; المجتمع الثقافي (العدد 1619) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1619)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1619

نشر في الصفحة 48

الجمعة 24-سبتمبر-2004

عبدالناصر محمد مغنم

إنها الأوامر!

خمس سنين مضت من عمر الحكم القاسي، ولكنما الذي يفيد ؟!

إنه المؤبد، بل إنها أربعون سنة!

آه آه كم هي خانقة حياة السجون، ما أبشع الجدران القذرة، رائحتها تزكم الأنوف، ظلامها كابوس وأنات وصراخ ودماء.

ولكنها على كل حال خير من حياة الذل والمهانة في ظل السلطة، ها أنا ذا في القيد ظاهرًا، ولكن داخلي ينبض بالعزة.

آه ماذا يمكن أن أفعل، إنه قدر الله، يتذكر يوم قتل جنديين بخنجره، مشهد لا ينسى، لم يدع المحققون في جسده قيد أنملة إلا وتركوا أثرًا بارزًا، يوحي ببشاعة التعذيب لم يعد يأبه بتلك الآلام والجراح، فيكفيه أنه استطاع في الآونة الأخيرة الحصول على الدواء، وأي دواء.

إنه الشفاء لكل الأسقام، تحسس جيبه بيده اليمنى وأخرجه وقبله.

آه، كلام ربي، الحمد لله، كانت أوقاته تلاوة وذكرًا حفظ القرآن عن ظهر قلب.

إنها نعمة عظيمة، يسجد شكرًا لله، يطيل في السجود، يصحو على صوت الحارس.

عمران، هيا هيا.

ماذا هناك؟

أتاك الزوار، هيا بسرعة.

ينهض ويتجه بخفة نحو البوابة، يعبر مع الحارس دهليزً ممتدًا إلى غرفة الزائرين.

يدخل والشوق يخالط فؤاده لرؤية زوجته الوفية، المعتقلون يروحون ويجيئون لرؤية ذويهم، أمه زوجته وأخته ونساء أخريات أتين لزيارته.

أمي، أم بلال، أختي، ما أسعدني بهذه اللحظة، منذ مدة لم أراكن، كيف أنتن أيتها الغاليات.

ينهضن وقد تملكتهن لوعة الشوق.

عمران كيف أنت الآن؟

بخير والحمد لله، كيف أنتِ يا أمي؟!

ينظر إلى زوجته.

كم تتعذبين معي يا أم بلال؟!

رؤيتك تمحو كل أثر للعذاب يا عمران.

كيف بلال؟ لقد اشتقت له.

تلتفت أمه يمنة ويسرة.

خذ يا بني، هذه هي الملابس.

تخلع ثوبها في ظهر تحته ثوب آخر.

ترتدين ثوبين، رائع.

ينظر إلى الجندي خلفه، يجده مشغولًا يدخن سيجارة، يحطن به بينما يرتدي الثوب، يذهب مع زوجته إلى البوابة، تتقدمه نحو الجندي.

أيها الجندي، أين دورة المياه؟

يشير الجندي إلى نهاية الممر.

هناك على اليمين

ينطلق مع زوجته بسرعة، يخرج من بوابة السجن مع الناس دون أن يلاحظ أحد أنه عمران، يغادر السجن سريعًا فيستقل سيارة أخيه أحمد.

تنطلق بعد قليل صفارات الإنذار، يهرع الجنود للبحث عن السجين الفار، ينتشرون في كل مكان، تقام الحواجز العسكرية، تبدأ عملية التفتيش، تصل الأخبار إلى جنود السلطة، وتحاصر قرية سيلة الحارثية، تقتحم البيوت.

أين عمران؟ أين عمران؟

وتختفي آثاره ولا يعلم به أحد، يُساق أبوه وأخوه للتحقيق، يدفعان للسيارة العسكرية.

هيا تقدما.

يتمتم أحمد .

أوغاد لا تختلفون عنهم في شيء، تصل السيارة للمغفر.

انزلا للمثول أمام الضابط رشاد، إنه في انتظاركما، ويبدأ التحقيق.

اسمع يا أبا عمران، ابنك فر من السجن، وبقاؤه هاربًا مطاردًا في غير صالحه.

وماذا بإمكاني أن أفعل لكم؟

لابد أنك تعرف مكانه.

لا أعرف مكانه.

إننا نريد إنقاذه من اليهود، لو أمسكوا به.

قتلوه.

وكيف تنقذه أنت؟!

سنعتقله أيامًا ثم نهربه للخارج، أو يبقى عندنا مدة ثم نعينه برتبة مناسبة في دائرة الأمن العام، إننا نفعل هذا مع كل الشرفاء والمجاهدين.

وهل فعلتم ذلك مع محمود جميل وغيره ممن ماتوا تحت التعذيب في زنازينكم؟!

يمتعض الإجابة الشيخ، يشيح في وجهه عنه، يفكر قليلًا ثم يبتسم ابتسامة صفراء.

اسمع يا شيخ، إن ابنك لن يفلت من أيدينا أبدًا، وإذا ثبت ضلوعك في إخفائه فسنضعك في السجن، أفهمت!

يهز الشيخ رأسه بسخرية، منذ وطئت أقدامكم أرضنا ونحن نفهم هذا أيها الضابط!

تكلمني كما لو كنت يهوديًا.

افهمها كما تشاء، فنحن نخاطب كل من يضطهدنا بهذه الطريقة!

انصرف من هنا، انصرف.

تكثف السلطة مراقبتها للمنطقة، تبث عيونها في كل مكان.

أصوات السيارات البغيضة تقترب، إنهم قادمون، أسرع يا بني، أسرع.

يقفز عمران من النافذة، يخرج الناس إلى الشوارع لعرقلة الجنود أثناء المطاردة.

يتسلل عمران خارج القرية

يضرب الضابط رشاد بيده على مسدسه بعصبية.

فر منا مرة أخرى، أين يهرب، أين يهرب، من قبضتنا؟!

يعود أدراجه لمكتبه، يرن جرس الهاتف، يمسك بالسماعة.

ألو، من؟!

ينهض وقد بدت عليه الدهشة.

نعم سيدي.

كلا لم تقبض عليه بعد.

يهتز وكأنما تلقى لكمة في وجهه.

سنعثر عليه سيدي، أمهلني بعض الوقت.

ماذا نقول له؟ لا أدري يا سيدي، إننا نعمل بكل ما أوتينا من قوة.

ينكمش ويهتز لما سمع من سباب وشتيمة.

ماذا؟ حقًا! أوامر، حسنًا حسنًا يا سيدي.

يضع السماعة من يده، يطرق إلى الأرض، يدخل رجل بلباس مدني يلهث من الإعياء والتعب.

ماذا وراءك؟! تكلم!

اصبر يا سيدي حتى التقط أنفاسي،

هل عثرتم عليه؟

يلتفت يمينًا وشمالًا، يتقدم منه وهو يلهث، يهمس في أذنه.

لقد عرفت مكانه يا سيدي .

عمران.

نعم.

يضحك ويفرك يديه.

وأين هو ويحك؟!

ينظر من النافذة.

إنه في المغارة التي في الجبل هناك.

هيا معي فلا وقت لدينا.

تهرع سيارات عسكرية نحو الجبل، تتقدم نحو المغارة، تحاصر المكان، يترجل الجنود، يصعدون وينتشرون حول الجبل دون أن يصدروا صوتًا مخافة أن يفطن عمران لمكيدتهم.

يتقدم الضابط بتؤدة يرافقه بعض الجنود، يلجون بوابة المغارة بخفة.

يستيقظ عمران من قيلولته.

يهجم الجنود عليه، يمسكون بيديه وقدميه ويسحبون سلاحه، يوثقونه بإحكام، يضحك الضابط بملء فيه: أظننت أنك تستطيع الإفلات يا عمران ينظر إليه بغضب.

أو تظن أنك تستطيع الإفلات أيضًا يا رشاد.

هاها ها.

ومن الذي يطاردني حتى أخافه؟

إن ربك لبالمرصاد يا رشاد، أين أنت من الله؟ يتغير لونه، ينظر لأحد الجنود، يشير له برأسه.

هيا، نفذ ما اتفقنا عليه.

ولكن يا سيدي.

 نفذ ما أمرتك به، إنها الأوامر يا غبي، ألا تعلم، إنها الأوامر ولا مجال لمخالفتها. يخرج من جيبه سكينًا حادًا، يتقدم من عمران، يجثو على ركبتيه، يتردد صدى الصراخ في جنبات المغارة.

يعود الضابط وجنوده بعد قليل من حيث أتوا : إياكم أن يعلم أحد بالذي حصل

تعم الفوضى سيلة الحارثية، الناس مضطربون يتصايحون، الكل يحيط ببيت أبي عمران

ترى من فعلها؟!

ما الذي حدث يا ناس؟!

من دلهم على مكانه؟!

يخرج أبو عمران وسحابة من الحزن تطغى على محياه، ينظر إلى الجموح الغاضبة، يطأطئ برأسه إلى الأرض، يمسح دمعة تسللت من عينيه، لقد قتلوه، طعنوه في الظهر قاتلهم الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل!

شعر: أسامة أحمد البدر

المجرمون

كلما هب «الجريح» مجلجلًا

الله أكبر

كلما طفح الإناء بخسة

الكيد المدبر

كلما فجروا «بقانا»

و«الخليل»

و«كفر قاسم»

ضحت الأكوان غضبي:

أنت يا «بيريز» مجرم

كلما قامت مع الفجر

الحزين

نساؤنا لتلم شملًا

كلما انفلت «الوليد» يريد أن

يرمي من الأحجار حملًا

كلما دكوا بيوتًا

أفرغوا في «الطفل» غلًا

صاحت الآلاف تقسم:

أنت يا «باراك» مجرم!

كلما طاف الملائك حول

مسرانا

المبجل

كلما استحيا «المؤذن» غضبة الشعب

المكبل

كلما وطئ «الجبان» بجنده

حرمات «أقصانا»

وأشعل

حرقة في مهجة

المليار مسلم

رددت قدس الكرامة:

أنت يا «شارون» مجرم!

فليقولوا ما أرادوا:

هيكل أو مبعد أو حائط

المبكى لهم!

قدسنا - مهما أشادوا-

لن تكون بغير أيدينا الطهورة

مسجد الأقصى لنا

بالروح نستسقي جذوره

راية التوحيد سوف تقود

خاتمة الملاحم

كي تصون الطهر- بعد اليوم

من أرجاس مجرم!

شعر: أحمد ناجي

أعرب يا ولدي

قال المدرس

«عشق المسلم أرض فلسطين»

قال الطالب:

«نسي المسلم أرض فلسطين»

الأول: فعل مبني فوق جدار الذلة

والتهميش

والفاعل مستتر في دولة صهيون

والمسلم: مفعول

بل مكبول في محكمة التفتيش!

وأرض فلسطين!

ظرف مكان مجرور قسرًا

مذبوح منذ سنين

قال المدرس

يا ولدي مالك غيرت فنون النحو وقانون اللغة.

يا ولدي إليك محاولة أخرى

أعرب «صحت الأمة من غفلتها»

قال التلميذ:

الفعل ماض ولى، والمستقبل مأمول

والتاء ضمير تخاذل، ذل وهوان.

الأمة: اسم كان رمز النصر على أعداء الإسلام

وبات اليوم ضمير الصمت في مملكة الأقزام

وحرف جر الغفلة، غطى قلوب الفرسان

فباتوا للدنيا عطشى

شروها بأغلى الأثمان

الهاء: نداء رضيع

مات أسير الحرمان

قال المدرس: يا ولدي نسيت اللغة

و حرفت معاني التبيان

قال التلميذ:

أستاذي بل إيمان قل

وقلب هجر القرآن

نسينا العزة والتاريخ والأمجاد نصنعها

صمتنا باسم السلم وقد عاهدنا بالاستسلام

دفنا الرأس في قبر الغرب

وخنا عهد الفرقان

معذرة حقًا أستاذي

فسؤالك حرك أشجاني

ألهب وجداني

معذرة

فسؤالك نار تبعث أحزاني وتحطم

صمتي، وتهد كياني

عفوًا يا أستاذي

عفوًا يا أستاذي

نطق فؤادي قبل لساني.

الرابط المختصر :