; المجتمع الثقافي (العدد 1128) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1128)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

مشاهدات 117

نشر في العدد 1128

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

حرصت هذه الزاوية «اللسان العربي» في كل حلقاتها السابقة على إثارة اهتمام قرائها الكرام بقضية اللغة العربية، فأبرزت خصائصها وأهميتها في بناء حضارة هذه الأمة والحفاظ عليها، ونوّهت بجهود الغيورين من أبنائها في شتى العصور لصيانة هذا اللسان المبين وتذليله للطالبين.

كما حاولت أن تحبّب القراء في لغة القرآن بعرض أنظمتها الأساسية والجمالية في خطوطها العريضة وبأبسط طريقة؛ بغية كسر حاجز الرهبة وبعث وازع الرغبة في تعلم هذه اللغة، وآخرها شبه «فتوى» بأن تعلم العربية فرض عين أو يكاد.

ورغم ما أبداه بعض القراء من استحسان مشكور لما قُدم في هذه الزاوية، فإن آخرين عبروا عن إحساسهم بشيء من الصعوبة فيه، وقد يكون مع بعضهم شيء من الحق فيما أحسوه، ولكن الأمر - مع ذلك - يبعث على القلق؛ لأن كاتب الزاوية حاول أن يعرض القضايا في أبسط صورة في حدود ما تسمح به طبيعة المادة، والمساحة الضيقة التي عليه أن يضغط فيها قدرًا كبيرًا من المعلومات رغبة في أن يرى الإخوة القراء في حلقات معدودة متوالية - أساسيات النظام اللغوي لهذا اللسان المتميز بثرائه وترابط مكوناته وتداخلها.

إن الشكوى من صعوبة العربية وعلومها ظاهرة صارت على كل لسان: يشتكي الدارسون والمدرسون وأولياء الأمور والمسؤولون عن تخطيط مناهج تدريس العربية وتطويرها ومتابعتها، ولكل فريق من الشاكين زاويته التي تؤلمه وتعنيه.

يشتكي الدارسون -من طلاب المدارس والجامعات- من صعوبة ما يُدرس لهم ومن جفافه فلا يستطيعون هضمه، وإن هضموه مكرهين «من أجل الامتحان» فإن محتوياته لا تستقر في رؤوسهم، ومن ثم يجدون أنفسهم عاجزين عند الأداء والممارسة عن إحراز الصواب نطقًا أو حديثًا أو قراءة أو كتابة، فيتلبسهم شيء من الإحباط واليأس يدفعهم إلى طرح قضية إتقان العربية جانبًا.

وشكواهم هذه تزعج كل الإزعاج أهليهم ومدرسيهم وجهات أخرى ذات علاقة بتعليم العربية، أليس الدارسون هم غاية كل الجهود في هذا الميدان؟

لكن ما مدى واقعية هذه الشكوى وصدقها من الجمهور العام؟ هنالك أمور وشواهد تثير الشك حول مصداقية هذه الشكوى:

  • أولها: ليس كل الدارسين يشكون من العربية؛ لأن من بينهم من لا يشكو بل من يجد متعة في دراستها وفي ممارستها، وهو أمر يشير إلى أن ثمة أسبابًا غير طبيعة اللغة قد تكون هي مصدر الصعوبة والشكوى.
  • ثانيها: أن بعض الراغبين في تعلم العربية من غير طلاب المدارس والجامعات، يسعون بكل همة بحثًا عن أهل العلم بالعربية يرجون أن يتتلمذوا على أيديهم، ويحرصون على حضور هذه الدروس: يأتون إليها من أماكن بعيدة في وقت الفجر فيصلون ويدرسون في كتب «قديمة»، لا يطيق طلاب المدارس والجامعات مجرد سماع عناوينها. يفعلون ذلك سعداء لا يدفعهم إلى ذلك رغبة في شهادة أو وظيفة أو عائد.
  • ثالثها: هنالك أعداد غير قليلة من «غير الناطقين بالعربية» يلهثون وراء فرصة في أحد البلاد العربية -ومنها الكويت- لدراسة هذه اللغة بادئين من الصفر «أ ب ت ث»، محاولين تطويع ألسنتهم وعقولهم لأصواتها وقواعدها الغريبة عن أصوات لغاتهم وقواعدها التي ألفوها سنوات. إنهم يواجهون -ولا ريب- صعوبات تفوق كثيرًا ما يواجهه أبناء العربية «الجائرين بالشكوى»، ولكنهم أكثر صبرًا وأقل تبرمًا. ولعلك -أيها القارئ- تعجب إذا علمت أن بعضهم -بعد سنتين أو أقل- يحصل من العلم ما يساوي أو يفوق ما حصله أبناء العربية حتى نهاية المرحلة الثانوية ويلتحقون معهم بكليات الجامعة التي تدرس بالعربية ويتخرجون معهم.

وللحديث بقية...

ومضة

إعداد: مبارك عبدالله

هناك أمم سادت ثم بادت وانتهى أمرها، وهناك أمم حية تنتابها عوامل الضعف والتفكك والانحلال من غير أن تنطفئ جذوتها، حيث تستمر في توقدها إلى أن تحين الفرصة المناسبة، فيشتد أوارها، وتتلامع مشاعلها، مؤذنة بعودة الأمة لرفع الراية من جديد. هذه الأمة الحية ربما استطاعت عاديات الأيام أن تكسر شوكتها، وتوهن قوتها وتفقدها القدرة على المقاومة، لكنها أبدًا لا تستطيع أن تغتال فيها روح المقاومة، وحسها المرهف وإرادتها الصلبة مهما حاول صنائع الهزيمة وهواة الاستسلام الذين يرضون من الغنيمة بالإياب، ما دام يؤمن لهم بعض الفتات، ويحافظ على ما اكتسبوه في غفلة من الزمن من نفوذ وما استحوذوا عليه من مقدرات. روح المقاومة هذه، قد تكمن في ضمير فئة من الناس قليلة، أو عند أفراد معدودين، وربما اختزنها قلب فرد واحد، يشكل النواة الصالحة؛ لانبعاث الأمة من رقدتها، واستعادة ما ضاع من أمجادها.

قد يبدو هذا حلمًا بعيد المنال لأولئك الذين استمرأوا الذل واستساغوا الهوان بعد أن فقدوا كل عناصر المناعة، وكل مقومات الرجولة والكرامة والانتماء، لكنه يبقى أملًا غاليًا، وهدفًا نبيلًا يسعى إليه طلاب العزة وصناع فجر الخلاص، وبنات المستقبل المشرق. وما تحقق مرة يمكن أن يتحقق مرة أخرى، فهذا صلاح الدين استلم زمام المبادرة وقد وصلت الأمة إلى الحضيض فاستطاع بإرادته وتصميمه -مع ما يستدعي ذلك من تخطيط وإعداد- أن يجعل من الغزاة المعتدين عبرة للمعتبرين على مر العصور والأجيال، ومن قبله ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد انشمر الناس عنه في غزوة حنين لا يلوي أحد منهم على أحد من هول المفاجأة مع نفر قليل من المهاجرين والأنصار وهو ينادي: «إلي أيها الناس، هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله».. حتى إذا اجتمع إليه مئة منهم استأنف الكفاح ونظر إلى مجتمع القوم فقال: «الآن حمي الوطيس»، وما هي إلا لحظات، حتى تغير ميزان المعركة.. فوالله -يقول ابن هشام- ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل نعي الدرس؟ ونستشعر المسؤولية أم إننا أمة تنازلت عن خيريتها فهي لا تستحق البقاء؟

الرابط المختصر :