العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1234)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997
مشاهدات 98
نشر في العدد 1234
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 14-يناير-1997
ومضة
عندما يتعب الفكر، نتيجة اعتلال أو سامة ويتعثر القلم بيد صاحبه تحت تأثير ضعف الرؤية. وانعدام التركيز الذي يؤدي إلى التخبط ومن ثم يتشتت الذهن أمام حجة دامغة تكشف عواره وتفضح سقمه... عندها لا يلام الكاتب إذا مال إلى عرض الشذرات، أو الاستعانة بالطرائف في محاولة لملء فراغ الفكر الغائب، وأداء حق الصحيفة في مقال أسبوعي.
لكن اختيار الشذرات أو الطرائف يدل مرة أخرى على نوعية الفكر ومساحة الأفق وعمق الاستشهاد الذي يتمتع به صاحب الاختيار... ولنضرب مثلًا بدكتور في الأدب يكتب عن «الجاحظ» هل تراه يتكلم عن بلاغته؟، وأنس ألفاظه ورشاقة عباراته أم أنه سيكتب عن مكانته وتأثيره في مجتمعه وتفوقه على أقرانه، أم أنه سيتناول المعين الثقافي الذي آمده بأفكاره ودفعه لتبني آرائه، أم أنه سيوجز ذلك كله في نقاط تحدد معالم شخصيته، وتعطي فكرة موجزة عن أدبه، وروعة أسلوبه وبيانه وتبيينه، وتعرض لبعض المواقف التي لا تخلو من فصاحة أو فكاهة أو عبرة.
ما رأي القارئ لو أن دكتور الأدب أغفل كل ذلك من حياة الجاحظ وانشغل بتصوير عينيه الجاحظتين والكلام عن بروزهما عن مستوى وجهه، أو أنه ترك الجانب الأدبي والمجال العام من حياته، وركز على النقاط بعض المفردات شديدة الخصوصية وتسقط بعض الهفوات الشخصية البحتة التي لا علاقة لها بما اشتهر به الرجل من أدب ومن حكمة ومن ثقافة عريضة، واطلاع واسع. وريادة معرفية... أنا أعرف إجابة القارئ ونظرته لهذا الدكتور الذي يغوص في التوافه، ويتجنب إبراز «العظائم» والحديث عنها!!
هذا ما فعله دكتور العلوم السياسية وهو يتحدث في شذراته عن الخلفاء، فقد نسي أن واحدهم، كان رمزًا لوحدة الأمة وتضافر جهودها، كما نسي أن جيوشهم كانت تجوب المشرق والمغرب ترد المعتدي وتؤدب الخارج وتحافظ على الكيان الكبير، ومن الطبيعي مادام قد فقد ذاكرته أن ينسى المعاهد والجامعات والوان العلوم والمعارف التي انتشرت في عهودهم، وأنواع المذاهب والأفكار التي راجت في زمانهم وكذلك البحوث والدراسات والندوات والمناظرات إلخ، ولا يذكر من كل هذا التاريخ المجيد إلا الفم الأبخر والأنف الأفطس وزلة القدم الشخصية والتي لا تمس الشأن العام من قريب أو بعيد... إذا كان هذا منطق أستاذ العلوم السياسية وهو يتحدث عن الخلفاء، فماذا بقي للفكر الضحل الذي يتميز به المهرجون التافهون؟.
واحة الشعر
شعر: أحمد محمد الصديق
أنزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ يا ربي *** وابعث فيوض الخير والخصب
أنتَ الغَنِي.. وما سواكَ لَنا *** عون على اللواء والكرب
دعواتنا يا رب خالصة *** مُرْجَتْ بذَوْبِ الروح والقلب
الأرض يا رحمن ضارعة *** ترجو طهارتها من الحوب
وتشققت منها الشفاه.. وقد *** عَرِيَتْ مِنَ الأَزهار والعشب
تعوي الرياح بها.. وَتَسْفَعُها *** بعواصف الأهوال والرعب
مكحولة بالشوك أعْيُنُها *** وأديمها عن فقرها ينبي
وشياهنا العَجْفَاء هاجعة *** منورة عبر المدى الرحب
تَجْتَرُ أوهام السراب على *** سام.. بلا نَبْت وَلَا قَضْب
حتى النمالُ.. وَكُلُّ ذِي كَبد *** حرى... يقلبها على الترب
أو طائر في عشه غرد *** يشكو إليك ضراوة الجذب
يا رب أدركنا.. فما كشفت *** إلا يداك غوائل الخطب
هو ذا السحاب يمر صيبه *** فَتَصْدُهُ عَنَا يد الذئب
يا رب نحن الخاطئون.. وقد *** أبْنا إِلَيْكَ بصادق التوب
فامنن بسقيا رَحْمَة ورضى *** تحيي البلاد بوافر السكب
فَتُدِرُ أَضْرُعْنا وَأَرْبَعُنا *** ريانة.. بنمائها الرطب
أرواحنا يا رب ظامئة *** ترجو كريم عطائك العذب
وخروجها من ضيق محنتها *** وخلاصها من قيدها الصعب
ورجاؤنا ألا يخيب لنا *** أمل.. وَلَا تَنْأَى عَنِ الدرب
حتى يعود المَجْدُ منتصرًا *** وترفرف الرايات في الركب
القرضاوي والندوي في جدة للمشاركة في اجتماعات رابطة الأدب الإسلامي العالمية
الدوحة: حسن علي دبا
غادر الدوحة فضيلة العلامة د. القرضاوي د يوسف القرضاوي متوجهًا إلى جدة ليحضر اجتماع رابطة الأدب الإسلامي العالمية التي يترأسها سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي المفكر والداعية الهندي المعروف، ويشارك د. القرضاوي في عضويتها منذ نشأتها في «لكنهو» بالهند في... ١٤٠١هـ. ١٩٨١م. وصرح فضيلته قبل سفره بأن الوجيه المعروف عبد المقصود خوجه هو الذي يستضيف هذا الاجتماع في جدة، وذلك للنظر في أمور الرابطة وتطويرها ودعمها في المملكة العربية السعودية ماديًّا وأدبيًّا.
ومن المعروف أن رابطة الأدب الإسلامي تهدف إلى تعريف الأدباء الإسلاميين على اختلاف لغاتهم وأجناسهم - ببعضهم بعضًا وجمع كلمتهم وإقامة التعاون بينهم ليكونوا قوة إسلامية سلاحها الكلمة الملتزمة بالإسلام، كما تعمل على تأصيل نظرية الأدب الإسلامي وإظهار الملامح السائدة فيه قديمًا وحديثًا، وتحقيق مبدأ عالمية هذا الأدب، كما ترمي إلى تأصيل نظرية النقد الإسلامي على أن تتصف بالموضوعية والإنصاف بعيدًا عن القوالب المستوردة والأساليب المبهمة، ورسم منهج إسلامي مفصل للفنون الأدبية الحديثة «القصة المسرحية السيرة الأدبية التمثيلية المسموعة والمرئية»، كما تهدف الرابطة إلى الاهتمام بالتفسير الإسلامي للأدب وإعادة كتابة تاريخ الأدب العربي من وجهة نظر إسلامية، مع إظهار صلة الأدب الإسلامي الحديث بالقديم، رافضة للانفصام بينهما وتشجيع الأدب الذي يهتم بقضايا المرأة المسلمة، ورسم منهج إسلامي لأدب الأطفال والشباب.
الفيلسوف الثقافي «رجاء جارودي»:
● الإسلام هو حجر الزاوية لكل الثقافات الممتدة في أرجاء الأرض.
● الحساب الختامي للحضارة الأوروبية.. هو التبعية والبطالة والاستعباد.
• جارودي: نحن نردد مع «إقبال»: علينا ألا نقرأ القرآن بعيون الموتى.
القاهرة: محمود خليل
في واحدة من أهم محاضراته الفاصلة، أوضح الفيلسوف المسلم رجاء جارودي بالقاهرة مؤخرًا كيف أن الفكر الغربي يحتوي على اختلالات اجتماعية، ومآس إنسانية، وكيف ينطوي الإسلام على إمكانياته الهائلة كبديل حضاري يتطلع إليه العالم، ومدى ما يستوجبه ذلك من المسلمين لتحديث فكرهم ومواكبتهم للعصر استنادًا إلى ثقتهم في دينهم المجيد، الذي يمثل حجر الزاوية لكل الثقافات الممتدة في أرجاء الأرض، ويمثل الغاية التي يتوقف عليها مستقبل الإنسان والبشرية.
وكان جارودي قد القى سلسلة من المحاضرات بالقاهرة أمام هيئة التدريس بجامعة عين شمس، واتحاد الفنانين العرب ونقابة الصحفيين المصريين... متناولًا عددًا. من أهم وأخطر القضايا التي تمثل المحاور الأساسية للصراع في المنطقة، وعلى رأسها الحداثة والديمقراطية والديون، والأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية.
وأوضح جارودي أن الحداثة الغربية المزعومة، التي تفرض علينا ماهي إلا ديانة تجرؤ على الإفصاح عن اسمها، لأنها في حقيقة الأمر عبارة عن وحدانية لا السوق، التي اختص الغرب نفسه بها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد خمس سنوات من هذه الهيمنة دون منازع، توصلت هذه الثقافة إلى كل التناقضات التي حددتها افتراضاتها الأولية.. فقد انتهت إلى:
أ - تلوث الطبيعة وتلفها والإمكانية التقنية لتدميرها.
ب - تزايد كبير وخطير للعنف البشري.. فإن منطق السوق بما يتضمنه من ضغوط حالية ومنافسات مستقبلية إنما هو منطق حرب يخلق كل ألوان عدم التوازن بين الشمال والجنوب... يؤدي إلى تراكم الثروة في جانب وتراكم الفقر في الجانب الآخر.
ج - خلقت أمريكا من العالم نوعًا من الغاب لتناحر السلطة والمتعة وفوضى العنف في دعواها تسيير العالم بدلًا من الله.
وكانت النتيجة من جراء ذلك أن زاد نصيب الـ %٢٠ الأكثر ثراء في العالم من ۷۰ % إلى ۸۳ %من الدخل العالمي، أما العشرون بالمائة الأكثر فقرًا فقد انخفض نصيبهم إلى أقل من ١,٥% وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال يسيطر ١%من الأكثر ثراء على %٤٠ من الثروة القومية، وذلك وفقًا لإحصائيات عام ١٩٩٥م.
وإن الحساب الختامي لانهيار الحضارة الغربية ثقيل للغاية، ولا يمكن تصور إدارة أسوأ لكوكبنا من ذلك، ونحن نعجب كيف يعطينا هؤلاء دروسًا في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
الحرية في التهام الأضعف:
و«الحداثة» الغربية... التي هي في مضمونها وحدانية السوق هي الانهيار الكامل للعلاقات الاجتماعية، لصالح منظور «دارويني» اجتماعي يتلخص في منح الأقوى الحرية في التهام الأضعف، ونحن نرفض هذا التضليل الآثم الذي يتسم به ما يعرف باسم «التجارة الحرة»، والسؤال الآن هو: هل ستترك الإنسانية لتصلب على هذا الصليب الذهبي؟
والحق - كما يقول جارودي - أننا نرى بصورة واضحة وجلية آثار وحدانية السوق الذي تعتبر النتيجة العليا «للحداثة»، الغربية من تدهور في العلاقات الاجتماعية في نظام قال عنه «هوبز» عند نشأته- إن الفردية والمنافسة يجعلان من الإنسان وحشًا لأخيه الإنسان.
ففي فرنسا تم تسجيل ١١٥٠٠ حالة انتحار عام ١٩٥١م مقابل ١١٦٠٠ عام ١٩٩٢م و۱۲۰۰۰ عام ۱۹۹۳م، وبالنسبة للجرائم زاد عدد الجرائم حتى بلغ خمسة أمثال ما كان عليه عام ١٩٦٥م.. أي زاد من ۸۳۷۰۰۰ جريمة وجنحة إلى ٣٨٠ عام ١٩٩٠م و٦٦٠٠٠ جريمة مخدرات عام ١٩٩٢م مقابل ١٠١٠٠ عام ١٩٨٥م.
ويتجاوز اليوم عدد الذين يعانون من البطالة في فرنسا ثلاثة ملايين فرد، وتكاد تتكرر نفس الصورة في كل البلاد التي تسود فيها فكرة «الحداثة» و«وحدانية السوق».
وفي الاتحاد السوفييتي، منذ إقامة النظام الرأسمالي عن طريق الدعارة السياسية التي يمارسها يلتسين... ازداد استهلاك المخدرات حتى بلغ نفس مستوى الاستهلاك في الولايات المتحدة، التي تعتبر رائدة في مجال التدهور، حيث بلغ رقم الأعمال في مجال المخدرات، نفس قدره في مجال صناعة السيارات والصلب.
ثم بدأ جارودي في مناقشة الفرضيات التي تنطوي عليها الحداثة الغربية. وبين كذبها وافتراها واحدة واحدة.. ففي مقام الديمقراطية... انتقل هذا الفرض من ملاك العبيد إلى ملاك الثروات إلى «ملاك الشعوب».. وذلك بدأ من ديمقراطية أثينا التي حكم فيها ۲۰ ألفًا من المواطنين الأحرار مائة ألف عبد محرومين من كل الحقوق.. إلى ديمقراطية «بوش» و«كلينتون» و«ميجور»... هذه الديمقراطية التي جعلت الورقة النقدية تحل محل البطاقة الانتخابية.
وعلى سبيل المثال، يحتاج الشخص إلى «٥٠٠ مليون» دولار للقيام بحملة انتخابية ليصبح عضوًا في مجلس الشيوخ أو النواب.
ونحن نقرر مع «روسو»، الذي قال في العقد الاجتماعي: أبدًا لم يحدث أن
كانت هناك ديمقراطية لسببين:
- انعدام الإيمان العام في الموت والحساب والحياة الأخرى.
- تفاوت الثروات.
وبالقطع... يحول هذان السببان دون تكون الإرادة العامة التي تمثل حجر الزاوية المفهوم الديمقراطية الحقيقية.
وقد برهن القرنان الماضيان.. والسنوات الخمس الأخيرة على وجه الخصوص... على صدق هذه الرؤية، كما يبدو واضحًا اليوم للعيان... كذب التماثل القائم بين الديمقراطية وحرية السوق... وهذا من مبادئ السياسة الأمريكية المخادعة.
ثم بدأ «جارودي»، في عرض البديل الإسلامي لهذه المعضلات الحضارية من تزييف للديمقراطية. وانفلات للسوق... وتراكم للديون وسحق الحقوق الانسان.. فقال:
ينبغي علينا أن نعلم أن الظروف الآن مهيئة لنهضة إسلامية حقيقية تكون باعثًا للعالم من جديد.
وعلى العالم كله أن يعلم أن التوسع الكبير للإسلام في القرن الأول الهجري لم يكن أبدأ غزوًا عسكريًّا، فسكان شبه الجزيرة العربية كان عددهم ضئيلًا إذا ما قيس بهذا التوسع الهائل، كما أنه لا سبيل للمقارنة بين تقنياتهم العسكرية، وتقنيات الإمبراطوريات العظمى في بيزنطة وفارس.
وكان لهذا النجاح الباهر ثلاثة أسباب هي:
- التجديد الديني.
- الثورة الاجتماعية.
- الطفرة الثقافية.
وهذه الأصول الثلاثة هي التي تحدد الرسالة الاجتماعية لأي مجتمع إنساني رشيد، لأن الدين يستثني أي نظام اجتماعي قائم، يكون فيه المال هو أساس التسلسل الاجتماعي، وهذا هو ما يذكره القرآن دون مواربة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)﴾ (الإسراء: ١٦).
من تلك المبادئ العادلة، والقابلة للتجديد والمواحة نشأ مجتمع المساواة. وأوضح جارودي أن التوجهات الاجتماعية الكبرى التي يقوم عليها القرآن في إقامة الزكاة، وخطر الربا، وإدانة كنز الثروات هي التي أرست دولته ومكنت له في البلدان التي فتحها وحررها من قيود العبودية والاستغلال، وعلم الناس من خلال مبادئ هذا الدين «التكيف الحضاري».
وليس عجبًا أن نذكر البشرية الآن بأن الرسول محمد هو رسول البشر أجمعين، يبشرهم بالديانة الأولى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾ (الروم: ٣٠).
وهذا النداء موجه لكل الشعوب... إنقاذًا للبشرية من الهاوية المحققة، ثم دلل «جارودي» على إفساد الأنظمة الاستعمارية إبان إدارتها لمستعمراتها، الأمر الذي أدى إلى اختلالات جوهرية في إدارة ثروات الشعوب وتثمير طاقاتها وتوجيه إنتاجها زراعيًّا وصناعيًّا.. موضحًا أن هناك ٤٥ مليون شخص يتوفون بسبب سوء التغذية والفقر، منهم ١٥ مليون طفل دون الخامسة، وأعتقد أن تلك الكارثة من نتائج صندوق النقد الدولي.
من يدين الآخر؟
وعقب هذه المحاضرات قام جارودي بالرد على الأسئلة.. معربًا عن اعتذاره عن الرد على الأسئلة الشخصية أو غير المهمة.
فعقب على سؤال حول مدى حاجة البشرية إلى تنظيم جدير للعدالة الاجتماعية سواء في الدولة الواحدة أو الدول المتعاونة
فقال: لابد من إيجاد نظام جديد لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، مما
يساعد الأمم التي تحتاج حقًا للمساعدة.
ثم فجر «جارودي»، قنبلة مثيرة حين قال: أعتقد أن أول إجراء يجب
اتخاذه هو رفض دفع الديون وعندما ضجت القاعة بالصخب قال: لماذا؟.. لماذا؟ ثم أضاف أولًا: يجب أن تتساءل؟؟ من يدين الآخر بالأموال؟
من هو الطرف المدين؟ ومن هو الطرف الدائن؟
ثم قدم عددًا من المبررات المحزنة لنظرته تلك.. فسأل الحاضرين قائلًا: من الذي دفع ثمن ١٨٥ ألف طن من الذهب لبيرو؟... ومن الذي دفع ثمن القطن لمصر والتجارة للهند؟ ومن الذي دفع لإفريقيا ثمن سجن واعتقال ۲۰ مليون إفريقي، والسبب الثاني لرفض دفع الديون يتضح من إجابتنا على السؤال التالي: لماذا هذه الدول مدينة؟
ذلك لأنها في زمن الاستعمار، قامت الدول المستعمرة بالإهمال المنهجي المتعمد والمنظم لزراعات هذه الدول الأساسية، وبنائها التعليمي والاقتصادي ربط زراعاتها الأولية بآلات الغرب.. من هنا فإن الامتناع عن دفع الديون إنما هو عمل مشروع لهذه الشعوب المقهورة.
ثم عرض المفكر المسلم الكبير «رجاء جارودي» لأهم مفردات محاضراته تلك.. وذلك بتقديم القناعات العقلانية والتاريخية في طرح الإسلام كبديل.
فقال: إن الإسلام وهو دين التوحيد هو حجر الزاوية في كل الثقافات الممتدة في أرجاء الأرض... والمسلمون لم يقتصر عطاؤهم الحضاري على منهجيتهم العلية فقط «أي العقلانية».. ولكنهم أمدوا البشرية برصيد هائل من الاكتشافات والابتكارات.. وقاموا بحل العقدة التاريخية في إقامة الترابط المتين بين «العلم والحكمة»، ووضعوا فلسفة العلوم في أعلى مراتبها الإيمانية.. والتي تربط الأسباب بالغايات.
والإيمان ليس إلغاء للعقل... ولكنه عقلانية بلا حدود، ثم قام جارودي، بالرد بقوة على المعارضين لتطبيق الشريعة الإسلامية واصفًا إياهم بأنهم «الأعداء» وتناول شبهاتهم القائلة بأن الشريعة الإسلامية إنما هي تطبيق لأفكار قديمة بائدة مثل قطع الأيدي كنوع من العقاب..
فقال جارودي: هؤلاء يخلطون خلطًا فاضحًا بين الشريعة والفقه.. فالشريعة هي الحقيقة التي جاء بها القرآن والسنة، وهي التي تقوم على تنظيم وتوضيح بناء المجتمع، أما الفقه، فهو الاجتهاد في فهم هذه الأحكام... وأمامنا الأمثلة الناصعة في فهم وتطبيق المبادئ الشرعية، وفق الظروف والأحداث بما يوائم تطورات العصر ومستحدثات الأيام والوقائع.
فالله تعالى وحده هو الذي يأمر، وهو الذي يرجع إليه في كل شيء في الأرض والسماء.. إنما الفقه الإسلامي هو الذي يتصف بتلك المرونة في التطبيق والتجديد طبقًا لوقائع ومستحدثات الناس ومعايشهم، ثم قال: إن التفريق بين الشريعة والفقه أمر ضروري لعدم حدوث انقسام يؤدي إلى عزل الإسلام الصحيح عن أفهام الناس... ولا يشغب في هذه النقطة إلا المغرضون من الأعداء.
ثم أنهى المفكر المسلم الكبير «جارودي» قائلًا: إن مستقبل الإسلام اليوم يتوقف على الجهود التي ينبغي علينا أن نبذلها لإظهار كافة أبعاده، بنفس الشكل الذي كانت عليه في الماضي والتي شكلت عظمته، وشكل تطبيقها قاريًّا لنجاة الناس، وأكد جارودي على ضرورة الخروج من هذه الثنائية الخطيرة وهي هل نحاكي الغرب تمامًا أم نحاكي ماضينا تمامًا؟
قائلًا: إن الذين ينظرون إلى المسيرة الإسلامية من هذه الزاوية الحادة مخطئون، لأنهم يبتسرون العطاء الإسلامي الهائل، ويقللون من قدرته على المواجهة والاستيعاب والتطور... وعلينا أن ندخل إلى المستقبل بطاقاتنا التي ينطوي عليها الإسلام في رؤيته المستقبلية، ومشاريعه الإبداعية، التي تمثل الحداثة الحقيقية... بعيدًا عن حداثة الدولار الزائف، واحتكار السوق.
ثم طرح جارودي ثلاثة أبعاد لهذه الرؤية المستقبلية هي:
أولًا: البعد العالمي الذي ينبغي معه تجاوز الإسلام المنطقة الشرق الأوسط وطرحه عالميًّا كما كان في تاريخه المجيد.
ثانيًّا: البعد الاجتماعي الذي تطرح معه العدالة الاجتماعية كمرجعية لإنقاذ العالم من إذلال الربا، واستقطاب الثروات وبؤس الطبقات.
ثالثًا: البعد النقدي الذي يبين مرونة هذا الدين، وثباته في مواجهة كل التقلبات الفكرية والحياتية للناس، وصلاحه لكل العصور والأمور... ولا يجب أبدًا أن نكون ممن قال فيهم «إقبال» فيلسوف الإسلام «إنهم يقرؤون القرآن بعيون الموتى»؛ لأن هذه الروح النقدية هي القادرة على إعادة بناء الفكر الإسلامي، وهي القادرة على شفاء المسلمين من مرضهم الأكبر المتمثل في قراءة النصوص المقدسة بعيون الموتى، لأن ذلك يعتبر خيانة للقرآن والسنة.
ثم انهالت الأسئلة بعد ذلك على «جارودي»، وتمحور معظمها حول استراتيجية المواجهة الفكرية والاقتصادية في ظل النظام العالمي الجديد... فقال: إن الولايات المتحدة لا تقوى على أي مواجهة اقتصادية.. فهي أكبر بلد مدين في العالم، وبناؤها الادخاري ينهار بشكل مخيف، وكما أسلفت: فإن البنوك قد تخلت عن رسالتها الحقيقية في الإنتاج الأمر الذي جعل البنوك الأمريكية مدمنة للمضاربات، مما أدى إلى إفلاس أكثر من ١٠٠ بنك أمريكي عالمي.. وذا معناه أن المقاطعة للاقتصاد الأمريكي يعني أنها لن تصمد أمامه أبدًا، ثم قال المفكر الكبير: إنه يتفرغ الآن لإعداد كتاب حول هذا التدهور الأمريكي، وانحلال عقدة النظام العالمي الجديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل