العنوان جون كين يدرس تطرف العلمانيين وتهديد الحرية الدينية بحجة الدفاع عنها (٢ من ٢).. هل أصبحت العلمانية مذهبًا تمعيًا جديدًا؟
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998
مشاهدات 71
نشر في العدد 1298
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 05-مايو-1998
لندن: إبراهيم درويش
أما المفتاح الآخر لفهم هذا التعصب الفطري الموروث فهو التشوش الكبير الذي يطبع مصطلح (Secularism) في اللغات العربية والفارسية والتركية، فمصطلح Secular, SecularitSecularism) لا وجود له في اللغة العربية بشكل عرضي، والمصطلح المختار لوصف الظاهرة بالعربية هو العلمانية، الذي نشأ كترجمة أو تحوير للمصطلح الفرنسي (Laicisme) – تعرف العلمانية في دول شمال إفريقيا «باللائكية» والذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر في قاموس اللبناني بطرس البستاني «محيط المحيط».
وعليه فإن العلمانية في اللغة العربية ليست مشتقة من جذر أو فعل كما في الإنجليزية، والفعل العربي «علمن» الذي يساوي فعل (Secularize) بالإنجليزية غير موجود، وبدلًا من ذلك اشتق الفعل من لفظ العالم غير الديني أو اللاديني، والذي لو ترجم في ذلك الوقت لتعرض للرفض من قبل المسلمين، ذلك لأنه يعارض مفهوم الإسلام القائم على عدم التفريق بين الدين والدولة، فالتقسيم الذي تطرحه العلمانية بين الوقتي والروحي لا يمكن التفكير به في السياق الإسلامي.
العلمانية إهانة
وعليه فإن لفظ العلمانية أصبح إهانة لأسماع المسلمين، وهذا لا يتعلق بأصول الكلمة اللغوية، ولكن لأن العلمانيين الأوروبيين الذين يفترض أن يكونوا منفتحين على العالم ومنفتحين على الانفتاح نفسه حملوا منذ البداية مشاعر متحيزة ضد الإسلام والمسلمين، وتعززت هذه المشاعر بتقدم العثمانيين في منطقة البلقان التي تقع في قلب أوروبا النصرانية، ومن ثم فإن كلمات مثل العلمانية وقعت في شرك الصراع الأوروبي ضد التركي الشرير والفاسدة الذي نظر إليه على أنه يحمل عداء موروثًا ضد الحضارة بما يوجب مواجهته فيما أصبح معروفًا بـ Bellum contra Barba-ros)
وضمن هذا التعامل المزدوج بين الخيال الجاهل والباحث عن الغرابة صور عالم الإسلام على أنه المصدر الحقيقي والعالم السحري المليء بالبضائع الغالية والعاج، والأثاث الجميل الغالي، والتوابل، والمياه الطبيعية، وزيت الزيتون، والتي يجب استغلالها من قبل العالم النصراني، إما من خلال السرقة أو العنف.
ويؤكد كين أنه لم يحدث أي تغيير اليوم على كلمة «علمانية»، فالكلمة نفسها تقترح معاني «التسيد» والعنف والجهل والعداء للمرأة والتطرف والمؤامرات الدولية، وهذا التحول – إن كان ثمة تحول – في إشارات الكلمة ودلالاتها يشير إلى إعادة للعبارة القديمة ودلالاتها التي تقترح الفكرة الأساسية عن شيطانية الإسلام في نظر الغرب.
ويمكن أن يساعد هذا الدور القديم الجديد في دلالات وإشارات الكلمة على فهم موقف معظم المفكرين المسلمين اليوم الذين لا يتفقون مع العلمانية، أو يعبرون عن رفضهم الكلي لها، فقد وصف علي بولاتش – المفكر الإسلامي التركي – العلمانية بقوله: «إنها الشيطان الذي يحاول تقليد الرب»، وتحمل عبارة بولاتش ترديدًا للانطباع المنتشر في العالم الإسلامي والذي يقول: إن الأوروبيين يتحدثون عن العلمانية بتكبر وتغطرس وإن العلمانية كانت دائمًا – ولا تزال – غطاء للنفاق والمنافقين الذين يعتقدون أن المسلمين لا يمكن لهم التقدم إلا من خلال الطريق التي اختطها الغرب لنفسه، والتي تتضمن في حيثياتها رفض الدين ومحتوياته.
محاولات العلمنة
إن محاولات العلمنة في العالم الإسلامي في القرن العشرين أنتجت ديكتاتوريات تنتهك حقوق الإنسان والحقوق المدنية وكذلك عملت على إضعاف المجتمع المدني نفسه وتدميره.
ويضرب كين مثلاً بما حدث في مدينة حماة السورية «وسط» في الثمانينيات التي اعتبرها مثالًا مثيرًا للقلق والرعب لما يمكن أن يحدث حينما تسحق القوى العسكرية العلمانية معارضتها وتقتلها في حمام دم كبير، ويرى كين أن حادثًا أو نزاعًا مثل هذا يجب أن يعمل على تذكير مواطني الديمقراطيات القديمة بأن العلمانية تحمل في داخلها تسامحًا نحو العنف، وبشكل عام تذكرهم بأننا نعيش في زمن مطبوع بالاحتجاج الديني وعودة المقدس، وعملية نقض علمانية للحياة السياسية والاجتماعية.
ويعتقد كين أن قلة من الباحثين الغربيين يعكسون هذه التطورات والاتجاهات في أعمالهم حيث تظهر في أعمال مجموعة قليلة مثل رينولد. بیر نهاردت وغايلز كيبل ورونالد ثايمان، الذين يعتبرون استثناء في هذا الاتجاه، ويؤكد أن هناك جهلًا عامًا وإنكارًا تامًا لهذه الاتجاهات الموجودة بشكل واسع في صفوف العلمانيين المتشددين، ومع ذلك قد يجد الشخص بعضًا من جيوب القلق العام التي أخذت تنتشر هنا وهناك في الغرب حول الآثار العنيفة للعلمانية والتي تضم دعوات لإحداث فلسفة سياسية جديدة متحررة من الخيال الداعي إلى شل الدين وخصخصته.
كما أن ثمة محاولات وجهودًا من قبل الجمعيات غير الحكومية وفي دوائر الحكومة والمحاكم في الغرب لتقديم نماذج وسياسات جديدة تحمل دعوات إلى إعطاء حقوق للعاملين لأداء صلواتهم، أو الحصول على حق في التمتع بالعطلات الدينية وإعفاء المواطنين من بعض القوانين المدنية وضم المدارس الإسلامية في بريطانيا لمجموعة المدارس التي تحصل على دعم حكومي.
ويقدم كين في نهاية مقاله سؤالًا يعتقد أنه مهم في البحث وفي تحليل محددات العلمانية وقصورها وفشلها، حيث يقول: هل مازال القانون العلماني الذي نشأ في القرن التاسع عشر وبقى محطًا لاهتمام الديمقراطيات التي جاءت بعد قرن من الزمن واحترامها هو في الحقيقة أيديولوجية تنتج النزاع والصراع، وعليه فمن أجل الديمقراطية يجب أن يطرح ويهمل؟
وإذا كان الأمر كذلك فهل يعني هذا أن معايير مثل الكنيسة والدولة وما ينتج عن مفهوم «انفصالهما» يجب تركه أيضًا، لأن مصطلحي «كنيسة»، و«دولة»، غير كافيين للتعامل مع التنوعات في الممارسات الدينية والتنظيمات الحكومية للأخلاق؟
المبادئ العالمية
وبناء عليه يتساءل كين: هل نحن بحاجة والحالة هذه للتوقف عن البحث عن المبادئ العالمية مثل العلمانية التي يتم من خلالها «معبرة» الدين؟ وهل يجب علينا أن نعطي الأولوية للأحكام ذات السياقات المحلية التي تعترف بكل الأخلاقيات بما فيها العلمانية والخطاب الديني، وتظهر في سياق محدد؟ وأن المفهوم أو الرأي العلماني عن الدين وكونه يشبه أسطورة إيكسيون «التي تشير إلى ملك سالونيكا الذي أحب هيرا وعوقب من قبل الإله زيوس بوضعه ويشكل أبدي على عجل دوار» ومليء بالسحاب الفاسد، وينتج وحوشًا يمكن تعميمه أيضًا على العلمانية نفسها، وأنه لا يوجد نقض للعلمانية بين المؤمنين وغير المؤمنين؟
وهنا يتساءل كين بعد سلسلة الأسئلة المتداخلة سابقًا: هل نجد أنفسنا بعد كل هذا دون خيار ما يدفعنا في النهاية للبحث عن طرائق جديدة لتخفيف حرية غير المؤمنين والمؤمنين على حد سواء، مع التأكيد الخاص على أولئك الذين يعانون الآن من المظالم الكثيرة التي أنتجها قانون أو نظام صارت ذرائعه العالمية محل تساؤل، وفقد مصداقيته؟