; المجتمع الثقافي- العدد(1343) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي- العدد(1343)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999

مشاهدات 92

نشر في العدد 1343

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 23-مارس-1999

مع الأميري في مكة.. وفريضة الحج

بقلم:د.خالد بن سعود الحليبي

يرتبط الشاعر الراحل عمر بهاء الدين الأميري بالحرمين الشريفين ارتباط الإنسان بمسقط رأسه، يجد في البعد عنهما غربة، وفي القرب منهما حياة وطمأنينة، ولعلي هنا أكتفي بالحديث عما يتصل بمكة المكرمة اختصارًا.

ها هو ذا شاعرنا بعد طول اشتياق إلى السكينة والصفاء، يقف أمام مقام إبراهيم مصليًا، فيحس بأنه استعاد روحانيته المفقودة بين تراكمات الحياة المادية، يقول([1]):

وقَفْتُ أَصَلِّي أَمَامَ المقام                            وفي مُقْلَتَيَّ السَّنَا وَالسَّنَاء 

وللبَيْتِ مِنْ جَناني جلال                            ونشوة وجد وَوَجدُ انْتِشَاء

يلازمني راكعًا ساجدً                              ا وَيَكْحُلُ عَيْنِي مِنْهُ البَهَاء 

جملة «يلازمني» بزمنها المستمر تلخص الحالة التي يبحث عنها الشاعر طوال حياته، وكأنه وجدها في هذا الموقف الجليل المهيب في بيت الله الحرام، وعند مقام الخليل إبراهيم، وبين يدي الكعبة المشرفة، حيث تخشع القلوب بعد قسوتها، وتذرف العيون بعد تحجرها، وللأميري رؤية خاصة لرموز المقدسات الإسلامية، فالكعبة- مثلًا- وهي تنهض على قواعد نبي الله إبراهيم، وتحتضن «الحجر الأسود»، لا تنحصر قيمتها في بنائها المقدس، كما أن التقرب إلى الله لا يكون بالتشبث بأستارها فقط، وإنما تشمل قيمتها عند الشاعر أيضًا أمورًا معنوية، تتصل برؤيته الشاملة للإسلام، وأنه دين أمة واحدة، ومصدر عزة خالدة، لا يرضى بأن ينحصر نوره في زوايا بناء، مهما كان شرفه وقداسته، يقول([2]):

 الكَعْبَةُ الشَّماءُ فِي مَذْهَبي                         قيمتها ليست بأحجارها

والقُرْبُ مِنْ خَالِقَها ليس في                       تشبث المرء بأستارها

قدسية الكعبة في جمعها                            أمتنا من كل أقطارها

وأنها محور أمجادها                                وأنها مصدر أنوارها

ومع ذلك فإن شاعرنا يحمل مشاعر المسلم المعظم الشعائر الله، فهو- على سبيل المثال- يقف أمام الحجر الأسود فيقبله بكل وله، متخذًا مقولة عمر بن الخطاب الشهيرة: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقبلك ما قبلتك»([3]) منهجًا في علاقته بهذا الحجر الكريم، فيقول في مقطعته «صلة»([4]):

الحجر الأسودُ قَبْلَتُهُ                                         بشفتي قلبي وكلي وله

 لا لاعتقادي أنه نافع                                       بل لهيامي بالذي قبله

محمد أطهر أنفاسه                                 كانت على صفحته مُرسله 

 قبله والنور من ثغره                               يُشرقُ آيات هُدى منزله 

قبلت ما قبله ثغره النــ                        ـــــاطق بالوحي، ابتغاء الصلة 

وهي المقطعة التي أعجب بها الشاعر الأردني يوسف العظم، وظهر أثر إعجابه في بيت أعاد فيه نسج البيت الأخير منها في قصيدته الرقيقة «لبيت القلب»، يقول([5]):

وقبلت ما قبل المصطفى                   سلام على ذلك المبسم

وتلك اللمحات الشاعرية محاولة من الشاعر الأميري للفت النظر إلى مرامي عبادة الحج والمقدسات الإسلامية المتصلة به، واستشفاف شخصي لبعض إيحاءاتها، وربما توظيف للعاطفة الإسلامية التي تتوهج في نفوس المسلمين تجاه هذه المقدسات كلما ذكرت أمامهم أو زاروها، ولذلك رفع عقيرته في حج عام ۱۳۸۸هـ ، ينادي ذلك الحشد الإسلامي الكبير الذي يقبل على الحج كل عام، ويحجم عن الجهاد، فيقول([6]):

يا حجيج البيت الحرام المفدى                            وجهوا حشدكم إلى القدس سعيَا

في فلسطين حفنة من يهود                                تتحدى الإسلام حربًا وبغيَا

 أيها الناحرون «أكباش» عيد الـ                          ــحج، لخطبه الضخم وعيَا 

لو نحرنا تفريطنا وبدلنا الـ                                حج مالا يساق للقدس هديَا ونهينا- ونحن في حومة الكرب – النفو                       س الغفلى عن اللهو نهيا

فإذا ما تحرر «المسجد الأق                      ــصى»، فحج حق، وعيد، ولُهيا ([7])

وليست هذه دعوة من الشاعر لترك الحج حتى يتحرر المسجد الأقصى، فقد حج هو مرارًا، ولكنها دعوة ركبت رياح عبادة يتجمهر فيها عدد كبير من المسلمين، يمثل صورة للقوة البشرية التي يمتلكونها، فمن الطبيعي أن تثير في الشاعر المرهف تلك الأحاسيس الصادقة تجاه أمته.

الهوامش

([1]) ديوان إشراق 66- 76.

([2]) دوان مع الله: 115.

([3]) متفق عليه، فتح الباري بشرح صحيح البخاري «1610» 3/555، وبلفظ قريب من هذا اللفظ في صحيح مسلم بشرح الإمام النووي 9/16-17.

([4]) ديوان مع الله: 116.

 ([5]) ديوان في رحاب الأقصى ليوسف العظم: 154.

([6]) ديوان من وحي فلسطين: 103.

([7]) اللهية: أفضل العطايا وأجزلها.

رباعية الفصول

  1. الصيف: سنة أخرى في المنفى، تذكرني بليال قرب الفرات، حينما كنا مجموعة أصدقاء، تلمنا تلك الصخرة الجميلة، وقتها كانت أناملنا تداعب تلك الأمواج الساحرة، والقمر يعكس وجهه الآخر أسفلنا في قرارة النهر، نسمات هواء تحرك سعفات النخيل، وكأنها سمفونية الليل، بينما نرى قارب صيد الأسماك يسير ضد التيار، قوافل السفر الآتية كانت ترمقنا بأشعتها الضوئية حينما تعبر الجسر الكبير، نقيق الضفادع يملأ أسماعنا، كنا أربعة أصدقاء، لم تعرف معنى للمنفى، وها نحن الآن نبحث عن تراب ضائع فلا نجده.
  2.  الخريف: تتساقط أوراقي فوق أرصفة المنفى، تنثرها الرياح الهوجاء، أجوب بين أشجار عارية، لا أحد يفهمني إلا قلمي، أخبئ آهاتي فوق هذا البياض، أحلم كالمجنون بخارطة فقدتها منذ زمن، تنام كل الأجفان إلا أنا، يقظ أعد النجوم بين مسافة لا متناهية وبين التراب القديم، خطواتي تتعثر بكلمات أرددها كالمخبول، أحدق بوجوه المارة في الطرقات، علني أعثر على وجه أمي، أتسكع تائهًا بين أزقة المدن الغريبة، لأنني بلا وطن.
  3. الشتاء: أحترق كموقد ممسكًا قلمي، تأخذني الحروف إلى مدفأة مهدي الترابي، حينها تتساقط زخات مطر مالحة فوق خطوط خدي، لأنها ليست سماوية، بريق يعصف بي، أتدلى من خلاله كالمشنوق بغيمة فراتية، رعد كالغضب يؤطر كلماتي بالرفض، إرهاصات شعرية، كالثلوج البيضاء تلتف حولي، أرتجف أحيانًا مبللًا بحبر الناي الموزع بين محطاتي المتعددة، أفتش بين حدائق الغربة عن نخلة بيتنا القديم، لكي أحتمي من الحالوب المتساقط، لكنني لم أعثر عليها؛ لأنها فقدت منذ زمن.
  4. الربيع: ينتهي ربيع عمري بين جدران المنفى الأربعة، أتنفس عبير السوسن البري في ملاجئنا، بلابل تأتي بالقرب من نافذتي، تزغرد أنشودة الضياع، زنابير عسل تطوف وتهرب مني، أغفو فوق وسادة نائية، أصحو على صياح الديكة، والتي تنبئني بيوم جديد في المنفى، عيوني طالما حلمت أن ترى النخيل، وطالما تمنت يداي أن تمسح فوق سنابل «العنبر»، لكنني أعود لأردد قصيدة السياب «غريب على الخليج»، لأنني ارتديت ثوب الرحيل .

مهدي الحسناوي

واحة الشعر

يا عيد

شعر: مهدي أحمد الحكمي

يا عيد يا عيد درب الشعر مسدود                      جف الحداء وخانتني الأناشيد     

يا عيد بيني وبين الشعر مرحلة                          تعيا لتبلغها المهرية القود

 ما لان للبوح والتبريح «مقتضب»                   ولا استجاب لداعي الوجد «ممدود»     

ما لي وللسهر المضني أبيت على                    شوك وطرفي إلى الجوزاء مشدود

لا الليل يسمع أنغامي ولا عزفت                  عندي لحون الجوى أوتاره السود        

جسمي بقايا أسى صاغت ملامحه               ملاحم وجراحات وتشريد 

إذا شدا الطير ألحانًا مؤرقة                             فلي مع الشدو لوعات وتغريد             

وإن تشاكي حمام الأيك غربته                       فلي احتراق وآهات وترديد               

ما شف عن ألمي وزن وقافية                      لكنما نطقت هذي التجاعيد 

يا عيد كيف أداري الدمع ما جمدت               عين وإنسانها هم وتسهيد          

 وكيف أختلس النسيان في زمن                     ذل العزيز به مذ عز رعديد              

يا عيد كم أمل يذوي كما ذبلت                      أزهار بغداد لما استيبس العود

وفي الجزائر أحلام تبددها                                مجازر ودم غصت به البيد       

أواه يا بلد المليون أجهشت الـ                       أوتار وانتحبت فيك الأغاريد     

همي المآسي على الصومال شاطئها        مغارة وسواقيها أخاديد    

جيش الظلام وجيش الخوف ما برحا             لو رق هذا الدجى ما رق «عيديد»      

يا ويح كابل أضناها الخلاف وفي                  أحشائها من لهيب الحرب سفود  

يغادر الدب منها مطرقًا خجلًا                        فيرتمي في ثراها السوس والدود 

والقدس- يا للأسى والحزن- لا قمر             يسري ولا أنجم تاهت ولا غيد           

 عهدي بها وظلال اللوز وارفة                     وماؤها سلسل والغصن أملود     

 عهدي بها وصلاح الدين يلثمها                  واليوم يلثمها عجل وتلمود 

لكنها وهي لهفى فجرها طرب                  آت ودون حماها فتية صيد                

 يا عيد إن جراح القلب ليس لها                     في الذاهبين ولا الآتين تضميد                    

 يلوح طيف رجاء غير أن يدًا                            هوجاء تقضي عليه وهو مولود

عسى تعود إلينا حاملًا أملًا                            محققًا ولأمر فيك تجديد

إعادة تأصيل الأصول عند الجابري

قراءة في مقدمة كتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»

  • الجابري يعتمد مرجعية واحدة في مجال العلاقة بين الدين والدولة وهي عمل الصحابة رضوان الله عليهم!

عمان: محمود الكسواني

لم يختلف علماني وإسلامي حول مفكر معاصر اختلافهما حول شخصية محمد عابد الجابري، هل هو إسلامي أم علماني؟ حتى أن الجابري نفسه من خلال كتاباته لم يترك للقارئ مجالًا لإدراج اسمه ضمن قائمة العلمانيين أو الإسلاميين.

وقد أشار الجابري في إحدى ندواته المنعقدة في منتدى شومان بالعاصمة الأردنية عمان قبل نحو عام إلى «أن الكاتب حين ينشر كتابه على الجمهور، يصبح بمعزل عن كتابه، بمعنى أن القارئ وحده هو صاحب الحق بفهم الكتاب وفق قراءاته له، وأن ما يفهمه قارئ غير ما يفهمه قارئ آخر....»، ويفهم من ذلك أن ما يقرؤه القارئ يوحي إليه حسب معارفه ومداركه بفهم معين يتباين مع فهم قارئ آخر، وهي عبارة تحمل كثيرًا من الحق، وبخاصة أن واقعنا العربي الإسلامي يشتمل على كثير من وجهات النظر المتباينة.

ولمحاولة فهم «الفهم الجابري» للإسلام، نعرض أهم كتاب للرجل حول موضوع النظام السياسي في الإسلام، وإن كنا ندرك أن الجابري لم يطرح كتابه الموسوم بـ «الدين والدولة وتطبيق الشريعة» بالشكل الذي يوحي أن الإسلام نظام سياسي. صدرت الطبعة الأولى للكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت سنة ١٩٩٦م، وغني عن القول أن مركز دراسات الوحدة العربية الذي تبنى طباعة ونشر معظم مصنفات الجابري، ينطلق من منطلقات قومية، تتفق مع الحركة الإسلامية المعاصرة في شيء، وتختلف معها في أشياء..

هدم المرجعية

في مقدمة الكتاب يقوم الجابري بعملية هدم وإعادة بناء للمرجعية حول موضوع «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، فيهدم كل ما ينافي العلم ويناقض البرهان، ويعيد بناء ما يوافق العلم والبرهان، فيرفض المؤلفات والمقالات المتعلقة بالموضوع المذكور، التي تكتسي طابعًا سجاليًا خطابيًا، لا يبني معرفة، ولا يبرهن على حقيقة، ولا هم له سوى تسجيل نقاط ضد الخصم حتى لو بنى نصره على فرضيات لا سند لها في النصوص الدينية «القرآن والسنة»، ولا في التجربة التاريخية العربية الإسلامية، ويطلق عليها الجابري مصطلح «خطاب المذاهب والفرق وأصحاب المقالات والمجتهدين»، الذين كتبوا وما زالوا يكتبون حول موضوع الدين والدولة وتطبيق الشريعة، وفق مرجعيات موجهة بكيفية أو بأخرى بالظروف السياسية التي زامنتها.

وهذا في نظر الجابري خطأ منهجي خطير، لأن الموضوع من الموضوعات التي تتأثر بالسياسة، وتخضع لحاجاتها ومنطقها، مما يؤدي إلى ضياع الحقيقة، وتوهانها بين معارج سياسة الماضي ومتاهات سياسة الحاضر.

هذا هو الجانب الهدمي في مقدمة الجابري، ولو قرأه أي قارئ إسلامي بمعزل عن الجانب الآخر «جانب إعادة البناء» لوسم الجابري بالعلمانية دون أدنى شك، وخاصة فيما لو كان القارئ من الإسلاميين التراثيين كالأشاعرة والمعتزلة والشيعة والمتعصبين للمذاهب الفقهية، لأن الرجل هدم كافة مرجعياتهم من أساسها، ووصفها بأنها مرجعيات غير برهانية.

أما جانب إعادة البناء فيتمثل في البحث عن مرجعية أصيلة، تكون رهانًا يمتثل أمامه الجميع، وفي نظر الجابري يجب أن تكون هذه المرجعية سابقة لجميع المرجعيات التي تلتها، بمعنى أن تكون مرجعية سياسية سابقة لظهور المذاهب والفرق الإسلامية التي أسست لنفسها مرجعيات جديدة وفق ما تمليه عليها أيديولوجياتها وتصوراتها الخاصة.

يقول الجابري: «..... والمرجعية الأصل السابقة على جميع المرجعيات في التجربة التاريخية العربية الإسلامية، هي عمل الصحابة على عهد الخلفاء الراشدين....» «الجابري محمد عابد، الدين والدولة وتطبيق الشريعة ص 9».

بعد أن يقرأ القارئ ذلك النص يتراجع عن وصفه للجابري بالعلمانية، ويدور مائة وثمانين درجة ليعود ويصفه بالإسلامي، وليس هذا وحسب، بل قد يعتبره سلفيًا خالصًا كابن حزم، وهنا يكمن غموض الجابري، فهو يهدم الماضي ثم يعيد بناء الحاضر على أساس ماض أسبق.

أما لماذا حدد الجابري «المرجعية السياسية للمسلمين» بعمل الصحابة وليس القرآن والسنة فيقول: «....ذلك لأنه لما كانت نصوص الكتاب والسنة لا تشرع لشؤون الحكم والسياسة، ولا تتعرض للعلاقة بين الدين والدولة بنفس الدقة والوضوح اللذين تناولت بهما قضايا أخرى كقضايا الميراث والزواج مثلًا....» «المصدر السابق ص9».

ومع قراءة النص الجديد قد يتراجع القارئ قليلًا، ويتردد في وصف الرجل بالإسلامي، ويتساءل هل حقًا أن القرآن والسنة لم يفصلا شؤون الحكم والسياسة وتركا كيفية الحكم لاجتهاد الناس؟

مرجعية الصحابة.. لماذا ؟

لكن الجابري يتوقع هذا الإنكار من الإسلاميين، فيصر على قوله بثقة: «....فإن المرجعية الأساسية- إن لم نقل الوحيدة- في مجال العلاقة بين الدين والدولة ومسألة تطبيق الشريعة هي عمل الصحابة، إنهم هم الذين مارسوا السياسة، وشيدوا صرح الدولة، وطبقوا الشريعة على أساس فهم أصيل لروح الإسلام سابق لأنواع الفهم الأخرى التي ظهرت في إطار الصراعات والنزاعات والخلافات التي عرفها تاريخ الإسلام منذ النزاع بين علي ومعاوية...» «المصدر السابق ص 9».

إذن فالجابري يفرق بين الثوابت والمتغيرات، فالسياسة من المتغيرات، لهذا لم يفصل القرآن والسنة كيفية تطبيق الشريعة بقدر ما فصلت القضايا الأخرى الثابتة الأحكام، وهذا لطبيعة الأمور والقضايا «شؤون الحكم والسياسة»، فهي شؤون متغيرة محضة، وتحتاج إلى مرجعية منفتحة على تلك المتغيرات، وهذا معنى صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في كل زمان ومكان: «....لقد قرر القرآن تشريعًا وحدودًا، وحلل وحرم، وفرض فرائض، منها ما يقوم به المرء بنفسه، ومنها ما هو عمل جماعي، ومنها ما يحتاج في تنفيذه إلى من يتولى «الأمر» فيه، وقد دعا القرآن بصريح العبارة المسلمين إلى إطاعة هؤلاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ (النساء: ٥٩).

كما ندد القرآن بالاستبداد والاستكبار، وأثنى على الشورى والإحسان، والعدل... إلخ، ولكنه لم ينص لا على أن أمة الإسلام يجب أن يتطابق معها «ملك» الإسلام أو «دولة» الإسلام، ولا على من يخلف الرسول في تدبير شؤون هذه الأمة، ولا حتى على ضرورة أن يكون هناك من يخلفه في ذلك، بل ترك المسألة للمسلمين، وكأنها داخلة في قوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم أدرى بشؤون دنياكم» «المصدر السابق ص  ۱۷».

ويبدو واضحًا أن الجابري لا يقر بصحة الأحاديث التي ورد فيها لفظ الإمامة أو الخلافة، ويعتبر أن المروجين لها يهدفون إلى توظيفها لصالح أيديولوجياتهم: «....وهناك حديث آخر أكبر دلالة فيما نحن بصدده يروونه بالعبارات التالية «قال صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة وخلافة، ثم يكون ملكًا عضوضًا، ثم يكون عتوًا وجبرية وفسادًا في الأمة»، والأحاديث التي من هذا النوع، وأعني التي لها طابع سياسي يخدم وجهة نظر طرف معين- وهو في هذه الحالة يخدم قضية الأمويين- أحاديث مشكوك فيها، والغالب أنها موضوعة، وإذا كان من الممكن حمل هذا «الحديث» على محمل النقد للأوضاع التي عاشها مروجوه، فإن فيه تعزيزا مباشرًا لعملية «انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض» بوصفها عملية «تنبأ» بها الرسول، والمعنى السياسي لهذا النوع من التوظيف للتاريخ والحديث معًا هو تقرير وتكريس مبدأ ليس في الإمكان أبدع مما كان» «المصدر السابق ص ۳۳».

فالجابري لا يقر الأحاديث الخبرية المتعلقة بالسياسة وشؤون الحكم وتطبيق الشريعة، ويعتبرها أحاديث واهية لا يمكن أن تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحة سندها مرهون بصحة المتن، والمتن في تلك الأحاديث مشكوك فيه وموضوع.

لكنه يقرر في نهاية الأمر بضرورة وجود سلطة سياسية: «....وهكذا، وسواء قلنا بوجوب نصب الإمام وإقامة الدولة، أو بعدم وجوب ذلك من الناحية الدينية، فإن هناك أحكامًا شرعية يحتاج تنفيذها إلى سلطة....» «المصدر نفسه ص ۳۸»، فالجابري إذن يقر بضرورة وجود السلطة السياسية لتقوم بتنفيذ الأحكام، ولا يبني قراره على أدلة نقلية، إنما يحاول قدر المستطاع أن يستدل على ذلك بأدلة عقلية بشرية، لأن موضوع الدولة وتطبيق الشريعة من المواضيع السياسية المتغيرة التي تدخل ضمن القاعدة الشرعية الذهبية «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، وهكذا هو الجابري دائما، يهدم الجانب الذي يعتقده غير برهاني، ويبني ما يعتقده.

فالخلاف الذي حدث بين الصحابة- في عهد الراشدين- خلاف سياسي محض لا خلاف ديني، والدليل على ذلك أن الصحابة لم يجدوا نصوصًا يحتكمون إليها حول مسألة الإمامة، فاختلفوا سياسيًا إلى أن جاء عصر المتكلمين والمجتهدين، فأصلوا أصولًا، وصاغوا مصطلحات توحي للجمهور أن المسألة دينية، وأن موقعها على الدوام مصنفات العقائد ومتون علم الكلام، حتى ما يعتبره المحدثون حديثًا نبويًا، يعتبره الجابري تصريحًا سياسيًا: «....أن الصحابة عالجوا مسألة خلافة النبي معالجة سياسية محضة، لقد اعتبروا القضية مسألة اجتهادية، وتعاملوا معها بوصفها كذلك، فاعتبروا ميزان القوى، وراعوا المقدرة والكفاءة ومصلحة المجتمع الإسلامي الوليد، وكان ذلك كله محكومًا بمنطق القبيلة، أعني مراعاة التوازنات، كما هو الشأن في المجتمع القبلي عمومًا، أما العقيدة، فقد كان المهاجرون والأنصار فيها على درجة سواء: لقد كان القول الفصل للتصريح الذي أدلى به أبو بكر الصديق قائلًا: «لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش»، وهذا حكم موضوعي يقرر أمرًا واقعًا، وقد سلم الأنصار بذلك عندما تحرك فيهم مفعول القبيلة الضيق «التنافس بين الأوس والخزرج»، وأيضًا رأوا منطق المهاجرين هو الراجح في ميزان اعتبار المصلحة العامة المشتركة... إن السياسة- وليس الدين- هي التي كانت ميدانًا

للنقاش والخلاف، وفي إطارها وقع الحسم واتخذ القرار» «المصدر نفسه ص ۱۹».

والسؤال الذي يطرح نفسه، ترى كيف طبق الصحابة الشريعة الإسلامية، طالما أن القرآن الكريم لم يفصل كيفية تطبيق الشريعة على رأي الجابري؟ وهل كان الأمر لا يعدو تنفيذ الأحكام الشرعية دونما ضابط شرعي محدد؟ يقول: «....ولعل أول ما يجب الانطلاق منه في هذه المسألة كون الشريعة الإسلامية لم تنزل على النبي مرة واحدة، بل نزلت بالتدريج والتدرج، فالتدريج لمسايرة تطور الجماعة الإسلامية ومراعاة تغير الأحوال العامة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... إلخ، والتدرج لمسايرة تغلغل العقيدة في النفوس، ومدى تشبع الناس بها، وإدراكهم لمقاصدها ووجه المصلحة فيها، ومن هنا الناسخ والمنسوخ... بل إن مجمل الأحكام الشرعية الواردة في القرآن إنما نزلت بمناسبة حوادث أو نوازل حدثت لأفراد، أو جوابًا على أسئلة طرحوها، ومن هنا ارتباط جميع الأحكام تقريبًا بما يعبر عنه بـ «أسباب النزول»... ولا بد من أن نضيف هنا أن جميع الأحكام الشرعية في الإسلام ينتظمها مبدأ واحد، هو المصلحة العامة، فهي إما لجلب مصلحة أو لدفع مضرة، والمصلحة هي مقصد الشرع» «المصدر السابق ص ۳۹».

موافقات عمر

هذا هو الجانب البنائي في عملية النقد عند الجابري، فبعد أن يهدم أصول المتكلمين والمجتهدين في عصور ما بعد الصحابة، ويضعف متون الأحاديث الخبرية في السياسة وشؤون الحكم، يعود إلى مصادر التشريع الأصيلة، ويستدل على ذلك بأدلة جمة ومعتبرة عند الفقهاء والمحدثين، فكثيرة هي النوازل والحوادث التي كانت تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم من دون أن يكون قد جاءه الوحي الذي يجيب عنها، فيستشير الصحابة، فيقول بناء على خبرتهم بالأمور، وعلى معرفتهم بوجه المصلحة، ويستحسن النبي صلى الله عليه وسلم ما أفتوا به، ويصبح ذلك تشريعًا، وقد يأتي الوحي فيما بعد أو في الحين لتقرير ما أفتى به الصحابة... ومن ذلك ما عبر عنه بعضهم بموافقات عمر، فصنفوا فيها كتبًا.

إن موافقات عمر إن دلت على شيء، فهي تدل على أن الشريعة الإسلامية كانت تنزل وفق ما يقتضيه الوضع الاجتماعي القائم، أعني وجه المصلحة فيه، فلم يكن الوحي ينزل على عمر، وإنما كانت خبرته الاجتماعية وحسه القانوني المرهف، وحرصه على توخي المصلحة في نظرته إلى الأمور، هي التي جعلت تفكيره في الشأن الاجتماعي يلتقي مقاصد الشريعة التي تلتقي عند مقصد واحد أساسي، هو المصلحة العامة، ومن هنا كان الاجتهاد مصدرًا للتشريع في الإسلام، فالاجتهاد إنما يبتغي وجه المصلحة أولًا وأخيرًا؛ لأن المجتهد لا بد من أن ينطلق من الرغبة الصادقة في التماس وجه المصلحة في الموضوع الذي يبحث فيه، وأخيرًا لأن النتيجة التي ينتهي إليها- أعني الحكم الذي يرتئيه- لا بد من أن يتوخي فيه تحقيق مصلحة «أو دفع مضرة»، إن هذا المبدأ، مبدأ المصلحة، هو المستند الذي كان الصحابة يرتكزون عليه في تطبيقهم للشريعة، سواء تعلق الأمر بما فيه نص «مسألة قتال مانعي الزكاة في عهد أبي بكر، مع وجود النص الشرعي بحرمة قتال من شهد ألا إله إلا الله، ومسألة تأجيل حد السرقة، وعدم دفع الصدقة للمؤلفة قلوبهم، وقرار عدم توزيع أرض سواد العراق على المقاتلين، واللجوء بدلًا من ذلك إلى فرض الخراج عليها في عهد عمر، مع أن منطوق النص يخالف ما قرره عمره، أو بما ليس فيه نص» «المصدر نفسه ص ٤١».

المصالح الكلية

ثم يختم الجابري مقدمة كتابه بالتأكيد أن: «المصالح الكلية هي الأصل الوحيد الذي كان الصحابة يعتمدونه في تطبيقهم لأحكام الشرع، وعندما تطور الفقه وأصبح نظريًا يتجاوز ما هو واقع وحاصل من الحوادث والنوازل، إلى ما هو ممكن واحتمالي- أي إلى مجال الافتراضات، وما يمكن أن يتخيل من حالات- عمد الفقهاء إلى وضع أصول تحكم النظر الفقهي، وتنتظم حولها الفروع- أي الجزئيات الواقعية منها والمتخيلة- ثم تطور الأمر إلى أن أصبحت بعض الفروع أصولًا لفروع أخرى وهكذا.. وكان ذلك كله- أعني الواقع والمتخيل- محكومًا بالظروف والأحوال السائدة، وكانت كلها متقاربة متشابهة، أما اليوم.. فإن تطبيق الشريعة يتطلب إعادة تأصيل الأصول على أساس اعتبار المصلحة الكلية، كما كان يفعل الصحابة، وبعبارة أخرى، إن تطبيق الشريعة التطبيق الذي يناسب العصر- وقد تطورت أحواله الاجتماعية والاقتصادية تطورا هائلا- يتطلب إعادة بناء مرجعية للتطبيق،  والمرجعية الوحيدة التي يجب أن تعلو على جميع المرجعيات الأخرى هي عمل الصحابة، إنها المرجعية الوحيدة التي يمكن أن تجمع المسلمين على رأي واحد، لأنها سابقة على قيام المذاهب وظهور الخلاف، وهي أيضًا الصالحة لكل زمان ومكان، لأنها مبنية على اعتبار المصالح الكلية» «المصدر السابق ص ٥٣».

 هكذا نكون قد وصلنا في قراءتنا لمقدمة كتاب الجابري إلى نهايتها، شاكين أننا توصلنا لتصنيف الجابري ضمن قائمة الإسلاميين المجددين؟ أم أنه علماني الفكر بأسلوب توفيقي؟ أم أن الجابري غير هذا وذاك؟

ذلك هو الغموض الذي يكتنف الفكر الجابري، فهو واضح لدرجة أنك لا تجد صعوبة في الحكم عليه، وغامض لدرجة أنك كلما ازددت قراءة لمصنفاته ازددت فيه «غموض فهم» و«لا أدرية» حكم؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2111

120

الجمعة 01-سبتمبر-2017

فريضة الحج.. مقاصد وغايات

نشر في العدد 2111

144

الجمعة 01-سبتمبر-2017

الحج.. وحدة الهدف والغاية

نشر في العدد 43

122

الثلاثاء 12-يناير-1971

هذا الأسبوع (43)