; المجتمع الثقافي ( العدد 1920) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( العدد 1920)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1920

نشر في الصفحة 40

السبت 25-سبتمبر-2010

إسلامية الأديب

شرطاً لإسلامية الأدب (٦)

بقلم: أ. د. جابر قميحة

علاقة الإبداع بالمبدع

الفصل بين الأدب والأديب يعتبر عملا ضد طبيعة الأشياء

من حق الناقد المسلم استبطان النص وبيان ما فيه من صدق فني وحرارة في الشعور وأمانة في التجربة

في الفصل الثالث، يتناول الكاتب فكرة إسلامية الأديب كشرط لإسلامية الأدب فيقول: كثيرًا ما نقرأ عبارة مشهورة تتردد على الأقلام والألسنة وهي «إن العبرة ليست بالذي قال ولكن العبرة بالذي قيل»، وهي مقولة قد تكون صحيحة في بعض جوانب الحياة والتعامل، ولكنها لا يمكن أن تمثل قاعدة مطلقة، فقد يكون «للذي قال» اعتبار لا يقل أهمية عن «الذي قيل».

واتجاه النص الأدبي، قد يخفي على الدارس إذا لم يُعرف الناصّ ولو معرفة عامة، بل قد يتوقف الفهم الدقيق للنص بكل مشتملاته على المعايشة الطويلة العميقة للمبدع في أحواله وأطواره المختلفة وانطلاقا من هذا الحكم نقول: إن العطاء الفكري والنفسي - وأحيانًا الجمالي للنص - يختلف في نظر المتلقي باختلاف الناص ولتمثل لهذه الفرضية المتخيلة ببيت أبي العلاء المعري:

هـــذا جــنـــاه أبــــي عــلــيَّ

                    وما جنيته على أحد

فأبو العلاء الفيلسوف أو المتفلسف يرى

أن وجوده في هذه الحياة مأساة عاشها مرغمًا، وتولى كبر هذه الجناية أبوه الذي أنجبه وليست هي مشكلة خاصة بل هي مأساة الجنس البشري كله، وقد ألح أبو العلاء على هذا المعنى كثيرًا في اللزوميات، ومن ذلك قوله:

ضحكنا وكان الضحك منَّا سفاهة

        وحقّ لسكان البسيطة أن يبكوا 

ولو فرضنا أن قائل البيت «عنترة بن شداد» لكان البيت تعبيرًا عن معاناة شخصية خاصة تتمثل في إنكار أبيه له لأنه ابن أمه، ولو فرضنا نسبة البيت إلى سحيم عبد بني الحسحاس.. العبد المتهتك العربيد، لتخيلناه يقوله والنار تلتهمه تنفيذًا لأمر الخليفة عثمان ابن عفان؛ لعدوان سحيم بلسانه على حرمات المسلمات الحرائر، وما قاله إلا شاكيًا ضياع نسبه، وانعدام الأب الذي يوجهه التوجيه الرشيد السديد، أما ابن الرومي فجناية أبيه عليه أنه تركه للفاقة والحرمان فعاش ذليلً مستضعفًا. هذه وبعد الافتراضية وعودًا على بدء نقول: «إن العبرة - في التعامل مع النص الأدبي – بالذي قال والذي قيل «أي بالنص والناص، أي بالإبداع والمبدع».

موت المؤلف

من حقنا بعد هذا التوضيح أن نرفض فكرة موت المؤلف تلك الأكذوبة الكبرى التي طرحها «رولان بارت»، (۱۹۱۵ - ۱۹۸۰م) في مقال كتبه سنة ١٩٦٨م، ويرى فيها بعض الحداثيين «مقالة نقدية لها أهمية مصيرية ليس على نقد «بارت» فحسب، وإنما على النقد الألسني، وعلى النصوصية». 

يبقى القارئ هو صاحب الدور الأول؛ لأنه هو الفضاء الذي ترسم فيه كل الاقتباسات التي تتألف منها الكتابة والقارئ هنا - كما يقول عبدالله الغذامي - «قارئ منتج»، لا يوجد إلا بتراجع سلطان المؤلف على النص أو بالأحرى لابد من إزاحة الكاتب عن عمله وإحـلال الـقـارئ محله لكي يتحرك النص بالقوة الجديدة الطارئة عليه، ومن العجب أن يقول الغذامي: «إنا نعزل المؤلف عن النص؛ كي نتعامل معه بموضوعية تامة»، وهي مقولة غريبة لأن الموضوعية لا علاقة لها بوجود المؤلف أو غيابه ولكنها - أساسًا - ترتبط بأخلاقيات المتلقي بصرف النظر عن حضور المؤلف أو غيابه.

ونخلص من هذا الاستقراء إلى أن الفصل بين الأدب والأديب يعتبر عملًا ضد طبيعة الأشياء، واتساقًا مع هذه الحقيقة لا تكون غالين مسرفين إذا اشترطنا إسلامية الناص أي الأديب المبدع لننسب إبداعه إلي الأدب الإسلامي، هذا إذا كان النص مستوفيًا للشروط الشكلية والموضوعية، وأهمها الانطلاق من التصور الإسلامي للكون والناس والحياة، فهناك - إذن - وجهان متكاملان العملة واحدة: الأديب المسلم، والإبداع المستوفي للعناصر والملامح المطلوبة. 

وفي التعريفات التي عرضناها في الفصل الأول من هذا البحث لمصطلح «الأدب الإسلامي»؛ رأينا أن الأستاذ محمد بريغش كان هو الوحيد الذي نص صراحة على إسلامية الأديب، فالأدب الإسلامي هو التعبير الفني الجميل للأديب المسلم عن تجربته في الحياة من خلال التصور الإسلامي.

 وبتفريعات بارعة يرى «بريغش» أن الأديب لا يدخل في إطار الأدب الإسلامي إلا من مدخل «الإسلامية» فقط؛ لأن صفة الأديب فقط يشترك فيها مع غيره من الأدباء مهما كانت وجهتهم وصفاتهم، وهي لا تشير إلا لموهبته وقدرته الأدبية فحسب التي تميزه عن بقية الناس في انفعالاته وأحاسيسه وأفكاره، ولذا نرى أن الأدباء يتفاوتون ويتمايزون على أساس معتقداتهم كلهم يمتلك وسيلة الكتابة والتعبير، ولكن كلا منهم يعبر عما يريد من أفكار، بما يؤمن من أشياء ومُثل، وبالأسلوب الذي يراه مناسبا لهذا الاعتقاد.

دواعي الشرط

وهناك داعيات أخرى متعددة لاستلزام شرط الإسلامية في الأديب، تتلخص فيما يأتي:

 1- الداعية التاريخية أو داعية الاستصحاب التاريخي: فالأدب الإسلامي الموجود حاليًا على الساحة الأدبية في الأطروحات المعاصرة من شعر ونثر، والذي يرفع لواءه رابطة الأدب الإسلامي، في المقام الأول يسترفد - بصفة أساسية - المعينين الأصيلين القرآن والسنة من ناحية وطروحات المبدعين على مدار العصور التاريخية من ناحية أخرى؛ من أمثال حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة وأبي العتاهية، وعشرات ممن يدورون في نفس الفلك، وكلهم مسلمون ولم نجد مبدعًا مسلمًا في وقتنا الحاضر يتخذ مثله الأعلى شاعرًا وثيًا كامرئ القيس أو شاعرًا نصرانيًا كالأخطل وإن لم يخل بعض شعرهم من معان طيبة واعتزاز ببعض القيم التي تتسع لها المفاهيم الإسلامية، فالأدب الإسلامي المعاصر ينبغي أن يكون امتدادًا لأدبنا الإسلامي الذي ظهر منذ فجر الدعوة الإسلامية، واستمر في النمو والتطور على مر العصور».

 ۲ - الداعية النفسية: يمر المسلمون حاليا بمرحلة يمكن أن نسميها «مرحلة التيه» أو «الهبوط الشامل» على كل المستويات، فكل شيء يُسحب من تحت أقدامهم جزءًا جزءًا: الأرض والكيان أو المكان والمكانة، إنه عصر الغربة القهارة التي تحدث عنها رسول الله ﷺ، حتى أصبحت كلمة المسلم لا تعكس إلا دلالات الذل والضياع والسفه والتخلف، حتى أن بعض المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الأجنبية كانوا يحاولون إخفاء هذه النسبة الكريمة التي كانت مفخرة المفاخر في القديم، والأدب الإسلامي يكون في هذه الحال عنصرًا مهمًا جدًا في «إقامة هذه الذات» وتقويتها وترسيخها، ويكون اشتراط «إسلامية» الأديب - والحال كما رأينا - لا من قبيل اشتراط إضافية» أو استكمالية بل من قبيل اشتراط «جوهرية أساسية لا يقوم الأدب إلا بها»؛ حتى يتمكن المسلمون في جو هذه المواضعات الخبيثة من مقاومة تيار «التذويب النسبي» انطلاقًا من منطلق الاعتزاز الإيماني، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين». 

3- داعية الواقع الأدبي أو المواضعات الأدبية على المستويين العربي والعالمي، وقد رأينا في الفصل السابق أن هناك أدبًا ماركسيًا يعالج موضوعاته من زاوية مادية حادة، وفرزه ماركسيون شيوعيون، وهناك أدب وجودي ينشره وجوديون، وللمسيحيين أدبهم، وأصبح للأدب الصهيوني كيان ووجود عالمي على أيدي صهاينة عتاة بغاة.

ثم أصبح العلمانيون والحداثيون يصلون الليل بالنهار إنتاجًا وإبداعًا لشغل الساحة الأدبية بالغثاء الكريه، ويتخذون من معاناة الدين والتراث والقيم وأصالة اللغة منطلقًا للتدمير والتخريب ومن ثم كان وجود الأدب الإسلامي بأدبـيـة المسلم الملتزم ضرورة للتصدي والتحدي للحفاظ على الدين والتراث وأصالة اللغة والأدب الشريف، وقد يقول قائل – بل قد قيل فعلًا: هذا يعني أنكم تتصرفون بمنطق «رد الفعل»، فالفضل إذن في «إيجادكم» هذا النوع من الأدب يرجع «للآداب الأخرى»، وهو ضرب من المسايرة والمجاراة أو هو نوع من التقليد «بالتضاد»، وهو منطق واه مرفوض من الواقع والتاريخ؛ لأن «الأدب الإسلامي» يبدأ بانبثاق نور النبوة المحمدية الهادية، ولم ينقطع تياره لحظة من الزمن وإن اختلفت درجات حيويته على مدار التاريخ العوامل لا يتسع المقام لشرحها، وما يقوم به دعاة الأدب الإسلامي في وقتنا الحاضر ليس عملية «إيجاد»، وإنما عملية تقوية وتنشيط «لوجود» مع الإفادة من كل جديد نافع.

 شبهة التعصب

وقد يذهب بعضهم إلى أن الإصرار على تسمية الأدب «بالإسلامي» واشتراط أن يكون الأديب «مسلمًا»؛ ينم عن روح من التعصب الديني غير مستساغ في وقتنا الحاضر وأقول: سبحان الله!! فلماذا يستسيغ العالم وصف الأدب بالمسيحي أو القبطي أو اليهودي أو الصهيوني أو الماركسي أو الاشتراكي.. إلخ؟ إنها ليست «عصبية»، ولكنها «تحديد للهوية» ولا يختلف اثنان في أن من حق أصحاب «الشأن» أن يحددوا هويته وأبعاده وملامحه كما يشاؤون.

 وانطلاق الأديب المسلم من هذا «التصور الإسلامي» في إبداعاته يعني أنه «أديب ملتزم»، والتزام الأديب المسلم هنا يختلف عن الالتزام بمفهومه الشيوعي أو الوجودي الذي يعد من قبيل «الإلزام»، إن التزام الأديب المسلم - كما يقول الدكتور هدارة - يعد جزءًا لا يتجزأ من عملية الإلهام الفني، وليس خاضعًا لعنصر الاختيار الواعي المتعمد.. جزءًا من نسيج التجربة التي هي لب الأدب.. وكأن الالتزام في الأدب الإسلامي يعني تجارب حية في وجدان الأديب المسلم وفكره اللذين تشربا التعاليم الإسلامية، بحيث صارت هذه التعاليم وحدها مرادًا طبيعيًا لتجاربه التي تتسع لكل معاني الوجود والحياة.

 فالتزام الأديب المسلم إنما هو استجابة لفطرته السوية من ناحية، وتشربه القيم الإسلامية عقيدة وديانة وعلما وثقافة من ناحية أخرى حتى أصبحت هي «ميزان» الأشياء في كل شؤون حياته، وأصبح «الالتزام» شكلًا وموضوعًا هو الطابع الأساسي بل الوحيد في مسلكه الخلقي والفني.

وهنا يثير أعداء «الإسلامية» شبهات متعددة تتعلق بالالتزام في الأدب الإسلامي نعرض لها بإيجاز شديد منها أن الالتزام commitment اصطلاح مستحدث مرتبط بالآداب الأيديولوجية كالأدب الشيوعي والأدب الوجودي، وهذا يعني ارتماء الأدب الإسلامي منهجيًا في أحضان هذه الآداب، وهذا غير صحيح؛ لأن الكلمة عربية في مبناها قديمة قدم الأدب الإسلامي في معناها، حتى مستوى أوسع «نرى الالتزام الأدبي والفني عمومًا - ليس أمرًا جديدًا في عالمنا الحديث لكي يكون حكرًا على هذا المذهب أو ذاك، إنه موغل في القرون البعيدة ويكفي أن نذكر شاعرين مسلمين؛ هما حسان بن ثابت، وقطري بن الفجاءة».

وظل الالتزام طابعًا ومنهجا للأدب من أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الآن، وكان الخروج عليه موجبًا للتوقف والاستغراب.

 وقد يذهب بعضهم إلى أن الأديب المسلم بهذا الالتزام يتنازل عن قطع كثيرة من حريته، ويحصر نفسه في نطاق ضيق من الموضوعات والحرية بالمفهوم الإنساني لا يقف أمامها الإسلام، وليس هناك في عالم الواقع حرية مطلقة بلا ضوابط، وإلا تحولت من حرية بانية إلى فوضوية مدمرة، كما أن التزام الأدب بالمفاهيم الإسلامية «لا يضيق رقعته، ولا يضيق حدوده، بل على العكس من ذلك يوسع الرقعة ويوسع الحدود حتى تشمل الكون كله والحياة كلها والإنسان في أشمل نطاق يمكن أن يخطر في حس الإنسان». 

الالتزام

ونستطيع - في سهولة - أن ندرك طبيعة هذا الالتزام الإسلامي وأبعاد شخصية الشاعر المسلم الملتزم في ختام سورة الشعراء فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَبعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ  وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (الشعراء:224-226)، فنحن أمام صورة مزرية لشعراء مرفوضين من وجهة النظر الإسلامية؛ لأنهم: بشعرهم الضال يستهوون الغواة، ومن معاني الغي الجهل وفساد العقيدة والخيبة والفساد والضلال وهم منافقون أدعياء يقولون ما لا يفعلون ويُظهرون خلاف ما يبطنون إنها صورة تمثل الشاعر الممسوخ عقيدة وفكرًا ورؤية وتأثيرًا، ويروى أن هذه الآيات الثلاث نزلت لأن رجلين تهاجيًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، وحزن الشعراء «الملتزمون» من أمثال حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقالوا: يا رسول الله، لقد نزل ما نزل وإن الله يعلم أننا شعراء، إذن هلكنا، فنزل  قوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (الشعراء:227) وفي الآية صورة للشاعر المسلم كما يجب أن يكون، وقد استطاع رسول الله بمبادئ الإسلام السمحة أن يحول الطاقة الشعرية عند الفئة الأولى من الشعراء إلى الطريق السوية طريق النور والخير والتقوى والتسامح، وهو يشبه ما يسميه علماء النفس في عصرنا الحاضر بإعلاء الغريزة والسمو بها SUBLIMATION، ويصدق ذلك بوضوح على واحد من هؤلاء هو عبدالله بن الزبعرى الذي يعد من أشعر شعراء قريش وكان من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هرب ابن الزبعرى إلى نجران خوفًا من النبي ﷺ.

 ويظهر أنه كان مطبوعًا على الهجاء، عدواني السلوك حتى على قومه المشركين، فلما أسلم ابن الزبعرى «سما» الإسلام بطاقته الشعرية القادرة، فصار لسان صدق وحق في الدفاع عن الإسلام، وحث المسلمين على الجهاد ورثاء من استشهد منهم والأديب - كما يقول د. عدنان النحوي – إذا لم يكن رجل إيمان وعقيدة وعمل صالح وذكر لله ونصرة للحق، ورفع للظلم عنه وعن غيره.. فإن المعاني تختلط لديه وتضطرب، والتصورات تتعارض وتتناقض، حيث لا علم في منهاج الله يضبط، ولا تربية دين تكبح.

وكل ذلك حق لا مرية فيه، فالشاعر المسلم لا يكون ملتزمًا، إلا إذا توافرت فيه هذه الصفات وصعوبة - إن لم يكن استحالة - الوصول به إلى نتائج حاسمة، وهي قضية أعود إلى استيفاء القول فيها في الفصل الأخير من هذا البحث، ولكني أقرر هنا حقيقة يجب أن نواجهها بشجاعة، وهي أننا مضطرون في تقييم الإبداع المبدع، بالأخذ بمعيار «مسلمية الهوية» وإلا هل سأتوقف عن الحكم على إبداع الأديب «المسلم» الذي توافرت له كل ملامح الأدب الإسلامي؛ حتى اتحقق من صحة إيمانه وعمله الصالح وسلوكه السوي.. إلخ؟

السماحة والمرونة

وأرى في هذه المرحلة من مراحل بزوغ الأدب الإسلامي ورابطته أن تتسم مواقفنا النقدية - نحن الإسلاميين - بشيء من السماحة والمرونة بحيث لا ينال من الثوابت والطروحات الجوهرية المتفق عليها، ومن ثم لا نمانع في أن يصدق مصطلح الأدب الإسلامي على قصيدة نظمها أبو نواس في «الزهديات»، وما نظمه شوقي في المناسبات الإسلامية، وهو المعروف بمعاقرته للخمر.. لأن الشاعر مسلم الهوية، ولأن مضمونها يتفق بل يعبر عن التصور الإسلامي، ولكن الشاعر لم يكن إسلامي السلوك!! هذا صحيح، ولكني أحكم على قصائد معينة محددة لا على أعماله الكاملة ولا على شخصيته بالمفهوم الشمولي، فلم أزعم أنه «شاعر إسلامي» كحسان بن ثابت وعمر بهاء الدين الأميري، ثم لأن الشاعر نظمها - على الأرجح - لا في وقت يقظة فطرية فحسب، ولكن في لحظات إشراق نفسي إيماني انتصرت فيه النفس اللوامة على النفس الأمارة بالسوء.. ولو إلى حين.

هذا ما يبدو من ظاهر النص، وما يعكسه هذا الظاهر على الأقل، وهذا الحكم لا يحجر طبعًا على حق الناقد المسلم في استبطان النص وتعمق جوانياته، وبيان ما فيه من صدق فني وحرارة في الشعور، وأمانة في التجربة ومكان هذا النص بين إبداعات الشاعر... إلخ، مما يدخل في نطاق الدراسة المتخصصة، أما في مثل حالتنا هذه فنحن في مقام توصيف نص محدد أبدعه «مسلم»، وانطلق من تصور إسلامي، واحتضن مضامين إسلامية، والشاعر بعد ذلك حسابه على الله أما صفة الأديب الإسلامي: فلا يطلق هذا الوصف على أي أديب مسلم نظم قصيدة أو قصيدتين أو كتب قصة أو قصتين انطلاقا من التصور الإسلامي، ولكن يقتصر الوصف على من غلبت الإسلامية، على إبداعه مثل عمر بهاء الدين الأميري، ونجيب الكيلاني، وتفاديا لإثارة الحساسيات التي نحن في غنى عنها، لا داعي لأن نطلق صفة «أديب غير إسلامي» على مبدع يسير في الخط المناقض ما دام مسلمًا ولو «هوية» فقط، بل نصرف الوصف إلى شعره، فنصف شعره أو بعضه بأنه «خارج» أو ساقط أو مجاف للإسلام.... إلخ، ولعل هذه الوجهة تعفينا من بعض الإشكاليات التي يثيرها المعارضون للأدب الإسلامي مصطلحًا ومضمونًا ومنهجًا.

المصادر

1- اللزوميات، ٢/216.

2- رولان بارت: موت المؤلف

3- الغذامي: من تقديمه لكتاب «رولان بارت» «موت المؤلف»، ترجمة منذر العياشي. 

4- الغذامي: الخطيئة والتكفير.

5- الغذامي: ثقافة الأسئلة:

6- عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية.

۷- د. محمد صلاح الهادي: الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق.

8- محمد حسين بريغش الأدب الإسلامي المعاصر دراسة وتطبيق.

