العنوان المجتمع الثقافي [العدد 1660]
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2005
مشاهدات 82
نشر في العدد 1660
نشر في الصفحة 50
السبت 16-يوليو-2005
اللغة العربية وحرفها.. لغة حضارة (5)
أساسيات قواعد اللغة العربية
أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم
قواعد اللغة العربية سهلة ميسورة، فأصل اللغة الكلام المفيد، والكلام مكون من كلمات لها ثلاثة أشكال: اسم، وفعل، وحرف.
وقواعد الأسماء، لا تمثل مشكلة في تعليمها وتعلمها، إذا ما قورنت بلغات أخرى. فالألمانية مثلًا أعسر من ذلك بكثير. ونطق الأسماء العربية أيسر من الإنجليزية أو الفرنسية، التي لا يمكن أن تنطق إلا بمعرفة أصوات كل كلمة بعينها، وبنظرة سريعة في قواميس الإنجليزية والفرنسية، نجد قبل كل كلمة مفتاح نطقها وبعض الحروف لا تنطق في الإنجليزية، وأكثر نهايات الكلمات في الفرنسية لا ينطق إطلاقًا!!
أما الإلمام بالعربية والتدرب عليها ليس بالأمر العسير، ولو أن الأساتذة والعلماء والمذيعين والصحفيين وأصحاب الأقلام عكفوا عليها في دورات تدريبية قصيرة لاستقامت ألسنتهم. وارتفعت فصاحتهم، ولأسلمت لهم العربية قيادها، وما بقي من ذلك لطائف في اللغة تدرك بالحس، وتترك لأرباب الأدب والفصاحة، يتمكنون منها ويشعون علينا بأنوارها، وقد علم الجيل السابق لنا هذه القواعد الأساسية في السنة الأولى الابتدائية والثانية، وهم متمكنون منها. وجاءت الصعوبة في تعلم النحو من أعداء الفصحى، عندما غيروا منهج تعليمها، وأوحوا إلى من كان بيدهم أمر التعليم من العرب بمنهجهم. فأجبروا كل التلاميذ العرب في كل أقطارهم. أن يسيروا عليه، فعقم التعليم لعقم المنهج (1)، هذا عرض موجز لقواعد اللغة وتنتقل إلى الجانب الآخر وهو كلمات اللغة.
كلمات اللغة العربية
والكلمات هي كنز اللغة ومعينها الذي إن نضب عجزت وأفلست، وللعربية في ذلك باع طويل، فكلما نمت اللغة وترعرعت أخذت في الاتساع لسد الحاجة للمعاني المتزايدة، وكفاية الدلالة على الأحداث المتكاثرة، ومن ذلك:
-1تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني (2):
أي تقارب الألفاظ لتقارب المعنى، قال ابن جني: »غور هذا من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه« وهو على أضرب منها استبدال الحروف المتألفة بعضها مكان بعض، ومنها التقديم والتأخير في الحروف ومنها اقتراب الأصلين الثلاثين مع بعض الزيادة في بعضها.
وقد أعان ذلك أن أصل الكلمة ثلاثي، وتتكون من ثلاثة أصول أو أصوات، أو صوت يبتدأ به وحرف يحشى به وحرف يوقف عليه، لذلك كان الثلاثي هو أكثر الأصول استعمالًا، وأعدلها تركيبًا. ومن ذلك:
استبدال الحروف المتألفة بعضها مكان بعض.
التقديم والتأخير.
اقتراب الأصلين الثلاثين والزيادة على بعضها.
-2تكرار الأصل للدلالة على تكرار الفعل مثل قطع وكسر .
-3مد آخر الكلمة للدلالة على السرعة.
-4وزيادة الألف والنون للدلالة على الاضطراب والحركة مثل غليان وغثيان وجوعان.
-5 جعل أحرف السؤال والالتماس أحرفًا زائدةً، وهذه الأحرف هي الألف والسين والتاء فقالوا: استقدم واستوعب واستمنح.
