العنوان المجتمع الثقافي ... العدد 1825
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008
مشاهدات 60
نشر في العدد 1825
نشر في الصفحة 48
السبت 01-نوفمبر-2008
انعكاسات الحرب على الإبداع الثقافي في البلقان..
د. أسعد دوراكوفيتش لـ«المجتمع»: الحرب منحت السينما البلقانية صفة العالمية
سراييفو: عبدالباقي خليفة
لم يفطن المثقفون المسلمون خارج البوسنة لأهمية الحرب التي شهدتها منطقة البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وانتهت قبل أقل من 10 سنوات، بينما اهتم أهل الحرفة في الغرب بذلك، على مختلف المستويات الثقافية، ومنها السينما حيث بدأ «أورلاند بلوم» المعروف بـ«القرصان» تصوير فيلم عن الحرب في البوسنة، وقد التقى قادة وشخصيات ومسؤولين بوسنيين لبحث محتوى الفيلم الذي يدور حول حصار سراييفو في الفترة بين ١٩٩٢ و ١٩٩٥م.
ولا شك، فقد كان لهذه الحرب تأثير كبير على الساحة الثقافية سواء فيما يتعلق بصناعة السينما، التي عالجت القضية من رؤى مختلفة وإن لم توفَّق في بعضها، أو ما يتعلق بالمسرح بما فيه الكوميديا السوداء، أو بالشعر الإسلامي والوطني الذي بلغ مرحلة متقدمة في الإبداع كم هو الحال مع الشاعر الكبير «جمال الدين لاتيتش»، أو بالرواية، كرواية «أسنام طاليتش» عن «سريبرينتسا»، والقصص القصيرة أو بالرسم وغير ذلك.
ویری «د. أسعد دوراكوفيتش» في حديثه إلى «المجتمع» أن «الفنون بصورة عامة تزدهر في أزمنة الأزمات كالحروب، فالكثير من الأعمال الأدبية والفنية برزت أو خرجت من رحم الأزمات»، ومنطقة غرب البلقان والبوسنة تحديدا لا تزال تعيش أزمات مختلفة، الأمر الذي انعكس على مختلف الفنون، ومن مظاهر ذلك الكم الكبير من الإنتاج السينمائي والمسرحي والشعري والروائي وفن الرسم، «لا تتعلق هذه الحقيقة باعتبار الموضوعات الفنية، السينما، والشعر، والنثر وغيره إنتاج أزمات، بل إنتاج العقول الفنية، وهي تتبلور فيما تنتجه لا سيما في وقت الأزمات». ويرى «دوراكوفيتش» أن «الحرب منحت السينما البلقانية صفة العالمية» غير أن تلك العالمية ليست بريئة، فقد أضطر مخرج لتصوير مشهد قتل كلب ليثير شفقة الغرب، الذي لا تهمه دماء المسلمين، بل ربما تنفّس عن أحقاده المكبوتة.
عالمية السينما البلقانية: ويضرب «دوراكوفيتش» على ذلك عدة أمثلة منها أن الفيلم البوسني أصبح ذا مستوى عالمي، حيث فازت عدة أفلام بوسنية بجوائز في أمريكا وأوروبا، ويبرز في هذا الخصوص «دينو مصطافيتش» الذي فاز فيلمه «ريميغ» الذي يوائم فيه بين القديم والحديث، كما يعقد المخرج مقارنة بين الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩- ١٩٤٥م) والحرب العدوانية التي شُنَّت ضد المسلمين في البوسنة، بين ۱۹۹۲- ۱۹۹۵م، ويحاول أن يربط بين الأسباب: «ألمانيا فوق الجميع»، مقابل «مشروع صربيا الكبرى»، الأمر الذي يعني، الصرب فوق الجميع، فهو يشبه التشتنيك الصرب بالنازيين الألمان، أي أن حرب البلقان كانت حربًا عالمية مصغرة، والنتائج كانت كارثية، بغض النظر عند مقارنتها بنتائج الحرب العالمية الثانية.
ولقلب النظرة الغربية للبلقان عمومًا والبوسنة خصوصًا، التي ينظر إليها ك «منبع للصدامات الدائمة»، يمكن التأكيد على أن المنطقة منبع للأطماع الإقليمية والدولية الدائمة، وهي التي تؤدي للصدامات المسلحة وحتى للكوارث، فما يربط بين حرب البلقان والحرب العالمية هي نزعة الهيمنة، والنزعة التوسعية، وتمثل ذلك في غرب البلقان في مشروعي صربيا الكبرى، وكرواتيا الكبرى وهو ما أراد المخرج إبرازه في فيلمه.
أرض محايدة.. وغربا فيتسا
يعتبر فيلم «دانيس تانوفيتش» «نيتشيا زيميليا» أو «الأرض المحايدة» من الأفلام التي نالت شهرة عالمية، وفازت بـ«أوسكار» في «هوليود» رغم البعد الثقافي والطابع السياسي، الذي يحكم المهرجانات السينمائية الغربية مثل «هوليود»، وبصفة خاصة مهرجان «كان» السينمائي الفرنسي، الذي تكرس جوائزه للأفلام غير الغربية، تلك التي تخدم الأجندة الغربية، ولا سيما داخل العالم الإسلامي، وتحديدًا تلك الأعمال التي تبصق على الذات، كما يبصق السكران على المرأة أو يكسرها؛ لأن مظهره لم يعجبه، وذلك بدل تغيير سلوكه وتحسين هندامه، وقبل ذلك عدم العودة للسكر.
يتحدث «تانكوفيتش» في فيلمه «الأرض المحايدة» أيضًا عن الحرب بين البوشناق والتشتنيك الصرب، وقصة الفيلم عن مجموعة من البوشناق وآخرى من التشتنيك يلتقو بين خطوط التماس، وتدور بينهم معركة بالأيادي، ثم يصبحون أصدقاء لكنهم يموتون جميعًا بعد دوسهم على الألغام التي كانت مزروعة في المنطقة. ويريد المخرج أن يوصل رسالة: أن الناس يمكن أن يعيشوا معًا في سلام، لولا الأحقاد والكراهية ومحاولة فرض نموذج معين على الآخرين، والأطماع في ثرواتهم، ومحاولة استرقاقهم أو تطويعهم لخدمة مصالحهم.. رمز إلى كل ذلك بالألغام التي لا يعرف المرء متى تنفجر.
وهناك أفلام تجمع بين التراجيديا والكوميديا، وهي من الأعمال النادرة مثل فيلم «كود أميجا إدريس»، ويعني «عند عمي إدريس»، وهو فيلم جيد كما يصفه «د. دوراكوفيتش»: «وفيه الكثير من الكوميديا»، أما فيلم «غربافيتسا» «حي من أحياء سراييفو» لمخرجه «ياسمين دباينيتش» فقد فاز بجائزة في مهرجان «كان» السينمائي. والحقيقة أن هذا الفيلم لا يتحدث عن جرائم الحرب، بقدر ما هو إملاء من قبل الفرنسيين لينال جائزة (...) فطالما أملى الفرنسيون على مخرجين من العالم الإسلامي مشاريع تجعلهم يبصقون على أنفسهم، لإرضاء الفرنسيين المهووسين بالصراع الثقافي مع الإسلام، ووجدوا في بعض المخرجين من أمثال: التونسي «النوري بوزيد»، وآخرين من المغرب والجزائر وغيرهم أهدافًا سهلة لتحقيق انتصارات ثقافية مدبلجة.. ومن ذلك تصوير فيلم عن الشذوذ الجنسي، تم في تونس لإظهار المسلمين في أقبح صورة، وللتدليل على أن المسلمين ليس لديهم ما يقدمونه للغرب على صعيد الأخلاق، «وهو ما تبقى لديهم» بعد أميتهم الصناعية.
صورة مغلوطة
وفيلم «ياسمين دباينيتش» «غربافيتسا» لم ينحط لمستوى «النوري بوزيد»، لكنه أعطى صورة مغلوطة لطبيعة المجتمع المسلم في البلقان، والفيلم يتحدث عن فتاة مسلمة تعرضت للاغتصاب من قبل التشتنيك الصرب، لكن أهلها رفضوا استقبالها بعد أن عادت مع مولودها- كدليل على أضطهاد المرأة، وإبداء تعاطف مزيف معها ضد أهلها وليس ضد من اغتصبوها، وقد اعترف المخرج بأنه كان اغراء، ولم يكن يدري أنها تحمل كل هذه الأبعاد.
دور ثقافي كبير: لقد كان للمثقفين المسلمين في البلقان دور كبير، في إثراء الساحة الثقافية، وهم يبذلون جهدًا كبيرًا رغم غياب الدعم المادي من المؤسسات المعنية في الدولة، ويرجع الدكتور «دوراكوفيتش» أسباب ذلك إلى وجود أزمة عامة في المجتمع «أعتقد بأن الأشخاص الذين هم الآن في المراكز السياسية ليست لهم ثقافة تؤهلهم للعناية بالمثقفين، لكنهم يفتخرون بكل من حقق إنجازًا دوليًا».
وليس قطاع السينما فقط المجال الذي حقق إنجازات مهمة وشهد ازدهارا، رافق وأعقب الحرب، بل نجد مجالات آخرى كالأدب بصفة عامة، حيث برز العديد من الأدباء والشعراء والروائيين الذين أثر العدوان على كتاباتهم، وفي هذا الخصوص يقول الدكتور «دوراكوفيتش»: «أعتقد بأن العدوان أثر كثيرًا في أدب الحرب وما بعد الحرب، «ومن بين الروائيين نجد «زلـهاد كليوتشانين» صاحب رواية «الشهيد» التي تُرجمت لعدة لغات أوروبية، وستصدر الطبعة العربية منها قريبًا، وقد ترجمها للعربية، إسماعيل أبو بندورة. وفي الشعر يعلو كعب «جمال الدين لاتيتش» وهو شاعر إسلامي كبير، وصاحب ديوان «إنفرنو سريبرينتسا» أي «جحيم سريبرينتسا»، وهو صاحب أوبرا «سريبرينتسا» التي يتم إنشادها كل عام في ذكرى المجزرة. ويعد «جمال الدين لاتيتش» بشهادة الكثيرين «أفضل شعراء القصيدة الإسلامية»، أو ما يطلق عليه في البلقان «إلاهيا قصيدة» كما لشاعرنا دواويين آخرى.
ثم الشاعر «حازم حيداروفيتش»
وهو يكتب الشعر والنثر، وله مجموعة شعرية أخيرة تحت عنوان «سيتي» أي «شكل الشعر». ومن الشعراء الذين أثرت الحرب في أعمالهم، نجد «زلخـا كلوتشانين». وفي الرواية على سبيل المثال، هناك «نجاد إبراهيموفيتش» وروايته البارزة جدًا «الإنسان الخالد»، وهي رواية فلسفية تحتاج إلى جهد إضافي لسبر أغوارها، وربما يكون الأدب البلقاني الجديد، نسخة مميزة عن أدب ما قبل العدوان، وهو أدب كان يتعيش على سب الإسلام والمسلمين، مثل رواية «درويش والموت» التي تتحدث عن البوسنة في العهد العثماني، ويصور فيها مؤلفها «ميشا سليموفيتش»، العقلية البوسنوية بصورة سيئة. مقتفيًا أثر «إيفو أندريتش»، الذي كتب بصورة سيئة عن الإسلام والأتراك والبوشناق. وكما يقول د. «دوراكوفيتش»: «تصبح الرواية بارزة في الغرب إذا سبت الإسلام والمسلمين».
الغناء الملتزم
كان الغناء الملتزم حاضرًا أثناء الحرب وبعدها، وفي هذا الخصوص، قال «منصور بردار» المهتم بهذا الشكل الثقافي لـ«المجتمع»، «الأغاني الملتزمة التي لم تكن موجودة قبل الحرب باستثناء الأناشيد والقصائد الإسلامية، أصبحت رائجة أثناء وبعد الحرب، فهي شكل من أشكال الدفاع والمقاومة والمحافظة على الهوية الثقافية، كما هي سلاح معنوي وثقافي له تأثيره الكبير على الشباب وعلى المقاومين في مختلف الميادين، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والتعليمية والتربوية وغير ذلك»، ومن بين الفنانين المشهورين وأغانيهم الملتزمة يذكر «بردار»: «بنيامين إسوفيتش»، وأغنيته «شهيد سكي رستانك»، وتعني: فراق الشهيد، و«ناصيف غليفا» وأغنيته «برانيوتس سراييفو»، وتعني: الدفاع عن سراييفو، ثم نأتي إلى الأسطورة «دينو مرلين» الذي لا تفوته صلاة الفجر في جامع الغازي «خسرف بك» في قلب سراييفو، ولا يقل عدد الحضور في حفلاته عن ٥٠ ألفًا.
ويتذكر «بردار» وآخرون أغانيه الملتزمة، مثل «الموت من أجل هذه المدينة ليس حرامًا» مستلهمًا قوله ﷺ: «من قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد». وإلى جانب الإبداع في صورته الإنشائية، هناك الإبداع في مجال الترجمة، حيث تم ترجمة أعمال كثيرة أثناء وبعد الحرب تفوق ما ترجم في الفترة الشيوعية – والسبب - كما يقول د. «دوراكوفيتش»: «هو أن الأيديولوجيا الشيوعية كانت تضغط على المترجمين حتى لا يترجموا عن العربية»، ويضيف: «كنت أطلب نشرًا لترجمتي شعر «جبرا إبراهيم جبرا» لمدة 15سنة».
وقد ترجم الدكتور «دوراكوفيتش» أثناء الحرب وبعدها، المعلقات السبع، وألف ليلة وليلة، وقصائد كثيرة عن المقاومة الفلسطينية، وكان درة إنتاجه ترجمة معاني القرآن الكريم مع محاولة نقل الإعجاز اللغوي للغة البوسنية، وكان للحرب دور في ذلك، سواء بتوقف الدراسة والانشغال بالكتابة أو بإفساح المجال للإبداع في غياب الشيوعيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل