العنوان نظرية الأدب في التصور الإسلامي (۱) .. إسلامية الأدب
الكاتب حسين علاوي
تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002
مشاهدات 85
نشر في العدد 1504
نشر في الصفحة 52
الأربعاء 08-مايو-2002
إسلامية الأدب
• دراسة أي مشكلة تقتضي امتلاك منظور منهجي يتصور الباحث من خلاله المسائل ويحلل في ضوئه الفرضيات.
• الأزمة الفكرية والثقافية التي نعاني منها تكمن في تطبيق المنهج.. أزمة تعامل مع قيم الكتاب والسنةوتحويلها إلى برامج.
عني الإسلام ببناء كيان الأمة الإسلامية على أساس سليم من المعرفة التي ترتكز على هدي وتوجيه الوحي وقدرة وفاعلية العقل. ففي الوقت الذي كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يوجهها الوحي ويرسم خطوطها وتطوراتها وغاياتها، ويهدي توجهها، فإنها ارتكزت على العقل والتدبير والتخطيط والتفكير. فالدين الذي يبدأ كتابه الكريم بكلمة «اقرأ» لا يمكن إلا أن يكون دينًا معرفيًّا؛ أي أنه يحث على النشاط المعرفي على مستوى الكون والوجود لتأكيد القناعات الإيمانية من جهة، ولتعميق الوفاق بين الإنسان المؤمن والوعي الذي يتحرك فيه.
مع الإسلام بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الإنسانية قوامها المعرفة التي تضع حدًّا للتخلف وتهميش وظيفة العقل وتعطيل دور الحواس. فالقراءة في كلمة «اقرأ» ليست تعلم الأبجدية فقط، وهي مقصودة بلا شك كمفتاح للعمل، وطريق للدين الجديد الخاتم، ووسيلة للتغيير والبناء الحضاري وإنما أيضًا للقراءة بأبجدية إسلامية ذات منهجية خاصة، فليس كل قارئ بالأبجدية، قادرًا عليها، إذا افتقد الإيمان الذي يعتبر المؤشر الصحيح لتوجيه أبجدية الإنسان، وربطها بغاياتها ... إنها القراءة باسم الله الخالق القراءة باسم الرب الأكرم، إنها قراءة جديدة متميزة عن القراءات القائمة والأبجديات المعروفة.
تمكن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم من بناء حضارة توحيدية سامقة، واستطاع أن يقدم للبشرية نموذجًا فطريًّا لتغيير حضاري وإنساني كون به إنسانًا استخلافيًا وثقافة إنسانية، ومجتمعًا منسجمًا، وتاريخًا عالميًّا، وحضارة متوازنة. وكان وهو يواجه بناء الحضارة الإسلامية منضبطًا بمنهج تغييري يستمد وجوده، ووعيه، وأصوله من معيار الوحي الإلهي. ولما كان أي بناء حضاري إنساني مفتقرًا في وحدته إلى منهج تغييري يقوده نحو غاياته ومقاصده بخطوات منظمة وسليمة، فقد استدعت العملية التغييرية النبوية وجود ذلك المنهج. والمنهج النبوي في البناء الاجتماعي، منهج فطري متوافق مع سنن الله في الخلق، ومنسجم مع قوانين الدعوات الإنسانية.
ومن هذه الأهمية العظيمة للمنهج النبوي وقدرته على تركيب حضارة عالمية نموذجية تستجيب لقانون الفطرة العالمي، برزت الضرورة الملحة لكتابة نظرية أدبية تنفذ إلى محاولة وعي المنهج النبوي، وفرض استدعائه ليسهم بقدراته الفائقة في حل الإشكالات التي تواجه الأديب المسلم... وذلك لما للوحي بهذا المنهج من فقه بصير، وإدراك عميق، وفهم سديد لسنن الدعوات وقوانين النهضات (۱).
إن العقيدة الإسلامية تعد مثل البذرة التي تطرح شجرة... فهي أسلوب شامل للحياة.. رسالة ونظامًا وحركةً ونماءً. لذلك نقول: إن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها، أو الأزمة الفكرية والثقافية والأدبية والفنية هي أزمة منهج عملي، وأزمة تعامل مع قيم الكتاب والسنة، وتحويلها إلى برامج من خلال السيرة النبوية، أو بكلمة مختصرة: أزمة تعامل مع معرفة الوحي بشكل عام، أو استيعاب المنهج النبوي في الوعي والتغيير، سواء في ذلك من ينكرون وجود المنهج، في الكتاب والسنة ابتداءً، ويعتبرون أن الأزمة اليوم، أزمة منهج، أو من يسلمون بوجود المنهج، إلا أنهم عاجزون عن وضع مناهج فهم وتعامل من خلال القيم نفسها، ونسقها المعرفي، وتراثها الممتد، الذي بشكل عقلها الجماعي، وشخصيتها الحضاريةالتاريخية.
لذلك، تراهم يتطاولون على التراث، ويحكمون عليه من خلال تشكيلهم الثقافي، بعيدًا عن القيم المعيارية، التي أنتجته، وإنما من خلال قيم حضارات ومناهج معرفية، وعقائد أخرى. فالعقيدة تطالب بالنشاط المعرفي، بل تأمر به، وهذا النشاط المحفز بدافع الإيمان يقود بدوره إلى تعزيز الرؤية الإسلامية بإضاءتها بالمزيد من القيم المعرفية، ويمنحها المزيد من وسائل القوة والتحقق والانتشار والتعايش مع العالم (۲).
إن العالم، وفق النظرة الإسلامية، قد سخر للإنسان تسخيرًا، والله سبحانه قد حدد قوانينه ونظمه، بما يتلاءم والمهمة الأساسيةلخلافة الإنسان فيه وقدرته على التعامل مع الطبيعة تعاملًا إيجابيًا فاعلًا، ولقد أراد الإسلام أن يطرح طريقًا أو فهمًا وسطًا بصدد هذا التعامل، فأعلن للبشرية مبدأ تسخير الطبيعة لخدمة الأهداف الإنسانية، ولكنه في الوقت نفسه، يضبط صيغ التعامل بين الطرفين بقيم ومبادئ وأعراف تحقق أقصى درجات الكشف والإبداع، وتنشئ أكثر الصيغالحضارية ملاءمة لطموح الإنسان وأخلاقياته ومكانته في الكون (۳).
إن الإسلامية هي المعنية بترتيب وضع الإنسان في العالم وتنظيم حياته بما يجعله قديرًا على تحقيق مهمته الاستخلافية. وإن العلوم التي تعالج الإنسان فردًا، كعلم النفس مثلًا، وتلك التي تعالجه جماعة كعلمي الاجتماع والتاريخ، أو تلك التي تستهدف دراسة وتنظيم مؤسساته كعلوم الإدارة أو ضبط نشاطه المعيشي كعلوم الاقتصاد، أو تنسيق علاقاته العامة كالعلوم السياسية أو حماية حقوقه وتنظيم واجباته كالقوانين والتشريعات أو متابعة رؤيته الجمالية ونشاطه التعبيري كالأدب والفنون.
هذه العلوم جميعًا في حاجة إلى أن تشكل هي الأخرى في دائرة «الإسلامية»، وأن تستمد مناهجها وطرائق عملها، بل أن تبني مفرداتها من نسيج المعطيات الدينية التي حددها كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنماط النشاط الفقهيعن طريق استجابته للتحديات ومتابعته للمتغيرات الزمنية والمكانية، وذلك من أجل أن تصبح الحياة البشرية بمختلف أنشطتها وصيغها، إسلامية التوجه إسلامية الممارسة، إسلامية المفردات، ويتم بذلك تجاوز كل ما من شأنه أن يقود إلى الثنائية أو الازدواج بين التوجيه الإلهي ذي العلم المطلق وبين اجتهادات الإنسان النسبية المتضاربة ... (٤).
وكما هو معلوم في كل نوع من أنواع المعرفة البشرية، أن دراسة أي مشكلة من المشكلات تقتضي بالضرورة أن يمتلك الباحث أو الكاتب رؤية، أو منظورًا منهجيًّا، يتصور من خلاله المسائل، ويحلل في ضوئه الفرضيات والإشكالات المطروحة على بساط البحث والأدب الإسلامي كظاهرة اجتماعية تربوية فنية متصلة بالواقع الإنساني، في كل مستوياته العقلية، والنفسية والسلوكية الفردية والجماعية بحاجة إلى مدخل منهجي، يتيح له فرصة دراستها بشكل مستوعب والانكباب على فهمها واستخراج قوانينها، وإدراك منطقيتها، ونظامها الفكري، الذي يستدعي فهمًا مستوعبًا للمفتاح الداخلي، ويمكن الأديب من دراسته بشكل صحيح، ومثمر.
وقد تكون الحاجة لذلك اليوم أشد من أي وقت مضى، وقد طغت المدارس وكثرالادعاء اللغوي والأدبي... وشاع مناخ التضليل التطبيع الرؤية الغربية، وتقطيع الرؤية الإسلامية لإيجاد المسوغات لنفي الأدب الإسلامي، أو تحجيمه... رغم هذا الكم الضخم في مجال الشعر والقصة والرواية والمسرحية. وهنا نقول: إن الأزمة التي نعاني منها ليست أزمة منهج، وإنما أزمة فهم للمنهج، وأزمة تعامل مع المنهج أزمة تنزيل للمنهج على الواقع وتقويمه به....
فالإسلام هو المنهج وهو الصراط، وهو السبيل، وهو الحجة، وهو موثق الاستمساك والتلقي، واكتشاف الخلل، وتحديد الأزمة، وهو بكلمة جامعة الدين الذي يحكم تصرفات الإنسان، أو يدين له الإنسان بتصرفاته، ونشاطه؛ لأن أي عدول عن هذا- أو تعديل له- إنما يعني بالضرورة استدعاء مناهج ونظم معرفية ومسالك ومعايير «الآخر»، وليس «الآخر» الآن سوى المنهج الغربي، بوسائله وأدواته، ونظامه المعرفي، فللثقافة الإسلامية وجهان: الوجه النظري ويمثل البناء التصوري والمفاهيمي والمعرفي والمنهجي للظاهرةالثقافية. والوجه العملي، ويمثل التشكيل الاجتماعي والسلوكي للظاهرة ودراسة أي ثقافة بشرية لابد أن تمر على المستويين السابقين مستوى الإطار المرجعي ومستوى الإطار السلوكي.
ودراسة أي منهما بمعزل عن الآخر، سوف تجزئ الظاهرة الثقافية وتفصل شقيها المتلازمينفكل السلوكيات والمواقف العملية والبنى المادية لثقافة ما، إنما ترجع إلى الجذر النظري والمرجعي، الذي يطبع عالم الثقافة بطابعه، وبنائه الخاص المستمد أصلًا من تصورات المجتمع، ومواقفه الكونية، والحياتية إن المنهج الذي شرع الله التزامه، لا يخص الجانب التشريعي أو السياسي أو الأخلاقي أو الاقتصادي أو التربوي، وإنما يعني ذلك جميعه بكل ما يتطلبه المنهج من منطلقات أساسية، وأهداف مرحلية ونهائية واضحة ووسائل وأوامر ونواه، وقيم ومعايير ثابتة ليست من صنع الإنسان، وما يتطلب أيضًا من أنموذج تطبيقي لهذا المنهج، أشبه ما يكون بوسيلة إيضاح معينة على تنزيل قيم المنهج على الواقع، وتحويل فكره إلى فعل مجسد في حياة الناس، أو هو كالمجسمات والنماذج والصور التي تبين الشكل الذي لابد أن تنتهي إليه الوسائل (٥).
إن المنهج الإسلامي منهج شمولي يتضمن:
المكاني والزماني، النفسي والاجتماعي، الفكري والفلسفي، العلمي والثقافي الفني والأدبي.... وهذا الكلام ليس من قبيل الاستشهاد الشخصي الذي مارسه ستانلي هايس في كتابه النقد الأدبي ومدارسه، بصياغة المذهب الشمولي في النقد، وإنما لأن الرؤية الإسلامية في أساسها رؤية شمولية، بل إن ما يميز الإسلام نفسه عن سائر المذاهب والأديان، إنما هو شموليته... قدرته على لمَّ سائر الأطراف والقضايا في معادلة وضع الإنسان في العالم..... تجاوزه- بتصميم إلهي معجز، أيما انكماش أو انحراف أو انحياز لجانب ما على حساب الجوانب الأخرى... إنما هو التوازن والوسطية والتغطية الشاملة للمادي والمعنوي للفردي أو الجماعي للزماني والمكاني للمنظور والمغيب.... ولسائر الثنائيات والتفاريق في نسيج الكون وبنيان العالم وتكوين الإنسان (٦).
إن المنهج هو طريق الوصول، ويصبح من الضروري أن نحدد ما الأهداف التي نريد الوصول إليها ابتداءً، ومن ثم الوسائل والأدوات مع والمعارف المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف ضرورة الانتباه إلى أهمية عدم المجافاة بين الوسائل والأدوات والأساليب المعتمدة في مشروعيتها، والأهداف المرجوة.
فالمنهجية خاصية من خصائص الخطاب العالمي القائم فهي وعي بكيفيات إنجاز عمل ما، وفهم الطريق الوصول إلى غرض مطلوب وفق ترتيبات واضحة ومنظمة، وقد ساهم العقل الحديث بقسط وافر في تعميق القيمة المنهجية في السلوك الإنساني الراهن، رغم أن موضوع المنهجية كان موجودًا قبل هذا التاريخ بقرون طويلة ... فكل عمل لا يخضع لمنهجية استدلالية أثبتت صحتها لن يجد له مكانًا، وكل إقناع لا يصدر عن توجيه منهجي مؤسس، سوف يرد،فعندما تنعدم الحركة المنهجية في العمل الإنساني يصاب ذلك العمل بالعمى، وتظهر فيه الفوضى المنهجية هي برنامج العمل، الذي يربطه بالواقع، ومن هنا، فإن واجب الأديب المسلم أن يعمل على تحقيق إسلامية الحياة، وأن يحدد نظريًّا وتطبيقيًّا علاقة الإسلام بكل جزئية في الحياة الإنسانية.
الهوامش
(۱) برغوث عبد العزيز، المنهج النبوي والتغيير الحضاري / قطر ص ۳۸۲۷
(۲) عماد الدين خليل، مدخل إلى إسلامية المعرفة- المعهد العالمي للفكر الإسلامي- ص ۱۸
(3) من ص ۲۱
(٤) من ص ١٦، ١٧
(٥) المنهج النبوي - ص۱۳
(6) عماد الدين خليل، هموم الأدب الإسلامي- مجلة المشكاة- العدد ۱۸، ص ۲۲
(*) باحث في مركز الغدير - إيران
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل