; المجتمع الثقافي - العدد (1292) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي - العدد (1292)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1292

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 17-مارس-1998

الدكتور رشدي طعيمة: اللغة العربية تعيش غربة في وطنها وواقعها مرتبط بالواقع العربي المتدهور

  • العمالة الأجنبية لها دور أصيل في تدهور اللغة العربية بمنطقة الخليج

حاوره في الشارقة: جهاد الكردي 

يعد الدكتور رشدي أحمد طعيمة -عميد كلية التربية والعلوم الإسلامية بجامعة السلطان قابوس بعمان وخبير المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في مجال تعليم اللغة العربية- واحدًا من خبراء مناهج وطرق تدريس اللغة العربية في العالم الإسلامي، التقته للمجتمع في الشارقة وحاورته حول تدهور وضع اللغة العربية وكيفية التغلب عليه، كما تطرق الحوار للغزو الثقافي الغربي وخطورته على أبناء الأمة: 

  • ما تقييمكم لأوضاع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها سواء داخل أو خارج الوطن العربي؟ 

الجهود التي تبذل لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها تعد قليلة جدًا بالنسبة للجهود الضخمة التي تبذلها الشعوب الأخرى في نشر لغاتها، وينبغي أن يراجع العرب أنفسهم كثيرًا في تلك المأساة فدينهم ارتبط باللغة العربية وأي ضعف يواجه العربية سينعكس بالسلب على الإسلام وطالما قل تعلم المسلمين غير العرب للغة العربية قل لديهم الفهم الصحيح للقرآن والإسلام، وهنا أشير إلى أن الفقهاء الكبار في الإسلام اتفقوا على أن من يعجز عن قراءة القرآن حتى ولو كان عربيًا فإن عليه أن يصلي ساكنًا مناجيًا بالقلب ربه لأنه عجز عن ركن القراءة الواجب عليه بالآية ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ﴾ (المزمل: ٢٠) وكما قرر الفقهاء اشتراط اللغة العربية الصحة خطبة يوم الجمعة قرر الإمام الشافعي وغيره عدم صحة الزواج بغير العربية للقادر عليها، بل أوجب الفقيه الحنبلي أبو خطاب تعلم اللغة العربية للزواج، كما روى ابن تيمية عن مالك والشافعي وأحمد كراهية التخاطب بغير العربية إلا لحاجة، وأسباب تدهور تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها كثيرة أبرزها الأسباب المادية، فكثير من برامج التعليم بالعربية لغير الناطقين بها لا تجد الدعم المادي الذي يتناسب مع الجهد الذي يبذل والإمكانات المطلوبة، فهي لا تجد التشجيع اللازم ولا تبذل جهود حقيقية لنشر اللغة العربية بالصورة التي يحتاجها الميدان والواقع ويحتاجها الطلب على تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وأيضًا من بين أبرز تلك الأسباب قلة وجود المتخصصين في تعليم العربية وكذا وجود قصور شديد في إعداد معلم اللغة العربية لغير الناطقين بها والمعاهد التي تعد هؤلاء المعلمين قليلة جدًا جدًا ولا تفي بالحاجة المتزايدة للمعلمين في هذا المجال، والمعاهد الموجودة تواجه مشكلات كثيرة أبرزها مادية تتسبب في قصور برامجها وإعداد خريجيها، ولابد أن يفكر العرب والمسلمون في تلك القضية الأخيرة ويعطوها الأولوية فلا انتشار صحيح للإسلام بدون انتشار للغة العربية. 

  • الواضح أن اللغة العربية في غالبية البلدان العربية تعاني الإهمال وقد تجدها لغة ثانية أو رابعة في بعض البلدان.... ما تقييمكم لذلك وأسبابه؟ 

للأسف الشديد أصبحت اللغة العربية غريبة في وطنها ومن ذلك منطقة الخليج، وغربة اللغة العربية في منطقة الخليج لها أسباب متعددة أبرزها وأهمها العمالة الوافدة من الدول الآسيوية ويكفي أن أذكر لك أن الأبحاث العلمية التي أجريت حول الاتصال اللغوي بمنطقة الخليج انتهت إلى أن اللغة الإنجليزية تحتل المرتبة الأولى في التخاطب اليومي يليها هجين لغوي خليط من العربية والإنجليزية في المرتبة الثانية، ثم اللهجة الخليجية في المرتبة الثالثة، ثم خليط من الهندية والأردية والعربية في المرتبة الرابعة ثم تأتي اللهجة المصرية في المرتبة الخامسة. 

هذا بالإضافة إلى أن إسكان العمال الأسيويين في معسكرات أو مساكن جماعية رسخ لديهم الشعور بأنهم منبوذون اجتماعيًا مما يزيد من صعوبة تعلمهم العربية فضلًا عن عدم اشتراط تعلم اللغة العربية أو حتى التعبير عن الاستعداد لتعلمها عند التعاقد مع العمال الأجانب في بلادهم ووجود مدارس لأبناء تلك الجاليات تنقل لهم ثقافتهم وتحافظ على هويتهم، مما يرسخ إحساسهم بالذاتية الثقافية الخاصة بهم وخوفهم من تأثرها بالثقافة العربية عند تعلم لغتها. 

والواقع أن بعض بلدان الخليج تحتاج إلى وقفة حاسمة مع نفسها تجاه مشكلة غربة العربية فيها، ولا بد أن تضع التحدث بالعربية على رأس معايير اختيار العمالة الوافدة غير العربية وأن تعين العمالة العربية وتفضلها على غير العربية وأن تشجع الوافدين غير العرب على الانضمام إلى مراكز وبرامج تعليم اللغة العربية والزام الشركات والهيئات والمؤسسات التي يصل فيها عدد الوافدين غير العرب إلى عدد معين بإنشاء فصول لتعلم اللغة العربية لهم. 

  • لم تلب الدول العربية رغبات دول إسلامية عديدة مثل: إيران وباكستان بإرسال معلمين لها لتعليم أبنائها اللغة العربية، كما اهملت شعوب إسلامية في إفريقيا وآسيا الحرف العربي ولم تعد تكتب به لغاتها... ما تفسيركم لذلك وأثره على مستقبل اللغة العربية؟

اللغة تقوى بقوة أهلها وتضعف بضعفهم ويقف على رأس ضعف اللغة العربية الوضع المحزن الذي تعيشه الأمة العربية وبالتالي فإن هذا الوضع ينعكس على اللغة، وللأسف الشديد لم يعد الحرف العربي هدفًا للمسلمين يتعلمون منه ويتجهون إليه، بل هناك لغات كثيرة من لغات الدول الإسلامية لا تكتب به وهناك شعوب مسلمة في إفريقيا وآسيا بدأت تتخلى في كتابة لغاتها عن الحرف العربي واستبدلت به الحرف اللاتيني، بل هناك بلدان بدأت تكتب لغاتها بالحرف العربي، ثم تحولت عنه إلى الحرف اللاتيني، على الرغم من أن تعليم اللغة العربية ينبغي أن يؤكد على الحرف العربي حتى يمكن أن نساعد القارئ المسلم أن يتصل بالقرآن الكريم مباشرة وأن يؤدي شعائره باللغة العربية لا عن طريق الترجمة التي تفقد الكثير من معاني القرآن أو العبادة، كذلك فإن الحرف العربي وسيلة مهمة لكي يتصل المسلم بتراثه الإسلامي الضخم، ولا أعتقد أن الحرف العربي صعب في تعلمه، بل العكس هو الصحيح، فبالإضافة إلى سهولة تعلمه، فإن فيه مظهرًا من مظاهر الجمال والفن وينبغي أن ننظر إليه لا على أنه وسيلة اتصال فقط، ولكنه عمل فني إبداعي، ونحن تعلمنا الحرف العربي بسهولة ولم نجد صعوبة في ذلك ومشكلات تعلمه طفيفة جدًا ويسهل تخطيها بسرعة وأعتقد أن الشكوى من صعوبة الحرف العربي لا تستند إلى دليل والقضية ليست في تعلم الحرف العربي، ولكن في الإمكانات المادية والمعنوية التي تقف وراء تعلمه فكما قلت الدعم قليل جدًا ولو استمر بهذا الشكل، فاللغة العربية والحرف العربي سيتضرران بصورة كبيرة. 

  • هل تتفقون مع القائلين بوجود غزو ثقافي غربي على العالم العربي الإسلامي وكيف يمكن للمسلمين مواجهته؟

لا شك أن هناك غزوًا وهيمنة ثقافية أجنبية على بلداننا العربية والإسلامية وهذا الغزو جاء نتيجة للتقدم التكنولوجي الهائل الذي برع فيه الغرب خاصة في وسائل الاتصال وعن طريق القنوات الفضائية الغربية وغيرها من وسائل الاتصال الغربية الحديثة أصبح المواطن العربي والمسلم يقلد ويحاكي انماط سلوك الغرب ويحذو حذوها، وأنا لا تهمني وسائل هذا الغزو كثيرًا، ولكن ما يشغلني هو كيفية تهيئة أبنائنا المواجهة الهجمة الثقافية الأجنبية علينا، هذا ما ينبغي علينا أن نعمل في إطاره. 

  • يرى بعض المراقبين أن العالم الإسلامي يعيش حالة تردٍ ثقافي جسيمة وأن تلك الحالة ستستمر كثيرًا... ما تقييمكم؟ 

لا.. ليس بهذه الحدة.. نعم المجتمع العربي والإسلامي يعيش مشكلات، لكن الصورة ليست قائمة حتى نقول إن هناك ترديًا ثقافيًا، فهناك ظروف ومشكلات يسعى العرب والمسلمون اليوم إلى مقاومتها وهي مشكلات تنبع من الخارج أو الداخل وغالبها يغذيها أعداؤنا ونحن لن نستسلم ويكفي أن أشير إلى أن هناك منظمات إسلامية وثقافية واجتماعية كثيرة تتصل ببعضها البعض لتنغلب على الظروف السيئة التي نعيش في ظلها وكل ما أعتقده هو أن التعليم في البلدان العربية والإسلامية يساهم في تعميق الأزمة الثقافية التي يعيشها العالم الإسلامي إن سميناها تجاوزًا بأزمة ثقافية ومازال التعليم في بلادنا يحتاج جهودًا كبيرة حتى يسهم في بناء الشخصية العربية المسلمة الناضجة المتميزة التي تتمسك بتراثها وفي الوقت نفسه تعيش مع المجتمع المعاصر بكل اشكال تقدمه، وأعتقد أن الشخصية العربية المسلمة المنشودة مازالت أملًا نسعي إلى إيجاده وإن كان التعليم يكون أحيانًا قاصرًا عن تحقيقها إذا كان بعيدًا عن التوجه الإسلامي الصحيح، كما أن غالبية البلدان العربية والإسلامية لا تعول عليه كثيراً في تقدمها وهذا فهم خاطئ يحتاج إلى مراجعة.

 

 الحرب المكشوفة ضد الهوية الثقافية في إريتريا

منذ دخول الإسلام إلى إريتريا عن طريق مصوع ميناء إريتريا في عهد البعثة النبوية والإريتريون مرتبطون بالعرب الذين هاجر كثير منهم إلى إريتريا واختلطوا بالسكان وتزاوجوا، والإريتريون غالبيتهم من العرب حتى النصارى.

وقد بدأ الإريتريون في تدريس اللغة العربية وهي لغة القرآن الكريم التي اختارها الله لذلك، وهذا التعليم لم ينظم التنظيم المعروف بل ترك للاجتهادات الفردية فكان الناس يتعلمون القرآن الكريم في الكتاتيب ولاسيما بعد وقوع إريتريا تحت الاحتلال الإيطالي البغيض الذي حرم أبناء إريتريا من  نعمة التعليم فقد قصرت إيطاليا التعليم على الصف الرابع الابتدائي حتى يؤدوا للإيطاليين المكتبية التي يستفيد منها الاحتلال الخدمات الإيطالي فقط.

 وجاءت الحرب العالمية الثانية وبحرت إيطاليا وطردت من إريتريا كما طردت من غيرها وقسمت «الغنائم» أي التي كانت واقعة تحت الاحتلال الإيطالي.

ووقعت إريتريا ضمن الأسلاب من نصيب بريطانيا التي احتلت إريتريا عشرة أعوام تقريبًا، ورغم أن بريطانيا خلفت أثارًا سيئة كما هي عادتها في خلق الفتن التي يصعب حلها إلا أن الشعب الإريتري أعاد أمجاده وقابل سياستها الكريهة بفتح المدارس وبدأت حركة تعليمية لا بأس بها واهتم الشعب الإريتري بتعلم لغته العربية من جديد وكذلك لغة النصارى الإريتريين «التجرينية» وهي لغة أهل اليمن القديمة أي الجنزية الحميرية وافتتحت المدارس العامة والخاصة والمعاهد العالية والدينية ونشطت حركة العلم بالهجرة إلى الدول العربية مثل: مصر والسودان وكانت هذه الهجرة مشيًا على الأقدام سواء إلى مصر أو السودان. 

وجاء العهد الأسود في عهد الإمبراطورية الإثيوبية أثناء حكم الإمبراطور هيلي سلاسي، ذلك الاحتلال المغلف بالوحدة بين إريتريا وإثيوبيا والتي فرضت من قبل أمريكا والدول الأوروبية حتى تجد إثيوبيا منفذًا بحريًا ولكن على حساب الشعب الإريتري، وأنه المنطق عجيب أن تحتل دولة دولة أخرى حتى تجد منفذًا بحرياً ولو كرهت الدولة الأخرى، وقضى هيلي سلاسي على اللغة العربية بأن إلغاءها إلغاء تامًا هي ولغة النصارى بحجة وحدة الشعب الإريتري والشعب الإثيوبي اللذين لا تجمعهما أي عوامل مشتركة متحديًا بذلك الأمم المتحدة التي أقرت اللغة العربية لغة رسمية في إريتريا بجانب لغة النصارى.

وكان إلغاء اللغة العربية حتى يفقد الشعب الإريتري أهم مقوماته وهويته العربية وفرضت عليه اللغة الأمهرية لتثبت إثيوبيا وحدة الشعب الإريتري والشعب الإثيوبي بالقوة. 

وبعد انفجار الثورة الإريترية أصبحت كل أدبيات الثورة تكتب باللغة العربية من عام ١٩٦١م وحتى عام ١٩٦٩م حينما عقد مؤتمر بالميدان مؤتمر جبهة التحرير الإريترية في منطقة أدوبحا بالساحل الشمالي من إريتريا يسيطر عليه الطابور الخامس وهم كوادر حزب العمل الشيوعي الإريتري هؤلاء الذين يعيثون الفساد في الأرض وهم الحاقدون على الإسلام لأنهم تربوا على موائد وعقليات اليهود والنصارى عقد ذلك المؤتمر وهناك أقروا تطوير اللغات المحلية المنطوقة غير المكتوبة وكل اللغات المحلية تكتب باللغة النصرانية في هذه الحالة وبهذه الحيلة الدنيئة تندثر اللغة العربية لا سمح الله وتحيا اللغة التجرينية لغة النصارى، والمنهزمون داخليًا من أبناء المسلمين لا يدرون هذا وخصوصًا في العهد الأغبر عهد القس أسياس أفورقي رئيس دولة إريتريا بعد التحرير والذي حارب ويحارب اللغة العربية والقرآن والدين الإسلامي بكل وقاحة وعلى المكشوف بمساعدة المنهزمين والسياسة المتبعة في ذلك هي وضع أحد أبناء المسلمين في موقع المسؤولية وهو يتلقى أوامره من نائبه النصراني، يقال إن هذا المسؤول المسلم هو الذي أمر بهدم كل شيء يتعلق بالإسلام والمسلمين وتلصق التهمة دائمًا بالمسلم. 

فهل يطمع الشعب الإريتري العربي بمؤازرة الشعوب العربية للحفاظ على لغته العربية التي حارب من أجلها ومن أجل دينه الإسلامي ووطنه طيلة ثلاثين عامًا؟ هل يطمع بأن يعيد لغته العربية إلى وضعها الطبيعي قبل أن يفوت الأوان؟ 

حامد حسين عبد الله- إريتريا

رواية الإسلام عن الإيدز تؤيدها البحوث الغربية

  • ١٦ ألف حالة إيدز جديدة تحدث يوميًا في العالم بينهما ١٦٠٠ طفل!

بقلم: د. محمد زكريا مطر

نبه القرآن في مواضع عديدة منه إلى أخطار شيوع الفاحشة والفساد، وبين مضار انتشارها في المجتمع، وتوعد مرتكبيها والمحرضين عليها والمروجين لها بعقاب في الدنيا علاوة على ما سيلاقونه في الآخرة من عذاب أليم، قال تعالى: ﵟإِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ﵞ (النور: ١٩)، كما جاء أيضًا في الحديث الصحيح، والذي حسنه الألباني: عن رواية ابن ماجة والبزار والبيهقي عن حديث ابن عمر y أن رسول الله r قال: «يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم - وأعوذ بالله أن  تدركوهن– لم تظهر الفاحشة في في قوم قط. يعلنوا بها، إلا فشي فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم......» إلى آخر الحديث. (أخرجه ابن ماجه (4019)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4671)، والحاكم (8623) باختلاف يسير(

ويعني الحديث أن تفشي الفاحشة والإعلان عنها والترويج لها يتبعه حتمًا تفشي الطاعون «الأوبئة» والعلل والأمراض المستجدة، التي لم تكن معروفة من قبل.

 وفي زماننا هذا وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا هجريًا، نجد أن ما ورد في القرآن والسنة قد تحقق تمامًا، إذ ظهرت أوبئة جديدة لم تعرفها الإنسانية من قبل، لم يسمع بها أحد أخطرها هو الوباء المسمى بمرض نقص المناعة المكتسبة، أو ما يطلق عليه اختصارًا بالإيدز AIDS، ويسببه فيروس يسمى فيروس نقص المناعة المكتسبة الإنساني HIV والذي اكتشفت أول إصابة به في الولايات المتحدة عام ۱۹۸۱م، وهذا الفيروس يهاجم خلايا كرات الدم البيضاء، وهي أساس جهاز المناعة في جسم الإنسان، حيث يقضي عليها، مما يضعف مناعة الجسم الطبيعية، ويقلل من مقاومتها للعدوى الخارجية، فيصبح الجسم بعد ذلك فريسة سهلة لأي إصابة بالأمراض الأخرى، والتي تسمى العدوى الانتهازية، حيث تستغل انهيار المقاومة الطبيعية التي يدمرها الفيروس في الجسم، لتقضي على المريض بعد ذلك في عدة سنوات. 

وتقدر منظمة الصحة العالمية حاليًا أرقامًا قد تصل إلى حوالي ثلاثين مليونًا من المصابين بهذا الداء «وما خفي كان أعظم» ثلثاهم في إفريقيا، وينتظر أن يبلغوا أربعين مليون مصاب بالفيروس في نهاية هذا القرن، وكل يوم تحدث حوالي ١٦ ألف إصابة جديدة في العالم، منهم حوالي ١٦٠٠ طفل، وترسم التوقعات صورة سوداء قائمة لوضع هذا المرض في المستقبل، حيث إن ٩٠٪ من المصابين به لا يعلمون بإصابتهم إلا بعد ظهور أعراض المرض في حالة متأخرة، مما يساهم في شدة انتشار الإصابة، ورغم ظهور هذا البلاء في البلاد الإسلامية إلا أن انتشاره محدود نسبيًا بسبب قيود العفة والقيم التي يفرضها الإسلام الحنيف على متبعيه، وهؤلاء الحاملون للفيروس مقضي عليهم بالموت خلال سنوات قليلة، حيث تبدأ ظهور أعراض مرض الإيدز، والتي يتبعها الموت المحقق بعد ذلك، وعلى الرغم من ما بذل من جهد، وما أنفق من أموال، والتي تقدر بحوالي ١٧٥ مليار دولار حتى الآن، فلم يتم التوصل إلى علاج ناجع لهذا المرض، بل لم يمكن الحد من انتشاره في بعض البلاد، إلا باللجوء إلى اتباع وسائل العفة والفضيلة. 

ولا ينتظر الباحثون التوصل إلى لقاح ضد المرض قبل حوالي 7 سنوات من الآن، كما أنهم لا ينتظرون لهذا اللقاح كامل الفعالية، بل يقدرون أن فاعليته ستكون في حدود ۳۰ ٪ فقط. 

كان الاعتقاد السائد لدى باحثي الغرب وعلمائه سابقًا، أن فيروس نقص المناعة الإنساني المكتسب وصل إلى الإنسان عن طريق القرود الإفريقية، حيث توجد بعض أوجه التشابه الوراثية بين فيروسات نقص المناعة الإنسانية HIV وتلك الفيروسات التي تصيب بعض أنواع القرود الإفريقية، والتي يطلق عليها اختصارًا SIV، فالسلالة التي يطلق عليها  1 HIVوهي إحدى سلالتي الفيروس الإنساني وأخطرها تتشابه مع أحد سلالات فيروس نقص المناعة التي اكتشفت في شمبانزي بري عام ١٩٩٠م في الجابون، بينما تتشابه سلالة الفيروس الإنساني الثانية 2 HIV مع السلالة التي تصيب نوعاً من القرود المسمى SOOTY MANGABEY والذي يعيش في غرب السنغال، ويطلق عليه القرد الأخضر، ويفترض أنه بعد انتقال الفيروس من القرد إلى الإنسان تغيرت بعض خواصه بحكم البيئة الجديدة التي وجد فيها، ثم تطور كل منهما كنوع مستقل عن الآخر، وكما يذكر هؤلاء الباحثون -أصحاب هذا الرأي- فإن انتقال الفيروس من القرود إلى الإنسان قد تم من خلال تعامل الإنسان مع هذه الحيوانات منذ آلاف السنين عن طريق العض والخدش أو أثناء ذبح الحيوانات المفترسة والتعرض لدمها الملوث، كما يشير البعض بأصابع الاتهام إلى أحد برامج التلقيح ضد شلل الأطفال الذي تم في إفريقيا في أواخر الخمسينيات وتم تجهيز اللقاح من خلال «كلى القرود الخضراء»، ويلمح البعض إلى شبهة حدوث اتصال بين الإنسان الإفريقي والقرود، أدى إلى انتقال الفيرس من القرود إلى الإنسان!!. 

وواضح أن هناك تحيزًا وتحاملًا، سواء على القرود الإفريقية أو على الإنسان الإفريقي المسكين لتحميلهم مسؤولية انتشار الوباء، حتى يتم تبرئة الغرب من هذه الجريمة. 

وحديثًا تطابقت آراء البحوث التي أجراها علماء الغرب في علم الفيروسات وأيدت ما ورد في القرآن والسنة بهذا الخصوص، إذ إنه في دراسة نشرتها مجلة نيوزويك بتاريخ ٢٢/٣/ ١٩٩٣م، ذكر د. جاي ليفي باحث الإيدز في جامعة كاليفورنيا، بأنه يعتقد بأن فيروسات نقص المناعة الإنسانية تتواجد في جسم الإنسان منذ القدم كما هو الحال بالضبط في القرود، وإذا كان الأمر كذلك فإن المطلوب هو البحث عن أسباب عدم ظهور الإصابة في الإنسان المصاب بالفيرس قبل الثمانينيات، وكذلك أسباب تحول هذا الفيرس من صورته الحميدة، الأقل ضررًا وانتشارًا إلى الصورة القاتلة الأكثر انتشارًا، والموجودة حاليًا. 

ويلقي باول أيوالد عالم الأحياء والتطور في كلية أمهيرست مزيدًا من الضوء على هذا الرأي، حيث يذكر أن فيروس نقص المناعة الإنساني والذي وجد في جسم الإنسان منذ القدم بصورة حميدة غير مسببة للضرر، وقليلة الانتشار، قد تحول إلى صورة خبيثة أو قاتلة أشد ضررًا وأوسع انتشارًا نتيجة لظروف مستجدة طرأت على الإنسانية في حقبتي الستينيات والسبعينيات، فيما سمي حينئذ بالثورة الجنسية في الغرب، إضافة إلى انتشار المخدرات وتنوع وسائل إدمانها وخاصة عن طريق الحقن الملوثة، وكذلك التطور الذي طرأ على إمكانات نقل الدم أثناء العمليات الجراحية، مع ما تزامن مع ذلك من حروب ومجاعات وهجرات وسياحة بين الدول، مما ساعد على سرعة وزيادة الاختلاط بين التجمعات الإنسانية، حيث وفر ذلك كله ظروفًا مناسبة للفيروس ليتزايد انتشاره. 

ويشرح إيوالد نظريته كما يلي: 

إن توضيح العلاقة بين الطفيل وهو الفيروس والعائل وهو الإنسان في حالتنا هذه، قد تمكننا من فهم هذه النظرية، حيث توجد دائمًا علاقة متبادلة بين الطفيل وعائله، ففي حالة نقص أعداد العائل أو قلتها، فإن الطفيل يسعى للحفاظ على عائله الذي يستمد منه المأوى والغذاء لأطول مدة ممكنة، حيث يعني موت العائل القضاء على الطفيل أيضًا قبل أن يتمكن من التكاثر والانتشار وإصابة أفراد جدد، وحتى يحافظ الطفيل على استمرار بقائه فإنه يلجأ إلى تقليل تكاثره وتخفيف أضراره على العائل المحدود العدد حتى يحافظ على بقائه لأطول فترة ممكنة. 

أما إذا توافرت أعداد كبيرة من العائل، يمكن للطفيل الانتقال إليها بوسائل انتقال سهلة ومتيسرة ليتمكن من إصابتها، فإن الطفيل في هذه الحالة لا يهمه موت أعداد كبيرة من العائل، حيث سيتمكن من إيجاد غيرها بسهولة، ولذلك فهو يتكاثر بشدة، وينتشر كثيرًا ويزداد بالتالي ضرره وتتمكن سلالات الطفيل الأقدر على التكاثر بسرعة والأكثر تكيفًا مع البيئة، من أن تسود على غيرها من سلالات وتصبح شديدة الضرر أو مميتة للعائل. 

وهذا ما حدث بالضبط لفيروس نقص المناعة الإنساني، حيث وفرت وسائل الاتصال السهلة والتي وفرتها الظروف المستجدة التي أتاحها انتشار الفاحشة وغيرها، فرصًا مناسبة للفيروس وأكثر ملاسة له، ليتمكن من الانتقال إلى أفراد جدد وإصابتهم بأعداد كبيرة، مما زاد من معدلات تكاثره وانتشاره وتحوله من الصورة الحميدة إلى الصورة الخبيثة أو القاتلة التي نعرفها اليوم، والتي لا يهمها بقاء العائل أو موته مادام يوجد بأعداد كبيرة، وهو متوافر في كل الأوقات، ومما ساعد على زيادة درجة الخطورة، قدرة هذا الفيروس على الطفور MUTABILITY أي التغيير الكبير في ترکیبه الوراثي باستمرار، والذي يعادل ملايين المرات مثيله في الخلايا الإنسانية، مما يساعده على التأقلم بدرجة كبيرة مع الظروف المتغيرة وعلى مقاومة الأدوية والعقاقير التي تعطى للمصابين به للمقاومة والعلاج. 

وقد تدعمت هذه النظرية ببعض الملاحظات كما يلي:

  1. هناك بعض حالات من الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة حدثت منذ مدة طويلة، ولم يظهر على المصابين بها أعراض مرض الإيدز حتى الآن، ومن هذه الحالات حالة المدعو روب أندرسون والذي أصيب بالفيروس منذ عام ۱۹۷۹م، ومازال جهازه المناعي يعمل بصورة طبيعية حتى الآن، رغم أنه لم يتعاط أي عقاقير أو أدوية بعد إصابته، وذلك طبقاً لما ورد في مجلة TIME الأمريكية بتاريخ ٢٢/٣/ ١٩٩٣م، وتضيف المجلة أنه يسود اعتقاد بأن هناك نسبة قدرها 5٪ من مجموع المصابين في الولايات المتحدة الحاملين الفيروس نقص المناعة، والذين يبلغ عددهم حوالي مليون مصاب أي ما يقدر بأكثر من ٥٠ ألف حامل فيروس، تعتبر إصابتهم مماثلة لهذه الحالة السابق ذكرها. 

كما ذكرت مجلة – SCIENTIFIC AMERICAN في عددها الصادر في مايو ١٩٩٤م حالة سيدة أصيبت بالعدوى عام ۱۹۸۳م، وظل جهازها المناعي سليمًا ولم تظهر عليه أعراض الإيدز، وقد أوردت مجلة نيوزويك في عددها الصادر بالإشارة إليه رواية أخرى عن عدد من الحالات المصابة بفيروس نقص المناعة، والتي نشأت إصابتها من مصدر واحد، وقدرها ٢٦ حالة، ولم يظهر على هذه الحالات أعراض المرض، وظلت الأجهزة المناعية للحالات الـ٢٦ تعمل بصورة عادية، وتدل هذه الواقعة على أن ظهور أعراض مرض الإيدز على الحالات كلها، ليس ناتجاً عن وجود مقاومة وراثية عند هؤلاء الأفراد للفيروس، إذ إنه لو كان ذلك صحيحًا لظهرت أعراض المرض على بعضهم ولم تظهر على البعض الآخر، لأنه لا يمكن أن يتشابه تركيب وراثي لشخصين أبدًا، ولا بد من وجود الاختلافات الوراثية بينهم، ولكن عدم ظهور الإصابة على جميع هذه الحالات المصابة من مصدر واحد يدعم الرأي القائل بأن هذه الإصابات نتجت عن سلالة حميدة أو غير ضارة من فيروس نقص المناعة الإنساني المكتسب، أنت من المصدر الوحيد الذي أصاب هذه الحالات جميعًا. 

  1. تنتشر سلالة الفيروس الإنسانية لنقص المناعة 2 HIV في منطقة غرب إفريقيا في السنغال، وتعتبر مسؤولة عن حوالي ١٠٪ من حالات الإصابة بمرض الإيدز، وهذه السلالة تعتبر أقل ضررًا من السلالة 1 HIV، حيث تظهر أعراض الإصابة بالإيدز بعد انتقال فيروس هذه السلالة للمصاب بمدة طويلة قد تصل إلى ٤٠- ٥٠ عامًا، والعجيب أن هذه السلالة تتوطن في مناطق غرب إفريقيا الأكثر محافظة من ناحية العلاقات الجنسية، والتي هي أقل تعرضًا  للحروب والهجرات، حيث تقل إمكانات الاتصال بين الأفراد، وبالتالي يقل انتقال الإصابة إليهم.

 أما السلالة الإنسانية 1 HIV الفيروس نقص المناعة المكتسبة وهي الأشد ضررًا وخطورة وانتشارًا في العالم، والتي تعتبر مسؤولة عن حوالي ٩٠٪ من الإصابات بمرض الإيدز، وتقضي على المصاب في فترة لا تتجاوز خمس سنوات، فهي تتوطن في مناطق شرق إفريقيا الأقل محافظة والأكثر هجرة، حيث تشيع العلاقات، وتزداد الحروب والهجرات والمجاعات، مما يساعد على انتقال الفيروس بين الأفراد بسهولة وبسرعة، وذلك مما يساعد على زيادة انتشاره، نتيجة لتوافر أعداد كبيرة من العائل. 

وهناك أوبئة جديدة

لا يعتبر فيروس نقص المناعة المكتسبة HIV الوباء الجديد فقط، فلقد تعرف العلماء ما يزيد على ۱۲۱ مرضًا جديدًا، لم تكن موجودة من قبل أصابت الإنسانية في العقود القليلة الماضية، وإن كانت هذه الأمراض لم تصل حتى الآن إلى حجم الضرر الذي يسببه الإيدز، إلا أنه يخشى من تحولها إلى أوبئة خطرة واسعة الانتشار عندما تتهيأ لها الظروف الملائمة، ومن هذه الأوبئة أمراض EBOLA, HTLV المشابهة للإيدز وحمى الدنج DUNGUE، ومرض JUNIN وغيرها مما لا يتسع المقام هنا للإفاضة فيه، وقانا الله شرها، وآخرها انفلونزا الدجاج والتي تنتقل إلى الإنسان، وظهرت أخيرًا في هونج كونج. 

ويأتي العلم من الغرب ليؤيد ما جاء به الإسلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، ويثبت من خلال بحوثه بالدليل القاطع أنه علاج للإيدز، ولا نجاة منه إلا باتباع أوامر الإسلام وتجنب نواهيه والالتزام بمبادئه، فالحل الأمثل لكارثة الإيدز هو باتباع مبادئ العفة والطهارة، فذلك هو العلاج الشافي والناجع، ولا علاج غيره. 

الرابط المختصر :