; المجتمع الثقافي (العدد 1146) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1146)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 75

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 18-أبريل-1995

ومضة

كانت كلماته متتابعة متدافعة، تتزاحم في فمه؛ ثم تخرج على شكل كتل تشابكت فيها الكلمات، وتداخلت الحروف فلا تدري أنت تسمع القصة من أولها أو من آخرها أو من وسطها. سمعت الرواية كلها وفهمت مضمونها.. لا تعجب.. فقد كنت أعرف أسلوب صاحبي الانفعالي وطريقته في السرد.. بعد هنيهة من الصمت.. ينتظر خلالها في أن أصدر حكمًا همايونيًّا ضد الطرف الآخر الذي أثار غضبه وجرى معه الخلاف الذي أوحى له بكل هذه الانفعالات والعبارات الحانقة.. قلت له: وماذا عنه هو؟ ماذا يقول؟ وما وجهة نظره؟ كنت أتحدث بهدوء زاده غضبًا على غضب.. وعندما استوعب قولي انفجر في وجهي صارخًا: جئتك شاكيًا مستنصرًا وتقابلني بهذا البرود.. ليس هناك مجال للحكمة ولا وقت للنظر والتفكير.. ألست صديقي وأخي الذي لم تلده أمي؟! فلماذا لا تهب لنجدتي وتتجاوب مع ما عرضته عليك من آلامي وأحزاني وجروحي؟! -هكذا يتوهم- لم أشأ أن أزيد فجيعته.. بإجاباتي.. استأذنته قليلًا وذهبت إلى الطرف الآخر، سمعت منه كلامًا معقولًا واستشففت من سمته رجاحة واتزانًا، قلت في نفسي قد يكون مظهرًا خادعًا.. ناقشته حاولت استثارته فلم أجد فيه سوءًا ولا في منطقه اعوجاجًا، تركته مقتنعًا أن صاحبي الأول لو كان يملك مثل عقل الثاني أو مثل أعصابه أو مثل معالجته للأمور لما ثار هذه الثورة ولما انفعل كل ذلك الانفعال، ولو أنني استجبت له وكونت فكرتي عن الشخص الغائب من غير الرجوع إليه ومعرفة رأيه، لكنت قد ارتكبت غلطة طالما أججت نيران العداوة وحكمت على الأبرياء ووضعتهم في عداد المتهمين.. دون ذنب منهم أو جريرة، لأننا لم نكلف أنفسنا مشقة استجلاء الحقيقة، والوقوف على أقوال المتخاصمين.. هذه الغلطة.. لا يسببها إلا التسرع في الحكم بدوافع الحب والكراهية، ولا يمسحها إلا الاعتذار عما حدث، والتثبت أو التبين -في التعبير القرآني- عند التعامل مع أقوال الناس وأخبارهم ومعلوماتهم، مخافة أن يصاب بريء بجهالة، فنصبح على ما فعلنا نادمين.

محاربة اللغة العربية

بقلم: حسين صديق يحيى حكمي

ما نيل من لغة قوم كما نيل من اللغة العربية على الرغم من بيانها، وجمالها، وعذوبة ألفاظها، وسلاسة تراكيبها، ولو أن معاول الهدم التي تضرب في سورها بيد أعدائها لهان الأمر ولقلنا سنة مضت عليها الحياة.

ولكن أن ينادي من أصله عربي والعرب قومه، والعربية لسانه -ينادي بهدم اللغة العربية وتحطيمها فهذا مثار الدهشة والعجب، وإن كان في هذا الزمان أضحى العجب في أمر كل العرب.

كان دعاة تحطيم اللغة العربية من وراء حجاب بينما يظهر في الصورة إما قوم مستغفلون، أو عباقرة اختاروا الشهرة في مقابل رفض لغتهم، ولا غرو في عصر لا يشاد بأستاذ اللغة العربية حتى يدرسها ويقدم فيها بحثًا باللغة الفرنسية لا عجب.. وليس هذا بأهون ممن يفكر بالفرنسية ويكتب بالعربية.

في أواخر 1881م اندلعت أول دعوة صارخة لمحاربة اللغة العربية حين اقترح «المقتطف» كتابة العلوم بلغة الحديث، أي باللهجة المتداولة، وفي سنة 1902م هاجت الدعوة مرة أخرى حين ألف أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز كتابًا، واسم فضيلته القاضي: دملور، وسمى مصنفه العظيم: «لغة القاهرة»، ووضع له قواعد واقترح ابن فارس عصره وزمانه أن تتخذ لغة للعلم والأدب وأن تكتب بالحروف اللاتينية، وقد أشادت «المقتطف» بهذا السفر الجليل.

وفي سنة 1926م دعا مهندس الري في مصر وهو السير وليم ولكوكس إلى هجر اللغة العربية، وترجم أجزاءً من الإنجيل إلى ما سماه «اللغة المصرية» ونوه به من أدباء مصر سلامة موسى وأيد فكرته.

وقد تسللت هذه الدعوة للأسف إلى المسمى بمجمع اللغة العربية، ظهر ذلك في مجلته الناطقة باسمه في مقالات متسلسلة بعنوان: «اللهجة العربية العامة»، كتبها عضو المجمع علي إسكندر معلوف، وبهذا يصدق المثل: من مأمنه يُؤتى الحذر، أو كما يقال: حاميها حراميها. وإنه الأمر الذي وسد إلى غير أهله وبعده تنتظر الساعة.

وفي 1943م قام أبرز أعضاء هذا المجمع لحماية اللغة العربية وهو عبدالعزيز فهمي باقتراح كتابة العربية بالحروف اللاتينية، ولا عجب فقد كان في هذا المجمع من ليسوا عربًا أصلًا، بل لقد كان فيهم مستشرقون ممن هو معروف بصفته الاستعمارية مثل المستشرق جب وغيرهم.

وقد رحب جب أيما ترحاب بفكرة عبدالعزيز فهمي لاسيما أنه ذكر في كتابه: «إلى أين يتجه الإسلام؟» أن العربية من الروابط التي تربط المسلمين بعضهم ببعض وتشعرهم بوحدتهم فرأى هدمها وتحطيمها.

ثم جاء بعد ذلك كل متقرب إلى أعداء المسلمين يحمل راية حرب اللغة العربية حتى وجدنا من شعراء العصر ومن ينظر إليهم بعين الإكبار أو التقدير أو التقديم في مجال الشعر والأدب وجدنا من يرفع تلك الراية، فهذا سعيد عقل اللبناني النصراني من كبار دعاة اللهجة العامية بديلًا عن اللغة العربية الفصحى، وقد سمى ديوانًا له: «يارا». نظم قصائده بالعربية ولكن كتبه بالحروف اللاتينية.

وهكذا صارت لغتنا الفصحى كلما أصابتها سهام تكسرت النصال على النصال.

الرابط المختصر :