۹- د. عبد الرحيم الرحموني: نحو رؤية إسلامية للأدب «بحث نشر بالدارة العدد ١٠٤ لسنة ١٩».

۱۰- سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي.

۱۱- د. محمد مصطفى هدارة: الالتزام في الأدب الإسلامي «بحث مقدم لندوة الأدب الإسلامي المنعقدة في الرياض في ١6/٧/1405هـ».

۱۲- محمد المجذوب: أدب ونقد، ص ٥٠.

 ۱۳- حوار للدكتور عماد الدين خليل مع رشدي عبيد مجلة «الأدب الإسلامي»، م ٤، العدد ١٣ من ص ١٤ - ١٩.

14- د. محمد غنيمي هلال: قضايا معاصرة في الأدب والنقد.

١٥- محمد قطب: منهج الفن الإسلامي.

 ١٦- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني.

١٧- السيوطي: الباب النقول في أسباب النزول.

18- ابن الأثير: أسد الغابة.

19-ابن سلام طبقات فحول الشعراء.

 ۲۰- جابر :قميحة المدخل إلى القيم الإسلامية.

21- الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته. 

واحة الشعر

أم المؤمنين.. الصديقة بنت الصديق 

شعر: أحمد محمد الصديق 

إليك تحايا الحب والبر والثنا                                                  حبيبة خير المرسلين وأُمَّنا 

مبرأة من كـــل عــيــب.. وإنما                                          عدوك من أزرى به الفحش والخنا

فداؤك منا الروح يا من بطهرها                                        تنزّل وحي الله.. والعرض عرضنا

ومن قبلنا عرض الرسول وأهله                                       وكل أذى قد مسه فهو مسّنا

وكل افترا فهو من صنع طغمة                                       لها المكر والافسادُ قد بات ديدنا

يدسون في خير القرون سمومهم                                  ومن دسّها يرجعْ بما دس مثخنا

يريدون بالإسلام شر مكيدة                                             وتشويه من شاد الحضارة وابتنى

وكل جهاد في حماه تحررت                                             شعوبٌ وشاعت شِرعة الحق في الدنى

 وعزّ على الطاغوت أن زال ملكه                                     فأعماه حقد صار بالحرب معلنا

أعائشة الصديقة العفةُ التي                                           هي الكوكب الدري يسطع بالسنا 

وريحانة الإسلام تنفح بالتقى                                                مُطيَّبة الأعراق أصلًا ومعدنا 

أبوك أحبُّ الناس للمصطفى كما                                        أنتِ حبًا في الفؤاد تمكَّنا

وأنتِ له زوجٌ بأمر من السما                                                   تعالى إله العرش ربًا مهيمنا

قضى أنه للطيبين مثيلهم                                                 من الطيباتِ المُحصناتِ تيقنا

وحسبكِ من زوج وداد ورحمةٌ                                                 وأنك قد أحرزتِ في قربه المنى

 بلغت من المجد الذرا فاسعدي به                                         وما كان من حسنٍ فقد كنتِ أحسنا 

 أثيرة خير الخلق.. موضع سره                                              وبيتك مهد الوحي يأتيه دونما

وقلبك بالعلم النفيس قد اغتنى                                            سواهُ فما هذا الخصوص؟ وما عنى؟

وهذا اختيار يلفت العقل والنهى                                               إليه.. ويسترعي قلوبًا وأعينا

 وعندك كانت للنبي وفاته                                                     وصدرك عند النزع قد كان محضنا

 وريقك بالمسواك خالط ريقه                                                   فصار به المسواك كالقلب لينا 

وذلك فضل لا يضاهيه مثله                                                ولا ما يدانيه من الفضل أو دنا 

 فكيف تمادى بالأذية جاهل                                                   وويلٌ لمن سنوا لطعنكِ ألسنا

وما طعنهم إلا بأنفسهم.. أجل                                          وإلا فمن شاء البيان.. تبينا 

ومستمرئ الإيذاء للناس لم يذق                                        أمانًا.. ولن يلقى من الله مأمنا 

 وتكذيبهم لله ماذا عقابه؟                                                وفيم ترى المفتون بالجهل أرعنا؟! 

كلاب تعاوى في الجحيم وما لهم                                  من الله إلا جاحم النار مسكنا  

الرابط المختصر :