; المجتمع الثقافي: العدد (1682) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: العدد (1682)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 24-ديسمبر-2005

مشاهدات 71

نشر في العدد 1682

نشر في الصفحة 50

السبت 24-ديسمبر-2005

قصة قصيرة 

البتر

علاء سعد حسن

ابتسم الجراح الشهير ابتسامة صفراء باهتة وهو ينظر في وجه مريضه الممدد في استسلام على السرير الأبيض أمامه، وأخذ ينفث الكلمات باردة بطيئة.. كانت هذه هي اللحظة المناسبة التي ينتظرها منذ قام بإجراء الجراحة.. لحظة أن يفيق المريض وأن يكون قادرًا على تحمل وقع الحقيقة.. 

قال الجراح: حمدًا لله على سلامتك يا سعادة اللواء.

تمتم اللواء بصوت متهدج قليلًا: نحمد الله على كل حال..

لمح الطبيب نظرة الأسى البادية في عين اللواء فقال: لا يا رجل .. لا نريد أن نحزن على العكس تمامًا يجب أن تكون سعيدًا بنجاح الجراحة.. لقد كان الأمر صعبًا ...

نظر اللواء الممدد على الفراش باتجاه ساقه المبتورة وغمغم : لم يعد هناك فرق بين الحزن والسعادة.. لقد فقدت ساقي وأنا لم أتجاوز الخمسين من عمري..

.. أنجح الوسائل

قال الطبيب بقسوة مباغتة: أنا جراح يا صديقي أعتقد أن البتر هو أنجح الوسائل وأكثرها فاعلية في التخلص من الألم.. هل تدرك سعادتك أنه كان بإمكاني أن أترك ساقك هذه تؤلمك طويلًا، وأن أكتب لك قائمة من الأدوية والعلاجات؟! لايمكن أن أخفي عنك الحقيقة...

علق الطبيب جملته الأخيرة فنظر إليه اللواء مدهوشاً وبدأ عليه الرعب من سماع الحقيقة التي زلزلت سلام كيانه النفسي .. فهو قد استسلم مضطرًا للقضاء فماذا عسى الطبيب أن يصرح له الآن؟.. تعلقت عينا اللواء بعيني الطبيب اللتين كانتا ترقبان حالة القلق والتوتر على وجه اللواء بدقة .. وربما خالطها شعور غير ظاهر من النشوة والتشفي الخفي...

بعد لحظة صمت مرت على المريض كأنها دهر، قال الطبيب بصوت بارد أجوف: كانت هناك نسبة معقولة لنجاح العلاج الطويل.. صحيح أنها نسبة ضئيلة لكنها كانت مقبولة على أية حال...

ومع ذلك...

صمت الطبيب مرة أخرى ونظراته تنهش وجه مريضه الذي ينهش قلبه مزيج من مشاعر الألم والحسرة والدهشة .. كتم اللواء صرخته في حلقه، قرأ الطبيب ملامح الرجاء في عينيه ورغم الرجاء الصامت أكمل: 

كانت نسبة نجاح العلاج معقولة لكنها مع ذلك كانت مغامرة.. ربما لم تنجح.. في هذه الحالة كنا سنلجأ إلى البتر حتمًا...

لم ينطق المريض. لكن نظراته كانت تصرخ في وجه الطبيب : ياللهول !! سنلجأ للبتر! وأنت الآن أيها الأفاك ألم تلجأ للبتر! استعاد الطبيب نبرة الإقناع في صوته وهو يقول : لقد جنينا سعادتك بقرار البتر السريع مزيدًا من الألم ومزيدًا من التكاليف ومزيدًا من الوقت.. فأنا أدرك تمامًا قيمة الوقت عند سعادتك ...

ترك الطبيب مريضه بهضم الجملة الأخيرة

على مهل... قيمة الوقت؟.. وأنا الآن بساق واحدة لم يعد هناك قيمة لأي قيمة في الحياة... أضاف الطبيب وقد ارتسمت على وجهه أخيرًا ابتسامة ودودة: والأهم من كل ذلك جنبنا سعادتك مضاعفات خطيرة كانت محتملة إذا فشل العلاج.. مضاعفات كانت محتملة بنسبة ضئيلة لكنها كانت محتملة تمامًا على أية حال...

لم يعد هناك داع للمناقشة ولا للصراخ في وجه الطبيب ولا حتى مقاضاته أو التشهير به.. كل هذا لا يهم الآن، لأن شيئًا من ذلك لن يعيد الساق المبتورة إلى مكانها .. على اللواء أن يجتر الألم بصمت وأن يكتم أي تعبير من الممكن أن يلمحه من هذا الجرّاح الرهيب الواقف قبالته وألقى جملته الأخيرة وهو يخلع قفازه الشفاف من كفيه ويضعه بعناية شديدة في إناء التعقيم.

أضمن من المغامرة

«سعادتك رجل أمن وتدرك تمامًا أن الإسراع في بتر العضو المريض أضمن بكثير من المغامرة بمحاولة علاجه»...

أشاح اللواء بوجهه وأغمض عينيه لا يريد أن يرى هذا الوجه الكئيب.. ورغم ذلك شعر بحاسته الأمنية مدى المرارة العميقة التي حاول الطبيب إخفاءها في جملته الأخيرة...

انصرف الطبيب كما حضر بهدوء شديد كأنه يتسلل.. وترك المريض الممدد في الفراش في حالة غريبة.. أخذ اللواء يتذكر وقد ضيق عينيه وهو ينظر إلى اللاشيء.. لقد كانت هذه هي جملته الأثيرة لديه: العضو الفاسد لابد من بتره حتى لا يعدي الآخرين.. متى سمع الطبيب منه هذه الجملة؟.. هل سبق له أن رأى هذا الوجه الكريه بابتسامته الصفراء من قبل؟...

يعتصر الرجل ذاكرته يضيق عينيه أكثر فأكثر، كأنه يضيق الخناق على ذكرياته لتعترف أو تبوح له بسر هذا الحوار البغيض الذي أداره الجراح عامدًا مستغلًا حالته المرضية.. لم يتذكر على وجه التحديد متى رأى هذا الوجه.. لكنه لابد بالتأكيد قد رأه يومًا ما في الزمن السابق...

لقد كان يردد هذه الجملة مرات عدة.. اقترب سعادة اللواء من حافة التذكر .. لكن من هو من بين هؤلاء جميعًا؟.. أمسك الرجل برأسه الذي كاد ينفجر .. أغمض عينيه .. كم من عضو فاسد أمر ببتره أو قام هو بنفسه بتنفيذ هذه العملية برصاص مسدسه الميري؟.. كان يؤدي واجبه المهني بكل تأكيد.. لم يكن هناك مجال للمغامرة .. قد يتم علاج العضو الفاسد، وقد ينتكس وقد يعدي الآخرين.. الحل الأسلم دائمًا أن يبتره ويريح المجتمع من ضرره المتوقع...

ظل ابتسامة

جلس الجراح إلى مكتبه الفخم وعلى شفتيه ظل ابتسامة كريهة .. كان يدرك أن شظايا قنبلته التي ألقاها في عقل سعادة اللواء تمزق أحشاء روحه الآن.. كانت كما قال لنفسه قنبلة دخان تصيب ولا تقتل.. قنبلة من الوهم.. الرجل لا يستطيع أن يمسك عليه شيئًا .. لا يستطيع حتى أن يتأكد من صدق المعلومات التي قذف بها في رأسه.. ودمعت عينا الطبيب وقد عادت لوجهه مشاعر آدمية حانية .. تذكر أخاه وهو يسقط مضرجًا في دماه منذ عشرين سنة.. كان يومها غضًا طريًا يؤمن بالمبادئ العليا والمثل.. مجرد طالب بالكاد يقف على أعتاب الجامعة...اقتطفته يد الضابط الرهيب الذي كان يحمي المجتمع من عضو شك في فساده.. استرسل الطبيب في ذكرياته .. وأخيرًا سمع صوت ضحكته البشعة وهو يردد لنفسه لن يستطيع أبدًا أن يتحقق من صدق المعلومة التي تمزق أحشاءه الآن.. سيظل ما بقي من عمره يتساءل: هل كان في إمكان الطب أن يجنبه بتر ساقه؟.

حصاد الفكر

وصلنا العدد (١٦٣) من حصاد الفكر وهو ملخص شامل لأهم وأحدث الكتب العربية والأجنبية.. حيث يواجه العالم العربي حربًا شرسة تستهدف ليس فقط اقتصاده وقوت أبنائه وسيادته، لكنها حرب سرقة العقول واغتيال الحقوق في الوقت ذاته، إنها قرصنة من نوع جديد تستهدف تفريغ الدول الأقل نموًا من حقوقها الإنسانية وفي مقدمتها حقوقها في جني ثمار الإنتاج الفكري لأبنائها لتظل رائدة في فلك الدول المتقدمة.

إن هذا الإرهاب الفكري يناقض ادعاءات حقوق الإنسان التي يتشدقون بها ويشنون من أجلها علينا الحرب تلو الحرب.

ولعل موضوعات الدراسات والكتب التي يضمها هذا العدد من تقرير حصاد الفكر تعلن هذا الرفض في إطار موضوعي لا يرفض الآخر كله لكن يتعامل معه بمعيار الحكمة التي هي. ضالة المؤمن ينشدها في أي مكان.

 الشيخ أحمد ديدات كان موضوع ملف العدد بحواراته ومواجهاته لا سيما المناظرة الكبرى التي دارت بينه وبين القس د. أنيس شروش الحاصل على دكتوراه في اللاهوت المسيحي من جامعة مسيسيبي الأمريكية.

من موضوعات العدد وبحوثه:

الشركات متعددة الجنسيات ودورها في حكم العالم.

-الذاتية الإسلامية في مواجهة الغرب.

-أدب النجاح.

-تحطم الأسطورة.

-تخطي الإسلام للعنف.

واحة الشعر

شعر: شريف محمد حسن

لست مني

«لأنك جاثم فوق صدري عبر السنين، لا ترى غير نفسك، لم تشعر يومًا بفرحي أو بترحي، فلست مني».

لست مني

لست عزي أو دليلي

أنت عاري وشناري

 أنت عزلي عن قراري

 وانتكاسي وافتقاري

 لست مني

 أنت مصنوع بأيد

مثقلات بدمائي

منذ عهد

لست مني

 أنت لص

تسرق الأشياء مني

وحقوقي ضائعات

في يمينك

رغم أني

لم أكن يوما غريما

لم أحاول كسر بابك

لم أحاول أخذ مالك

غير أن الحريابي

في المهانة أن يشارك

أنت تبغيني ذليلا

مستكينا لضلالك

في سجونك تحتويني 

كي تحقق كل ذلك

غير أن السجن يبقى

في اتساع لا يضيق

وحياة الروح ترقى

للعلا دومًا تتوق 

في المحافل تدعيني

غارقًا في الطيبات

حائزًا كل حقوقي

والزيادة في ثبات

غير أني من أناس أنكروا كل الهبات

وادعوا أن البلاد

تائهات في الشتات

والموارد ضائعات 

في جيوب الراقصات

فاستحقوا باقتدار 

أن يساقوا للممات

لست مني

وحياتي في السجون

والمنون

ليس أقسى من حياة

تحت حكمك والأنين

واختلاني بمليكي

وانتظاري للقاء

بأمير الأنبياء 

والأباة الصالحين

يمنح المسلم دومًا 

كل أسباب اليقين

ودموع الليل تعطي 

عزمة للقانتين

سأحاول قدر جهدي 

أن أردك عن ضلالك

مستعينا بإلهي

سالكًا كل المسالك

مستقيمًا في طريقي

سائرًا رغم المهالك

رغم أوحال الطريق

رغم كل العقبات 

والسجون

تحتويني والمنون 

سأعود

أو سأسعى للممات

خالدًا في المكرمات

راضيًا عني إلهي

ذو الأيادي السابغات

الرابط المختصر :