-6المجاز: وهو نقل الكلمة من المعنى القديم إلى معنى جديد، مع قرينة تدل على ذلك النقل، وقد استعمل العرب الحقيقة والمجاز في كلامهم، وكان المجاز بابًا واسعًا دخلوه للتفنن والإبداع. وهو أسلوب للخيال والأدب يلجأ إليه الأدباء، ولكنه ليس للعلماء الذين يبغون الدقة والتحديد في المعنى (3).
ولكن يمكن أن يستفيد منه العلماء كثيرًا حين تعوزهم الكلمات الدقيقة للدلالة على المعنى؛ حيث يقومون باختيار كلمات مجازية يشعرون بأنها أكثر دقة من أداء المعنى الذي ينشدونه.
الاشتقاق: وهو أخذ كلمة أو أكثر من أخرى لمناسبة بين المأخوذ والمأخوذ منه.
وهو في العربية ثروة لغوية لا يماري فيها أحد، وهو من خصائصها وسماتها التي تحسب في مزاياها، فمادة كتب تعطينا بضع مئات من الكلمات، وفي صيغة الفعل منها أربع وأربعون ومائة كلمة، وتصل بذلك إلى ثمانية وأربعين، والمضارع مثلها، وفعل الأمر منها كذلك (4).
7-الاقتراض أو المعرب: وهو أخذ كلمة أو أسلوب من لغة واستعماله في لغة أخرى، وهو اسم أعجمي تتفوه به العرب على منهاجها (5).
وقد توسع فيه ووضع له قواعد الدكتور أحمد بك عيسى في كتابه التهذيب في أصول التعريب (6)؛ حيث قال: «والذي نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا تعدد مناهج التعريب، فهذا يعرب الكلمة على وجه، وذلكم يضعها على وضع آخر. أما الطريقة التي أتبعها فإني بعد المطالعة الطويلة في علوم العرب على اختلافها، استقرأت جميع الكلمات الأعجمية التي فيها استقراءً طويلًا، وقارنت بينها وبين مدلولاتها الأعجمية في لغاتها، واستخرجت من ذلك حقائق، وطابقت بينها وبين خصائص اللغة، واستخلصت من ذلك قواعد يسار على مناهجها، وينسج على منوالها؛ حتى إذا ترجم في مصر كتاب وترجم الكتاب بعينه في الشرق أو في الغرب؛ خرجت الألفاظ المعربة فيها كلها بشكل ونسق واحد.«
وقد صنع الرجل قاعدة شاملة للأحرف اللاتينية كلها، وأنهى كلامه بقوله: وإني لا أدعى العصمة والكمال، ولكنه والحق يقال: قد وضع أساسًا متينًا، يجب اعتباره عند التعريب.
8-النحت: وهو أخذ كلمة من كلمتين أو أكثر.
9- الارتجال: وهو وضع كلمات جديدة لم تكن معروفة، أو مستعملة من قبل.
10-التوليد: وهو لفظ عربي البناء أعطى في اللغة الحديثة معنى مختلفًا عما كان العرب يعرفونه.
11-القياس: وهو حمل مجهول على معلوم، وقد قامت المجامع اللغوية بجهد عظيم في هذا الشأن، ولكن مجلداتها للأسف الشديد غير متوافرة في الأسواق (7)، واليقين لدينا: أن الأمر متعلق بقرار سياسي، فإن علماء الأمة وأدباءها لم يألوا جهدًا لخدمة لغتنا الجميلة.
ولقد أصدرت فرنسا تشريعًا عام 1414هـ الموافق 1994م، يعاقب من يستخدم لغة غير الفرنسية في تحرير الوثائق والمستندات والإعلانات، وكافة مكاتبات الشركات العامة والمحلات التجارية، وقد صدرت قرارات في بعض الدول العربية بنفس التوجه الفرنسي بالنسبة للغة العربية والتاريخ الهجري، ولكن للأسف بدون تحديد للعقوبة، ومن أمن العقوبة أساء الأدب، فأجهضت تلك القرارات فولدت ميتة.
الهامش
(2.1)أحمد عبد الغفور عطار، قضايا ومشكلات لغوية الكتاب العربي السعودية، 1402هـ . 1982م، دار تهامة للنشر.
(3) أحمد مطلوب دعوة إلى تغريب العلوم في الجامعات 1395هـ - 1975م، دار البحوث العلمية.
(4) انظر: أحمد عبد الغفور عطار، وفاء اللغة العربية بحاجات هذا العصر وكل عصر، مكة المكرمة 1399هـ. 1979م دار تهامة للنشر، وأحمد بك عيسى التهذيب في أصول التعريب 1342هـ . 1923م، القاهرة، ط. مصر، وخديجة الحديثي: أبنية الصرف في كتاب سيبويه، بغداد، 1985هـ. 1965م.
(5) Oxford Dictionary, edited by H.W.Fowler and F.G.Fower, Oxford University Press, 1964
وعبد الله أمين: الاشتقاق القاهرة. 1376هـ . 1956م
. (6) Oxford Dictionary edited by H.W.Fowler and Fowler and F.G.Fower, Oxford University Press. 1964
(7) عبد الرحمن جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق أحمد جاد المولى وغيره، القاهرة.
حطين عودي
شعر: محمد أبو دية
تزجي عواصف ليلها سحبا والسيل يغشى السهل والحدبا
والجدول الرقراق موردها والطير من نبع الصفا شربا
وقطوفها في كل دالية سبحان من أحيا ومن وهبا
والشمس تهدي من أشعتها بين الغصون تلألأت ذهبا
والبحر في أمواجه صخب حطين تهوى الموج والصخبا
هاتي صلاحًا في كتائبه إنا نحب العسكر اللجبا
فرسانه لله قد خرجوا تكبيرهم ملأ الفضا رهبا
ونشيدهم في الليل ملحمة فاقت فنون الشعر والأدبا
هل تذكرين لياليًا لمعت فيها السيوف تنافس الشهبا
السيف ودع غمده فرحا والفارس الكرار ما تعبا
والخيل خيل الله ما تعبت والشرك من ساح الوغى هربا
والظالم المقهور أزعجه خبر من الميدان فانقلبا
يبكي ويلطم وجهه أسفا يبكي على الملك الذي ذهبا
والزاجلات تطايرت كتبا أحبب بمن أملى ومن كتبا
والقدس قد لبست عباءتها والكون أصغى يسمع الخطبا
ونداؤها نحو السما صعدت نبراته تستمطر السحبا
والغيث روى كل مجدبة والماء في غدرانها عذبا
حطين عودي أنت مؤمنة حفت كلام الله والكتبا
إني أراك اليوم عاتبة فوق الجبين أشاهد العتبا
عيناك دعجاوان كحلهما رهج السنابك يسحر العربا
حطين يا زهراء أنت لنا لا لن تكوني قط للغربا
الأمة الكبرى يزلزلها بركان شوق يرسل اللهبا
في شاطئ النيلين عاصفة لمست بروق سحابها حلبا
والنجد فيه فتية نجب والقدس تهوى الفتية النجبا
لا تحزني حطين إخوتنا وصلوا جبال القدس والنقبا
حطين أنت لنا ولو كرهت أهل الهوى... شيطانهم كذبا
هاتي صلاحًا في عساكره ردي عن الأوطان من نهبا
ردي عن الأطفال داهية مجموعة جمعت لهم حطبا
قسمًا سنحرقها بما جمعت وشبابنا سيذيقها العطبا
شيطانة خطبت أبا لهب في كل دار أشعلت لهبا
هي حية جمعت صواحبها والسم من أنيابها سكبا
رقطاء بالألوان تخدعنا والجاهلات تظنها لعبا
قسمًا.. سنغلبها ولو خدعت ونجدد الزيتون والعنبا
حطين عودي أنت رائعة والعود للأحباب قد وجبا
قصة قصيرة
عندما يصبح رجلًا
منى العمد
خرج من البيت وهو يصيح بأعلى صوته: أنا حر أنا حر، صفق الباب تاركًا وراءه أبًا غاضبًا وأمًا باكيةً.
فقد أصبح اليوم رجلًا، لقد أتم عامه السابع عشر، ومع ذلك يظن أبواه أنه مازال طفلًا. كم مرة حدثه أبوه عن ضرورة المذاكرة حرصًا على مستقبله، وهو يتساءل لماذا يحرصان على مستقبله، إن مستقبله له وحده، فما دخل والديه؟! لقد سئم من تدخلات والدته في حياته، كل يوم تسأله أين كنت؟ وأين تناولت غداءك؟ وإذا تأخر قليلًا سكبت في مسمعه محاضرة ثقيلة عن رفقاء السوء، وإذا حدثها عن صديقه فلان نهته عن مصاحبته وسكبت محاضرة ثقيلة أخرى عن أضرار التدخين والنيكوتين والقطران!!
لماذا يظن والداه أنه ملك لهما؟ متى يعرفان أنه ملك لنفسه؟ فقد أصبح رجلًا، ولا يحق لهما التدخل في حياته. ما زال يتذكر ما حدث عندما اكتشفت أمه أنه لم يعد يذهب إلى المدرسة. ابتسم ضاحكًا بشيء من التشفي. فقد كان أبوه يوصله إلى المدرسة بسيارته الخاصة، وكان هو يتظاهر بأنه دخل المدرسة، وما إن يبتعد والده المسكين عن المكان؛ حتى يذهب هو مع بعض أقرانه يقضون نهارهم متسكعين بين المتنزهات والمطاعم حتى ينقضي اليوم الدراسي، ثم يرجع إلى المدرسة ليعود مع أبيه!
أحست أمه بانصرافه عن دراسته، فحاولت إقناع أبيه بزيارة المدرسة للاطمئنان عليه لكنه كان يماطلها، غدًا أذهب أو بعد غد، ولم يأت هذا الغد حتى اليوم، إنه يدرك بذكائه الاجتماعي أن أباه لن يذهب إلى المدرسة أبدًا، وبالتالي فلن يعلم أنه متغيب عنها منذ أيام طويلة، ويعلم أيضًا أن أمه لن تبلغ أباه إذا اكتشفت الأمر، وهي بالفعل قد عرفت فقد اتصلت بالمدرسة تطلب عون مدرس التربية الإسلامية، فهو الوحيد من بين كل المدرسين الذي يحبه ولدها ويحترمه، وهو الوحيد الذي ربما استطاع إقناع ولدها بالاجتهاد والمذاكرة، وهو في السنة النهائية، قالت لمدير المدرسة: إن ولدها لا يذاكر كما ينبغي، وهي تلتمس مساعدة مدرس التربية الدينية أن يناصحه ويحثه على المذاكرة، المسكينة فوجئت بمدير المدرسة يتساءل بأسلوب لا يخلو من تهكم لا يذاكر؟! ابنك يا سيدتي لا يحضر إلى المدرسة منذ أكثر من عشرة أيام!!
حارت في أمرها، بكت كثيرًا وحدثته طويلًا، لكنها كانت عند ظن ولدها فعلًا فلم تخبر أباه بهذه الكارثة الجديدة سعيًا في رأب الصدع بين شطري قلبها. وإن اجتهدت أن تعرف أين يقضي يومه عن طريق والدة صديقه التي تعاطفت معها، ونقلت إليها أخبار ولدها، وأخبرتها أيضًا بأنه لم يقض الليلة الماضية مع صديقه يذاكران؛ بل لقد قضى ليلته عند بائع أحذية قرب مدرسته، نشأت بينهما صداقة مفاجأة جديدة في سلسلة المفاجآت التي تقصم الظهر.
بذلت أمه جهدًا في معرفة رقم هاتف هذا الصديق الجديد، واتصلت به قائلة بلهجة شرطي قبض على اللص متلبسًا بجرم مشهود: أنا أم عماد بادرها الرجل معتذرًا، فهو لا يعرف كيف يتصرف مع ابنها، وحاول طمأنتها قائلًا: لا تخافي يا سيدتي، ولدك بأمان عندي، ولا يذهب ظنك بعيدًا، فأنا رجل متزوج ولي أولاد، قالت مؤنبة: لك أولاد؟ أوالد أنت؟! ومع ذلك فأنت تجرئ ولدي على والده؟ قال: معاذ الله، ولكن اشتكى إليَّ كثيرًا ومعذرة - من والده وقسوت الزائدة عليه، وتعاطفت معه، ثم قال- كمن يبر تصرفه: هل يأتيني مستجيرًا بي وأرده؟ قالت في حزم: نعم، ترده وتنصحه أن يعود إلى بيته وتهور عليه ما يدعيه من قسوة أبية فأنت والد وتعلم معنى هذه الكلمة، تعلم ماذا يريد كل والد لولده. ألا تحب أن يكون ولدك أفضل من كل أولاد العالمين وأنجح؟ قال متلعثمًا : نعم، نعم، يبدو أنني أخطأت، أعدك ألا أستقبله في بيتي ثانية، أو على الأقل ألا أسمح له بالمبيت لدي، ردت بكلمة شكر باهتة اقتضاها الحال، قال لها الرجل بأدب: هل تسمحين لي بكلمة؟ ردت : تفضل، قال: قد أكون بائع أحذية ولم أنه تعليمي العالي، لكن طرد الولد من منزله بسبب خطأ ارتكبه هو حل مرفوض، خاصة في ظل هذه الظروف، ألا تخشون عليه أن يقع فريسة لمروجي المخدرات لا سمح الله؟ قالت: نحن لم نطرده، ولا نفعل، ولا يغيب ما تقوله عن أذهاننا، لكنه يبادر بالخروج من تلقاء نفسه إذا غضب، قال الرجل: اطمئني. يا أختاه.. فالطائر إذا خرج من عشه الدافئ -سرعان ما يفتقده ويعود إليه، وأضاف كالمحذر، لكنه إذا خرج من قفصه فلن يفكر بالعودة إليه، وابنك سيعود بإذن الله، كوني على ثقة.
استمر عماد في طريقه.. وهذه الصور وغيرها تتداعى إلى مخيلته، يشعر بالزهو وشيء من التشفي وهو يتذكر خروجه من البيت مغضبًا إنه يأخذ حقه بهذه الطريقة، ويثبت لوالديه أنه أصبح رجلًا، ينتفخ يحس أن بين أثوابه الأسد الهصور، وإن كان دعاء والدته أثناء خروجه من البيت يشعره قليلًا بالذنب ، سمعها تقول وهي تبكي: رب هب له من لدنك رحمة وهيئ له من أمره رشدًا. لكنه تجاهل هذا الشعور، لن يسمح له أن يثنيه عن عزمه في هجر بيته وأسرته واستمر في طريقه.
ولكن أين يذهب؟ فصديقه أيمن بائع الأحذية لن يستقبله مجددًا، وصديقه فيصل كذلك لا يستطيع، وماجد، فأمه تربطها صلات وثيقة بأمهات أصدقائه المقربين، أخيرًا، نعم. سيذهب إلى بيت عمته، فقد طالما كانت قريبة منه هي نفسها كانت تشتكي له من قسوة والده عليها قبل زواجها، فكلاهما إذن »في الهم شرق« عندما وصل إلى بيت عمته كان زوجها يوقف سيارته في المرآب نزل رحب به بحرارة، وأخذ يخرج مشترياته الكثيرة من السيارة في سعادة غامرة، قال عماد مازحًا : هل تتسوقون كل ثلاثة أشهر؟ قال زوج عمته يرد على دعابته؛ بل نتسوق هذا التسوق كل ثلاث سنوات، ارتسمت على وجه عماد علامة استفهام، وردد يتساءل متعجبًا بصوت خافت كل ثلاث سنوات؟! لكنه أسرع لمساعدته في حمل هذه الأكياس إلى داخل المنزل دخل على عمته، فوجئ بها طريحة الفراش، وجهها يميل إلى الصفرة، وتبدو عليها أمارات إجهاد بالغ، لكنها مع ذلك -ويا لعجبه .. مبتسمة ويبدو للناظر إليها كان الفرح يزغرد في عينيها، استعجم عليه الأمر، لكنه لم يجرؤ على السؤال، خشي أن يسبب الحرج لعمته وزوجها. اقترب منها مسلمًا، لم تخف لاستقباله كعادتها، بل ردت تحيته وهي في سريرها، سألها زوجها ووجهه يتهلل فرحًا: كيف تجدينك الآن يا عزيزتي؟ قالت: وقد بدا له أنها تعاني آلامًا لیست هينة: الحمد لله سأكون في حال أفضل قريبًا إن شاء الله، اطمئن يا عزيزي.
فتح زوج عمته علبة شوكولا فاخرة وقدمها لعماد وهو يقول: من أجل سلامة عمتك تناول قطعة شاكرًا وهو يفكر، إن أمامه مسألة صعبة أصعب من مسائل التفاضل التي سئم من محاولة حلها في الرياضيات. الناس هنا كلهم في سعادة حتى عمته التي يبدو له أن آلامًا رهيبةً تكاد تقطع أحشاءها - سعيدة فيما يبدو، ما السر يا ترى؟! إذا بصرخة من جانب السرير تجيب كل تساؤلاته، التفت الجميع صوب الصوت تحاملت عمته بصعوبة على نفسها، واتجهت بجسمها نحو وليدها، خف زوجها إليها، يحمل الطفل بين يديه، ويقبل ما بين عينيه ويضعه في حضنها بحنان بالغ، تناولته الأم وهي تسمي الله تعالى وقبلته، ثم ألصفته إلى صدرها ترضعه وهي تبتسم في سرور ظاهر بالرغم من آلامها الشديدة التي لا تستطيع أن تتوارى خلف ابتسامتها المتصلة بشغاف قلبها.
عندما انتهت من إرضاعه رفعته بين يديها وهي تقول: انظر يا عماد ما أجمل هدية الله لنا! أخذ ينظر في ذهول إلى المولود الجديد، حمله بين يديه في حرص شديد، وأخذ يتأمله في قماطه والصغير يغمض عينيه ويفتحهما، ويبدو أنه لا يرى شيئًا مما حوله، إنه مضغة صغيرة لا حول له ولا قوة. ترى ماذا في عقله الصغير الآن؟ قطع الوليد تأملاته ببكائه، فأعاده إلى عمته التي أخذت تهدهده وتقبله حتى سكت. اقترب ابن عمته الذي أكمل قبل أيام عامه الثالث من أخيه الصغير وقبل رأسه هو الآخر. وقال لأمه بشيء من الغيرة: هل كنت أنا مثله عندما كنت صغيرًا هل أرضعتيني مثله؟ هل كنت تحبينني مثله يا أمي؟ قالت بحنان وهي تضمه إليها : نعم يا حبيبي، كنت أحبك مثله، ولا زلت أحبك، وسأحبك حتى عندما تصبح رجلًا!
أغمض عماد عينيه، وهو يقول لنفسه: لكنه عندما يصبح رجلًا.. عندما يصبح رجلًا.. وسكت فقد خنقت العبرات كلماته، ثم استأذن من مضيفيه على عجل، وقفل راجعًا إلى منزله، وقد فاضت دموعه وهو يردد يا له من جحود.. يا له من جحود..
الرؤية الإسلامية في أشعار محمود حسن إسماعيل
صلاح حسن رشید
تجلت شاعرية محمود حسن إسماعيل في أدق تفاصيلها وأبعادها النفسية والثقافية والأدبية في إسلامياته الرائعة، تلك القصائد التي انفرد بها بقاموسه الشعري الخاص الدال على نفسه المستقى من روحانياته المحلقة في أجواء وفيوضات ونفحات الإسلام بأسلوبه الساحر ولغته الإيمانية وفهمه العميق للرسالة المحمدية بطريقته المحببة للنفوس وعرضه الأمين.
أذان الله: ففي هذه اللوحة العذبة يقتنص محمود حسن إسماعيل لحظة انطلاق داعي السماء بأذان الله، ساعتها ترفرف على البشرية أنداء الطمأنينة والسكينة والحق وأنوار الإسلام، فهو لحن يهدي القلوب والعقول، وهو الرحيق المصفى من قبسات الحقيقة الإلهية.
يا أذان الحق يا صوت السماء
طف على الدنيا ورفرف بالنداء
واملأ الأرواح من نور الرجاء
أنت لحن عاطر يهدي قلوب الحائرينا
ورحيق طاهر يروي يقين المؤمنينا
فانشر الرحمة في كل صباح ومساء
واسكب التوحيد واصعد بين أجواز الفضاء
سبحت باسمك يا رب شفاه وقلوب
والسموات العلا والأرض والكون الرحيب
وجرت بالحمد والإيمان أنفاس الهواء
قانتات عابدات ضارعات للسماء
ربنا افتح قلبنا للحق أنت المستجيب
طريق الله: هنا يأخذ الشاعر نفسه نحو شاطئ الأمان الذي ترتوي منه روحه، وتتعطش إلى معانقة لحظات التشهد والتعبد، وتطير لتجاوز آفاق الدنيا سعادة وفخرًا :
حملت أمسي وغدى
وسرت نحو الموعد
حتى وصلت شاطئًا
يهمس بالتشهد
وترتوي أفاقه
بالنور والتعبد
فقلت طيري واصعدي
يا نفس حان موردي
فأجهشت وانتفضت
بلحنها المردد
كل الخطايا في يدي
يا رب أجل موعدي
ما زلت أدعو الله عمـ
ـرًا ثانيًا لجسدي
أعيد فيه سيرة
للروح منذ مولدي
بيت الله الحرام: في ثنائيات متدفقة المشاعر بسيطة التركيب صعبة التقليد، ينظر شاعر الإسلام والعروبة محمود حسن إسماعيل إلى بيت الله الحرام هائمًا لرؤيته فيقول:
إلهي سعينا مع الموكب
هيامًا إلى البلد الطيب
ظمئنا وفزنا بحظ الوصول
ومن غير نورك لم نشرب
ظمئنا فقرب إلينا الرحيق
وجد بالمتاب على المذنب
ولبيك لبيك رب السماء
فقرب خطانا لأرض النبي
الله حقيقة الحقائق: ويتجه شاعرنا المؤمن بسبحاته النورانية ولمحاته الوجدانية وأمنياته الإيمانية إلى خالق الأكوان، فلقد رأى آثار نوره وخلقه وآلائه ونعمائه في كل شيء، سمع أصداء تجلياته في كل حي:
مع الله
إلهي رأيتك
إلهي وفي كل شيء رأيتك
إلهي سمعتك
إلهي وفي كل شيء سمعتك
رأيتك في كل حي
سمعتك في كل شيء
وفي كل أفق بروحي شهدتك
تعاليت لم يبد لعيني شيء
تعاليت لم يهف صوت بأذني
ولكن نورًا بقلبي يطل
ومن طيفه كل نور يهل
وفي كل أشعار محمود حسن إسماعيل الإسلامية نطالع ونقرأ الإسلام، بقلم شاعر أوتي شاعرية الأداء الراقي وسلاسة التعبير المنسجم مع العاطفة والمضمون والتجديد الرحب، في قوالبه الفنية والشكلية والوجدانية، وجماليات الصورة المتشحة بتكثيف لا نظير له بين نظرائه المعاصرين. ولم لا؟ وهو أكبر مجدد في شعرنا العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الاحتفاظ بعراقة الموروث ونصاعة المعاصرة بلونه المعيشي ورؤيته الخاصة لأفكار مجتمعه وبيئته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل