; المجتمع الثقافي ( العدد 1377 ) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( العدد 1377 )

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

مشاهدات 110

نشر في العدد 1377

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

الشاعر الإسرائيلي الجميل جداً .. وفضائح المثقفين !

بقلم : د. حلمي محمد القاعود

تجليات «العولمة» أو تحويل العالم إلى ملعب تركض فيه حكومات العالم القوية، وصلت إلى بعض بلادنا العربية مبكرًا، وفي عالم الثقافة والأدب تحديدًا، فقد رأينا من يطلق عليهم شعراء، يقررون أن الأوطان لا قيمة لها، وأن عصر الحروب والعداوات قد انتهى، وأن اغتصاب الأرض والعرض لا معنى له، وأن المعنى ذاته بكل ما يحمله من قيم وأخلاق وحضارة وتاريخ وجغرافيا وفكر وثقافة لم يعد له وجود، وأنه سقط إلى الأبد، وأن علينا بعد ذلك أن نلحق بالأقوياء ولو كانوا أشرارًا وطغاة ومعتدين، بل نشارك جلادينا أفراحهم باحتلالنا وإذلالنا كما فعل البعض احتفالاً بحملة نابليون على مصر.

هذا ما فهمته مما نشر في بعض الصحف بمناسبة ما أطلق عليه المهرجان الثاني لشعراء البحر الأبيض المتوسط في مدينة «لوريف» الفرنسية، الذي انعقد هناك مؤخرًا، وحضره عدد من الشعراء المصريين مع شعراء من دول العالم بعضهم ينتمي إلى الكيان الصهيوني الغاصب.

بعض الشعراء المصريين قال: إنه قاطع شعراء الكيان الغاصب، ولم يقابلهم ولم يشارك في الأمسيات التي ألقوا فيها قصائدهم، ورأى هذا البعض أن من واجبنا ألا نترك الساحة خالية  لينفرد بها هؤلاء، وكأننا حقًا نملأ كل الساحات، فلم تبق غير ساحة الشعر هي الخالية.

البعض الآخر تكلّم على راحته، وتخلى عن كل المحاذير القومية والوطنية، فضلاً عن الدينية، ورأي أن الأمر في لقاء الصهاينة المعتدين لا يشكل مشكلة على الإطلاق، ولا يمثل قلقًا لهم ولا لغيرهم، فهم من إحدى دول البحر المتوسط، ومن حقهم أن يشاركوا في المهرجانات واللقاءات ولا غضاضة في معرفتهم، ولا صراع الآن معهم، ومن أراد أن يدخل صراعًا فليدخل.

ووصل الأمر إلى أن واحدة من المشاركات في المهرجان وصفت شاعرًا صهيونيًّا تعرفت إليه بأنه شاعر جميل جدًا، ولا أدري تمامًا ماذا تقصد بهذا الوصف!! أهو الوصف الروحي الذي يعبر عن جمال خُلُقه وسلوكه ومشاعره وإنسانيته، وليس له منها شيء؟ أم هو الوصف الحسي الذي يتمثل في شكله وطوله وقدّه ولونه؟ فضلا عن ذلك فإن الفريق الآخر يشيد ببعض الشعراء الصهاينة، ويرى أنهم يهتمون بمصير الدولة الديمقراطية في فلسطين أكثر مما يفعل ياسر عرفات وجماعته، وفي الوقت ذاته فإن هذا الفريق يحمل على المعارضين لتوجههم ويصفهم بالتجار والغوغائية والتفاهة وفئران الجحور، ويعلن في ثقة أنه لم يكن مهتمًا بالتعرف إلى شعراء عرب!!

والفجيعة فيما يقول هؤلاء معروفة، ولا أجد وصفًا مناسبًا لها، أو إني أجده ولا أستطيع الإفصاح عنه، لأن ذهولي أكبر مما يتصوره بعض القراء، وماكنت أود أن أعيش حتى هذا اليوم الذي أرى من يفترض فيه أنه يشكل هوية الأمة وعناصر المقاومة يدعو إلى الانهيار والاستسلام والانبطاح!

إن تاريخ الإنسانية والأمم والشعوب يقوم منذ قابيل وهابيل على صراعات بين معتدٍ وصاحب حق، وطامع ومطموع فيه، ولم يحسم الصراع إلا القوة التي يملكها طرف دون الآخر. وقد تكون القوة مادية أو معنوية .. ولكن يبقي صاحب الحق مطالبًا بحق ومصرًا عليه ومستردًا له حين تتوافر له أسباب القوة والغلب، يساعده في ذلك شعور قومي عام يصنعه المثقفون وأصحاب الرأي تخصيبًا لذاكرة الأمة وإشعالاً لها حتى تتهيأ الفرصة المناسبة، وفي التاريخ القريب أمثلة عديدة، منها ما جرى لليابان وألمانيا الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، فقد استسلمت الدولتان بعد هزيمة مريرة، ووقع كل منهما وثيقة استسلام مهين، ولكن ظلت الذاكرة القومية بفضل الكتاب والشعراء والفنانين تنبض بالأماني القومية، وتكرّس الهوية الذاتية حتى استسلم لها المحتلون استسلامًا عمليًّا في

مجالات عديدة مثل الاقتصاد والصناعة والعلم والاختراع.

لقد احتل الصهاينة فلسطين وأراضي عربية أخرى، ومازالت قوات الاحتلال تربض على أرض عربية، وتكبل شعوبًا عربية بالحديد والنار، وإذا كان بعض الحكومات قد وقع اتفاقات مجحفة مع المحتلين، فهل يعني ذلك أن تسقط الحواجز والحدود بين مثقفينا ومثقفيهم؟ وهل يقتضي ما جرى أن نتغنى بجمالهم المفقود؟ وهل معنى الحرية أن أفضل التعامل مع قاتلي على شقيقي؟

إن الأسئلة كثيرة، ولكن القوم يتغافلون في حمأة ذاتيتهم المقيتة سلوكيًّا وأدبيًّا، عن خطر داهم، يتناسونه بحجة عدم البحث عن جنسية الآخر .. في الوقت الذي يقيم فيه هذا الآخر بنيانه الثقافي ووجوده الفكري على العنصرية بكل تجلياتها العدوانية الوحشية البغيضة.. إنها دين يتلوه في كتابه المقدس، وصلواته اليومية، وتطبيقاته العملية في السلوك اليومي، تحت دعوى أنه «شعب الله المختار»، وما يحدث لأشقائنا في فلسطين ولبنان والجولان يوميًّا خير برهان على العنصرية العدوانية.

لقد تأملت المجموعات التي تُدعى إلى المؤتمرات الغربية وتلقى حفاوة العرب على مدى العقود الأخيرة، فوجدت أن معظم أفرادها ينتمون إلى النوع الذي يصادم الأمة في معتقداتها وتصوراتها، ويوالي الغرب فكرًا وتطبيقًا، ويعيش لنفسه أكثر مما يعيش لوطنه، فلم يؤثر عن هؤلاء الأفراد في أغلبيتهم الساحقة موقف ضد الأعداء أو المستبدين الذين ينكلون بشعوب الأمة، ولم يدفعوا ثمنًا قليلاً أو كثيرًا لموقف مشرف أو موقف جميل، ثم إن معظمهم في نهاية الأمر لا يملك موهبة ساطعة بقدر ما يملك جرأة في ميدان العلاقات العامة تحقق له بعض المكاسب والمنافع نظير طعن الوطن والأمة والدين جميعًا.

قراءة في حصاد الفكر (90)

هذا العدد من تقرير حصاد الفكر يستدعي الأبعاد الخفية من الصراع العربي - الإسرائيلي ليلقي عليها الضوء ويراجع حدود حضورها وأهميتها في التسوية السياسية.

كما يناقش قضية الشرعية الدولية في القضية الفلسطينية من خلال أربع دراسات تلقي الدراسة الأولى «التسوية الصعبة» للمؤلف عدنان السيد حسين الضوء على مسار التسوية السياسية للصراع ومنعطفاتها في مؤتمر مدريد وما بعده، واتفاقية أوسلو والتطورات المترتبة عليها في إطار العملية السلمية، وتؤكد صعوبة هذا المسار في ظل عجز العرب واستمرار اعتداءات إسرائيل وإهدارها للحقوق الفلسطينية والعربية، وتطويع قواعد القانون الدولي والمواثيق الدولية لحسابها وخدمة مصالحها.

أما الدراسة الثانية فهي بعنوان: «القضية الثقافية في زمن التسوية السياسية» من تأليف د. إبراهيم البحراوي.

وعن الرؤية الإسرائيلية للصراع مع سورية ضمن مسلسل الصراع العربي – الإسرائيلي يكتب موشيه هاعوز - إسرائيلي - تحت عنوان: «سورية وإسرائيل من الحرب إلى صناعة السلام».

وتغوص د. إيمان حمدي في أعماق «معسكر السلام الصهيوني» بالتحليل والنقد لتعكس لنا أصوله الفكرية ومدى قوته وعيوبه وإمكان تأثيره على مسار الأحداث مستقبلاً.

وفي باب سياسة واقتصاد يعرض التقرير لكتاب بعنوان: «الارتباط العاطفي» ويتتبع مؤلفاه جورج بول، ودوجلاس بول تاريخ تورط أمريكا مع إسرائيل منذ عام ١٩٤٧م، وحتى الآن رغم تحذيرات الرئيس الأمريكي الأسبق جورج واشنطن من قيام أي ارتباط عاطفي أو كراهية متأصلة تجاه أمة أخرى.

ويعد الأساس الأخلاقي للأمة عنصرًا مهمًا من عناصر قوتها وصمودها في الصراع العربي- الإسرائيلي، وحول معالم هذا الأساس الأخلاقي من سورة آل عمران يقدم أ. يوسف كمال رؤيته وتصوره لجوانب الإعجاز في القرآن الكريم وإسقاطه على البُعد الأخلاقي للأمة.

ويقدم د. عدنان علي رضا النحوي دفاعه عن اللغة العربية باعتبارها محور هوية الأمة وانتمائها ودالة اتصالها بالآخر، وأحد عناصر قوتها في المعارك المصيرية.

قضية القدس

شعر : شريف قاسم

  

قضية القدس مازالت بأيدينا 
إنًّا وإن غُلُت الأيدي لموعدُنا 
واللهُ - جل جلال الله - ناصرنا 
عشنا نلبي رسول الله قائدنا 
ما ضرَّنا الناسُ إن ضلوا وإن وهنوا مجاهدون بعصر فيه ما برحت                          تقاعس الناس حتى بات أكثرهم 
كانهم لم يروا مجدًا يعاتبهم 
لولا البقية ممن شد أزرهمو 
بالله نسعى وفي آياته عبر 
نعود بالدين والبشرى بمصحفه
لا ينبتُ المجد إلا في مزارعنا 
ألم نورُ الهدى يروي لنا ظماً 
جلتْه في ليلة الإسراء لهفتنا 
يحيي بأنواره ما مات من قيم 
على دم الشهداء الصِّيد طلعته 
وقومنا ويحهم لجوا بمفسدة 
وما جنوا من أعاديهم - وكم خدعوا . خمسون عاماً وقد ندري بما رسمت           أب شهيد وام بعد شاكلة
 واحسرتاه على قومي وكم بذلوا         عاشوا على الوهم  لا ضلت رواحلهم             مثل اليتامى أناخوا حيث تصفعهم                      وقلبتهم أيادٍ غير طاهرة 
من يأمن الذئب لم يحرم مخالبه 
لقد تداعت علينا في الورى أمم 
هي الليالي . كما قد قال قائلنا - 
كنا وحسبهمو ما قال قائلنا: 
جاؤوا لملحمة - لا ريب – آتية               توضأت بطهور الفتح وابتهلت 
خلت جوانحنا من حقد شانئنا
غداً لقانا وأرض القدس موعدنا

 

 

 

فلا يغرّنك مَنْ بالوهم يهذونا 
ساحُ الفداء فما نامت مآقينا 
واللهُ - عز جنودُ الله . يحمينا 
والموت في الحق من أسمى أمانينا لأن من قدر الأقدار يهدينا 
أعتى مناجلهم تطوي مغانينا 
إلى اللذائذ والأهواء يمشونا 
وهم بأوهامهم والعار يلهونا 
ربُّ البرية فاعتدوا ملبينا 
تتبر اليوم ما قد كاد يغرينا
وعودة الفتح رؤياه تواتينا 
ولا تفيض المنى إلا بوادينا 
إلى الصباح الذي ترجو مراقينا 
وما جنى إرثه إلا المصلونا 
وينبت الحقل ريحانًا ونسرينا 
تحكي وتروي صدى ما كان يجفونا وساوموا الظالم الملعون غادينا 
إلا السراب وعادوا منه يشكونا 
أيد، وكم خنقت ليلاً أمانينا 
وبنتها، واخ اشجته خمسونا 
كأنهم وجدوا في الساح حطينا وجالسوا الكرب في الدنيا مساكينا كفُّ الهوان، وقد كانوا ميامينا 
في الشرق والغرب غفلاً ليس يدرونا أن يستبيح أذاها - الحق - موهونًا ؟!! كانت تهاب إذا جئنا الميادينا 
بين الورى دول فاسأل ليالينا 
هذا التفاوت يُخزيهم ويُعلينا 
حتى يروا حتفهم يأتي بأيدينا 
لله أن ينصر الأبرار والدينا 
وأشرقت بالهدى الأسنى مغانينا
مهما تنمرد واستعدى أعادينا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الشاعر مصطفى عكرمة:

الحداثيون لايبتغون تجديدًا في الأشكال والتجارب .. إنما يتولون كبر الانقضاض على ثوابت الأمة.

-    نعاني من عجز في الأشكال الإبداعية.

-    إذا ضاعت الثوابت من أي فن.. فلا فن من أساسه.

-    كل مبدع لم يطمس فطرته السوية، أو ينأى بها عن مكارم الأخلاق.. يعتبر إبداعه إسلاميًّا.

القاهرة : محمود خليل

الانحياز للأدب لا يكون برفع الشارات والرايات ولا الأسماء والتسميات.. إنما بالولاء والانتماء.. مع موهبة عالية فياضة.. في آفاقها السامية، وتجاربها الموغلة في العمق والأصالة والإبداع.. وبدون ذلك.. لا يجب أن نتحدث أو نحدث.. وضيفنا واحد ممن يملكون هذه الخصوصية في التعبير عن الأدب الإسلامي.

الشاعر مصطفى عكرمة.. من مواليد سورية عام ١٩٤٣م، له خمسة عشر ديوانًاً من الشعر الإسلامي... أشهرها ديوان «فتى الإسلام» في أجزائه الأربعة.. وهو متمرس بالفنون الإبداعية الأخرى كالمسرحية الشعرية التي أبدع فيها للأطفال خمس مسرحيات أهمها مسرحية «جند الكرامة» التي فازت بالجائزة الأولى لوزارة التربية السورية عام ١٩٧٢م... وله مسلسل «دروب النور» الذي أخرج في ثلاثين حلقة، كما كتب خمسمائة حلقة إذاعية للطفل.. ومائة وخمسين حلقة من برنامج «تسابيح شاعر».

رددنا له:

شدُّوا بالكف على الكف

                                      ياجند المصحف والسيف

وتعالوا نبني أنفسنا

                                     ونرصّ الصف إلى الصف

.. كما رددنا معه :

فتى الإسلام يا أملاً

                                    به الأيام تبتسم

ويا عملاً على التقوى

                                     به تتزايد النعم

     التقيناه بالقاهرة.. وكانت هذه المحاورة.

·       ما تعريفكم للأدب الإسلامي؟

o  هو الأدب الذي يبني الحياة متناسقة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها .. وهذا لا يمنع أبدًا من أن يهتم الأدب الإسلامي بتجميل الحياة، فليست الفطرة التي فطر الله الناس والحياة عليها هي تلك الطبيعة الجامدة التي لا تعرف الحراك، ولا تقبل التناغم مع المبدع، كلا.. فإن الله جميل يحب الجمال.. ومن ثم فإن الأدب الإسلامي هو التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفقًا للتصور الإسلامي لها.

·   يرى البعض أن الالتزام الإسلامي. والتقيد بضوابط الحلال والحرام.. إنما يضيق الآفاق الإبداعية؟

o  هذا كلام قديم.. جديد.. وكلما ردده مردده...ازداد مع الأيام سخفًاً وسماجة.. ذلك لأن التصور الإسلامي يفتح مغاليق الأنفس والآفاق.. ويتجاوز الأزمنة والأمكنة.. إنه عالم رحيب.. ولا يعرف الشوق إلا من يكابده.

وأنا شخصيًّا كتبت جميع الأنواع الأدبية باستثناء الرواية الطويلة.. ولم أجد في كل ما كتبته عن التصور الإسلامي.. وما أحسب أنني كنت بعيدًا عن الإبداع فيها .. على العكس تمامًا مما يطرحه هؤلاء...!! فإن التصور الإسلامي يكون خير معين للمبدع، لأن الإبداع في مبتداه ومنتهاه وعي، وإذا غاب الوعي غاب الإبداع.. ومن ثم فإن التصور الإسلامي، يأتي في أعلى تجلياته، عندما تتضح أمام المبدع آفاق التجرية الإبداعية، وتبدو أماراتها من بعيد.

·   كتبت كثيرًا تحت عنوان «فتى الإسلام»، فما الذي جعل هذا الاسم يروق لكم، وما الرسالة التي تنشدونها من ورائه؟

o  بالفتوة المؤمنة الواعية التي التفت حول الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بعدهم من الصالحين، انتصر الحق، وانتشر العدل، وخلصت المجتمعات من المظالم والمفاسد.

فالفتوة المؤمنة الواعية مصدر كل خير ودعامة كل صلاح.

ولقد كان واضحًاً في ذهني، وأنا أصدر سلسلة «فتي الإسلام» قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِرِ﴾ (الحج : 41) إن صورة «عباد الرحمن» كانت واضحة في ذهني يوم شرعت في كتابة هذه السلسلة... منذ أكثر من ربع قرن.. ومازلت قائمًاً على هذه الثغرة محاولاً تأدية الواجب الذي أحسبه كبيرًا وخطيرًا، لأن الساحة الخالية لاتزال تنتظر عباد الرحمن، فتية الإسلام. أحاول أن اقترب من صورتهم، ومن حقيقة ماهم عليه من إيمان، وما هم له من إعداد، وما هو مأمول منهم من أعمال ومسؤوليات تليق بتميزهم وهم الذين أناجيهم واحدًاً واحدًاً.

فتى الإسلام يا أملاً

                                    به الأيام تبتسم

ويا حلمًا تمنته

                                    بلاد ضحكها ألمُ

ويانغمًاً ترجيه

                                      نفوس كلها عدم

ويا عملاً على التقوى

                       به تتزايد النعم

ولهؤلاء الفتيان أيضًاً كتبت مسرحيتي الشعرية «جند الكرامة» التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة المسرح المدرسي لوزارة التعليم السورية عام ١٩٧٢م.

أدب الحياة والأحياء

·   لكن لماذا ترى الكثير من المبدعين الإسلاميين يقصرون عملهم على أدب «الصوت العالي».. وكان الأدب الإسلامي هو الصوت الجهير، أو الانشغال بالنبرة الصارخة؟

o  سبق أن قلت إن الأدب الإسلامي أدب الفطرة السوية التي فطر الله الناس والأشياء عليها .. وبالتالي فإنه يتسق ويتفق مع كل مكونات هذه الفطرة مهما كان الغرض المقصود للتجربة الإبداعية بسيطًا أو صغيرًا .. لكنه بتعميق الإحساس به، وحسن التعبير عنه، تراه يأخذ مكانه اللائق في كون الله اللامحدود .. وبالتالي ترى التجربة أمامك وقد بدت ذات آماد وأبعاد لا منتهى لها.

أما كون «الصوت العالي» و«النبرة الصارخة» سمة تغلب على إبداع البعض، وتشغله عن المضمون الفني البديع - كما أشرتم - فهؤلاء مبدعون لهم في ميزان الرؤية الإسلامية أمر من ثلاثة:

- إما أنهم لا يفهمون حقيقة الإسلام.

- وإما أنهم لا يفهمون حقيقة الإبداع.

- وإما أنهم يفهمون الإسلام والإبداع، ولكن لا يملكون الموهبة.

الإسلام، برؤيته الكلية للأشياء والموجودات . ومن بينها الأدب - هو التفاعل والتعامل الرائع الجميل مع كل ما في الحياة والأحياء من معان... وبث الروح فيها وبنائها برفق ولطف وحنان وجمال.. وعن هذا الجمال قلت يومًاً :

إلهي أنت أبدعت الجمالا

                           وما أغفلت من حسن مجالاً

فما من ذرة إلا رأينا

                              بها .. وبما أردت بها الكمالا

مع الموروث

·   قضية الشكل.. من القضايا الأدبية التي تطرح نفسها كل يوم على ساحة الإبداع.. وفي كل يوم نجد انفلاتًا بخصوصها هنا وهناك.. ما رؤيتكم في ظل الحرية التي ينظر بها الأدب الإسلامي للافق الإبداعي شكلاً ومضمونًا؟

o  أنا مع الموروث.. لأن الإبداع يكون في المضمون وليس في الشكل.. فالشعر مثلاً .. لدينا فيه البحور الخليلية.. وما تفرع عنها وهو أضعاف أضعافها، لا يمكن أبدًاً أن يضيق بإنسان مهما كانت طموحاته.. إن كانت طموحاته سوية.. لدينا عمر أبو ريشة ومحمود حسن إسماعيل... وعمر الأميري وأسماء لاتنتهي خاضوا أرقى التجارب.. ولم يتورطوا أبدًاً في اعتساف تجربة أو ابتسارها لأن قالبًا إبداعيًّا ضاق بها.

والأمر ليس أمر الإبداع.. إنما هو أمر الخروج على الموروث .. نعم.. نحن لا نتعبد الله بالموروث جميعًا .. ولكن لكل فن ثوابت.. وإذا ضاعت ثوابت أي فن.. فلا فن من أساسه... واسمح لي أن أذكر لك هذه القصة المؤلمة.

في عام ۱۹۷۰م كتبت قصيدة توجهت بها إلى جندنا المرابطين على الحدود.. والذين خاضوا معركة «حزيران الكبرى عام ۱۹۷۰م» وكانت معركة مشرفة.. استمرت ثلاثة أيام.. وردت لنا شيئًا من كرامتنا المفقودة ... كتبت إلى هؤلاء الجنود قصيدة طويلة منها :

تقّحم فديتك تلك الحدود

                          ولا تعبان بتلك الحشود

تقحم فإن الحدود هباء

                                إذا ثار للمجد منا الأسود

لئن راح إثر الشهيد الشهيد

                              فعن دربه كلنا لانحيد

فراية «عقبة» في كفنا

                               وفي زحفنا خالد بن الوليد

وألف «مثنى» وألف «صلاح»

                            ينادي تقحم - فديت - الحدود

وتقدمت بها إلى الإذاعة السورية.. لتكون كلمة من أخ في الموقع الثاني إلى أخيه في الموقع الأول.. فإذا بالمسؤول إياه.. ينظر في القصيدة.. ولمجرد أنها من الشعر العمودي.. يشيح بوجهه ويقول لي باللهجة السورية :«أنا وقت اللي بشوف شاب مثلك عم ينظم بيت شعر كلاسيكي واحد، أشعر إن «أرض» ثانية احتلت من بلدي».

فالقضية ليست ثورة على الأشكال.. إنما هي ثورة على ثوابت الأمة من دين ولغة وتراث وأعراف وتقاليد، يتولى كبرها الحداثيون.

إسلامية المبدع أم إسلامية الإبداع؟

·   بهذا الخصوص... البعض أيضًا يرى أن الأدب الإسلامي يقوم على انتقائية مذهبية.. فهل القضية هي إسلامية المبدع... أم إسلامية الإبداع؟

o  هذه الانتقائية المذهبية أولاً: شرف كبير. ولكن متى نقولها؟ لا نقولها إلا لمن تولى... ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾لكن قبلها ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَاٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ﴾ (آل عمران: ٦٤) فلماذا يرفض البعض هذه الكلمة السواء السوية... لا يقول بغير هذا إلا جاهل أو عاجز .. عجز عن أن يرى نور الشمس فأنكر فيها الضياء.. والعجز ليس في الشكل، إنما فيمن يختار الشكل أو ينكره.. وطالما هناك إنسان سوي.. لا يرتج عليه القول، ولا تنتكس لديه الفطرة السوية.. ولا تضيع في تجربته.. فإن أدبه أدب إسلامي.. فرسولنا قد قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. فكل قول يعتبر من مكارم الأخلاق.. هو جزء من الأدب الإسلامي.

·       مهما كانت عقيدة قائله أو مذهبية؟

o  نعم.. مهما كان انتماؤه.. طالما أن قوله وإبداعه يدور في دائرة «القول السوي» والرسول صلى الله عليه وسلم  قد استشهد بأبيات لشعراء جاهليين. - وعفوًا أنا أرى أن الشاعر القروي رشيد سليم الخوري- ولي دراسة طويلة عنه - لم أجد تمسكًاً ودعوة إلى الوحدة، ومكارم الأخلاق، والتزامًا بها، كما كانت عند هذا الشاعر الذي حار الناس في أمر إسلامه، وهو مع التزامه الشديد واهتمامه الأشد بالأدب الإسلامي، لم يعلن إسلامه صراحة، ولكنه يدين في أدبه بدين الإسلام.. لذا فإنني أسميه... «شاعر القيم»... وكما قلنا .. إنها الفطرة السوية:

فطرة الله بنفسي

                                ما ارتضت إلا هداه

هوسوا ها وسوي

                                   كل أسباب الحياة

نعم.. على النقاد أن يفيقوا

·   ولكن ألا ترى معنا أن قضية الأدب الإسلامي لم تأخذ حقها على ساحة النقد بالقدر اللائق.. لاسيما أن الهجوم عليها لا ينتهي؟

o  هذا صحيح.. وعلى النقاد الإسلاميين أن يتابعوا الإبداع في كل الفنون الإسلامية.. وأن ينزلوا بثقلهم - وهم بحمد الله كثر - إلى الساحة النقدية.. لأن هذه الشبهات التي طرحتموها وغيرها الكثير.. لاتثار إلا في ميادين النقد، ومن ثم، فإنه لابد من الرد التطبيقي المنهجي عليها ... ليس بالهجاء أو البكاء.. ولكن بشرح عوارها وبوارها .. وتقديم البديل الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.. فنحن أبناء رسالة، والرسالة لابد أن تكون متكاملة ومتساندة.

جائزة مكتب التربية العربي لدول الخليج

أعلن مكتب التربية العربي لدول الخليج الدعوة للترشيح لنيل جائزته في مجال البحوث التربوية، شريطة توافر الشروط التالية:

1 - أن يكون العمل المقدم ملتزمًا بالمنهج العلمي.

2- أن يكون المرشح من مواطني الدول الأعضاء بالمكتب.

توجه الاستفسارات المتعلقة بالجائزة إلى:

السيد/ المدير العام لمكتب التربية العربي لدول الخليج ص.ب ٩٤٦٩٣ - الرياض ١١٦١٤ - المملكة العربية السعودية.

الرابط المختصر :