; المجتمع الثقافي (العدد 1107) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1107)

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994

مشاهدات 167

نشر في العدد 1107

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 12-يوليو-1994

اللسان العربي.. ولغتنا أعز علينا وأكرم!!

عبد الوارث سعيد

إن من يعرف قيمة اللغة وحقيقة دورها في الحياة لا يملك إلا أن يجعلها جزءًا من نفسه وبعضًا من عرضه، يعتز بها ويغار عليها، ومن لا يبالي بلغة أمته ويؤثر عليها غيرها، وهو ولا ريب بها جاهل أو جاحد، تلك مُسلَّمة عند كل الأمم.

«اللغة عند علماء الحضارة هي المحتوى الحقيقي لأي حضارة، باعتبارها الوسيلة التي تنتقل عبرها العلوم والخبرات الإنسانية من جيل إلى جيل، ومن أناس إلى أناس» (أحمد جودة، الشرق الأوسط 1994/4/12م، ص17).

وبقدر عظمة المحتوى الحضاري للأمة يعظم دور لغتها ويعظم واجب حمايتها، كما يعظم الخطر حين تتعرض اللغة للتهديد في أي من مقوماتها أو وظائفها الحضارية، وليس أعظم من حضارة الأمة المسلمة مهما تضخمت الحضارات الدنيوية المادية.

من هنا «تشعر الأمة بأكبر المخاطر على وجودها، عندما تكون لغتها مهددة، والاجتياح الذي يدهم لغة معينة يدفع الناطقين بها إلى العمل على تدبر الوسائل للحفاظ عليها؛ لأنهم يستشعرون بأن ضياعها أو انكفاءها يمكن أن يؤدي بهويتهم الثقافية إلى الضياع والانكفاء» (الاجتياح اللغوي.. جودت فخر الدين، الحياة 1994/6/4م).

من هنا أيضًا بات من المسلمات «أن اللغة هي الطليعة الأولى لأي غزو عسكري، ثقافي أو حضاري، وهي البوابة التي يدخل من خلالها الاستعمار؛ ليفرض ثقافته وقيمه لتحويل الشعب «المغزو» إلى مجرد تابع ذليل ومسخ مشوه» (الشرق الأوسط، السابق، نفسه).

ولا عجب في ذلك -فهو واقع لمسناه في هذا العصر في أمتنا، ولا نزال- ذلك أن اللغة مطلب ضروري للمجتمع يتحقق بها التعاون بين أبنائه، ويتم عن طريقها الاتصال الروحي والترابط الوجداني، وهي أساس إحساس الناس بانتماء بعضهم إلى بعض، واشتراكهم فيما يؤلف بينهم من روابط ثقافية ووجدانية وتاريخية وسياسية (د. البدراوي زهران -مجلة مجمع اللغة العربية- القاهرة. جزء/65، نوفمبر 1989م).

فلا عجب والأمر كذلك أن يؤدي الاجتياح والاستلاب اللغوي لأي أمة إلى تفكيك كل هاتيك الروابط، فتصاب الأمة بنقص المناعة، وتصبح هدفًا مستباحًا لكل أشكال الصراع والتردي.

نقول ذلك ونُذكِّر به تحزُّنًا على موقفنا المؤسف تجاه لغتنا -وقد نكأ جراحه زفرات بعض الأقلام الشريفة الغيورة على لغة الأمة- بمناسبة إقرار الفرنسية، في 5 مايو الماضي «إلزام الفرنسية» الذي يمنع أي مواطن فرنسي من استخدام ألفاظ أو عبارات أجنبية، طالما أن هناك ألفاظًا أو عبارات مماثلة، والمجالات التي يسري عليها الحظر هي كافة الوثائق والمستندات والإعلانات المسموعة أو المرئية، وكافة مكاتبات الشركات العاملة على الأرض الفرنسية، وبوجه خاص المحلات التجارية والأفلام الدعائية التي تبث عبر الإذاعة والتلفزيون. (فهمي هويدي، رسالة في الحسد والحزن، الوطن 1994/6/7م).

وعقوبة المخالفة تتضمن السجن أو غرامة تصل إلى ألفي دولار، وهذا القرار اللغوي الصارم في مواجهة هجمة اللغة الإنجليزية التي أوصلتها الأقمار الصناعية إلى بيوت الفرنسيين، الأمر الذي أزعج حراس المشروع الفرنسي واستفزهم للاحتشاد ومحاولة استنقاذ «الذات» المهددة بكل ما يملكون من قوة «السابق».

فماذا عنا؟ كان «عرب» الجاهلية يصنفون الناس على أساس اللغة: عربًا وعجمًا، وجاء الإسلام فأعز اللغة أيما إعزاز، واعتبر رسول الله اللحن -الخطأ- في الكلام «ضلالًا»، وكان خوف اللحن من عوامل إسراع الشيب إلى رؤوس بعض الخلفاء، واحتشد علماء المسلمين، فوضعوا علوم اللغة حفاظًا عليها حين أحسوا ببوادر اللحن.

أما حالنا الآن فموزعة بين غافل وجاهل ولاهٍ ومثبط ومتآمر، وقلة قليلة تحس المأساة، فتحاول النفخ في كوم الرماد، فهل ثمة أمل؟


 

ومضة

إعداد: مبارك عبد الله

جائزة شولوخوف الأدبية الكبرى منحتها اللجنة الروسية المشرفة للسفاح الصربي رادوفان كاراجيتش بزعم أن له دورًا في تطوير الشعر السلافي، وقد علق عدد من الأدباء الروس بأن منح الجائزة لسفاح البوسنة يتسم بطابع سياسي أكثر منه أدبي، مؤكدين أن هذا الرجل لا يعرف أصلًا كشاعر له وزن، وذكر «بافل بافليكوفسكي» صاحب سلسلة «الملحمة الصربية» التي عرضت في التلفزيون الروسي أن غالبية الصرب يضحكون لدى الحديث عن كتب كاراجيتش ودواوينه الشعرية، ويبدو أن القوميين الروس الذين يسيطرون على لجنة جوائز «شولوخوف» أرادوا تحويل شخصية «رادوفان» إلى بطل لجميع الشعوب السلافية برغم أنف هذه الشعوب التي اختارت طريق الحرية في رسم مستقبلها.

وهكذا بإرادة استثنائية يصبح الجزار المجرم رسول رحمة، والطاغية المستبد صاحب مشاعر رقيقة، وتتحول الدماء المراقة من أجساد الضحايا البريئة أوسمةً في جبين السفاح الأثيم، وتتلقف أجهزة الردح الإشارة وتبدأ الإشادة بالمنجزات، وذكر الفضائل والمكرمات؛ حتى الشعر والأدب يلطخ وجهه وتساء سمعته، ويسخر راغمًا لتمجيد الطواغيت وتحسين صورتهم في أعين الشعوب المخدوعة.

إن كثيرًا من الطغاة على مر التاريخ كانوا يحاولون تحسين صورهم برفع الشعارات البراقة، وإطلاق العبارات التي تدغدغ مشاعر الناس وتظهر الاهتمام بمشاكلهم وهمومهم، وربما كتبوا لذلك، أو كتبت لهم المقالات وألفوا أو ألفت لهم القصائد إمعانًا في الاستهانة بالرأي العام الذي يسكت على مضض، فعل هذا نيرون الذي أحرق روما وهنري الثامن الذي كان يهوى قطع رؤوس زوجاته، وماو تسي تونغ وأباطرة اليونان، لكن التاريخ أبى أن يحفظ لهؤلاء الشعراء الطغاة تراثهم المصطنع.


الرابط المختصر :