العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1414)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000
مشاهدات 136
نشر في العدد 1414
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 22-أغسطس-2000
قصة قصيرة:
رؤية يقظى!
إعداد: مبارك عبد الله
بقلم: د. عبد المجيد البيانوني
السماء مكفهرة مظلمة، كأن الدنيا في حلكة ليلة من ليالي الشتاء المخيف.. ويبدو فيها دخان على ألوان شتى، يتصاعد بقوة هائلة من كل اتجاه.. ومعه دوي هائل يسمع بقوة في كل مكان.. يستفز أعصاب الإنسان ويستثيرها ... ويستقر الدخان قريباً من رؤوس الناس، وكأنه وحش كاسر، يطل عليهم، ويتهددهم بالموت، ويحفر في السماء أخاديد وشروخاً عميقة.
والشمس محجوبة عن الأعين، ولكن حرارتها تتدفق على الناس من كل مكان ... وكأنّ الوجوه أمام لهب من النيران! وحشود هائلة من الناس على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وألوانهم، تسد على الناظر الأفق من كل مكان.. وتتراءى له من بعيد، كحشود أمة من أمم النمل في غابة من الغابات.. ولكنّ الوجوم والخوف والقلق يعلو وجوه الجميع.. كلهم مطرق إلى الأرض، لا يلتفت إلى أحد يمنة أو يسرة، ولا يكلم أحداً بأي كلمة.. الناس كلهم عراة أو اشباه عراة.. ولكنهم في ذهول عن كل شيء من الهول الذي يعيشونه.
أصوات عميقة.. مبهمة خفية مخيفة.. كالأنين المنبعث من أعماق بئر، تزداد قوتها وتأثيرها مع كثرة أعداد الناس، وغصة الأرض بهم!، وبعض هذا الصوت قوي هادر، متميز عما سواه، وكأنه هو الذي يسوق الناس من هنا وهناك ... ويجعلهم يجرون إلى غاية يعرفونها ... ولكن لماذا لا أعرفها أنا؟
«يا إلهي! الخوف يملأ كياني ... والضيق يستبد بجوانحي وجوارحي ... أحس أن قلبي يكاد يسقط من صدري! أو يخرج من فمي! أين أنا؟ وما هذا الحال! ومن فعل بنا ذلك؟! اللهم لا منجى منك إلا إليك؟ لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك!، يا رب رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك! أهذه أهوال يوم القيامة! ربما! ولكن تلك الأهوال كما أعلم عنها أعظم وأخطر.
وازدادت أعداد الناس وتكاثرت، وتلاصقت أجسادهم من شدة الزحام، وتزاحمت بهم الطرقات وغصت ... وبين الساعين أناس يترنحون ذات اليمين وذات الشمال ... هيئاتهم مفزعة، وصورهم مشوهة مخيفة ... لم يكن عددهم قليلاً، كان أكثرهم من الرجال المتقدمين في السن.. وأنواع تشوهاتهم كثيرة مختلفة.
فمنهم من كان ضخم الرأس صغير الجثة..
يسند رأسه بين يديه، ولا يكاد يحمل رأسه إلا بصعوبة، وتخطو قدماه تحت رأسه الثقيل بتعثر... ومنهم من كان ضخم الجثة، صغير الرأس ... وكأنه جسد بغير رأس! ومنهم من كان أعمى يتخبط في مسيرته، ولا يهتدي إلى شيء من طريقه!، ومنهم من كان مقلوب الرأس إلى قفاه ... يمشي ويتعثر!، ويضطرب يميناً وشمالاً ... ومنهم من كان طويل اليدين، يجرجر بهما إلى الأرض، ولا يستطيع حملهما.. ومنهم من كان غليظ الفم، في رأس صغير، يغطي فمه على رأسه ووجهه! لا يزال يحرّك فمه، وكأنه معتوه كبير، يقضم الوهم، أو يهزأ بالناس ... ومنهم من كان طويل اللسان، قصير اليدين ... يتدلى لسانه إلى الأرض، فلا يزال مهطعاً برأسه إلى الأرض، يشفق على لسانه من شدة ما يناله من الألم والعنت!، ومنهم من كان كبير العينين ... واسع الأذنين في رأس صغير دقيق ... لا يستطيع أن يرف طرفه ... ويدخل عينيه من غبار هذا الزحام وقتره ما يجعله يلوب يمنة ويسرة، فلا يقدر على دفع شيء من الأذى!
ونساء في هيئات قبيحة سيئة: منهن من تضخم لحم صدرها وأكتافها، وتشقق، فكان أغواراً وأخاديد.. سالت منها الدماء، حتى غمرت أجزاء بدنها بلون الدم المفزع.. ومنهن من تدلْت من بين رجليها كتلة هائلة من اللحم الأسود، فهي تتعثَّر بها حين تمشي، وتجرّها خلفها بمشقة بالغة.. ومنهن من تضخم رأسها كمثل بعض الرجال، حتى أصبح عبئاً ثقيلاً، على جسدها الناحل الدقيق.. وتدلى من ذلك الوجه القبيح لسان طويل عريض يمسح الأرض، ويطأطئ الرأس الذي يحمله.. ومنهن من طالت أيديهن، وتضخمت حتى مسّت الأرض، فانحنت ظهورهن من ثقل تلك الأيدي.. وطالت شعورهن حتى مست الأرض، وتعلقت بها أنواع من النفايات السوداء، شدت بها إلى الأرض، وتبدو عليهن هيئة الشقاء والضنك.. ومنهن نساء حليقات الرؤوس في قبح من المنظر يزري بقبح القردة، يتمايل في صورة مؤذية كريهة.
وحول الناس مخلوقات عجيبة.. تحيط بهم من كل جانب، ما هذه المخلوقات العجيبة..؟ إن هيئاتها مخيفة.. تقف في أماكن محددة ولا تتجاوزها، وتتحكم في هؤلاء الناس جميعاً، وتسيطر عليهم كيفما تحركوا أو اتجهوا.. فلا يستطيع أحد أن يخالف لهم أمراً.
يا إلهي! ما المخرج مما أنا فيه؟ أكاد أختنق من شدة الزحام.. ومن كتمة الجو، وشدة العتمة!، إن الجو يبدو وكأنه فاقد لهواء التنفس، فالمشقة لا توصف ولا تقدّر! والطمع في الوصول إلى الهواء بسهولة أشبه بخدعة من خدع الشيطان، أو بخرافة مضحكة!
إلى متى هذا الحال؟ وماذا وراء هذه الجموع؟! وما مصيرها؟ وما الغاية التي تسير إليها؟!، واشتد الخوف على الناس أكثر.. وارتفعت أصوات كثيرة، غامضة الكلمات، مجهولة المصدر مبهمة!، لا بد أن الضيق يستبد بكل هؤلاء الناس! ويستولي عليهم!
وطال الوقت، وامتد المسير! وفي مكان من المسير كانت تلك المخلوقات تحدد للواصلين إليها طريق مسيرهم.. فمنهم من تدفع به ذات الشمال من الطريق.. ومنهم من تشير إليه أن يأخذ إلى جهة يمينه.. ومنهم من تتركه في مسيره الأول.. ووصلت إلى ذلك المكان، فتركت في مسيرتي التي أسيرها.. فقلٌ عدد الناس عن ذي قبل.. ووجدت الطريق صاعداً بعض الشيء.. ومطلاً على تلك الأعداد الهائلة التي تملأ الطريق الأول.
وتوقفت مسيرة الناس فجأة في كل مكان.. وتجمد الناس في أماكنهم، وكأنهم أصنام منصوبة من حجارة.. ولكن الجلبة التي كانت تنبعث من مكانهم حين مسيرهم، لا تزال تنبعث بقوة.. وتضفي على الموقف رهبة، وإحساساً بالمجهول المخيف، الذي يحيط بالموقف كله.
وبرزت رؤوس بعض الناس دون غيرهم.. وظهرت أجسادهم الضخمة، وكأنهم ممن سمعت عنهم من العمالقة، وهُرع إليهم كثير من الناس من كل صوب، وتبعوهم حتى أحسوا بمضايقة الناس لهم، وهم يحيطون بهم من كل جانب، كانوا يعدون بالمئات بين مئات الألوف المؤلفة.. وكان أولئك الغلاظ على درجات متباينة في غلظ الأجساد، وسوء المنظر.. والتباين في الجسد بين الواحد والآخر، كما هو التباين بين أقلهم، وعامة الناس.
كانت أصوات الناس ترتفع بصورة متباينة مضطربة.. وكأنُ كلّ واحد منهم يتكلم بحاجته الخاصة.. وكان هذا اللغط يضفي على الجو حالة أعنف من الضيق والألم.. وكان أولتك الغلاظ يردون على كلام هؤلاء المحيطين بهم بطريقة هستيرية متشنجة.. ويشيرون لهم إلى جهات أخرى بعيدة.. فلا يزداد الناس إلا ضجة ولغطاً.. ودفعني هول المشهد وغرابته إلى أن أتتبع بعض ما يُقال من هنا وهناك.. فالموقف مثير لسماع ما يُقال.. والتقطت من الكلام ما وعته ذاكرتي فلم تنسه: «أنا مرافقك الخاص! أنا مرافقك الخاص! ألا تذكرني؟ يا فلان! يا فلان! أنا طول عمري كنت معك.. أنّا لم أعمل عملاً إلا بأمرك! أنا أنقذتك من الموت!». وكان بعض الناس ينادي بصورة صاخبة.. وتبدو عليه دلائل الضيق والشدة.. ولكن سيّان هذا أو غيره.. فجميع الناس لم يلقوا إلا موقفاً واحداً لم يتغير.
وسمعت من كلام بعض الغلاظ: «اذهبوا عني! لا علاقة لي بكم! أنتم مسؤولون عن عملكم! دعوني وشأني! لا أملك من الأمر شيئاً! ماذا تريدون مني؟ أنا موقوف مثلكم!».
واشتد الخطب بهؤلاء الناس المحيطين بأولئك الغلاظ واستبد.. وتمادوا في إلحاحهم حتى أمسكوا ببعض الغلاظ من كل جانب.. فما كان منهم إلا أن فروا من وجوههم بصعوبة بالغة.. وشدة الزحام تعوق حركتهم، وكأنها هي الأخرى تمسك بهم، وتضيق عليهم.
وعندما هرب أولئك الغلاظ من إحاطة الناس بهم، تنحّت أعداد من الناس، وأخذوا يتكلمون بكلام لم أتبيّن كثيراً منه، وكأنهم كانوا في موقف خطابة. واشتدّ الكرب بالناس، وادلهم الخطب، عندما كانت تتراءى للناس بين الحين والآخر.. ومن كل جانب في الأفق لفحة من النار عظيمة، تضيء ظلمة الموقف، وتلتمع الأدخنة في شبابها.. وتصحبها أصوات مفزعة مخيفة، يزيد من هولها أصوات استغاثة الناس، وجؤارهم وفزعهم.
ومثل ذلك.. فقد التف بعض الغلاظ على غليظ أخر أكبر منهم.. وتعالت أصواتهم حوله.. ولكنهم كانوا بعيدين عنّي فلم أستطع سماع شيء من كلامهم، كما سمعت كلام الأولين.. وكان كلام الغلاظ مع الغلاظ على بعد الموقف منهم على شيء كبير من الفظاظة والرعب.
وبينما الأمر على هذا الحال، إذ ظهر في الأفق شخص ضخم مخيف.. كان كريه المنظر جداً، يفوق في غلظ جسده، وسوء منظره هؤلاء الغلاظ مجتمعين.. فاتجه إليه أولئك الغلاظ على اختلاف درجاتهم يتبعونه.. وكأنهم كانوا ينتظرون قدومه، ليتخلصوا من متابعة الناس لهم.. ولكنه ما إن رآهم يقصدونه.. وخلفهم الأعداد الهائلة تجري وتلهث، إلا وأثر الفرار والتخفي.. فكان يظهر لحظات في أفق بعيد، ثم يختفي، ثم يعود يظهر في أفق آخر.. فيعود الناس يتجهون إليه، ولكن دون جدوى أو فائدة!
واستبد بي الضيق. وأنا أرى هذه المشاهد المخيفة.. وأحسست كأنني أختنق على الرغم من أنني في عافية من كل ما أرى.. واختلج جسمي من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي.. وصحوت إلى ذاتي، وتململت حيث كنت، فوجدت نفسي تجري على لساني هذه الآيات الكريمة، بغير شعور مني أو إرادة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ (البقرة:166،167). ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (إبراهيم:22).
واحة الشعر
ننام دون حلم
ننام ونحن نحلم.. لكن الأتعس من ذلك هو أن ننام دون حلم
شعر: سعود يحيى حمد جعفري
مآسينا تنامُ على التراب معلقة بأهداب العتاب
محملة بأكوام الضحايا تطارد في الكرى ماء السراب
تسامرها صواريخ وقصف وتصبح في طوابير العذاب
تناديكم وفي الأحداق دمع وفي أحشائها جمر التهاب
لسان الحال مقطوع فمن ذا يترجم جرحهم عند الجواب
دماء لا تجف بكل أرض كان وجودهم للانسكاب
يقود خطى العدا حقد دفين على من سار في نهج الكتاب
لها الأحلام في سحق المعالي لدى روح التوثب في الشباب
ونحن لنا مجاراة لوهم وتقليد مقيت في الرغاب
على ماذا نواسي ألف طفل بتقبيل ونقفل ألف باب
على ماذا نصدقه سلاماً بلا حزم يدوس على الرقاب
لنا أحكامهم لا شرط فيها وفي أحكامهم شرط يحابي
ستتمناها مسلسلة الوعود وحلقتها الأخيرة في غياب
مشاهدها اجتماعات وقرب وفي سويدائها بعد اقتراب
أأبصرتم مدرِّسة بيوم تسوم الناجحات عصا العقاب؟!
قطار النار يسري في الخفايا على جسر التمدن والخراب
تموت خليعة فنذوب حزناً ونشري كلبها قبل الثياب
ومليون الأحبة في كسوفا وفي الشيشان رهن الاغتراب
مصيبة أمتي في بعض قوم يحوزون العلا بالانتساب
يرون بأنهم أذكى البرايا وفوق جباهم رسم التغابي
أنحفر في أراضينا لنروي ونحن نرى تباشير السحاب
ألا يا أمة لولا إله قدير ما خطت بين الصعاب
وحوش الفكر تخطو خلف سطر يبيح لها الدنية في انسياب
فلا والله لا عز يرجى ولا مجد العقيدة في إياب
وفينا من يريد لنا صلاحاً نقيده ونغلظ في السباب
ألا ماذا نؤمل في زمان يرون به الدعاة ذوي ارتياب
وأهل الفسق في الدنيا نجوم تدين لهم ملايين الروابي
مآسينا تنام بدون حلم وتأكل دون زاد أو شراب
متى يا قومنا نرمي هوانًا ونرفعها مناجاة المتاب
طموح الصقر لا يرضى فضاءً تطير به بقايا من غراب
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل