العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1217)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
مشاهدات 92
نشر في العدد 1217
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
ومضة:
لم يكن قد مضى وقت طويل على اللقاء الذي شعر فيه صاحب اللكنة الأجنبية، بكثير من الحرج، حتى نقول إنه نسي ما حصل عندما عاود الكرة في محاولة لاستعادة الهيبة، ومن ثم الرجوع إلى موقع التأثير الذي أزيح عنه مرغمًا، في المرة السابقة، مما يبين حجم الضغط الذي تمارسه الجهات المسؤولة على مثل هؤلاء الأفراد، لكي يستمروا في تنفيذ برامجها الهادفة إلى استلاب الإرادة الحضارية، بعد أن توقع أكبر عدد من الإصابات على جبهة الصراع الفكري وتؤدي بالخصوم -في حالة نجاحها- إلى هزيمة نفسية منكرة، تفتح الباب واسعًا لتحقيق نجاحات أخرى، في معركة إثبات الذات الحضارية، التي تعتمد على محاولة طمس الآخر أو استئصاله إن أمكن، متجنبة في ذلك كله اللجوء إلى الحوار النزيه وغير الموجه أو المرتب سلفًا، لأن ذلك النوع من الحوار يعطي كافة الأطراف فرصًا متساوية ومتكافئة، ولا يؤمن لهم نتائج مضمونة، وربما أظهر فيه الخصم بعض التفوق، مما يكشف تبجحهم، ويعري ادعاءاتهم التي يعملون دائمًا على إعلانها وتثبيتها في أذهاننا حتى تستمر حالة الاستلاب ويسلم لهم موقع الهيمنة والسيطرة الحضارية.
قال - وقد استعاض عن الغطرسة السابقة، بتصنع الحكمة والاتزان، والتسلح بقدر من الواقعية-: إن لكم أن تحلموا بالارتقاء إلى الحل الأخلاقي، ولكن ألا يجدر بكم تحسس مواقع أقدامكم، لتروا أنكم في مؤخرة الأمم، وفي ذيل القافلة العالمية، وإن مشروعكم الحالم يتطلب قدرات لا تمتلكونها، وآليات غير متوفرة لديكم، مما يجعل محاولتكم التسابق معنا ضربًا من العبث والجهد الضائع، فلماذا تصرون على التمرد وترفضون الاعتراف بالهزيمة والرضوخ لإراداتنا؟ أليس من الأجدى لكم أن تنضووا تحت لوائنا؛ لتسعدوا ببعض منحنا وأعطياتنا؛ ونحن نمتلك منها أصنافا وأشكالًا كثيرة، وقبل أن يجيبه أحد غادر المكان تاركا لكلماته الاستفزازية أن تعمل عملها في نفوس الذين استمعوا إليه.
لكن أين تراه يذهب؟ سيعود ثانية، وسيسمع الرد على تحديه السافر.. أهم من ذلك أن التحدي الذي يواجهنا به سيزيدنا تصميما على رفض الاستسلام.
مقدمة في تجديد الفكر الإسلامي (2 من 2)
فوضى المرجعية واعتناق الفلسفة المادية
هناك أقلام كثيرة وكبيرة عبثت بأصول القياس في محاولة مستميتة لإخضاع الإسلام للتوجهات السائدة.
إن لكل فكر مصادره المعتمدة وفكرنا يكون إسلاميًا إذا نبع من المصادر الإسلامية
بقلم: الدكتور أحمد عبد الرحمن (*)
(*) كاتب ومفكر مصري.
في حسباني أن الاضطراب الشديد الذي نشأ بين مفاهيم التجديد التي وصفنا طرقًا منها فيما سبق، مسئول إلى حد ما عن فوضى المرجعية التي نريد أن نصفها الآن، فقد حاول كل فريق أن ينتصر لرأيه، وأن يسانده ويعضده بأقصى ما يطيق ولأن شعوبنا العربية مسلمة في أغلبيتها الساحقة، ولا تقتنع أمثال فرويد أو دارون أو هيدجر، اضطر الفرقاء جميعًا من أنصار الإحياء والإحلال القرآن من عليه إلى اللجوء إلى التراث الإسلامي، حتى إن بعض الملاحدة من الماديين أخذ يستشهد بآيات الكريم والأحاديث النبوية، وقد انتهى الأمر إلى فوضى شاملة، وراح كثير من الكتاب يخطف خطفًا أقوال الصحابة -رضي الله عنه- أو يستند إلى شرع من قبلنا، وإلى مأثورات ومرويات كثيرة عن سيدنا موسى - عليه السلام- ولم يتورع كبار الكتاب عن الاستشهاد بأقوال مرسلة، منسوبة إلى مجاهيل أحيانًا، وحتى الأطفال صاروا مراجع معتمدة في تقرير أخطر الآراء! وعبثت أقلام كثيرة، وكبيرة، بأصول القياس في محاولات مستميتة لإخضاع الإسلام للتوجهات السائدة في مجالات الاقتصاد والسياسة، وكان للكتاب اليساريين ولع عنيف بأبي ذر الغفاري -رضي الله عنه - بلغ ببعضهم حد التقول عليه زورًا وبهتانًا، ولم ينج الإسلاميون - بما فيهم المتخصصون في العلوم الإسلامية- من هذا المرض الوبيل، وشهدت الساحة انتهاكات كثيرة لأبسط أصول القياس، على أيدي كبار الفقهاء!.
وإذا نحن عدنا إلى علم أصول الفقه، علمنا أن أقوال الصحابة وأفعالهم ليست حجة مستقلة، إنها من الأصول الموهومة، وفي هذا يقول الإمام الغزالي رحمه الله: «إن من يجوز عليه الغلط والسهو، ولم تثبت عصمته عنه، فلا حجة في قوله».
ويقول أيضًا: «وقد اتفق الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا - في مسائل الاجتهاد- على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة» (1) يعني على أن أقوالهم وأفعالهم ليست حجة.
الشيوعيون «الأبوذرية!»
لكن في خضم الفوضى المرجعية، ضرب عرض الحائط بهذه الأصول، وتمادى اليساريون وغيرهم في انتهاكها، وقد كلفوا - كما ذكرنا توًا- بآراء أبي ذر وموقفه المخالف لمعاوية بن أبي سفيان والي الشام، ولعثمان بن عفان الخليفة الثالث رضي الله عنه، ومرد ذلك إلى توهمهم إمكان تصويره للناس كثائر ماركسي لينيني، وزعيم للكادحين في دمشق، وتبعًا لذلك يثبت لهم والناس أن الإسلام شبيه بالشيوعية أو هو الشيوعية، وقد نجحوا في تسريب هذه الأفكار إلى أحد مناهج وزارة التربية والتعليم المصرية من خلال كتاب كامل عن أبي ذر الغفاري محامي الفقراء، وفيما يلي مختصر لبعض ما جاء فيه من آراء.
قال المؤلف: «كان كل من أبي بكر وعمر زاهدًا في الدنيا راغبًا عن متع الحياة، وكان الناس متساوين في الحياة، ليس فيهم غني أو فقير أو صغير أو كبير»، وهذه المقدمة زائفة وأحسب أن زيفها لا يحتاج إلى برهان، والهدف منها بين، وهو تصوير الحياة في عهد الشيخين كأنها شيوعية، ثم جاء عهد عثمان، وانقسمت الأمة إلى فقراء وأغنياء وبلغ تأثير أبي ذر في الفقراء مبلغًا عميقًا حتى ثاروا وهاجوا، وبدؤوا يعلنون سخطهم على الأغنياء الذين لا ينفقون أموالهم على أعمال الخير»، وكلام كثير من هذا القبيل تناثر في فصول الكتاب، وللغرض ذاته.
خطأ أبي ذر:
وأخبار أبي ذر وخلافه مع معاوية، ولقاؤه مع عثمان لا تذكر شيئًا من هذه المزاعم، ثم إن حقوق الفقراء تستند إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما فيهما من سياج صلبة عديدة من التشريعات والتدابير والنظم، وإذا كان لأي رأي لأي صحابي أي قيمة فسبب ذلك تعبيره عن مبدأ ما في المرجعين الأساسيين للفكر الإسلامي، وأي رأي يشذ عنهما لابد أن يلفظ لفظ النواة، وهذا هو ما حدث لرأي أبي ذر القائل إنه لا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالًا، إذ رد عليه عثمان قائلًا: «يا أبا ذر، علي أن أقضي ما علي، وأخذ ما على الرعية «من الزكاة الواجبة»، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد» (2)، وقد خطأ الصحابة والتابعون رأي أبي ذر؛ لأنه لا سند له في القرآن أو السنة أو الإجماع، ومعلوم أن: «في المال حقًا سوى الزكاة»، وذلك في حالات الحرب والقحط والجدب، لا في أيام السلم والوفرة، وفيما يتعلق بالاقتناء، لا يمكن قبول رأي أبي ذر بحال، فهو يضادّ النصوص التي تبيح ذلك كما يناقض البدهيات العقلية والاقتصادية، وأبو ذر نفسه قبل عطاء عثمان، وكان قوامه (25) رأسًا من الغنم ومثلها من الإبل، وغلامًا وأمة فضلًا عن نصيبه اليومي من ذبيحة المسلمين.
فوضى المرجعية عند الإسلاميين!!
وقد ابتلي كثير من الإسلاميين بفوضى المرجعية أيضًا، فالبعض أراد أن يتفلت من الأصول الإسلامية حين وجدها تحول دون الفتوى بما يوافق التيارات السائدة، وظهر ذلك جليًا في الحوار الواسع الذي دار حول الفوائد المصرفية في الصحف المصرية، في عامي 1989، 1990م والذي تجدد في العام (1991م). وإلى جانب هؤلاء وجدنا محاولات عديدة للاستناد إلى شرع من قبلنا دون اعتبار لشرعنا نحن الإسلامي!، ومن الطرائف أن أحد الصحفيين أفتى بحرمة كل نقد يوجه إلى الحكام في مقالات صحفية استنادًا إلى قول الله تعالى لسيدنا موسى: ﴿اذْهَبَا إلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ (طه: 43) فقد فهم أن هذه شريعة موسوية، وأن المسلمين ملزمون بها، وأنها تفرض على كل ناصح أو ناقد أن يذهب إلى مقر الحاكم وأن ينصحه أو يعظه مباشرة، وأنه لا يجوز أن يفعل ذلك في رسالة أو مقال أو خطبة، ونسي الكاتب أن النبي ﷺ لم يذهب إلى كسرى أو قيصر أو المقوقس أو أي ملك من ملوك العرب، وأن الله تعالى لم يأمره بذلك، وما نهاه عن الكتابة أو الخطابة التي ينقد فيها الملوك أو الحكام، وقد أرسل ﷺ الرسائل إلى الملوك، ودعاهم إلى التوحيد، وحملهم مسؤولية الشعوب الضالة التي تقلدهم والتي يمكن أن تهتدي بتأثيرهم.
مثال طريف للفوضى:
ومن الطرائف أيضًا فتوى أستاذ جامعي بتحريم أعمال الشركات العربية لاستخراج الثروات المعدنية في البلدان الإسلامية المتخلفة استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الكهف: 82)، ففي رأي الأستاذ أن هذه الآية تقضي بترك تلك الكنوز إلى أن تبلغ تلك الشعوب رشدها وتستخرجها بنفسها، وحقيقة الآية - كما نرى- أنها لا تأمر بشيء ولا تنهى عن شيء، ولا تندب إلى شيء، لا بالنص، ولا بالدلالة والشعوب المسلمة المتخلفة في مسيس الحاجة إلى معادن بلادهم، ليبنوا المدارس والمستشفيات ويستصلحوا الأرض، وغير ذلك من الضروريات وإذا لم تبادر الشركات العربية إلى ذلك، بادرت غيرها من الشركات الأجنبية، وفضلًا عن هذا ليس ثمة تماثل أو تشابه بين الأصل - أي الآية الكريمة- والفرع أي حكم استخراج تلك المعادن اليوم، وهذا في حكم علم الأصول، قياس فاسد، لأنه قياس على غير أصل.
الإسرائيليات:
وكثير من الخطباء والوعاظ كلف بالإسرائيليات والروايات المرسلة عن سيدنا موسى وبني إسرائيل، ومن ذلك -على سبيل المثال- الإدانة المنكرة لزوج آدم، ومن ذلك أيضًا الإدانة والاتهامات التي يلصقونها زورًا وبهتانًا بالصحابي البدري الكبير ثعلبة بن حاطب الأنصاري، بوصفه مانع الزكاة الذي رفض النبي ﷺ توبته النصوح، والأمثلة كثيرة، وهي نماذج شنيعة الفوضى المرجعية عند الإسلاميين أنفسهم، لا عند العلمانيين وحدهم، وهي ليست تصيب صغار الباحثين والكتاب، ولكنها ضربت بعض قيادات الرأي، فصارت أشبه ما تكون بالسرطان في مراحله المتأخرة، حيث يصيب الجسد من أخمص القدم إلى خلايا المخ.
الاستناد إلى أقوال المجاهيل، والأطفال!!
أما ثالثة الأثافي -كما يقال- فتمثل في الاستناد إلى المجاهيل والأطفال ولو كان من يقترف هذا الخطأ طالبًا في الدراسات العليا، أو احد كتاب الأعمدة في الصحف لهان الخطب ولكن حين يقترفه أستاذ جامعي كبير، ومفكر مخضرم، وكاتب شهير، فتلك تكون الحالقة!.
إن هذا الخطأ الجسيم يواجهنا في كتاب:«تجديد الفكر العربي» للدكتور زكي نجيب محمود في أثناء استدلاله على أن اللغة العربية مبتوتة الصلة بدنيًّا الناس - قال الأستاذ: «لن أنسى ما حييت قصة صبي من ذوي قرباي... طلب أستاذ اللغة العربية منه.. أن يكتب خطابًا إلى أبيه.. فجعله «الصبي» متصلًا بحياته المباشرة، وذكر له «يعنى لأبيه» بعض الصعاب التي لقيها في حياته.. فدهش الأستاذ أن يكون هذا إنشاء عربيًا، وكانت الدرجة عنده صفرًا» ثم أضاف الدكتور زكي رواية أخرى، سمعها عن شيخ مجهول يصفه بأنه كان من أعلام اللغة، مؤداها أن ذلك الشيخ كان يملي على تلاميذه في بداية دروس الإنشاء قائمة بما يقال في مدح الشيء، وأخرى بما يُقال في ذمه (3).
معالم التجديد المنشود:
هذه هي إحدى العلل الفتاكة التي يعاني منها الفكر الإسلامي المعاصر، وقد وصفتها في إيجاز، ولو اتسع المجال لأسهبت في تشخيصها، وقدمت نماذج كاملة مفصلة للفكر الذي ابتلي بها، وأحسب أن معالم التجديد تلوح لنا الآن بعد هذا التشخيص الموجز فلابد من وضع حد لهذه الفوضى والتعليم والنقد والحوار هي الوسائل الفعالة في إبلاغنا غايتنا العزيزة.
- إن لكل فكر مصادره المعتمدة، وفكرنا يكون إسلاميًا إذا نبع من المصادر الإسلامية واستند إليها، وعندنا علم ناضج خاص بأصول التعامل مع المصادر الإسلامية، هو علم أصول الفقه فإذا نحن أغفلناه، ورحنا نقلب أصوله رأسًا على عقب، لم يجز لنا أن نسمي فكرنا إسلاميًا، ولن يجدي في شيء أن نرجع إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم أو إلى شرائع من قبلنا، إذا نحن وضعناها في غير موضعها على سلم المصادر المعتمدة، أما إذا سمحنا لأنفسنا بالرجوع إلى المجاهيل والروايات المرسلة والإسرائيليات، وحكايات الأطفال، فإن فكرنا يمكن أن يتصف بأية صفة إلا الإسلامية، وربما ننتكس به إلى نوع من السفسطة الفوضوية.
وتقودنا فوضى المرجعية إلى وصف علة أخرى متصلة بها، وأعنى بذلك الاتجاه إلى تغيير ثوابت الإسلام، والاتجاه المضاد إلى تثبيت المتغيرات، فقد رمي الفكر الإسلامي بالجمود والتحجر، وطلب إلى المسلمين أن يغيروا فكرهم عقيدة وشريعة وأخلاقًا وفلسفة وإلا كان مصيرهم الفناء، وترددت هذه الفكرة في كتابات المستشرقين والمبشرين الأوروبيين أول الأمر، ثم رددها من ورائهم كتاب عديدون وحاول البعض تحقيق التغيير المطلوب باطراح النصوص، وهم الذين يطلق عليهم «القرآنيون» (4)، وحاول البعض الآخر تحقيقه من خلال مبدأ المصلحة، فقدموا المصالح على الكتاب والسنة، وأفاضوا في الحديث عن اعتبار الإسلام للمصالح، ورعايته لها، وعن مرونة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، وكانت الغاية البعيدة الخفية، الثاوية تحت ركام الجدال، هي تغيير ثوابت الإسلام، ومن ثم إتاحة الفرصة لتجديد الفكر والنظم والحياة التشريعية والسياسية، وإطلاق العنان للاقتباس عن الغرب وتحرير الآداب والفنون من الضوابط الأخلاقية!.
علاج الجمود.. كيف؟
ولا أحد ينكر ما أصاب الفكر الإسلامي من الجمود، لكن شفاءه من جموده لا يمكن أن يتحقق باطراح النصوص، أو تقديم المصالح المرسلة على القرآن إن هذا العمل يسقط صفة الإسلامية عن فكرنا ويحيله إلى فكر علماني أساسه التجربة الاجتماعية والآراء الفردية التي تمليها الشهوات وهذا هو ما حدث في الفكر الأوروبي الذي أجاز زواج الرجل من الرجل، والذي يدافع عن اللواط والبغاء في مقررات الأخلاق في بعض الجامعات الأمريكية (5).
وتقديم المصالح على القرآن والحديث يقودنا حتمًا إلى رد العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة، وإنكار عقائد وشرائع إسلامية معلومة من الدين بالضرورة، وهو خطر داهم لا طاقة لمسلم به، فإنه يفتح الباب لإملاء المستبدين الظالمين، ويخرج المسلم من الملة والعياذ بالله.
أكذوبة المسايرة:
والإسلام مصلح لكل زمان ومكان، لأنه يقود، ويصحح، ويوجه، ويرشد، ويهدي، وهذه المعاني تختلف عن «مسايرة» كل عصر، والتشكل بحسب مقتضياته، فهذا دور التابع ل الخاضع، وليس الوحي تابعًا للعباد، بل العباد تابعون للوحي.
أما مرونة الإسلام فتتحقق - أولًا- في المجال الواسع الذي لا تحكمه النصوص:
هنا تعتبر المصالح العامة الحقيقية للأمة هي مصدر التشريع، في ضوء المقاصد العليا للشريعة، والتشريع هنا قابل للتغيير والتطوير وفضلًا عن هذا تسمح النصوص الظنية في دلالتها بالتفسير على أنحاء مختلفة، وفي هذا يجد الفكر الإسلامي حريته، ويمارس وظائفه فالجانب الثابت المطلق في الإسلام لا يعني التحجر، أو الجمود، والتغيير في الفكر والحياة لا يحتاج إلى أي تغيير فيه، لأنه لا يتعلق بالمتغيرات.
الخطأ المقابل:
والخطأ المقابل اقترف أيضًا في ساحتنا الفكرية فالاجتهادات الموروثة في مجال «ما لا نص فيه»، وفي تفسير النصوص الظنية في دلالاتها، أخذت على أنها ثوابت مطلقة وفي العصر الحديث اتهم المجتهدون فيها بأنهم يحاولون تأسيس مذهب خامس في الفقه السني، وهي جريمة في حسبان الذين رفعوا أيديهم بالاتهام، ونحن نحترم الأئمة الأربعة رحمهم الله، لكننا نعلم يقينا أنهم ليسوا معصومين، ومن ثم يؤخذ من أقوالهم ويترك.
وفضلًا عن هذا، يظن البعض أن مشكلات العصر الفكرية هي نفسها مشكلات عصر النبوة والراشدين، وتبعًا لذلك يتصور أن التجديد الفكري يماثل تلك النقلة من الجاهلية إلى الإسلام، وأننا اليوم لا نحتاج لأي شيء جديد، أو مبتكر للتصدي للاعوجاجات الفكرية التي تواجهنا، وهذا وهم لا مسوغ له، إنه محاولة لتثبيت المتغيرات، وهي مضللة؛ لأنها تصرفنا عن الإبداع في المواجهة الراهنة لأسقامنا الفكرية والاجتماعية.
أمراض جديدة، ولا بُدَّ لها من علاج جديد:
لقد كان العرب في الجاهلية يعبدون الأصنام، ولكن المسلمين اليوم من العرب وغير العرب أصيبوا بداء جديد هو: اعتناق الفلسفة المادية في مذاهبها المختلفة، وراحوا يدافعون عنها متترسين بالعلوم الطبيعية، ومن البدهي أن النقلة المطلوبة اليوم من الفكر المادي إلى الفكر الإسلامي تختلف عن النقلة القديمة من الجاهلية إلى الإسلام، وتبعًا لذلك يتحتم علينا أن نتسلح بكل علم وأن نلتمس كل وسيلة لبلوغ هدفنا.ولقد ابتلي المسلمون بداء آخر وبيل، وجديد هو الاجتزاء من الإسلام، أعنى نبذ الجوانب الاجتماعية والسياسية والأخلاقية من الإسلام وترك العقائد والعبادات، إن شاء الناس اعتنقوها وعملوا بها، وإن لم يشاؤوا فلا تثريب عليهم، وهذا داء خبيث؛ لأنه يرتدي عباءة الإسلام، في حين أنه ليس بإسلام؛ لأن الإسلام كل لا يتجزأ، ولم يتفش في عصر النبوة أي داء شبيه بهذا، والبرء منه يحتاج إلى جهد فكري وتربوي كبير.
والتراث لا يزودنا بالأساليب الفكرية والأدبية والفنية لمواجهته، فالإبداع قدرنا، والقول بثبات البيئة الثقافية على ما هي عليه، ومن ثم إعفاؤنا من الإبداع ضرب من الغفلة يجب أن نحذره.
وكارثة الفرقة:
ولقد ابتلي المسلمون أيضًا بالنزاعات القبائلية والشعوبية المعادية للوحدة والاتحاد وتشقق العالم الإسلامي إلى46 دولة، يقاتل بعضها بعضا، كما حدث بين العراق وإيران والعراق والكويت والجزائر والمغرب، وقطر والبحرين ومصر وليبيا وسورية والأردن، وهذا بلاء جديد، مدمر أفرزه فكر شعوبي مخرب، وفلسفة عرقية مستوردة، ولابد من مواجهته بفكر إسلامي، أساسه مبدأ الأخوة الإسلامية. الذي يربي إرادة الاتحاد الجماهيري، لكي تتم الوحدة بالرضا، وتتأسس على الشرعية وتستطيع أن تدوم وأن تقاوم عوامل التفكك الطبيعية والمصطنعة.
هذه نماذج محدودة للأسقام الجديدة التي تواجه الفكر الإسلامي اليوم، ومن المكابرة أن ندعي أن كل شيء لا يزال على ما هو عليه، لم يتغير، وأننا لا نحتاج إلى أي شيء جديد من أجل التجديد الإسلامي المأمول.
إن هذه الدراسة لا تعدو أن تكون مقدمة موجزة في تجديد الفكر الإسلامي، ركزت على الخطوة المنهجية الأولى فيه، وهي تشخيص العلل والأسقام الفكرية، لكنها لم تتمم التشخيص العلمي والمسح الشامل لتلك العلل وأسبابها ومظاهرها، وأخطارها: حتى الأدواء الثلاثة التي انتخبتها لهذه الدراسة لم تنل حقها من الوصف والتحليل، فالتشخيص المنشود لا يزال بغير إنجاز، وهو يتحدانا، ويقف في مواجهتنا، فهل نقبل التحدي؟
الهوامش:
1 - الإمام أبو حامد الغزالي، المستصفى، ص 243.
2 - تاريخ الطبري، جـ 4 ص 283 - 284 السابق ص 217 - 218.
3 - الشاطبي الموافقات في أصول الأحكام، جـ 4 ص 35.
5 - Morality and Moral controversies.
واحة الشعر
عندما تفقد الذاكرة
شعر: الدكتور محمد وليد (*)
(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
كلما تذكرنا الظلم الواقع علينا، ذكرنا الأدلاء بفائدة الواقعية وفضيلة النسيان.
ذكِّروني…
سوف تُنسى..
ذكِّروني..
لم لا تنسى؟...
يا إلهي كيف أنْسى؟...
تلك أرضي أم يهوذا سامرية..؟
ذاك عرضي.. أم طعامٌ للذئاب البشرية..؟
وانبرت روحي لذاتِي...
ثم قامت ثائرةً..
تحملُ السيفَ لتودي بالذئاب الغادرة..
هُرع العرب وقالُوا:
أنت تحيا في عصور غابرة
***
لم يعد للسيف نهجٌ... في الحياة الحافرة.
ثم أعطوني دواء...
هو فقدُ الذاكرة...
***
عندما تنسى يصير الكون أياما بهية
ويصير الوطن المسلوب أحلامًا هنية
وتصير الخمر أفراحًا بدنياك الشقية
لم لا تنسى وتمضي هانئًا بين الخراف العربية.
***
يا إلهي كيف أنسى وطنًا...
أرق العين وأضحى شجنا
يا إلهي كيف أنسى شجنا..
حل في القلب وأضحى وطنا..
***
سوف تنسى..
وإذا ما خانك النسيان يومًا...
سوف تندم...
قد رأيت الذبح قد أضحى نظامًا عالمنا...
فَتَعَلِّمْ..
إن ذبح العقل عقل..
وغياب العقل أسلم...
***
يا إلهي..
لم أندم..
وعلى ماذا سأندم؟...
أعلى الذل الذي طوف في أرضي وخيم؟...
أعلى الذئب الذي صار بداري يَتَنَعمْ...
أم على حلمي الذي صار شظايا تتحطم..
أيها السيف تكلم...
قد ألمنا واستغثنا...
غير أن الضعف أبكم...
جز رأس البغي وأعلم..
أَنَّهُ إِنْ جُزْ يفهم..
***
أيها النور تألق
في ربا القدس وأرض الناصرة
أضرم الكون شموسا باهرة
قل لهم: إنا أتينا.. كالبحور الزاخرة..
وبآيات من القرآن تُتلى عاطرة..
رجع الوعي إلينا...
واستعدنا الذاكرة...
***
1. مؤشرات على تناقص اليهود في العالم:
قضية التوزيع السكاني وتعداد الشعب اليهودي من أهم القضايا التي تواجه الكيان الصهيوني؛ لأن عدد اليهود في العالم وفي أرض فلسطين في تناقص مستمر، وهذا الأمر يهدد بفناء الشعب اليهودي في يوم من الأيام، وانخفاض عدد أفراده يؤثر على قدرته في الدفاع عن نفسه وإدارة شؤونه دون الحاجة إلى الاستعانة بأفراد من خارج الفئة.
ويتصدى الكيان اليهودي لمشكلة التوزيع السكاني من مختلف المواقف داخل الأرض المحتلة وخارجها أي محليًا وعالميًا.
ومن نماذج هذا التنسيق بين الدوائر الصهيونية المؤتمر الدولي لتوزيع السكان الذي عقد في القدس والذي شارك فيه كل من الإدارة الإسرائيلية والوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية والجامعة العبرية والكونجرس اليهودي العالمي.
وقد بلغ عدد الدول الممثلة بيهود يقيمون فيها إحدى وعشرين دولة، وانعقد هذا المؤتمر في 19 نوفمبر 1987م وكان الهدف من انعقاده البحث عن الطرق الكفيلة بوقف التدهور الجاري في أعداد اليهود في العالم والخروج من مأزقا لاقتراب من الانقراض.
ولقد اهتم المؤتمرون بهذا الأمر، وليس من جانب واحد وهو ما يسمى بالوضع الديمغرافي لليهود، ولكن الاهتمام تركز بديمغرافية الشعب الفلسطيني وكان الهدف هو السعي لإيقاف التناقص العددي اليهودي والعمل على إفناء الشعب الفلسطيني أو الحرص على إيقاف تكاثره ودار جدل حاد بين الاتجاهات الصهيونية المتعددة حول آثار التكاثر الطبيعي القوي عند المسلمين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948م وأن عدد العرب في تزايد مستمر في الضفة الغربية وفي قطاع غزة.
وتشير المجموعة الإحصائية الإسرائيلية إلى أن عدد اليهود في العالم بما فيهم اليهود داخل الكيان الصهيوني قد ارتفع من 11 مليونًا عام 1949م إلى13 مليونًا عام 1970م، وأنه استقر عند هذا الرقم حتى عام 1986م وتبين المجموعة الإحصائية اليهودية أيضًا أن النقص الذي يحصل في عدد اليهود في العالم تقابله زيادة في عدد العرب داخل الكيان الصهيوني.
وتتفق آراء الصهاينة عموما ولا سيما حزب العمل على أن هذه الأرقام والمعطيات تشكل تهديدًا خطيرًا للطابع اليهودي لدولتهم، وهذا ما عبر عنه شيمون بيريز الذي قال: إن المشكلة الديمغرافية هي في طليعة المشاكل التي تواجه دولة إسرائيل في هذه الأيام حيث تدل الإحصائيات على تكاثر الفلسطينيين وتراجع في التكاثر اليهودي، الأمر الذي سيضع الكيان اليهودي أمام مفترق، إما تغيير صيغة الدولة وإما إقامة دولة بوجه سافر العداء، وهكذا فالأحلام الشيطانية تتبدد بالتراجع وتأثير الهجرة وتزايد النزوح والتساقط مما يلقي ظلالًا قائمة من الشك والقنوط حول إمكانية وواقعية تنفيذ المشروع الصهيوني التوسعي ووضعه أمام الأفق التاريخي المسدود.
محمد أبو سيدو