءًا منه، كما يعتبر السامع والكلام نفسه وغير ذلك مما له اتصال بالتكلم ليشمل كل جوانب عملية الاتصال من الإنسان والمجتمع والتاريخ والجغرافيا والغايات والمقاصد» (د. تمام حسان، الأصول: نحو فقه لغة بلاغة ص 329).

إن عدم مراعاة «المقام» -أو «الموقف»- يذهب بأثر الكلام مهما يكن حظه من البلاغة، فالحديث عن «الطلاق» في «حفل زواج» يحدث أثرًا سيئًا، كأن يفتتح قارئ حفل زواج بقوله تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ (التحريم: 5).

لكن أن يبين المأذون في خطبة النكاح عند العقد واجب الزوج في المعاشرة بالمعروف أو المفارقة بالمعروف ويستشهد بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 231) لا يحدث أي استنكار كالموقف الأول، خاصة إذا كان الجمهور من المتمسكين بأحكام الإسلام خلافًا لمن غلبت عليهم الدنيويات والجهل بالدين.

وعلوم البلاغة الثلاثة -التي سنتعرض لها في الحلقات التالية- تنصب على الأداة، الدعامة الأولى للبلاغة.

الرابط المختصر :