العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1522)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 50
السبت 12-أكتوبر-2002
قصة قصيرة من أرض الرباط
لا عهد لهم
عبد الناصر محمد مغنم.
بدت أحياء غزة وكأنها مقابر تنبعث منها رائحة الدم والدخان، تناثرت حجارة منازلها المدمرة في الطرقات نتيجة قصف مكثف مرعب، نفذته طائرات مغيرة لليهود خلال الليل، ظلت أصوات سيارات الإسعاف تُسمع طيلة الليل، وكذلك طلقات الرصاص.
وبالرغم من الآلام والأنين والجراح، كان صوت الأذان يجلجل في السماء مناديًا لصلاة الفجر، وكانت أصوات الديكة تصيح في الأجواء لتوقظ النائمين، خرج الرجال من منازلهم متوجهين إلى مسجد السوسي بالرغم من خطورة الموقف، توالت مشاهد الدمار وصور المأساة المؤلمة أمام أعينهم وهم في طريقهم إلى المسجد لأداء الصلاة.
قبل عبد الله يد أمه التي أيقظته من نومه لصلاة الفجر.
عبد الله: أمي، أنا اليوم صائم إن شاء الله.
نظرت إليه بإشفاق وهي تبتسم.
الأم: حسنًا يا بني وأنا كذلك صائمة إن شاء الله.
تهلل وجهه من الفرح.
عبد الله: إذن سنفطر سويًا، يا لفــرحـتـي، مــاذا ستصنعين لنا اليوم من الطعام؟
تناول المعطف ثم تطرق وتفكر.
الأم: ولا تهتم، دع الأمر لي، وسأجهز لك طعامًا شهيًا.
ينهض ويتهيأ للخروج.
عبد الله: اتفقنا، أنا ذاهب للصلاة الآن.
تنهض على إثره وتودعه وهي توصيه.
الأم: لا تنسَ حفظ سورة الروم، لقد وعدتني بذلك بالأمس.
عبد الله: وأنا عند وعدي، سأتأخر في المسجد قليلًا لأراجعها.
ويفارق أمه متوجهًا لمسجد السوسي الذي أحبه وتعلق به، ونهل من علوم حلقاته. وقف بجانب والده وصلى مع الناس بخشوع وسكينة، أطرق مفكرًا وغرق في تأملاته وهو يستمع إلى الإمام يرتل قول الحق -سبحانه-:
﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)﴾ (سورة التوبة: 8 – 10).
ظل بعد الصلاة يفكر في هذه الآيات الكريمة.
تمتم بصوت خفيض: لماذا يخونون شعبهم ويظاهرون اليهود؟
انتبه من شروده على صوت أبيه.
الأب: هيا يا ولدي، فالشيخ هناك.
نظر إلى زاوية المسجد فوجد الشيخ يجلس بين طلبة العلم ليسمع منهم ما حفظوه من القرآن، هب نحوه لتسميع سورة الروم، قضى وقتًا ممتعًا وهو يعيش حياة المؤمنين في ظلال القرآن، شعر بانتعاش ورغبة في الاستزادة، وما إن انتهى الدرس حتى كان قد استظهر سورة الروم، مضى نحو أمه يبشرها ويطلب منها أن تسمع له.
فوجئ بها واجمة مطرقة، نظر إليها بدهشة.
عبد الله: أمي، ما الأمر؟
أشاحت بوجهها عنه وجعلت تبكي، شعر بضيق وأقبل نحوها.
عبد الله: ماذا جرى يا أمي؟
قالت بصوت أجش.
الأم: قتل ابن خالتك سامي يا ولدي.
صرخ من دون وعي.
عبد الله: ماذا؟ سامي، غير معقول.
الأم: بلى يا ولدي، قتلوه الليلة عندما قصفوا الأمل.
يشعر بأسى ويسترجع: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ويسفر النهار، ويخرج عبد الله متوجهًا إلى مدرسته حزينًا كئيبًا، ويراه صديقه زهير فيطلب مرافقته، يمضيان بخطى وئيدة نحو المدرسة وهما يتحدثان عن ليلة الرعب وما حصل فيها من فواجع، يصلان إلى المدرسة فيفاجآن بالطلبة مجتمعين عند بوابتها في تظاهرة عارمة، يسرعان للانضمام إليها، يرددان الهتافات الغاضبة، وتمضي المسيرة نحو معسكر لليهود، وتزداد الجموع، وتقترب من الحاجز، يفاجأ المتظاهرون بصوت الرصاص ينطلق من خلفهم، تنهمر قنابل الغاز عليهم من فوقهم، يصيحون، تشيع بينهم الفوضى، يصرخ زهير: الخونة.
ينظر عبد الله بدهشة: أيعقل هذا؟
يمسك زهير بيده وينطلق يصرخ بألم: إننا محاصرون.
يقفان عند سور المدرسة وقد تملكتهم الحيرة.
يصرخ عبد الله: لماذا يطلقون الرصاص علينا؟
ينظر إليه زهير وقد بدت على وجهه الدهشة: كلهم يهود، إنهم خونة مأجورون، انتظر هنا حتى أستطلع الطريق.
يتولى ليبحث عن مخرج، يقف عبد الله بجانب السور وقد بدا عليه الاضطراب، يعود زهير وينادي صديقه.
زهير: عبد الله، هيا، من هنا.
يحمل عبد الله حقيبته ويهم بالتوجه نحو زهير، يصرخ زهير: عبد الله، احذر، إنه هناك.
يلتفت عبد الله يمنة ويسرة.
عبد الله: الله أكبر.
تعاجله رصاصة غادرة فتلقيه أرضًا، يصيح زهير بألم: عبد الله، مجرمون قتلة، يهود.
وتصل سيارة الإسعاف فيترجل منها شاب، ويحمل الفتى لنقله للمستشفى، وينطلق زهير نحو بيت عبد الله، يصل إليه بسرعة مذهلة، يطرق الباب، تخرج أم عبد الله فتفاجأ بزهير.
الأم: هل صحيح ما سمعناه يا ولدي، هل غدروا بالمتظاهرين؟
يبكي بحرقة.
زهير: نعم يا خالتي، لقد.
الأم: هل أصابوا أحدًا يا بني؟
يضطرب ويزداد بكاؤه.
زهير: لقد قتلوه يا خالة نعم قتلوه.
تصاب بالوجوم وينعقد لسانها.
الأم: قتلوه، من، من هذا الذي قتلوه؟
زهير: قتلوا ولدك عبد الله يا خالة.
تشهق وتترنح، تمسك بمصراع الباب.
الأم: قتلوا ولدي عبد الله؟
تنهمر الدموع، وتحمل الجموع جثة عبد الله، وتتوجه إلى مقبرة الشهداء لدفنه، وبينما كان شبان الحي يهيلون عليه التراب في مشهد محزن أليم، جلجل المؤذن بصوته الرخيم مناديًا لصلاة المغرب، كانت أمه تجلس في منزلها حزينة بين جمع من نساء الحي، سمعت صوت المؤذن فجعلت تبكي بحرقة، نظرت إلى وجوه النساء وقالت بألم: كان عبد الله صائمًا، وطلب مني أن أصنع له طعامًا طيبًا ليفطر عليه، ولكنهم لم يمهلوه، لقد قتلوه.
أجهشت بالبكاء، مسحت دموعها، رفعت رأسها.
الأم: هنيئًا يا ولدي، من يدري؟ لعله يفطر الآن في الجنة؟
واحة الشعر.
عيشوا على الرعب.
شعر: مصطفى عكرمة.
عيشوا على الرعب أو فلترحلوا أبدًا *** وإن أبيتم فإنا أمة الشهداء
عيشوا على الرعب، نحن القادمون لكم *** من كل فج لكي نستأصل الهوْدا
ألستم أصل ما في الكون من نكد *** لولاكم لم نشاهد في الورى نكدًا
ما ذرة من تراب دونه دمنا *** إلا ستلقونها من حولكم رصدًا
وسوف يغدو عليكم جلدكم رصدًا *** ينقض منه عليكم ألف ألف ردى
في كل آن، ومن كل الجهات، وفي *** قلوبكم سوف تلقون النذير عدا
سيوف حق على الظلم انتفاضتنا *** ولن تروا سيف حق فل أو عمدا
حب الشهادة فينا فطرة سلمت *** على الزمان، ولم نجزع لها أبدا
كانت لنا القدس مذ كانت أوائلنا *** ونحن ليس سوانا الناشرون هدى
نحن السلام، ونحن الأمن نمنحه *** لمن يصافي، ومن يفي إذا وعدا
الموت في الحق قبل العيش نعشقه *** فهو الأحب لنا، وهو النعيم غدًا
غزت أساطيلنا الدنيا وما ظلمت *** وكم عدلنا ولم نظلم ألد عدى
حتى أقرت لنا الدنيا طواعية *** وما رأينا لنا في الحق منتقدا
حسبتمو قتلة الأطفال ترهبنا *** وقاتل الطفل أوهى العالمين يدا
لو لم يكن قلبه بالحقد ممتلئًا *** لما أجد بقتل الزغب واجتهدا
ما أحقر الحاقد الموتور مندحرًا *** فزارع الحقد غير الذل ما حصدا.
دام مجد الطاغي رغم سطوته *** ولا ارتقى من على طغيانه اعتمدا
القوة الحق رغم الجاحدين به *** وما سوى الحق عبر الدهر قد صمدا
يا أيها البطر الطاغي تطير به أحقاده *** وهو لا يدري لأي مدى
أسرفت في الحلم لم تدرك عواقبه *** كم ضيع الحلم جهد الغافلين سدى
من طار في غير أجواء له خلقت يهوي *** ولكن بلا ريش به صعدا
ولو وعى الظالم الطاغي مظالمه *** لعاش من همسة المظلوم مرتعدا
أصمته عن سنة الرحمن قوته *** والكون من حوله بالبينات شدا
لملمَّجراحك والعقها على مهل *** والعن غرورك إذ لم تعرف الرشدا
لولا السلاح الذي للفتك تصنعه *** لما رأيت جحيم القتل متقدا
ما قوة قد طغت في ظلمها وبغت *** إلا وذلت، وأمسى بأسها بددا
إن هبت الريح تقصف كل عالية *** وليس تسكت يومًا بلبلًا غردا
عيشوا على الرعب يا من زدتمو بطرًا *** فلن تروا في غد من حولكم سندا
تصحو الشعوب وإن طال الرقاد بها *** وليس يصحو ضمير في الخنى رقدا
فلا تغرك يا شارون فرقتنا *** فنحن شعب على الوثقى قد اتحدا
وها هم فتية الأقصى قد انتفضوا*** وكلهم يرتجى لو كان في الشهدا
تزداد في كل يوم قوة *** وغدًا تلقون طغيانكم في سيلها زبدا
أما على الرعب عشتُم من حجارتها *** لم يجدكم كل ما أعددتم عددا
نعسًا لأسلحة فتاكة تعبت *** وما قدرتم بها أن تجبهوا ولدا
نادى الجهاد فلبته أوائلنا *** فانظر غداة ترى العملاق قد نهدا
إن لم نكن كلنا في ساح مسجدنا *** فروحنا لم تغادر ساحه أبدًا
مليارنا يفتدي بالروح حرمته *** وكلهم راغب في أن يكون فدا
غد التوحد آت لا ارتياب به *** وسوف تلقون ما معنى الجهاد غدا