العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1452)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 78
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 50
السبت 26-مايو-2001
لغويات سياسية
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء حتى السياسة».
مادة «حكم» في المعجم، لها اشتقاقات شتى، وتفريعات عدة.
ومنها: حكم يحكم، فهو حاكم.
و: حكم يحكم، فهو محكوم.
و: استحكم الأمر أو الشيء، توثقت الصلة بين أجزائه فقوي واشتد.
قال الشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتي ذرعًا *** وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت، وكنت أظنها لا تفرج
والحكم: هو من يحكم بين الناس في خصومة ما.
قال الشاعر المتنبي يخاطب سيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في محاكمتي *** فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم
والحكمة: هي تلك الملكة الرائعة التي يهبها الله بعض عباده، والتي فيها جماع الملكات الخيرة، النفسية والعقلية.
قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269).
والحكمة: حديدة اللجام التي تحيط بحنكي الحصان فتساعد على كبح جماحه، إذا شد الفارس رسن اللجام.
والحكومة: هي تلك المجموعة من البشر التي تشكل بمجموعها، وفق أسس وقواعد معينة، هيئة تتولى مباشرة أمور الناس في بلادها في المستويات العليا من السلطة، فيبتلى بها الناس، أو تبتلى بهم، أو تبتلى كل جهة بالأخرى، في حالة من العناق الودي أحيانًا، والقسري غالبًا، وقد يطول -العناق- أو يقصر حسب مقتضيات الظروف والأحوال، ولفظ الحكومة جاء على وزن فعولة، مثل: عمولة، سيولة.
فإذا اجتمعت «الحِكْمة» و«الحكومة» و«الحَكَمة»، في سطر واحد دون سياق لغوي يحدد العلاقة بينها، نظر في السياق الأخرى، سياقات الممارسة الفعلية للحكومة على المستوى السياسي الاجتماعي الأمني الاقتصادي الثقافي.
فإذا وجدت الممارسة حكيمة متزنة راشدة عد اللفظ مشتقًا من الحكمة.
وإذا وجد العكس، عد اللفظ مشتقًا من الحكمة «أي حديدة اللجام».
وإذا وجد الأمران معًا، «الحكمة وضدها» نظر في أشدهما بروزًا.
وألحقت بمادته المعنوية اللفظة «الحكومة»، أما المادة اللغوية «الجذر» «ح ك م»، فهي لا تتبدل.
وغني عن البيان أن اللفظين «حِكْمة- حَكَمة» ليسا ضدين، إنما الضدان هما «الحكمة ونقيضها، ولن نقول الحماقة، فهي خارجة عن السياق اللغوي» أما الحكمة فهي من لوازم كل ضد من الضدين، فالحكمة لا تستغني عن «الحَكَمة» في موضعها المناسب من ممارسة السلطة.
وضد الحِكْمة لا يستغني كذلك عن الحَكَمة بل -وهنا المفارقة- قد تكون الحكمة أظهر ما فيه، وربما كانت -حين تنعدم الحكمة تمامًا- كل ما فيه.
وهنا يأخذ الابتلاء منحى آخر، فيتحول من كونه ابتلاء شعب بحكومة فيها الخير والشر حتى لو كان ضرها أقرب من نفعها، إلى ابتلاء شعب ببلاء محض، يمكن تسميته كارثة، أو مصيبة، أو رزية، أو داء، أو أي تسمية أخرى تناسب السياق، سياق العلاقة بين الشعب وبلواه.
عبد الله عيسى السلامة
قصة قصيرة
نقوش على الفؤاد الصخر
بقلم: عبد الوهاب آل مرعي
عادت تنزع خطواتها الثقيلة نحو المنزل.
في يدها كيس يحوي حبتي برتقال، وفي عينيها کرتان صغيرتان من الدمع، وشفتها السفلى ترتجف وكأنها تريد أن تقول شيئًا ما.
ولكن ماذا عساها أن تقول؟
طفلها هيثم وحيد في المنزل، إنه ينتظر مجيئها بلهفة كي تخبره عن آخر تطورات صحة أبيه، الذي أصابته الطلقة منذ عشرة أيام وحياة أسرتهم تتقلب على الجمر، والبرتقالتان اللتان يضعهما البقال سالم في يدي سلوى أم هيثم هي القوت اليومي لهم، مع حبات الزيتون القديم والخبز الأشد صلابة.
سلوى لن تسمح أبدًا لدمعتيها أن تتدحرجا على خديها الورديين، ولن تسمح لهجير المعاناة أن يكسر قلبها، لأن تماسك الإنسان يكمن في صبره ولكن صلابته هي أن يتحول ألمه إلى تحد وعناد.
والإيمان وحده هو الذي يصنع التحدي والعناد، كلما لاحت أضراس الظلم، وسلوى تلاحظ أضراس الظلم السامة في كل مكان.
فتحت الباب الخشبي الرث الذي استبدت به من قبل دودة الخشب، وفزع نحوها هيثم.
تحولت صلابة سلوى إلى تحجر، وابتسمت في وجه هيثم
كيفك يا بابا، عسى بخير، أبوك صحته مليحة، تلكات الدمعتان كادتا أن تتدحرجا، أمسكت سلوى بكل أعصابها، يجب أن لا تتدحرج الكرتان الفضيتان من عينيها، خاصة أمام هيثم.
معي برتقالتان، أنت جائع، أليس كذلك؟!
عاد الصمت يلف أروقة الفم المتصنع للابتسامة، وعينا هيثم يجول بصرها في وجه سلوى ليقرأ كل أسطر الحقيقة المرة.
هات الزيتون والخبز حتى نأكل.
هيثم ابن السنوات التسع يقرأ في قسمات الوجه ويحلل، عيناه الواسعتان تدقق في جفن والدته الأيسر وهو يرف بخفة، لم يتكلم بكلمة ولكن نظره انكسر حين التقى بنظر والدته بدأت دمعتان صافيتان تتكوران في عينيه، وبدأت شفته السفلى ترتجف، اعتلجت في فؤاد سلوى ألاف المعاني.
وازداد حجم كرتي الدمع في عينيها، يجب أن تتحول إلى فولاذ صلب، سيبقى عنادها رادعًا لانكسارها، لن تسمح للكرتين بالتدحرج.
نظر هيثم لوجه سلوى، جفت دمعتاها بسرعة، ارتسمت ابتسامتها بسرعة.
يالله يا هيثم ألست جائعًا؟ أنا جائعة.
عاد هيثم ينظر لوجه والدته، فغر فاه قليلًا، نعس بعينيه في حزن ثم قال مرتجفًا
ماما أنا لا أريد برتقال، ولا زيتون ولا خبز، أنا أريد بابا.
بركان ثار في قلب الأم المسحوقة، بدأت حممه تتطاير على وجهها الباهت تكورت الدمعتان من جديد ودمعات أخرى من داخل العين تدفع بالكرتين، «يجب ألا يخرج الدمع حتى نأخذ بالثأر».
انهمرت دموع هيثم بغزارة، بدأ صدره يهتز أنا أريد أن أرى بابا، أريد أن أرى بابا.
جفت دمعات الأم تحولت إلى شبه صخر صلد، أمسكت بمنكبي هيثم، هزته في ذعر قالت له:
لا بد من الثأر، إياك أن تبكي حتى نأخذ بالثأر، إياك أن يرى أحد دمعك، نحن خلقنا كي نقاتل، ونسترد الأرض، أبوك مات هذا الصباح، مات شهيدًا، ويجب أن نثور بدل أن نبكي.
تناول هيثم البرتقال من يد والدته وقال صارخًا:
أريد قنبلة، أريد قنبلة.
فزع مسرعًا جهة المطبخ الصغير، فتح إناء الزيتون البالي، أمسك في يده تسع زيتونات، انطلق نحو والدته قال صارخًا:
أريد رصاصات تسع، أريد رصاصات تسع، أعاد النظر في عيني والدته جف دمعه فجأة تحول قلبه إلى صخر صلد، انطلق مسرعًا، فتح باب المنزل المتهالك وخرج، كان يحمل البرتقال ويحمل الزيتون، تبعته أمه، سمعت صوت البرتقال والزيتون وهو يرمي، وسمعت بعده صوت الرصاص والقنابل، ثم سمعت صوت الصراخ من فم هيثم.
حملت سلوى الحجر وانطلقت.
نتائج المسابقة الدولية الخامسة لفن الخط
إسطنبول- جيهان
أعلنت في العاشر من مايو الجاري نتائج المسابقة الدولية الخامسة لفن الخط التي افتتحها مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإسطنبول باسم الخطاط الكبير سيد إبراهيم، كما ظهرت نتائج «جائزة أرسيكا للتميز في فن الخط» بمناسبة إحياء الذكرى العشرين لتأسيس المركز، وقد دأب مركز الأبحاث على إجراء المسابقات الدولية بهدف الحفاظ على قيم وأساليب فن الخط الإسلامي وإحيائه عن طريق تشجيع خطاطي الجيل المعاصر.
بلغ عدد اللوحات المشاركة في المسابقة «۱۸۸٥» لـ«۹۰۹» متسابقين من «۳۷» دولة.
وبعد الانتهاء من عملية التصفية قامت هيئة التحكيم باختيار اللوحات الفائزة ووزعت ٢٤ جائزة و٥٥ مكافأة و٥٨ جائزة رمزية، ومن المقرر إقامة معرض للوحات الفائزة بمقر المركز في إسطنبول تعقبها معارض متجولة في بعض الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي، كما سيتم طبع كتالوج للوحات الفائزة في المسابقة التي تنظم بشكل دوري كل ثلاثة أعوام.
دماء على مشهد الخليل
شعر: سعيد شوارب
| جلستْ تَرْقُبُ الصغير على التل | وتصغي إلى بقايا النهار! | |||
| نفعت مشهد الخليل حكايا | من نهار، مُضرج، مُنْهار! | |||
| نقلت عينها الكليلة بين الليل | واليتم، والأسى والإسار | |||
| كفكفت دمْعَها، وزَمَتْ شفاهًا | مرة، أهِ مِنْ دموع العذاري! | |||
| عبرت أفقها الرؤى نازفات | وليال مفزعات عواري | |||
| أقبلت كالدجى الغَضُوبِ بنحس | عاصف الريح، قاصف مُسْتَطَار | |||
| اليهود! اليهود! يصرح شيخ | وتدوي رواجم، من نار | |||
| صخرة، طلقة، أبي! واستحمت | شرفة الدار بالدماء الغزار | |||
| وتجيب الديار، يَهْدِرُ بالتكبير | وَجْهُ مُلَثْمٌ، أَوْ عَارِي | |||
| وتطير الأحجار، يا روعة الأحجار | إِذْ يَسْتَجيب كل جدار | |||
| بوركت تلكم الأكف الجريئات | قُتلْنَ الجَبَانَ بالأحجار | |||
| ما رَمَى إِذْ رَمَى الصغار، ولكن | قَذَفَ الله بالأكف الصغار | |||
| عَقَدَ الحَزْنُ خَوْفَهَا، فَاطْمَأنَتْ | ما لحر في عِرْضِهِ مِنْ خِيار | |||
| ملأت صدرها صخورًا وراحت | في الرياح الغضابِ جَذْوَةَ نَارَ | |||
| يومَها يَوْمَهَا اسْتَحلُّوا عَذَابِي | واسْتَباحُوا ضَفَائِرِي، وعذاري | |||
| كَشَرُوا يومها، وجوه الشياطين | وَجَاسُوا بِهَا خلال الديار | |||
| ضجر، فالحياة ليل وقضبان | وصيحات عُزل وضواري | |||
| قلت: لا تضجري، إذا أَظْلَمَ الغيم | دنت فيه لحظة الأمطار | |||
| أو تباهى بطوله شَجَرُ الليل | تحدثه غضبة الإعصار | |||
| فإذا أرعد المساء، وطَارَتْ | في حواشيه، جمْرَةُ مِنْ نَارَ | |||
| لا تخافي، وهيئي الأرض للحرث | ورؤية من دم الأحرار | |||
| فتية هاجروا إلى الله، يشرون | دموع الأطفال، بالأعمار! | |||
| اصرخي، فَالسَّمَاءِ تَدَمْدِم سُخْطًا | لدعاء المهاجر الأنصاري | |||
| واسمحي بالجراح، وجـهـا أبـيـًا | يَعْربيًا، يموت كالأشجار | |||
| إنما تغسل الحقيقة بالدم! | لتبقى حقيقة الثوار! | |||
| جرحنا، حد خنجر بربري | أَرْهَفَتْهُ اليهود يوم الْفِجَارِ | |||
| كان لي إخوة- سَقَى اللَّهُ أَيَّامِي | على الدهر، جارُهُمْ خَيرُ جار | |||
| زَعَمُوا أَنَّنا كصخر وخنساء! | إِذَا هُمْ دَهْرُنَا بائتمار | |||
| عقدوا للجهاد في زبدة الليل | وحكوا أقفاءَهُمْ بالنهار | |||
| ثم راحوا يفلسِفُونَ خَطَايَاهُم | کأصحاب «يثرب» بالعوار | |||
| عَلِمَ اللهُ لَيْسَ فِي يَثرَبَ العار | ولكن في أهلها كل عار | |||
| قلت لا بأس إن فيهم صلاحًا | سَيُوافِي بِعَزْمَةِ الْمُسْتَثار | |||
| أين منا «صلاح»، معتصمًا بالله؟ | طال الأسى، وطال انتظاري | |||
| قلت: لا بأس فالذي خَلَقَ الظُّلْمة | لَمْ يَخْلِ لَيْلَهَا مِنْ دَرَاري | |||
| ادخلي كالقضاءِ مُسْتَنْقَعَ الْمَوْتِ | ولا تَرْهَبي بهِ، أَوْ تُداري | |||
| مَنْ أبوه «الخليل»، لا يَرْهَبُ النار | وَإِنْ كَانَ رأسه في النار | |||
| بالذي أنزل السكينة في قلب صغار | في رقة الأزهار! | |||
| لا تقولي قد مر عام، وعام | لا يُقاس الخلود بالأشبار | |||
| واصبري، يولد النهار من الحُلْكَة | فالليل مُؤْذِنَ بِانحدار | |||
من عجائب «المثقفين العرب»
١٤ «مثقفًا» منهم أدونيس ومحمود درويش يرفضون كشف أكاذيب المحرقة اليهودية وأمريكي يتصدى لهم!
قدم البعض الشاعر الفلسطيني محمود درويش على أنه شاعر الثورة الفلسطينية المناضل، وجرى التركيز على هذه الصورة الوردية حتى كاد الكثيرون يصدقونها، الشاعر المناضل، ضبط مؤخرًا في واقعة لا يحسد عليها فقد تزعم مع مجموعة من الحداثيين العرب الدعوة لوقف انعقاد مؤتمر كان مزمعًا عقده في بيروت، الغرابة في الأمر أن المؤتمر كانت مهمته المساهمة في كشف زيف أسطورة الهولوكوست اليهودي ضمن ما يسمى على استحياء المراجعة التاريخية، لكن درويش وزمرته، وفي وقت يسأم فيه الشعب الفلسطيني الهوان يتصدون للمؤتمر ويناصرون وجهة نظر عدد من المنظمات اليهودية في الغرب التي اعترضت على عقد المؤتمر.
والأغرب أن باحثًا أمريكيًا كان أكثر شجاعة من الحداثيين العرب فوجه إليهم رسالة احتجاج على موقفهم، فقد دعا مارك ويبر مدير معهد المراجعة التاريخية- كاليفورنيا والمتخصص في فضح أكاذيب اليهود عما يسمونه «الهولوكست» فتلك المجموعة إلى مراجعة موقفها الداعي لمنع انعقاد مؤتمر المراجعة التاريخية في بيروت، وقال في رسالة مفتوحة وجهها لهم إنهم بعملهم هذا إنما يخدمون المدافعين عن الدولة الصهيونية الذين يقذفون بهذا التعبير الرخيص «معاداة السامية» في وجه كل من يعارض سياسات الكيان الصهيوني الإجرامية.
وفيما يلي نص الرسالة
إلى السادة:
أدونيس «علي أحمد سعيد»- محمود درويش محمد حربي- إلياس خوري- جيرار خوري- صلاح ستيتي- محمد براده- جمال الدين بن شيخ- إدوارد سعيد «قيل إنه لم يكن على علم بفحوى الرسالة التي وافق على التوقيع عليها بعد حديث هاتفي» -دومينيك إده- فايز ملص- فاروق مردم بيه- خالدة سعيد- إلياس صنبر.
قمتم مؤخرًا بإصدار بيان عام طالبتم فيه السلطات اللبنانية بأن تفرض حظرًا على انعقاد مؤتمر المراجعة التاريخية والصهيونية الذي قام معهدنا بالمساعدة في الترتيب لانعقاده في الفترة من ۳۱ مارس إلى ٤ أبريل «ورد ذلك على سبيل المثال بجريدة لوموند الفرنسية في ١٦ مارس».
جاء نداؤكم بعد فترة وجيزة من قيام ثلاث مؤسسات يهودية صهيونية باستنكار المؤتمر وطلبهم من لبنان حظر انعقاده كانت تلك المؤسسات اليهودية على وجه التحديد هي: الكونجرس اليهودي العالمي World Jewish Congress، مجموعة مقاومة التشهير مركز Anti-Defamation League سيمون ويزنثال الدعائي Simon Wie-
Senthal Center
لم يكن مفاجئًا أن يمتدح سفير إسرائيل بفرنسا بيانكم علنًا، وقد قامت تلك المؤسسات اليهودية - ومعها حكومات أمريكا ودول أجنبية أخرى- بالضغط على لبنان لكي يفرض الحظر على عقد المؤتمر، وقد استجاب رئيس وزراء لبنان لذلك فأعلن في ۲۲ مارس عدم التصريح بانعقاد مؤتمر «المراجعة التاريخية والصهيونية».
إنها لضربة المساعي الحرية والسلام والعدل أن تطلبوا من السلطات اللبنانية حظر اجتماع سلمي خاص للعلماء والكتاب والباحثين مثل هذا الاجتماع يعد قانونيًا تمامًا بالسواد الأعظم من دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة.
لقد أدنتم المؤتمر دون أدنى دراية بمحتوى المحاضرات ودون معرفة على ما يبدو بشخصيات المحاضرين، إن بيانكم يوحي بصورة مهينة بأن الحكومة اللبنانية تنقصها القدرة على التمييز بحيث تعجز بمفردها عن اتخاذ قرار سليم مدروس فيما يتعلق بتاريخ القرن العشرين، إن من حق كل مخلوق أن يشكل رأيه الخاص المدروس عن حجج ونقاشات مراجعة التاريخ، فلا يجوز أن يكون للعرب مستوى لحرية التعبير أحط من مستوى الغالبية العظمى من دول العالم الأخرى.
لقد بررتم نداءكم بفرض الرقابة بالادعاء بأن مؤتمرنا سوف يكون معاديًا للسامية، إن هذا الأمر مخز إذا ما وضعنا في الاعتبار أن المدافعين عن الدولة الصهيونية يقذفون بهذا التعبير الرخيص في وجه كل من يعارض سياسات إسرائيل الإجرامية، لقد قام معهدنا دون هوادة، ولأكثر من عشرين عامًا- بمقاومة المكابرة والرقابة والقهر في سعينا الحثيث لنشر وتطوير الدراية التاريخية.
إن من بين المحاضرين باجتماعاتنا والكتاب بالنشرة الدورية للمراجعة التاريخية أساتذة Review Journal of Historica مرموقين من جميع بقاع العالم، منهم المؤرخ الفلسطيني عيسى نخلة الذي كتب «موسوعة المشكلة الفلسطينية» في جزأين وسامي هداوي صاحب «الحصاد المر: فلسطين ١٩٢٤- ۱۹۷۹م»، وشملت قائمة المتحدثين بمؤتمرات معهد المراجعة التاريخية المؤرخ الأمريكي جون تولاند الفائز بجائزة بوليتزر الأدبية وله كتب تاريخية عدة واسعة الانتشار، ومحامي الحريات المدنية المرموق الاسترالي جون بنت رئيس الاتحاد الاسترالي للحريات المدنية وعضو الكونجرس الأمريكي السابق بول مكلوسكي. يقوم معهد المراجعة التاريخية أيضاً بنشر النسخة الإنجليزية من كتاب العالم الفرنسي روجيه جارودي الأساطير المؤسسة »، والكتاب حجة وكشف دامغ حظي بالمديح بأرجاء العالم العربي.
فما رأيكم يا ترى في ضوء ذلك؟ هل ترون منع هؤلاء من الكلام بأي مكان بالعالم؟ أم أن الأمر قاصر على لبنان أو على مؤتمر ينظمه معهد المراجعة التاريخية؟ هل طلبكم فرض القمع والرقابة قاصر على لبنان؟ أم أن علينا أن نتوقع منكم طلبات لمنع اجتماعات مماثلة بفرنسا وكندا والولايات المتحدة وغيرها من الدول؟ هل تتوقع منكم الآن تأييدًا للحظر والرقابة على إصدارات المراجعة التاريخية من كتب ومجلات وإذاعات تمشيًا مع ندائكم لفرض الحظر على اجتماع المراجعة التاريخية والصهيونية- Revision ism and Zionism
إننا فخورون بالتأييد الذي نلناه من جميع الاتجاهات من قوم ينتمون لمختلف الاتجاهات السياسية والأصول العرقية والخلفيات الدينية، كان جون ساك من بين المتحدثين بالمؤتمر الثالث عشر المعهد المراجعة التاريخية بشهر مايو الماضي بكاليفورنيا . لقد كتب هذا الصحفي والكاتب الأمريكي المخضرم – وهو يهودي – تقريراً عن مؤتمرنا ذي الأيام الثلاثة نشرته مجلة إسكواير Esquire بعدد فبراير ۲۰۰۰م، رفض فيه الزعم والكذب المتكرر بأن معهد المراجعة التاريخية ومراجعي التاريخ مليؤون بالبغض أو صلفون مكابرون وقال عن المتحدثين والحاضرين بالمؤتمر إنهم قوم طيبو المعشر واسعو الإدراك أذكياء ومن المثقفين المفكرين، وقد أكد صحة العديد من ملاحظات ونتائج بحث مراجعي التاريخ.
لقد زاد الوعي بأرجاء العالم عن حملة الهولوكوست «المحرقة» وكيف أنها أحد الأسلحة الرئيسة بالترسانة اليهودية الصهيونية، يبررون بها ما لا يمكن تبريره من السياسات الإسرائيلية ويبتزون بها أموالاً طائلة من الأمريكيين والأوروبيين. بل إن عددًا من الكتاب اليهود الشجعان قد تكلموا ضد ما وصفوه بأنه ديانة «الهولوكوست» أو «عصابة الهولوكوست» أو «جنون الهولوكوست» أو «صناعة الهولوكوست»
يعمل معهد المراجعة التاريخية لنشر الوعي العام بالتاريخ، وقد أشار المعهد في نطاق ذلك إلى أن التشويه اليهودي الصهيوني لأحداث الماضي ليس قاصرًا على تاريخ فلسطين والشرق الأوسط وإنما يمتد شاملًا أكاذيب تاريخية عن تاريخ القرن العشرين لأوروبا. ربما كان الفلسطينيون أكثر الضحايا وضوحًا على الساحة الآن، لكنهم ليسوا الضحايا الوحيدين على الإطلاق، هناك الملايين من الأوروبيين من ضحايا التشويه المماثل لأحداث الماضي وضحايا حملة الهولوكوست على وجه الخصوص. علينا أن نلفظ هذا الكذب والتشويه التاريخي - الذي نبتت جذوره في بيئة ذلك الاحتقار اليهودي لغير اليهود من البشر- سواء كان ذلك الكذب عن الشرق الأوسط أو أوروبا أو أمريكا.
لو كانت آراء مراجعة التاريخ على تلك الدرجة من البساطة والسذاجة والخطأ - كما يدعي من انتقدونا- لما نالت تأييد أساتذة جامعات مثل: أرثر بتز Arthur Butz وروبرت فوريسون Robert Faurisson ومؤرخين مثل روجيه جارودي وهاري المر بارنز Harry El mer Barnes ونزلاء سابقين لمعسكرات الاعتقال مثل بول راسنيير Paul Rassinier لقد قرر هؤلاء إعلان رفضهم لقصة الهولوكوست التقليدية، معرضين أنفسهم بذلك للانتقاد واللوم العلني وما هو أسوأ، لم يكن ذلك لأنهم بلهاء أو لأن دافعهم خبيث وشرير وإنما لأن ذلك كان على أساس من التقييم المخلص والتفكير المتروي للشواهد والأدلة.
عليكم أن تتكلموا لصالح مراجعي التاريخ من ضحايا الظلم والمكابرة، بدلًا من أن توقعوا على بيان لا يخدم سوى إسرائيل والمصالح الصهيونية هؤلاء الذين يناقشون مزاعم الهولوكوست يعاملون معاملة المجرمين في عدد من البلدان، فيحكم عليهم بالغرامة أو يودعون السجون لأنهم يعبرون عن آرائهم بطرق سلمية بل ولأنهم يصدرون تصريحات واضحة الصحة، هذا بالإضافة إلى أن العديد من مراجعي التاريخ قد تم الاعتداء عليهم بدنيًا بسبب آرائهم، وقد تم اغتيال واحد منهم، حتى هنا بالولايات المتحدة تم الاعتداء بالضرب على البعض ووضع اليهود البعض بالقوائم السود، إن معهدنا قد تعرض للعديد من حملات العنف والكراهية، وقد تم حرق مكاتبنا في يوليو ١٩٨٤ في هجوم تخريبي لم يتم اعتقال أحد بسببه.
أبدى العالم اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي شجاعة وإقدامًا في عام ١٩٨٠م حينما دافع علانية عن حق حرية التعبير للمتشككين في الهولوكوست لم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة، رغم الانتقاد الشديد، لأن ذلك هو الموقف الأخلاقي الصحيح الذي لا يجوز سواه لأي مفكر أمين. أما الآن -وبعد ٢١ عامًا - نجد أنكم قمتم بوضع أسمائكم على قائمة مخزية تدعو إلى القمع الرسمي للمؤرخين المعارضين. إن فهم التاريخ يحتاج إلى النقاش المتعقل المفتوح وليس القمع والتنابذ بالألقاب، حتى لو تعلق الأمر بقضية مشحونة بالانفعالات العاطفية مثل قضية الهولوكوست إن تأييدكم المزري للقمع وفرض الرقابة على علماء مراجعة التاريخ سيبقى وصمة عار على سمعتكم، ونحن نطالبكم بمراجعة موقفكم.
مارك وبر
مدير معهد المراجعة التاريخية
ترجم الرسالة: محمد عبد اللطيف حجازي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل