العنوان المجتمع الثقافي ( 1730)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006
مشاهدات 98
نشر في العدد 1730
نشر في الصفحة 46
السبت 09-ديسمبر-2006
أدبيات سياسية: حلم.. وجهل
عبد الله عيسى السلامة
ورد في الأثر أن النابغة الجعدي قال قصيدة بين يدي النبي ﷺ فيها هذان البيتان:
ولا خير في حلم إذا لم يكن
له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا.
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا.
فقال له النبي ﷺ حين سمع هذين البيتين: «لا فض فوك!» إعجابًا بهما، واستحسانًا لمعناهما، وقيل إنه عاش أكثر من مائة عام، ولم تسقط له سن واحدة! هل يحتاج هذان البيتان إلى تفسير!؟ ربما .. مع أن معناهما واضح كالشمس! إن معناهما متغلغل في حياتنا كلها، في سائر فروعها وتفصيلاتها «السياسية والاجتماعية والخلقية...!».
أ- الحلم الزائد: لدى شخص أو قبيلة أو دولة.. يجرى السفهاء على من يتحلى بهذا الحلم الزائد، فيتطاول من يتطاول، ويتحامل من يتحامل، يتحامق مع من يتحامق، ويعتدي من يعتدي ... ويظل الحليم متمسكًا بعلمه لا يدفع عن نفسه أذى الآخرين...! فهل يظل هذا الحلم حلمًا.. والحال هذه، أم يتحول إلى شيء آخر، ويفقد قيمته السامية.. كان يسمى مثلاً «جبنًا» أو «هوانًا» أو أية تسمية أخرى تناسبه.
ونحسب معنى البوادر هنا صار واضحًا.. إنها الأفعال التي تدفع الأذى عن الحليم، كيلا يتحول إلى جبان، وعن الحلم، كيلا يتحول إلى جبن أو هوان! وإذا كان هذا المعنى على المستوى الفردي والقبلي، أظهر منه على المستوى السياسي، إذ ليس ثمة فرد لا يعرف دلالته في حياته اليومية، وليس ثمة قبيلة لا تعرف كنهه في تعاملها مع القبائل المحيطة بها، فإنه على المستوى السياسي لاسيما في تعامل الدول فيما بينها، ليس على هذه الدرجة من الوضوح وذلك أن قيمته الخلقية، تتحول في التعامل السياسي، إلى قيمة سياسية، تستمد وزنها وحجمها من تزاوج القوة والمصلحة في إطار النسيج المعقد لتشابك القوى والمصالح في ساحات العمل السياسي الداخلية والخارجية!
والنتيجة واحدة في المحصلة النهائية! هناك خطأ في فهم «العلم» وعدم استعمال الوسيلة التي تحميه وتحمي صاحبه.. وهنا خطأ في فهم «الواقعية السياسية!»، وعدم إعداد القوة المناسبة لحماية المصلحة العليا للدولة ...!
ب- الجهل الوارد في بيت الشعر الثاني هو: التحدي والنزوع إلى العدوان..
قال عمرو بن كلثوم التغلبي في قصيدته المشهورة «المعلقة»، يتحدى عمرو ابن هند، ملك الحيرة، في القصة المعروفة، التي أرادت فيها أم الملك إهانة أم الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا …. فالجهل بهذا المعنى، مطلوب في حدود الحاجة التي تقتضيه، فإذا زاد عن حده وجب أن تتصدى له قوة الحلم، لتكبح جماعة، وتكفكف من غلواته...!
ج- عنصر الضبط والموازنة، لابد من قوة تشكل عنصر ضبط وموازنة، بين العنصرين: الحلم والجهل، والمكان الذي تغيب عنه هذه القوة، يحكمه قانون الغاب! وإذا كان الأفراد في القبيلة يحكمهم قانون القبيلة، والقبائل في الدولة يحكمها قانون الدولة.. فإن الدول في العصر الحاضر، تحكمها قوانين دولية تنظم العلاقات فيما بينها.
ولما كانت القوانين الدولية الحالية صادرة عن مؤسسات دولية صنعتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية لتنظم في إطارها علاقات القوة.. كان لابد لهذه القوة من أن تطل برأسها، بين حين وآخر، من هذا الطرف الدولي القوي أو ذاك تجاه بعض الأطراف الصغيرة، فتتصدى الدول القوية الأخرى داخل المؤسسة لحماية الطرف الضعيف دفاعًا عن مصالحها، في هذه البقعة من العالم، أو تلك! فإذا حصل التجاوز دون تصد له يردعه، حصلت الفوضى الدولية، وهذا ما تشهد بداياته اليوم في العالم. لكن.. هل الفوضى عالمية شاملة! لا... إنها خاصة بالدول الضعيفة، التي لم يبق في العالم توازن قوى يحميها!
وأقصى ما يفرضه على بلادنا اختلال ميزان القوى العالمي، في سياق بيتي الشعر المتقدم ذكرهما، هو محاصرة حلماتنا وجهلائنا معًا، وفي الوقت ذاته: الجهلاء يحاربون بحجة مكافحة الإرهاب «وبعضهم يعطي الحجة على نفسه» لأنه يتمادى في عدوانه، حتى على أبناء مجتمعه وملته، بذريعة محاربة الفساد والطغيان في بلاده، فيسيء أكثر مما يحسن، ويضرب الصالح والطالح، ويهدم الكثير دون أن يبني شيئًا، لأنه ندب نفسه للهدم لا للبناء...! فيستنفر ضده أبناء مجتمعه، ليكونوا عونًا للقوى الدولية ضده، مادام لا يفرق في عدوانه، بين أبناء ملته ومجتمعه، وبين أعداء أمته، ويضعهم في اجتهاد ساذج في دائرة واحدة ...!
وإذا كانت حماسة الشباب، هي الروح التي لا تستغني عنها أية أمة، فإن الحماقة، في جيل الشباب أيضًا، أحد معاول الهدم الفتاكة، التي تدمر كيان الأمة، قبل أن يدمرها أعداؤها ...! فهل فكر شباب الأمة، وعلماؤها، ومربوها، وساستها .. بضرورة الفصل بين الحماسة والحماقة؟ وهل أدرك شباب الأمة المتحمسون الذين لا يشك أحد في إخلاصهم، أن الحماسة والإخلاص لقضية ما لا يجعلان الاجتهاد الفاسد فيها أو في غيرها، صالحًا؟!»
والحلماء يحاربون بحجة انتمائهم إلى العقيدة التي ينتمي إليها الجهلاء... وربما بحجة تعاطفهم معهم وجدانيًا ... «وغني عن البيان، أن العلماء الذين يشكلون عنصر الوسطية والتوازن في مجتمعاتنا هم صمام الأمان وعنصر الاستقرار في هذه المجتمعات، وعنصر الامتصاص والاستيعاب الأول، وربما الوحيد السائر نزعات التطرف والجهل والاجتهاد المسطح في التعامل مع الأفكار والناس...!
ولو انسحب العلماء، أصحاب مدرسة التوازن والوسطية، من ساحة العمل العام، لاستقطب أتباع مدرسة العنف، سائر شباب الأمة، واستثاروهم، بسائر عناصر الإثارة الموجودة على الساحة، وأبرزها تحدي العدوان الخارجي، والتصدي للفساد الداخلي ...!».
فسبحان الله! هل كان النابغة الجعدي ببيتيه المذكورين أنفًا، يستشرف ما نحن فيه اليوم «من فتن يصبح الحليم فيها حيران» كما ورد في الحديث النبوي! أم هي حكمة شاعر، تشمل كل ما يندرج في مضمونها من حالات على امتداد الزمان والمكان...!؟
شعر: محمد أبو دية
واحة الشعر
وكيف ينام الليل؟
«زار الكويت عام ١٩٦٢م العلامة أبو الحسن الندوي، وفي إحدى ندواته، استشهد ببيتين من الشعر هذا نصهما:
ولي كبد مقروحة من يبها كبدا ليست بذات قروح.
أباها على الناس لا يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح.
وعلق على ذلك رحمه الله تعالى، بما معناه: إن هذا الشاعر كبده مقروحة يريد أن يبيعها بكبد صحيحة، وإنني مثله كبدي مقروحة ولكنني لن أبيعها لأنها تحفزني للسهر من أجل قضايا إخواني المسلمين، وفي مقدمتها قضية فلسطين... هذا الموقف ألهمني هذه القصيدة .....
ولي كبد مقروحة لن أبيعها ولي خافق بين الضلوع طموح.
تحملت أهات العشيات والضحى وعزمي شديد والفؤاد جريح.
ولم أشك للأنذال همي وعلتي وأكرم ضيفي والزمان شحيح.
ولي سابق نحو المعالي يطير بي جوادي كريم والمجال فسيح.
وأخفيت عن أهل الشماتة دمعتي وعن كل راض بالهوان أشيح.
أسامر نجم الليل في قبة السما وألمح برقا في السحاب يلوح.
أبشر قومي بعد جدب وشدة بخصب وعطر في البلاد يفوح.
وأنظم من زهر السماء قلائدا يميني صناع والبيان فصيح.
يلومونني واللائمون أحبتي وفيهم طبيب ناصح وصريح.
يقولون لي هون عليك ولا تكن كصاحب ليلى هذه التبريح.
يقولون لي هذا فراشك ناعم فنم هانئًا إن الفراش مريح.
**
وكيف ينام الليل من شفه الهوى ويهوى عروس المجد وهي تنوح.
فتاة كبدر الليل طهرًا ورفعة فكيف منامي والفتاة تصيح.
يحاصرها في حصنها ذو سفاهة وعيل اصطباري والحصون تطيح. **
ولي مركب يغشى البحار يشقها يعود بدر والشراع يلوح.
فأنظم من در البحار قلائدًا لها سرها والمعجبات تبوح.
أنال من الأصداف كل فريد فأغدو بها من فرحتي وأروح.
**
سأهدي عقود الدر كل كريمة تربي شبابًا للفداء يروح.
شباب له في السلم رأي وحكمة وعلم وحلم والخيال جموح.
يشن على الأعداء أروع غارة ويلطم وجه الكفر فهو قبيح.
يدوس ذوات السم في وكر أمها فيرحل عن أرض الكرام فحيح.
رضيت بعلاقي ولا أبتغي الشفا ولو آلمتني قرحة وجروح.
شفائي بيوم النصر ليس بغيره ولي خافق بين الضلوع ذبيح.
أناشيد يوم النصر تشفي مجرحًا فيمسي بريئًا ليس فيه جروح.
ظاهرة الحدس الخارق
القدرة الحدسية… تمكن العلماء من رؤية الاتساق الذي يجمع بين الوقائع ويزيح الستار عن الحقائق المخبوءة.
صبحي درويش
من المعلوم أن الوعي واللاوعي أو العقل الباطن عند الإنسان لا يعملان معًا، وهما يشبهان المتغيرين في معادلة رياضية واحدة، وهي عند الرياضيين معادلة غير قابلة للحل، وكذلك يشكل الإنسان معادلة غير قابلة للحل عمليًا، في العصر الوسيط اهتم بالحدس ابن سينا، ثم الغزالي، ثم عاد الاهتمام بالحدس في أوروبا مع «ديكارت»، وعرفه بأنه: «التصور الذي يقوم في ذهن خالص منتبه بدرجة من الوضوح والتميز لا يبقى معها مجال للريب».
أما عالم النفس الشهير «كارل يونغ» فيبين مفهومه لظاهرة الحدس فيقول: «الحدس سياق غير شعوري، فكرة مفاجئة أو شعور بأن شيئًا، ما سيحدث، وهو يشبه سياق الإدراك، خلافًا لفعاليات الحواس والاستيطان، وهذا ما يجعلنا نتكلم عن الحدس باعتباره فعل فهم غريزيًا وسياقًا شبيهًا بسياق الغريزة.. مع الفرق، وهو أن الغريزة دافع يهدف إلى تنفيذ فعل، بالغ التعقيد، على حين أن الحدس هو فهم غير شعوري لوضع بالغ التعقيد، لذلك كان الحدس، بمعنى ما في موقع معاكس للغريزة».
يذكر «كارل يونغ» مثالًا في كتابه «البنية النفسية للإنسان» يؤكد فيه أن الإنسان إذا كان مشغولًا انشغالًا شديدًا بأي قضية، واستعصى حلها عليه في اليقظة، فإن احتدام عقله شبه الواعي يستمر في العمل، حتى أثناء النوم، فيحصل له الحدس الخارق فيقول: «في رأيي أن جميع الفعاليات التي تحدث في الواعية تظل تعمل في الخافية أيضًا .. هناك أمثلة كثيرة على مشكلات فكرية استعصت حلولها في اليقظة ووجدت حلولها في الأحلام.. أعرف خبير حسابات ظل مدة عشرة أيام وهو يحاول بلا طائل أن يكتشف مسألة إفلاس احتيالي، وظل ذات يوم يعمل عليها حتى منتصف الليل دون أن يفلح ثم ذهب إلى النوم، وفي الساعة الثالثة صباحاً، أحست زوجته أنه نهض وذهب إلى مكتبه، تبعته فرأته يسجل بعض الملاحظات، ثم عاد إلى سريره بعد حوالي ربع ساعة، وفي الصباح لم يتذكر شيئًا، ولما استأنف عمله اتضح له أن على مكتبه عددًا من الملاحظات مكتوبة بخط يده تسوي المشكلة تسوية نهائية».
وأما الفيلسوف الأمريكي «بيري» فيرى في كتابه «آفاق القيمة» أن القدرة الحدسية التي تمكن الأدباء والرسامين وغيرهم من مبدعي الفنون، في ذاتها القدرة التي تمكن العلماء من رؤية الاتساق الذي يجمع بين الوقائع ويزيح الستار عن الحقائق المخبوءة.
ويقول العالم الفرنسي الشهير «كلود برنار» في كتابه «مدخل إلى دراسة الطب التجريبي»: «ما من قاعدة يمكن الاعتماد عليها في الإيحاء إلى العقل بفكرة صحيحة مثمرة إلا وتكون للمجرب، بمنزلة حدس يوجه الذهن سلفًا نحو بحث موفق.. وكل ما يمكن قوله بعد بزوغ الفكرة هو كيفية إخضاعها للقواعد المنطقية الدقيقة.. أما ظهور تلك الفكرة فقد كان تلقائيًا محضًا وطبيعتها فردية خاصة بها ...
وهذه الفكرة عبارة عن شعور خاص عن شيء ذاتي مقوم العبقرية كل فرد، وما لديه من روح الابتكار والإبداع ولا يشاركه فيها أحد سواه.. وتبدو الفكرة الجديدة في صورة علاقة جديدة أو غير متوقعة يرى الذهن وجودها بين الأشياء.. ومن العلاقات ما استدق ولطف بحيث لا تحسه ولا تفهمه أو تكشف عنه إلا الأذهان الثاقبة ذات المواهب الممتازة والأذهان الموهوبة، أو التي أتيح لها من الظروف العقلية ما جعلها أحسن استعدادًا وأفضل تهيئة.
إن الحدس موضوع فلسفي علمي دقيق يصعب إدراك معناه بالاطلاع على قواميس اللغة العربية؛ لأنها لا تعطي كلمة «حدس» هذا المضمون الكبير، فالحدس في اللغة هو التخمين والظن والتخيل والتوهم، والتوقع، والتصور، والفراسة.
هذه بعض معاني كلمة «حدس» ومن الواضح أنها لا تستطيع التعبير بوضوح وتحديد عن المعنى العلمي الفلسفي، أو الأدبي، أو الفني، أو الأدائي، لكن لا يوجد بديل آخر للتعبير عن هذا المعنى العميق والدقيق ويستطيع القارئ أن يفهم المعنى من السياق، أما الكاتب فيستعين بألفاظ أخرى مثل الاستبصار والإلهام والوثوب الذهني.
والمفكر المعروف «إبراهيم البليهي» يقول في تعريفه للحدس الخارق والصائب: «هو ضوء يسطع في الذهن فجأة وبقوة فيفتح أبواب الحقيقة للباحثين وبعد العاملين بالإلهام، وهو ذروة المصادر الأربعة الرئيسة للمعرفة» وفي رأيه: «إن الحدس الصائب لا يتحقق إلا بمنظومة من الشروط تضاف كلها إلى الموهبة المتوقدة، وأول: هذه الشروط الامتلاء المعرفي حول الموضوع ومعايشته معايشة حميمة وكافية... وثانيها: الشعور القوي بأهمية الحل المطلوب.. وثالثها: الحرارة الوجدانية التي تحشد كل طاقات الإنسان المذخورة لتتلاحم في اتجاه واحد.. ورابعها: الاستمرار في الاتجاه نفسه حتى تتكشف الحقيقة ويتحقق الحل.. وخامسها: الاختمار الكافي الذي يؤدي مع التلهف إلى نضج الفكرة... وعند هذه الذروة يكون الحدس الخارق متوقع البزوغ.
ومن أشهر الأمثلة على ولية الإدراك بواسطة الحدس الخارق في مجالات العلم والعمل تجربة ومحنة الغزالي التي يذكرها في كتابه «المنقذ من الضلال» موضع بعد أن أسعفه الحدس الخارق قواعد الشك المنهجي، وكذلك التجربة الفكرية للفيلسوف الفرنسي ديكارت، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه أنه كان يقول: «من لم ينفعه ظنه «حدسه» لم تنفعه عينه».
وأخيرًا أحب أن أنقل هنا للقارئ ما كتبه المبدع «فؤاد التكرلي» عن تجربته الحدسية في العمل الروائي حيث يقول: «كنت قبل سنة ١٩٥٠م، أحاول أن أهتدي بمقولات نظرية واضحة تقودني إلى كتابة أقصوصة عراقية ناجحة على المستوى الفني، وكنت أقرأ الكثير من الأقاصيص العربية والمترجمة وأتأمل في المكونات الصباغية لتلك الأقاصيص، ولم أخرج من تلك القراءات القصصية بنتائج محددة، ولكني اكتسبت خدمًا فنيًا بما هو جيد وما هو رديء، كانت لدي افتراضات كثيرة عن اللغة والشكل الفني وتوعية المادة الخام والحوار والدلالة العامة للأقصوصة، وكانت كلها افتراضات مائلة ومختلطة حيث وجدتني في حيرة أتساءل عن كيفية الاستفادة من هذا الخليط الغامض من الأفكار، وكان الحل الحاسم هو الشروع . في الكتابة.. كتابة الأقصوصة التي تضع على الورق ما يحتشد به ذهني من تفاصيل .. وافتراضات وهواجس، ولقد حدث لي هذا الحادث الحدس المنتظر من دون مقدما في شهر ديسمبر سنة ١٩٥٠م، فكتبت أقصوصتي الحقيقية الأولى وكان اسمها «العيون الخضر»... استطعت أن أعزل نفسي عن العالم وأن أنجز كتابة ذلك العمل»
يعلق «البليهي» قائلًا: إن المبدع لم يتعجل لقطف الثمار وإنما أطال الصبر والانتظار حتى نضجت، لقد هيأ نفسه على مهل وبني قدرته بروية، واستعان بكل ما يمكن الاستعانة به من النظريات وأشكال الأداء، وأعطى كل ذلك مدة كافية للتفاعل والاختمار.. وفجأة أدرك أن الشكل الإبداعي يتخلق ببطء أنشاء الأداء، وتتحدد عناصره بالتنفيذ، فأهلته هذه الخبرة الأولية لكتابة روايته الأولى «الوجه الأخرى» التي أنضجت تجربته ورسخت ثقته بنفسه فأنجز عمله الروائي الآخر «الرجع البعيد» ثم أراد أن يغير زاوية المنظور وشكل التعبير متحديًا ذاته بأن يبدع عملًا روائيًا لا يكون امتدادًا لأعماله الروائية السابقة».
وكما يقول: «خلال اثنتي عشرة سنة كنت مستغرقًا في استرجاعات مستديمة لما أملك في مخزون ذاكرتي من مواد حياتية خام قد تصلح لتنفيذ افتراضات فنية جديدة، وكنت هادئًا صابرًا غير مكترث لمرور الزمن، وغير ضجر من طول الانتظار أملًا أن أعثر ليس على فكرة روائية، بل على فكرة روائية تتحداني أن أكتبها كما يجب.. ثم انتبهت إلى أني أغش نفسي وأتظاهر بالتغافل عما أعرفه جيدًا، فقد كانت فكرة رواية «خاتم الرمل» موجودة منذ أكثر من عشرين عامًا في زاوية من عقلي.. أتذكرها أحيانًا وأتفحصها مليًا، ثم أبعدها إلى زاويتها المظلمة، كنت أشعر بأني لم أكن متهيئًا تمامًا على مستوى التشكيل واللغة لتنفيذها ثم خلال أسبوع أو أسبوعين، وفي سنة ١٩٩٣م تسرب إلي أو هبط على الحل الممكن لعقدة الرواية.. اتضح في ذهني شكلها المفترض المبني على أساس لغوي خاص، فباشرت بتنفيذه من دون تردد...
والإنسان يبقى جاهلًا يتعلم طالما هو حي في صيرورة متدفقة، فإن مات انقطعت الصيرورة، وكل الذي فوق التراب تراب، ومن حرم القدرة الحدسية أصبح حمل وعبئًا وعالة علي المجتمع مهما حمل شهادات.. علمه من علمه وغفل عنه من عفل، ومن يغفل عن سنن الله فإن سنن الله لا تغفل عنه، وما يجعل الإنسان ينمو هو العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76)
الكتابة والترف الفكري
إن المتأمل في أي نص أدبي يستطيع أن يستنبط من خلال موضوع النص وأسلوبه مدى ممارسة صاحب النص للكتابة كشرف فكري خالص لا تتبنى فكرة راشدة. واللافت حقًا أن أمثال هذه النصوص أصبح لها الكلمة العليا في زماننا، ربما لأن الكثيرين ضاقوا ذرعًا بالنصوص التي تتناول قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والصراع العربي الصهيوني ومشكلات المجتمع، ورأوا في التجنيح بعيدًا عن كل هذه المنقصات خيارًا أيسر ومهربًا مؤقتًا من الأرق والقلق، وهي بذلك لا تختلف كثيرًا عن جلسات تخزين القات وجلسات الشيشة الصاحية التي لها الدافع نفسه.
والأمر في ذلك مناصفة بين الكاتب المترف الذي يغرد خارج الهم والمتلقي الذي يفتح ذراعيه لهذه المسكنات لانتشاله من مشاكله، وبذلك قد تجد تفسيرًا للسر الكامن خلف رواج الكتابات المشرفة التي تسهب في الحديث بأسلوب شيق مبدع عن رحلة الموجة في لجة البحر، أو عن دلالات سكون طفاية السجائر على مائدة الطعام، أو عن تفاصيل العلاقة العاطفية بين فلان وفلانة من الأدباء المتوفين قبل قرون.
ولست هنا أترحم على حال القارئ العربي الذي يطبل لكل إبداع، ولكني أعتب كثيرًا على القائمين على دور النشر والصحف والمجلات المعنية بالحراك الثقافي لتبنيهم الدائم لمثل هذه النصوص ومنحها الأولوية في النشر وتصدر الصفحات متجاهلين تبعات ذلك على المدى البعيد على أجيال بأكملها تصطدم بهذا الخواء.
وقد تكون ممارسة الكتابة كترف فكري نسبية لدى الكاتب، فتارة تجده منفعلًا يكتب بكل جدية وحماسة عن هموم مجتمعه ويتفاعل مع الأحداث المتفجرة في فلسطين والعراق، وتارة يتقوقع على نفسه لممارسة الكتابة التأملية والتجريب في تشكيل الحروف ورص الكلمات للخروج بصور مبتكرة مدهشة ترضي غرور موهبته، وهو على تلك الحالة المتبدلة لا يلام كونه يمارس حياته كإنسان سوي له صولات ونزوات مع نفسه ومع سواها، وهو لا يختلف بذلك عن آلاف الكتاب والأدباء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل