; المجتمع الثقافي .. العدد 1655 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي .. العدد 1655

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005

مشاهدات 73

نشر في العدد 1655

نشر في الصفحة 48

السبت 11-يونيو-2005

من كنوز المكتبة الإسلامية … من روائع حضارتنا

المؤلف: د . مصطفى السباعي

للحضارة- أي حضارة- جناحان تحلق بهما، الأول هو العنصر الروحي القيمي, والثاني هو العنصر المادي الإنتاجي... الحضارات في معظمها كانت تهتم بأحد العنصرين إلى حد إغفال أو التقليل من شأن العنصر الآخر، فهناك حضارات روحية ازدرت الجانب المادي، واستهانت به إلى حد أن جعلته بمثابة الشيطان الذي يستعاذ منه ويضرب مثلًا للسوء والشر والرذيلة، وهناك حضارات مادية - وهي الأغلب- ضمر فيها العنصر الروحي حتى كاد يضيع في أجواء المادية الطاغية، ونما فيها عنصر الماديات وأصبح التفكير محصورًا في تأمين القوة العسكرية.. إلى جانب الإفراط في الترفيه والرفاهية للترويح عن الجنود الذين أثقلت كاهلهم الواجبات العسكرية... فكانت العسكرية لحماية الرفاهية ومكتسباتها، وكان الترفيه لإمكانية استمرار الأداء العسكري الثقيل... لكن النتائج كانت مخيبة للآمال فها هي الرفاهية كلما زادت في بلد, زادت فيه نسبة التوتر والقلق والأمراض العصبية ثم الانتحار، ولم تستطع القوة العسكرية أن تحمي المجتمع من هذه النهايات المفجعة. الحضارة التي اعتمدت على جناحيها بتوازن لاقت هي الحضارة الإسلامية، فالجانب الروحي أخذ مكانه اللائق، والجانب المادي لم تغفله المعادلة الحضارية التي انبثقت عنها معجزة الحضارة الإسلامية. 

هذا نموذج يضربه المؤلف - رحمه الله - عن الحضارة الإسلامية التي تزاوج بين جانبي الروح والمادة أو الرحمة والقوة: حين وصل الصليبيون في الحملة الثانية إلى معرة النعمان حاصروها حتى اضطر أهلها للاستسلام بعد أن أخذوا من رؤساء الحملة عهودًا مؤكدة بالمحافظة على النفوس والأموال والأعراض، فما كادوا يدخلونها حتى ارتكبوا من الفظائع ما تشيب له الولدان، وقدر بعض المؤرخين الإفرنج- الذين كانوا في هذه الحملة- عدد الذين قتلوهم بين رجال ونساء وأطفال بمائة ألف, ثم تابعوا سيرهم إلى بيت المقدس وشددوا الحصار عليها، ورأى أهلها أنهم مغلوبون لا محالة فطلبوا من قائد الحملة الأمان على أموالهم وأنفسهم، فأعطاهم رايته يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجؤون إليه آمنين على كل شيء، ودخلوا المدينة بعد ذلك. فيا لهول المجزرة ويا لقسوة الإجرام... لجأ سكان القدس إلى الأقصى الذي رفعوا فوقه راية الأمان حتى إذا امتلأ بمن فيه من شيوخ وأطفال ونساء ذبحوا ذبح النعاج، فسالت الدماء في المعبد حتى ارتفعت إلى ركبة الفارس. وذكر المؤرخون أن عدد الذين ذبحوا في داخل المسجد فقط بلغ سبعين ألفًا، وبعد تسعين سنة من هذه المجزرة فتح صلاح الدين بيت المقدس فماذا فعل؟ لقد كان فيها ما يزيد عن مائة ألف غربي بذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج لقاء مبلغ قليل يدفعه المقتدرون منهم، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يومًا ثم أطلق كثيرًا من الفقراء من غير الفدية، وعامل النساء معاملة لا تصدر عن أرقى ملك منتصر في العصر الحديث.

هذا النموذج الرائع نقدمه بين يدي المستعمرين القدامى والمحدثين الذين مازلنا نرى ما صنعوا بالشعوب التي غزوها وبالمقدسات التي هدموها والحرمات التي انتهكوها. لعله يلامس عندهم بقية من حياء فيكفون عن الممارسات الوحشية والجرائم البشعة التي يرتكبونها أمام سمع العالم وبصره. أما لماذا هذا الكتاب، فإن الكاتب الفاضل وضعه بين يدي فريقين من الناس. 

الفريق الأول هم اليائسون الذين غلبتهم الحسرة على حال المسلمين في وقت لا يجدون في أنفسهم القدرة على عمل شيء من أجل نهضة المسلمين واستئناف حضارتهم من جديد. أما الفريق الآخر فهم المبهورون بما عند الغرب لا سيما وقد نسوا أن آباءهم كانوا رواد حضارة الإسلام التي قدمت ما لم تقدمه حضارة غيرها.  لعل الجميع يدركون أنهم يستطيعون لو كانت لديهم الإرادة أن يكرروا تجربة الآباء مرة ثانية مستفيدين من كل ما في الحاضر من وسائل وآليات لبناء المستقبل الواعد الذي يحقق للمسلمين آمالهم، ويمسح عنهم العار الذي لحق بهم في فترة التيه والهوان. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. من العناوين البارزة في الكتاب: النزعة الإنسانية، أخلاقنا الحربية، المستشفيات والمعاهد الطبية وغيرها من العناوين التي لا يستغني عنها قارئ للتاريخ ولا سيما إذا كان يفكر في مستقبل أفضل لهذه الأمة التي آن لها أن تنهض من جديد لإقرار الحق والعدل في الأرض بعد أن عبث بهما المستبدون.

مقتطفات ثقافية.. منتدى الحكمة

حاولت مدينة «وجدة» المغربية من خلال ندوة تحت عنوان «إشكالية العلاقة بين الفكري والسياسي... تقاربات متعددة» البحث عن سبيل لاستيعاب التناقضات الداخلية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وذلك بوصل ما انقطع بين الفكري والسياسي.

دمي فدا عينيك

تنهمر الدمعات من عيني، وترتجف يداي، وينبض قلبي بكل قوة حين أقول: أحبك، يرتعش كل جسدي كأني ريشة في مهب الريح، وآتيك وأطير في سمائك عصفورًا يغرد لحن الحب، ويبتعد إلى أقصى المسافات، وحين يتعب يعود وينام بين ذراعيك. ابتسم حينًا وأبكي أحيانًا، أضحك حتى تنزل دموعي, ثم تتحول إلى دموع الحزن فأبكي, أبكي دون رحمة ودون توقف.  كلما تاهت بي السبل أتجهت إليك، وكلما ضاعت من شفتي الكلمات نطقت اسمك, فيلين بذكرك لساني، وتطرب بلحنه أذناي, فأنت الحب الذي عشته، وأنت أجمل اسم ناديته, وأجمل لحن سمعته، وأنت أجمل قصيدة غنيتها، أنت أول من عرفت, وأنت آخر من أحببت.

كل ما أملك في هذه الدنيا فداك، وكل حياتي تهون من أجلك، والموت بين يديك أو على صدرك شرف اعتز به، وأفخر بها ميتة عزيزة. عشقتك منذ الصغر، وكبر حبك في قلبي، حتى صار ينبض باسمك كل يوم، كل ساعة وكل لحظة, كي أعيش طويلًا بهذا الحب الذي أعطيتني إياه. يا أجمل فتاة عرفت ويا أجمل عروس زفت لآلاف الشهداء، مهما كان مهرك غاليًّا يبقى رخيصًا لعينيك، فمهرك لن يكون أغلى من دمي ... ودمي فداء عينيك يا فلسطين!.

مقتطفات ثقافية.. الجنة الآن

عنوان فيلم لمخرج فلسطيني، يتناول شخصية الاستشهادي على شاشة السينما.. أثار جدلًا كبيرًا، ووقع فيما اعتبر تناقضًا، إذ هو يقف ضد قتل البشر، ولكنه لا يدين من يقوم بعملية انتحارية في المنطق التقليدي أو عملية استشهادية كما هو التعبير الإسلامي.

شعر: أحمد محمد الصديق 

واحة الشعر

اغضب لله

اغضب لله ولا ترهب                                           فرضاء الله هو المطلب 

هيا.. فخيولك مسرجة                                          والزحف قريب يتأهب 

ورؤى التحرير مُجنحة                                      كنجوم في الأفق الأرحب 

انهض.. فسماؤك واعدة                                     وعطاء الموسم قد أخصب 

وشبابك فيض من نور                                        يتلظى في وجه الغيهب 

ويطارد أشباح الظلما                                          ت.. ويكتسح الزيف الخلب 

من كان وليًّا للرحم                                              ـن ... فسيف القدرة لا يغلب 

***

اغضب لله.. فلا نامت                                          في الذل عيون الجبناء 

من يخش الموت يعش ميتًا                                   والمجد حليف الجرءاء 

قلها كالرعد.. كبرق السيـ                                      ف... تزلزل ركن الظلماء 

في صيحة حق لاهبة                                           تجتاح غثاء الأهواء 

أو دفقة عطر من جرح                                        تهمي في الأرض المعطاء 

يغتر بها وجه النعمي                                           تستأصل جرثوم الداء 

وتخط لنا عبر الأيا                                           م طريق الفجر المترائي 

***

وإذا ما الروح سرى فيها                                الإعياء... وأقعدها الوهن 

وتلاشت جذوتها حتى                                      صارت كرماد يمتهن 

فاغضب لله.. فإن الحـ                                    ر ذرى الجوزاء له سكن 

وكتاب الله هو النبرا                                        س.. وأنت الصدر المؤتمن 

أبدًا يدعوك إلى الفردو                                     س... فكيف بقيدك ترتهن؟ 

آفاقك تنضح بالأشوا                                        ك... ودربك تفرشه المحن 

فاثبت كي تسقط أوثان                                      والحق يعـزيه الوطن 

***

مهد الإسراء.. وهل ترضى                                  ما يصنع فيه الأعداء

أنفاس تزهق.. أعراض                                        تُسبى.. آهات ودماء 

تاريخ يسرق.. آمال                                       تغتال.. دمار.. وبلاء

ومساجد تحرقها الأحقا                              د.. ويعبث فيها السفهاء 

فإلام الصمت.... ترى هل نحـ                    ن من الموتى أم أحياء؟ 

وإلام سيبقى أطفال                               درعًا يحمينا.. ونساء؟ 

والأمة في الدرك الأدنى                            تهوي.. ويمزقها الداء..

***

اغضب لله.. فأنت لها                            إذ تدعو صيحات القدس 

وتنادي الصخرة والأقصى                       وتمزق أكفان الرمس 

وتهب أعاصير الأبطا                             ل.. لخوض ميادين البأس 

الصحوة بذل وجهاد                               بالمال تجـود وبالنفس 

وتفيض بحارًا صاخبة                            كي تغسل أدران الرجس 

بالحجر الثائر.. بالمقلا                            ع بحد المدية.. بالفأس 

وغدًا.. لابد سنعلنها                               بالعودة أفراح العرس 

 

لغة عصام العزالي الشعرية «4 من 5»

التضمين والاقتباس

أما التضمين أو الاقتباس أو ما يصل إلى حد التناص فهو شائع في شعر عصام الغزالي، وخاصة في مجموعته الأخيرة «هوى الخمسين»، ومعظمه يأتي من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر القديم والأمثال الشعبية.  والشاعر يوظف ما ينقله توظيفًا فعالاً، يعيدنا إلى الأصل المنقول عنه، وفي الوقت ذاته يهيئ للمعنى الذي يتناوله رسوخًا واضحًا لدى المتلقي. تأمل مثلاً قوله:

وسبع بعد سبع بعد سبع 

يدور السبع في السبع الشداد 

يدور السبع كالثور المغمى 

لنزح الماء من بئر الفساد([1])

فهو أولاً يجانس بين السبع «الأسد» الذي يرمز به إلى المسؤول الذي يعلق عليه الناس أملاً في الإنقاذ، وبين السبع الشداد التي واجهها يوسف عليه السلام في مصر عندما تولى خزائن الأرض، ووردت قصتها في القرآن الكريم. ثم هو ثانيًّا يكرر لفظة «سبع»، ليؤكد فقدان الأمل بعد طول الأمد، ويأس الناس من الإصلاح، ثم هو ثالثًا يقدم لنا السبع شبيهًا بالثور المغمى الذي ينزح فسادًا لا ينتهي ولا يزول. والمهم هنا أن لفظة «السبع» أعطت دلالات تجاوزت مجرد التضمين والاقتباس لتعطي دلالات أعمق وأدق على الحال التي وصلت إليها الأمة.

نماذج من التضمين القرآني

وقد يكون النقل مجرد تضمين وحسب، يعيد إلى النص المنقول عنه ودلالته كما نرى في قوله وهو يستغيث بربه جل وعلا: يا رب لي أمل أن أكون بها 

فيمن لهم غرف من فوقها غرف

فهو يعيدنا إلى ما ذكره القرآن الكريم عن جزاء المتقين المؤمنين الصابرين المجاهدين يوم القيامة في قوله تعالى:

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ (الزمر: 20).

وعلى غرار البيت السابق، قول الشاعر:

لو أنهم جاءوا الرسول وفضفضوا                                                  واستغفروك لجئتهم توابًا رحيمًا([2])

ومثله أيضًا:

لي الله فالرزق في بطن حوت 

                                            وذو النون نادى وما إن يكاد 

وسبحان من خيره للجميع 

                                            وأرزاقه ما لها من نفاد([3])

وقد يقدم لنا الشاعر ما ينقله عن القرآن الكريم في صورة اقتباس خالص، كما نقرأ في قوله:

وأصحو على وحيه من شرودي 

                                          فإني قريب، وقل يا عباد 

فهل تستطيعين أن تتبعيني 

                                     ولله أسلمت- طوعًا- قيادي([4])

التضمين من الحديث

والشاعر قليل الاستخدام للتضمين أو التناص في الحديث الشريف، ومن الأمثلة الواردة في هذا السياق قوله:

استفت القلب ولا تقبل 

                             من قلبك حكمًا أو فتوى

في إشارة إلى الحديث النبوي الشريف: «استفت قلبك وإن أفتوك... وإن أفتوك». واستفتاء القلب هنا يعني الخروج من حالات الالتباس التي يختلط فيها الحلال بالحرام والحق بالباطل، وإن كان الشاعر في القصيدة ذاتها يضمن بعض أبياته حديثًا دار حوله كلام كثير من حيث صحته، ويرى كثيرون أنه موضوع، وهو: «من حب فعف فمات فهو شهيد». يقول الشاعر:

من عف فمات على حب 

                                                        فشهيد والحور السلوى 

الحور العين هوى غدنا 

                                  والجنة فيه هي المأوى([5])

أما الشعر القديم فهو يأتي اقتباسًا وهو أيضًا قليل الورود في شعر عصام الغزالي، مثله مثل الحديث الشريف، ومنه قوله مقتبسًا قول ولادة بنت المستكفي، صاحبة «ابن زيدون» الشاعر الأندلسي الشهير:

أنا والله أصلح للمعالي 

                                         إذا بشرت بالدم يا بلادي 

تبشرني الدماء إذا أريقت 

                                                  بمولد فارس أو سندباد([6])

كما يقتبس قول الشاعر الخارجي المعروف الذي يحرض نفسه على الإقدام والشهادة في قصيدة يقول فيها:

أقول لها وقد جشأت وجاشت 

                                                         كرهت لك الوقوف على الحياد 

زفافك موشك في يوم حزن 

                                          وعرسك لابس ثوب الحداد([7])

والاقتباس في النموذجين السابقين يأخذ شطرًا من البيت الأول في كل منهما. أما المثل العربي أو الشعبي فحضوره واضح في ثنايا شعر عصام الغزالي، ومنه هذا النموذج:

والناس تفتح في صباح أعينًا فترى الهزيمة 

ويدركهم أمل لكم حلمت نفوس أن تقيمه 

ويقال في الأمثال: «وقد عادت لما تعتاد  ريمة([8])

والمثل واضح «عادت ريمة لعادتها القديمة». واقتباسه واضح الدلالة أيضًا في عدم تغير القوم مع هزيمتهم المذلة، وعدم اعتبارهم بما جرى... وكأنه لا أمل في المستقبل، بل إحباط كامل ويأس شامل.

عنصر الصورة

يبدو عنصر الصورة في شعر عصام الغزالي تقليديًّا، وخاصة فيما يتعلق بالصور الجزئية، ولكنه يتجاوز الصور الجزئية إلى صور كلية تحقق بلاغتها الشعرية من خلال الدراما بصفة عامة، سواء اعتمدت هذه الدراما على الحوار وحده، أو قامت على القص أو الحكي.  الصور الجزئية في عمومها تحاول أن تنتسب للشاعر، وتشكل خصيصة مميزة من خصائصه الشعرية، وهو يلتقط صوره بتلقائية تحقق هذا التميز، تأمل مثلاً قوله: «والموج دوخ مركب الغرباء منذ تلكأوا»

فالصورة المنتزعة من الموج والمركب شائعة في شعرنا العربي، وخاصة في العصر الحديث، ولكن الشاعر يضفي عليها ملامح جديدة تمت بصلة إلى التراث الشعبي« الدوخان» والمركب هنا مركب الغرباء الذين من صفاتهم التلكؤ والتباطؤ. ثم تأمل مثلاً قوله:

«يا موطني دفء هواك  وضم صدرك أدفأ» .

فالوطن أو الموطن يشبه الحبيب الذي يتميز صدره بالدفء الذي يعالج برودة الغربة وقسوتها. ثم انظر قوله:

»كان قلبي مثل ماء البحر ... ([9])

فالقلب الأبيض الصافي له تشبيهات عديدة، ولكنه هنا يأتي من خلال ماء البحر في صفائه ونقائه، بالإضافة إلى خصيصة أخرى هي الطهارة، ولها دلالاتها العميقة في المفهوم الإسلامي.  بيد أن الدراما في شعر عصام الغزالي تنقلنا إلى مرحلة لها عمقها الشعوري والنفسي، فضلاً عن إضفاء الحيوية على النص، ولنأخذ مثلاً هذا الحوار الذي يجري بين الشاعر وزوجه، يحدثها عن الشعر وعن قصيدته، فتحدثه هي عن قصيدتها التي تتمثل في رغبتها الحصول على حقيبة وحذاء.  إن القصيدة تبدأ دراميتها من العنوان: «الرقص بين القصيدتين»، وله دلالة ساخرة حادة، يقول فيها:

يا للقصيدة مزقت أشلاء؟!

                           والبيت أصبح أحرفًا ودماء؟

وهوى علي- وكنت أصنع تحفتي

                                 رح يصير ما صنعت هياء

ويقول:

حسبك من قصائدك التي

                                               نزلت عليك لتسعد البلهاء

يا زوجتي... نور القصيدة عالم

                                   يسع الجميع إذا أطل وجاء

ويشيع إحساس الجمال فحاولي

                                        أن تسمعي فيما أقول غناء

قالت: سمعت، فهل سمعت قصيدتي؟

                                                  إني أريد حقيبة وحذاء ([10]

لغة الحوار في القصيدة

إن الحوار في القصيدة يصنع المفارقة، ويعمق المشهد الإنساني بين الشاعر وزوجه، ويقدم مشهدًا ساخرًا حادًا، أو صورة كلية ساخرة حادة للتفاوت بين رؤية الشاعر الذي ينزف من أجل قيم عليا تبشر بالتسامح والجمال، ورؤية الزوجة التي لا يعنيها أمر هذه القيم، ولكن يعنيها أن تكون لها حقيبة وحذاء، تفاخر بهما وتتباهى على لداتها من النساء، إنها المفارقة بين العلوي والسفلي والروحي والمادي والثابت والمتحول.. والإسلامي والدنيوي. والشاعر يكثف هذه المفارقة، ويصنع صورًا كلية من خلال قصص عديدة نطالعها في العديد من قصائده، كما نرى في قصيدته «حسن خليل مورو» في ديوانه «أهددكم بالسكوت».. وقصيدته «مأساة القرش المزيف» في ديوانه «الإنسان والحرمان»، وقصيدته «الكلاب» في الديوان نفسه، وقصيدته «كلوا والعنوا» في ديوانه «هوى الخمسين»، وغيرها من قصائد على امتداد مجموعاته أو دواوينه. وسوف نكتفي هنا بالإشارة إلى قصيدته «الكلاب» لنرى فيها صورة كلية تصنع المفارقة من خلال الحكي. 

والقصيدة قصة منامية أو حلمية يرى فيها الشاعر حكاية غريبة:

رأيت في منامي

تجسمت أمامي

حكاية غريبة

رأيت من رؤاه

تحيط من رآه

برهبة مهيبة

وحوله الجلالة

تكللت بهالة

ورحمة وطيبة

أشار  كي ألبي

فخر كل قلبي

بسجدة مجيبة

ويواصل الشاعر قصته المنامية، فيوضح أنه كان ضمن جماعة تطيع من رآه في المنام، وقد منح كلاً منهم نفحة، وخص الشاعر بحديقة معشبة المروج، فدخلها ومن معه، مع أمر بالأكل منها وتجميلها، وهناك علامة عجيبة تحت كل دوحة، تومض للمحظوظين، وكل ما عداها محرم، وهناك أيضًا حمامة ترقب السلوك، «وتأمر الملوك وتجمع الضريبة»، وسعد الجميع بالحديقة والحمامة الرفيقة، ولكن واحدًا خالف الرقابة وضيع الأمانة وأظهر الخيانة، فتبدل كل شيء وتفجرت السماء وأمطرت ترابًا وأرسلت عذابًا وصارت الحديقة مقابر عتيقة، وجاء الذباب وأخذت الكلاب تتناحر حول عظمة كبيرة، كل بنابه يعض في صحابه، بخسة معيبة، وفي مفارقة على هامش المفارقة يصحو الشاعر على نباح كلاب الواقع.

وأفزعت صباح

ضراوة النباح

وأيقظت نعيبه

وزلزلت كياني

وكدرت أماني

ومزقت وجيبه

ألا فمن يفسر

بفطنة تبرر

وخبرة نجيبة

ويكشف الرموز

ليخرج الكنوز

بنظرة لبيبة([11])

والأمر لا يحتاج إلى تفسير أو حل رموز أو تسويغ ما حدث من خيانة وما يوضع تحتها من صفات أخرى تجمع الأنانية والأثرة والشهوة والرغبة والمخالفة والعصيان.. وكلاب الواقع أشد ضراوة من كلاب الحلم، وهي قادرة في معظم الأحوال - إن لم يكن كلها - على إثارة الزلازل والزوابع والأكدار والأسى.

بيد أن القصة تنقلنا- بعد الانتهاء من قراءتها- إلى قصة آدم وحواء كما ذكرها القرآن الكريم، فقد خصص الحق تبارك وتعالى لهما الجنة بثمراتها وخيراتها، وحذرهما من شجرة الخلد.. أكلاً أو اقترابًا ولكنهما خالفا أمر ربهما، وذاقا الشجرة... وهنا كان الخروج من الجنة، وكان ظهور العورة أو السوأة، فأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ليداريا ما انكشف وافتضح، وكانت بداية صراع وزلزال واضطراب إلى يوم الدين. ([12]) إن الشاعر يستلهم القصة القرآنية بصورة فنية، من خلال رموز شفافة، ليصنع مفارقة عامة وشاملة في سلوك المجتمع أو الأفراد من خلال عنصري التكريم المرتبط بالطاعة، والضياع المرتبط بالمعصية، ثم يطالبنا بالتفسير أو ما يسميه «التبرير»، والمسألة- كما قلت- ليست في حاجة إلى هذا أو ذاك، المهم أنه نجح في لي أعناقنا نحو سر الأوضاع المتردية على أكثر من مستوى بوسيلته الفنية التي أجادها، أعني الدراما من خلال القص أو الحكي.

الرابط المختصر :