العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1570)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1570
نشر في الصفحة 50
السبت 27-سبتمبر-2003
لغويات سياسية
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء حتى اللغة.. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة».
عجول.. فـي قلوب
عبد الله عيسى السلامة
قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: 93)، أي: سُقوا في قلوبهم حب العجل، كما تقول كتب التفسير.
ذاك عجل بني إسرائيل، الذي عبدوه في زمن موسى عليه السلام، بعد أن صنعه لهم السامري من الذهب..
لقد حرقه موسى ونسفه في اليم نسفًا، ومع ذلك، ظل مستقرًا في قلوبهم مهيمنًا عليها.. بماذا؟ بكفرهم.
فهل كان ذلك العجل وعبدته، حالة خاصة لا تتكرر، أم يمكن اتخاذ العجل رمزًا «فلسفيًا - اجتماعيًا - نفسيًا – أدبيًا»، ينطبق على كل حالة مشابهة في الزمان والمكان، وعلى مر الأجيال؟
لن نتطفل على مضمون الآية الكريمة، فنحمله ما لا يحتمل، من رموز ودلالات وإشارات.
وحسبنا أن نقتبس بعضًا من مفرداتها، ونستأنس ببعض مما تدل عليه أو تشير إليه.. ولن نتعدى حدود الاقتباس والاستئناس، فنقول بناءً على ذلك:
- إن العجل قد يكون «بقريًا» أو «بشريًا».
- وقد يكون فردًا عاديًا، أو امبراطورًا.. رجلًا أو امرأة.. صغيرًا أو كبيرًا.. عاقلًا أو أحمق.
- وقد يكون عاطلًا من الصفات والألقاب، أو محملًا بما ينوء به الجبل من الألقاب والصفات، ومغطى بالأوسمة والنياشين.
- وقد يكون فكرة ابتكرها المرء لنفسه أو ابتكرها غيره واعتنقها هو وبات يقدسها.. دون أن يكون لها في الأصل علاقة بأي مقدس من المقدسات.
- وقد يكون هوى من أهواء النفس هيمن عليها وطغى على لب صاحبها وقلبه.
- وقد يكون رمزًا من رموز الأدب أو الفن أو السياسة أو العلم، تضخم في لب المرء وقلبه حتى شغله عن كل ما عداه، وصرفه عن مجرد التفكير فيما إذا كان هذا الرمز يستحق التقديس أو حتى الاحترام، وقد يكون هذا الرمز حيًا أو ميتًا، بل ربما حظي بعد موته بتقديس لم ينله في حياته.
- وقد يكون العجل هو المرء نفسه - تضخم في نظر نفسه، فتشكلت لديه عقدة عشق الذات أو ما يسمى «النرجسية».. فصارت علاقته بنفسه علاقة تقديس أو عبادة.. فصار هو «عجل نفسه»، ولم يعد بحاجة إلى عجل مستورد من خارج ذاته: «اكتفاء ذاتي».
- وقد يكون العجل صفة من صفات المرء، أو ميزة من ميزاته، أو ملكة من ملكاته، أو موهبة من
مواهبه.
وهكذا تتعدد العجول وتتنوع بحسب القلوب «الأوعية» المهيأة لتقديسها، أو عبادتها من دون الله.
وغني عن البيان أننا لا نتحدث هنا عن العلاقة الطبيعية السوية بين الإنسان والموجودات المحيطة به من بشر وحيوان وجماد، وحتى لو بالغ المرء قليلًا، في حبه لشخص ما، أو إعجابه به، أو حبه لنفسه أو إعجابه بها، أو حبه لشيء - حيوان أو جماد أو فكرة - وإعجابه به.. فإن هذا كله يظل في حدود معينة، لا تصل إلى حد الإسراف والشطط، الذي يخرج بصاحبه من دائرة العقل إلى دائرة الهوس والوهم، وربما الخبل أو الجنون.
كما أننا لا نملك أن نغفل عن حقيقة مهمة وهي أن ثمة مصدرًا واحدًا لإضفاء القدسية على الأشخاص، والأفكار، والشعائر، والأماكن، والأشياء.. هذا المصدر هو الله سبحانه وتعالى خالق الموجودات، فهو وحده الذي يضفي القدسية التي يجب على البشر الالتزام بها تجاه أنبياء الله وكتبه، وشعائره وبيوت عبادته.. وغير ذلك مما يوجب على خلقه تقديسه وتعظيمه.
ولعل من الطريف أن المتأمل المدقق في شخصيات أصحاب القلوب التي امتلأت بحب العجول - على اختلاف أصنافها - سيكتشف أن هذه الشخصيات هي أقرب في تفكيرها إلى العجول، منها إلى البشر الأسوياء، وأن القلوب التي حلت فيها، لم تحل في كيانات بشرية سوية.. وعندئذ قد يسأل نفسه: أهذه عجول حلت في قلوب، أم قلوب حلت في عجول؟
وقد يتمثل بهذين البيتين:
حين تهـتز العقول
رب ذي لب يـقــول:
أعجول في قلوب
أم قلوب في عجـول؟
من يستحق وصف «المثقف»؟
محمد السيد
يقول فرانشيسكو روزي، المخرج السينمائي الإيطالي: «ينبغي أن تنجز أعمالك ليس بعين السائح» (1).
الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها، هذه الكلمات التي أوردناها آنفاً قالها رجل غربي، صاحب ثقافة وتجربة وتقنية فنية إبداعية، وهي حكمة يمكن أن نواجه بها الكثيرين من مدعي الثقافة في عالمنا العربي اليوم، الذين يتصدون للتنظير الفكري والثقافي، ينسجون منه ديباجات تحمل رؤية السائحين، هؤلاء الذين يختزنون وعيهم وثقافتهم في أعماق صدورهم، ليلامسوا من خلال تيارها الأرض وترابها وإنسانها بعين السائح العابر الذي يحتضن في ذاكرته خواطر وأفكارًا عن مشاهداته، لا تشكل بأي حال من الأحوال سوى نظرة سطحية ساذجة غير مطابقة للواقع في أغلب الأحيان.
وعلى طريقة المغلوب المنبهر بعروض الغالب ومرافعاته، أو على طريقة السائح العابر، يمضي مدعو الثقافة في الكتابة، لتقرأ بأم عينيك جلدًا للأمة، وإدانة لعقلها وثقافتها، وإخراجًا لها من تاريخ الثقافة والإبداع الأدبي والفكري والعلمي، ناظرين إلى هذا التاريخ بعين واحدة رمداء، لا ترى منه إلا صور القتال والفتن والصراعات على السلطان والنفوذ - مع أن مثل ذلك وبشكل أشد وأعتى حدث في جميع الأمم - ولم نر هؤلاء يختصرون تواريخ تلك الأمم ببعض من مشاهد تلك الصور القاتمة، بل على العكس من ذلك - نجدهم يبرزون من تلك التواريخ لحظات الإبداع وأخبار المبادرات المتقدمة، ويعيبون على العديد من مثقفي الأمة المخلصين لتاريخها وثقافتها المتميزة أنهم ليسوا سوى بكائي أطلال، يعيشون في الماضي، ولا يساهمون في إنتاج المستقبل، وهذه النغمة - إن أحسنا الظن بهؤلاء - لا تنطلق إلا من حنجرة سائح، لا يعرف طبيعة الأرض التي يزورها، ولا الخلفية الفلسفية للمشاهد التي يتفرج عليها، ولا التاريخ الذي ضم البشر القاطنين على الأرض التي يطؤها، وهي طريقة ونظرة كما ترى لا تستوعب اللحظة الحاضرة للأمة - إذ تقف اليوم في صف المغلوبين - حيث ينظر الناس العاديون إلى أنفسهم - من خلال المشهد الآني - نظرة دونية، وفي حين يُنتظر من المثقفين أن يكونوا الفكر النير والثقافة المخلصة، يشير واقع الحال بأصبع الاتهام إلى هؤلاء لأنهم كانوا أول من وقع في فخ التبعية والنظرة الدونية، بل وفي وحل الانبهار الذي شل كل محاكمة عقلية وفكرية عادلة، الأمر الذي جعلهم يدينون تاريخنا، ويفرغونه من كل فضيلة، ويدمغون عقلنا، ويصمونه بكل نقيصة، وذلك تحت شعار التحديث والنهضة، متناسين أن ذلك يحدث منهم تحت تأثير انبهار المغلوب بالغالب، عندما يكون المغلوب مغتربًا عن ثقافته مستهينًا بها، مسلوب الإرادة، مأجور التفكير، وإلا فإن المثقف المالك لإرادته، المنخرط في ثقافة أمته، الحريص على خصوصيتها وإبداعها، الراغب في خروجها من حومة التبعية والاستلاب، لا بد أن يتعظ بموقف المثقف الغربي «ألفار» الناقد لموقف مواطنيه من لغتهم وثقافتهم، ذلك الموقف المنبهر بثقافة العرب والمسلمين الفاتحين في القرن التاسع الميلادي، قال ألفار متألمًا: إنهم «أي قومه» يتملون بقراءة وروائع الخـيـال الـعـربـيـة، ويدرسون مصنفات علماء الكلام المسلمين، لا بقصد تفنيدها، بل من أجل التمرن على الأسلوب الصحيح الأنيق في العربية، وجميع الفتيان المسيحيين المبرزين لا يعرفون سوى اللغة العربية والأدب العربي، ويعلنون على الملأ حيثما وجدوا أن الأدب العربي شيء بديع.. ما أعظم الألم!
إنهم يقرضون من الشعر بالعربية ما يفوق من الوجهة الفنية أشعار العرب أنفسهم (2).
لقد كانت ثقافة العرب والمسلمين في القرن التاسع الميلادي هي الثقافة السائدة، وأهلها هم أصحاب الكلمة والقرار في ذلك الحين، ووقع الغربيون في حومة التقليد والانبهار بالحضارة والثقافة الغالبتين، لكن ذلك لم يمنع مثقفًا واعيًا حريصًا على خصوصية قومه من الوقوف في وجه الموجة، لينتقد ويوجه ويوقظ، فهل يخرج الكثيرون من مثقفي أمتنا من حيز الانبهار والتبعية إلى ساحة التحدي والتيقظ ليستحقوا حينئذ لقب «المثقف»!
الهوامش
(1) الحياة 14/9/2001م.
(2) القدس العربي 22/9/2000م.
واحة الشعر
لماذا انحنيت؟!
شعر: د. جابر قميحة
من وراء الغيب المجهول صاح طيف الأب المقبور، يتحدث إلى ابنه الذي أهدر تركة أبيه، ونقض وصيته:
ألم أوصيك الأمس قبل الممات
فأين وصاتي التي ما وعيت؟
وفيها كتبت: «تزول الجبال
ولا تنحني أبدًا» فـــانحنيت
وفيها «ستعصف هوج الرياح
فكن قمة صلبة» فانحنيت
وفيها «سيمتد ليل الأسى
فلا تبتئس بالأسى» فانحنيت
وفيها «يكون جفاف وجوع
فمت بالطوى شامخًا» فانحنيت
وفيها «انتصر بالثبات العتي
وبالصبر في عزة» فانحنيت
وقلت تجنب مخازي الطريق
ولكن لخزي «الطريق» انتهيت
وعانقت فيه الأفاعي الكبار
ومن سمها - يا غبي - ارتويت
فأين وصاة أبيك الذي
إلى دفء مهـجته قد آويت؟
وكم سهر الليل يحمي حماك
ويبكي دماءً إذا ما بكيت
ويحمل عنك هموم الحياة
ويرعى الذي بعده ما رعيت
عصيت وصاتي التي صغتها
بدمي، وللمخزيات مشيت
وكنت أظنك نعم الوريث
فكيف تبيع الذي ما اشتريت؟
فبعت جوادي الأصيل الكريم
وأمًا، وأختًا، وأرضًا، وبيت
وشعري بعت، ونخلي بعت
وسيفي ورمحي، وسرج الكميت
وبعت سريري الذي فوقه
ولدت وكم نمت حتى استويت
للص بغي، عتل زنیم
على قدميه - خسئت - ارتميت
فكيف تبيع التراث العزيز
بكسرة خبز ونقطة زيت؟!
وتاج من الشوك يُدمي الجبين
ووعد كذوب و«كيت وكيت»؟!
وعرش حقير، له لمعة
من البهرجات.. إليه ارتقيت؟
ولم تدر أنك حين اعلتيت
هبطت بما أنت فيه اعتليت
وفي موكب الذل صرت «الكبير»
ذليلًا، كسيح المسار مشيت
فلا تملك الأمر إما تشا
ولا النهي تملك إما نويت
وتصدع بالأمر إما أمرت
وينفذ أمر العدا إن نهيت
فلما سكرت بخمر الخداع
ومالت بك الخمر لما انتشيت
غدوت لغيرك أضحوكة
فليس سوى الخسر ما قد جنيت
وقلنا «اكتفيت بما قد جمعت
من العار» لكنما ما اكتفيت
فعن قوس أعدائنا قد رميت
فواحسرتاه على من رميت!!
بسهمك خر عزيز أبي
بجمرك قلبًا طهورًا.. كويت
أتحمي حياة العدو العقور
وأيضًا تراثي لهم قد حميت؟!
أأبكي عليك؟ أأبكي إليك؟
أأبكي علينا لما قد جنيت؟!
ففي غدك المسـتـبــاح الـجــريـح
ستصرخ «يا ليتني ما انحنيت»
ويرتد سهمك في مقلتيك
ولن ينقذ البيت آلاف «ليت»
فليس لما قد كسرت انجبار
بما قد جررت وما قد غويت
وتدرك - بعد فوات الأوان –
بأنك لما انحنيت.. انتهيت
وما دمت قد بعت حتى الحطام
ولم تبق أمًا، وأرضًا وبيت
فإني أخشى غدًا أن تبيع
عظامي، وقبرًا به قد ثويت
قضية الشكل في الأدب الإسلامي: قصيدة النثر نموذجًا «2 من 3»
د. حلمي محمد القاعود (*)
علينا أن نذكر بأن ظهور «الشعر المنثور» في لبنان، كان نتيجة لاحتكاك الكتاب اللبنانيين بالكتاب الغربيين وخاصة الإنجليز فيما يسمونه الشعر «الأبيض»، وهو شعر غير مقفى غير مقيد بالأوزان، وفي العقود القليلة الماضية، تأثر بعض شعراء السبعينيات في العالم العربي بقصيدة النثر في أوروبا عن طريق الترجمة، وقد اهتموا بكتاب «سوزانا برنار» الذي سمته قصيدة النثر، وترجموه إلى العربية في أكثر من ترجمة.
وإذا كانت قصيدة النثر في الغرب مقبولة لأسباب ثقافية وبيئية، ووجدت من ينظر لها ويقعِّد، فإنها في البلاد العربية مست عناصر مهمة في تشكيل الهوية العربية الإسلامية، وأوحت بفكرة خطيرة حول القرآن الكريم تسمح بالقول عنه: إنه شعر! ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ (الحاقة: 41).
إن فن العربية الأول يقوم على عنصر الموسيقى «خارجية وداخلية»، وإذا انتفى هذا العنصر صار نثرًا، ولا عبرة بالقول إن عناصر الشعرية الأخرى تغني عن عنصر الموسيقى، وقبل قليل رأينا الرافعي يصف الشعر العربي بأنه «صناعة موسيقية دقيقة»، فإذا انتفت هذه الصناعة فلا مجال للحديث عن الشعر المنثور أو النثر الشعري أو قصيدة النثر، والمصطلح الأخير «قصيدة النثر» يحمل تناقضاً واضحاً لا يحتاج إلى شرح.
ومع ذلك فنحن القراء نحتاج إلى وقفة - ولو قصيرة - مع الحجج والأسباب التي يسوقها من يروجون لقصيدة النثر بديلًا عن الشعر الموزون أو الشعر القائم على الموسيقى.
يرى أحد الكتاب أن قصيدة النثر هي فضاء الشعر الحقيقي، لأنها فضاء حرية لا نهائي، الحرية شرط للإبداع، والإبداع فعل خلق ولا يمكن أن يتم خلق حقيقي بدون حرية الفعل الكاملة. (1)
ويرى آخر أن شعرية القصيدة ليست مقصورة على زينتها فقط، كما كان يقال قديمًا. شعرية الشعر، كما يعتقد تنبع من عناصر عديدة إن توافرت بالنص توافرًا إبداعيًا يمكن للنص أن يكون شعرًا جميلًا حتى وإن خلا من الوزن الخليلي، ثم يضيف أن الموسيقى غير الوزن الخليلي فهي أشمل وأرحب من الوزن الخليلي، وتتحصل من الفراغ بين الفقرات طاقة الصورة من مرحلة إلى مرحلة علاقة الحروف ببعضها البعض، علاقات البنيان الشعري ببعضها البعض، التنافر والتناغم في مفاصل القصيدة، العلاقة بين أشكال فنية شعرية قديمة وحديثة. ويتحدث عن تحقيق الشعرية من خلال حرية المبدع في اجتياز كل الحدود، واختراق كل الأسوار والحجب، وكسر كل معتاد ثبوتي من أجل آفاق متنوعة للشعر، وأشكال خصبة ثرية منه، تبعد عن حديدية الشكل الواحد الوحيد. (2)
ويتكلم ثالث عن مرجعية قصيدة النثر، فيطرح مقولة إن القصيدة قانون نفسها، وإنها تخلق قانونها الموسيقي الخاص والنابع من حركتها الداخلية وضراوتها البنائية. (3).
ویرى رابع أن المستقبل لقصيدة النثر، لأنها سوف تكشف عورات ما هو آتٍ لتدمير الفاسد وفضحه، وأنها منذ الخمسينيات مع أنسي الحاج وأدونيس وتوفيق صايغ كانت على الهامش، وأنها سوف تكون من المتن؛ لأن أفق الحرية بها أرحب مع اللغة للتفتيش والبلاغة للتدمير، ومع الرؤيا لاقتناص شكلها. (4)
وبعد عشر سنوات من الكلام السابق يعيد أحدهم إنتاجه ويلخصه في الفقرة التالية:
«... قصيدة النثر هي الحل النهائي لخروج الشعر العربي من أزمته خروجًا تامًا، بل لا أكاد أكون مغاليًا إذا قلت إن قصيدة النثر هي نوع من زلزلة البنيان الراسخ الذي تجاوز أكثر من ألف عام في الكتابة المجانية، قصيدة النثر هي نوع من التدمير، وهدم وإبادة ذلك البناء الشعري الهش الذي احتفى بالثرثرة الفارغة أكثر مما احتفى بالشعر، ولم يكن الشعر العربي صادقًا في يوم من الأيام بمثل ما هو الآن، وأستطيع القول إن النص الديني كان عاملًا حاسمًا في ثبات واستقرار الأذن العربية عند هذه الحدود الدنيا من الكتابة، النص الديني حاول باستمرار أن يرسخ مستوى واحدًا من النغمية، لقد تحولت ثقافة الأمة إلى ثقافة سمعية، مع إهمال بغيض ومتعمد لكافة الحواس الأخرى، لذلك فإن الأذن العربية عليها أن تقطع شوطًا طويلًا كي تقف مع شعرية النثر ضد نثرية الشعر! نعم إنها تبدو کشبح غامض في مواجهة الماضي، المعبأ بالمنجز، والجاهز بكافة أسلحته التراثية ومقولاته التقدمية التي لا يريد أن يتنازل عنها أو يتزحزح بعيدًا عن مداراتها. إن هذه المدارات هي آخر خنادق البقاء التي يتمترس فيها النص القديم وحتى النص التفعيلي في نفس الوقت. إن الشعرية العربية وهي تترك قيمة القصيدة العربية وعمودها الراسخ تصنع شيئًا مختلفًا في هذه الذاكرة، فليس أمام الذاكرة العربية - والعقل العربي بالفعل - إلا أن يتغير، إنها نوع من خلخلة اليقين والراسخ والثابت. (5)
أهم مسوغات وجود قصيدة النثر- كما يرى أنصارها - يمكن تلخيصها فيما يلي:
أ- الحل النهائي لما يسمى أزمة الشعر العربي.
ب- هي هدم وكسر للثوابت وإبادة البناء الشعري الهش.
ج - النص الديني سبب كارثة الشعر العربي لأنه صانع الثقافة السمعية.
د - قصيدة النثر تصنع قانونها ونظامها وشكلها.
هـ . شعرية النشر ضد نثرية الشعر.
مشكلة أنصار قصيدة النثر أنهم يتناسون أن معظم نماذجها المعاصرة معتمة وغامضة ويصعب فهمها أو التعامل مع تراكيبها، فضلًا عن ركاكة كثير من نماذجها وتعقيدها، أضف إلى ذلك محدودية موضوعاتها، ووقوفها في الدائرة الرخوة وإذا عرفنا أن المسألة امتدت إلى كتابتها باللهجة الدارجة أدركنا مدى ما ينتظر الشعر العربي في مستقبله على يد «قصيدة النثر»، وفهمنا أنها ليست حلًا نهائيًا لأزمته بقدر ما هي أساس في صنع أزمة كبيرة للأدب واللغة والذوق العام.
إذا اعترفنا أن نصوصًا شعرية في الشعر ذي الشطرين وشعر التفعيلة، تمثل نثرية جافة، وثرثرة عقيمة، فإن معالجتها لا تكون بإلغاء هذا النوع أو ذاك، ولكن المعالجة تأتي من خلال الشاعر الموهوب المثقف الذي يحمل رؤية ناضجة وسليمة.
أما الهدم والكسر والإبادة عن طريق قصيدة النثر، فالمسألة لن تزيد الطين إلا بلة، لقد جاء المتنبي بعد أربعة قرون من امرئ القيس تقريبًا، ونظم على البحور التي نظم عليها، ولكن موهبته وخبرته وقدرته الاحترافية جعلته يعيد للشعر بهاءه وجماله وجلاله، ويعبر عن عصره وواقعه، والأمر كذلك بالنسبة للبارودي وشوقي ومحمود حسن إسماعيل، على تفاوت أيامهم وظروفهم، كل منهم أعطى للشعر وجودًا فريدًا ومتميزًا وباهرًا لسبب بسيط أنه شاعر حقيقي.
إن إلقاء تهمة الضعف الشعري على شماعة «النص الديني» هروب غير مسوغ من مواجهة الحقيقة، فالنص الديني المقصود هنا هو القرآن الكريم، وهو المعجزة الخالدة على مر العصور، وقد عرف العرب قيمته البلاغية وأدركوا إعجازه الفريد، ولم يستطيعوا تقليده أو تقليد بعض منه، وما زال حتى اليوم، وإلى يوم القيامة يمثل نموذجًا للبلاغة والتعبير لا يدركه أحد، وإن كان الجميع، شعراء وناثرين، يستلهمونه ويجدون فيه منبعًا ثرًا لتقوية شعرهم ونثرهم، إن الموسيقى ثقافة سمعية في الأساس لدينا ولدى غيرنا من الأمم، ولا أعتقد أن دق الطبول أو عزف الآلات يفترض ثقافة بصرية قبل الثقافة السمعية، الشعر فن العربية الأول، وهو يخاطب الأذن أولاً لأن ذلك من نسيج التكوين العربي، فيطرب المستمع للكلام الموزون المقفى، أما الكلام المنثور فيمثل فنوناً أخرى قد تحتاج إلى بعض الوسائط الموسيقية التي تساعد على ترسيخها، وزيادة تأثيرها، مثل السجع والجناس والطباق والمقابلة والتوازن والترادف ورد الأعجاز على الصدور... وغيرها.
إن النص الديني يدفع الموهوب شعريًا إلى الأمام، نحو الإبداع الجميل والتعبير الراقي، ويحميه من النثرية والثرثرة، والبناء الهش.. والمشكلة الحقيقية تكمن في الانبهار السلبي بما لدى الآخر، دون فحص أو تمحيص، كما أن الثقافة السمعية أو البصرية لا علاقة لها مباشرة بالموضوع.
قصيدة النثر إذًا ليست نتاجًا للثقافة البصرية ولن تقود إلى هذه الثقافة، فهي تفتقد المرجعية والنظام الأساسي، ومقولة إنها تصنع قانونها، بعيدة عن الصواب، لأن ذلك يخضعها لاجتهادات فردية تتعدد بتعدد كتابها، ونقادها أيضًا، ولا يوجد في حقيقة الأمر نوع أدبي بلا ملامح مشتركة أو مواصفات أساسية يرجع إليها القراء والنقاد على حد سواء للاستعانة بها في الفهم والتقويم.
إن قصيدة النثر حين تصبح بديلًا للشعر، فإنها تمنح حق ادعاء الشاعرية لكل من يكتبون، ومنهم محررو صفحات الحوادث والرياضة في الصحف اليومية، وأعتقد أن ذلك يقود إلى كارثة للنثر قبل الشعر، إذ من حق كل من يخط بضع كلمات أن يصبح شاعرًا مهما كان الذي يكتبه هامشيًا أو سخيفًا أو لا قيمة له على الإطلاق.
إننا مع الدعوة إلى تخليص الشعر من النثرية ومن الثرثرة، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نلغي الموسيقى لأنها عنصر أصيل وضروري في الشعر، أو كما قال الرافعي عن الشعر إنه صنعة موسيقية دقيقة.
الهوامش
1 - أحمد زرزور، الثقافة الجديدة، سبتمبر 1993م، ص76.
2- حلمي سالم، قصيدة النثر، شعرية الشعر، الملحق الأدبي، جريدة المساء 27/1/1993م
3- محمد بدوي، الكرمل، ع4/1984 ص 303.
4- محمد عيد إبراهيم، الثقافة الجديدة، سبتمبر 1992م، ص 76.
5- أحمد آدم، جريدة القدس العربي، لندن، 24/7/2002م «في حوار مع الجريدة)».
(*) رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة طنطا، مصر
الدكتور نجيب الكيلاني يبكي قبل رحيله مآسي القدس والعراق
صلاح حسن رشید (*)
تنساب هموم الأمة وآلامها وعذاباتها الراهنة عبر أشعار الدكتور نجيب الكيلاني في ديوانه «عصر الشهداء»، حاملة هاجس القلق والخوف مما أصاب الإسلام والمسلمين وما ينتظرهم من ليل حالك.. إن هم أداموا الخنوع والتبعية للأعداء.
ففي قصيدته «القدس»، تلوح أحزان الشاعر الكبرى للعيان بسبب سقوط الأعلام وموت الأنغام، وانهمار الدموع الطافحة من المآقي والجفون بفعل الغزاة الهمج الذين اغتالوا براءة القدس:
أحزان في دنيا الإسلام
سقطت كل الأعلام
ماتت فوق القيثار الأنغام
وتنوح قباب ومآذن
ينهمر دموعًا قلب المسلم
أشواق الروح قد اعتصرت
بأيادٍ حمر «همجية» !!
ويواصل نجيب الكيلاني رصده الفني الأليم لسقوط زهرة المدائن «القدس»، تلك المدينة الأبية، فيقول:
سقطت عذراء التاريخ الأعظم
في قبضة مومس
مقبرة صلاح الدين
ينبشها ذنب أجرب
وشواهد أيام الحرية
داستها قدم غجرية
والصخرة في قلب المسجد يتسلقها بغايا!!
ثم يفرد - بعد ذلك - د. نجيب الكيلاني أسباب استطالة بني صهيون علينا، وتعاليهم المادي والعسكري والتقني الحادث اليوم من منظوره الذي يشاهد المأساة على الصعيد العربي الإسلامي، وعلى الطرف الآخر المتمادي في الغي والغطرسة ومحاربة دين الله:
فلماذا لا تسقط في أيدي الفُجار
مدينتنا الشماء؟!
ولماذا لا يطرب «ديان»
ويدوس بأقدام قذرة
قدس الأقداس؟!
لم ينتصر الزحف الأسود
بل هُزمت أفراح الحق
في قلب الإنسان المسلم
واندثرت آمال الأحرار
خلف الأسوار!!
وفي قصيدته «ليلى المريضة» يرصد الكيلاني أوجاع مدن الإسلام، سواء في بغداد أو في الشام أو في القدس، أو في الحواضر الأخرى التي تنوء تحت الهوان والظلم والاحتلال، وكأنه يعيش بيننا اليوم:
ليلاتي في «بغداد» جد مريضة
تشكو اعتلال الروح والأبدان
ليلاتي في دنيا «الشام» عليلة
تبكي حطام المجد في «الجولان»
ليلاتي في القدس الشريف أسيرة
تبغي العفاف بدمعها الهتان
ليلاتي تائهة المنى محزونة
منكودة الآمال في عمان
ليلاتي في طول البلاد وعرضها
مسخ من الآلام والأحزان
أنا قادم أتلو ترانيم الهدى
مستعصمًا بالسيف والقرآن
وهكذا يردد نجيب الكيلاني في كل أشعاره أن قهر الأعادي والانتصار عليهم لن يكون إلا باستخدام سلاح واحد هو المصحف والقوة، وأن تحرير الأوطان والأمصار يبدأ من طريق الهدى والإيمان.
(*) خدمة مركز الإعلام العربي القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل