العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1104)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 75
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 21-يونيو-1994
إعداد: مبارك عبدالله
ومضة:
الوقوف على الأطلال هواية الشعراء
منذ القدم، أحيوا دارسها، واستنهضوا غابرها، وتذكروا ما كان فيها من عز ومجد،
واستنطقوا ما خبا منها من حركة ونشاط وحيوية غامرة، وبهجة وسرور، وأنس وحبور.
فبكت منهم العيون، واعتبرت البصائر،
بما كان عليه الأولون وبما صاروا إليه؛ كيف كانوا ملء السمع والبصر، ثم غدوا عبرة
المعتبر وذكرى لمن سمحت له همومه واهتماماته ومشاغله الحاضرة أن يتذكر..
ولعل العبرة تكون أكبر، وأثرها في
النفس أبلغ عندما يرتحل المعتبرون إلى ظلمة الأحداث بعد أن كانوا مبعث الأحداث.. ويصبح
بعض ما قالوه فيمن سبقهم حديث الذكرى لمن جاء بعدهم أو وقف على أطلالهم.
تمامًا كما حكى ابن خلكان عن بعض
الأدباء، عندما اجتاز بدار الشريف الرضي بـ«سُرَّ من رأى» وهو لا يعرفها، وقد أخنى
عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وأخلقت ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة،
وحسن الشارة، فوقف عليها متعجبًا من صروف الزمان، وطوارق الحدثان، وتمثل بقول
الشريف الرضي:
ولقد
بكيت على ربوعهم وطلولها
بيد البلى نهب
فبكيت
حتى فجَّ من لغب نضوي،
ولج بعقلي الركب
وتلفتت
عيني فمذ خفيت عني
الطلول تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الأبيات فقال
له: هل تعرف هذه الدار لمن هي؟ فقال: لا. فقال: هذه الدار لصاحب الأبيات الشريف
الرضي! فعجب كلاهما من حسن الاتفاق، وحق لهما العجب.. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ
لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:
37).
اللسان العربي- جهاد التعريب
بقلم: عبد الوارث سعيد
انصبت الوقفتان السابقتان على
«التغريب اللغوي»، الذي يعمل سدنته على مسخ اللغة والأمة في هذا الجانب، وهم جزء
من حملة تغريبية عارمة لمسخ الأمة في كل مجال؛ من العقيدة والخلق والقانون وأنظمة
التعليم والإعلام إلى العادات والتقاليد والزي والطعام والشراب.
وهذه اليوم وقفة أولى مع مسيرة
الجهاد اللغوي لرد عادية التغريب والعودة بالأمة إلى المسار الصحيح عبر جهود
«التعريب» في شتى المجالات.
«التعريب» مصطلح حاز شهرة كبيرة
وأطلق على مساحات ومجالات واسعة وعديدة من النشاط اللغوي الذي يعتمد اللغة العربية
الفصيحة أداة للنقل والتعبير والتواصل، من ذلك:
1- «تعريب المصطلحات» في أي
مجال من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، سواء عن طريق «الترجمة» بالتعبير عنها
بألفاظ عربية تؤدي المعنى المطلوب مثل: «تلفون: هاتف»، «كمبيوتر: حاسب/حاسوب»، أو
عن طريق «الاقتراض» بأخذ اللفظ الأجنبي وإخضاعه لصيغ الكلمات العربية مثل: «تلفزيون:
تلفاز»، أو إدخاله كما هو دون تغيير مثل: «فيديو، إلكترون».
2- «تعريب النصوص» أي:
ترجمتها من أصلها إلى العربية، والتركيز هنا على نقل المعاني والأفكار وإن تعرض لا
محالة لتعريب المصطلحات.
3- «تعريب المؤسسات» أي:
اتخاذ اللغة العربية الفصحى أداة للتعليم والإعلام والإدارة، وهذا المجال من أعظم
مجالات الجهاد اللغوي لتخليص الأمة من سيطرة اللغات الأجنبية أو اللهجات العامية
عليها في تلك المجالات الحيوية. وقد يسمى إحلال الفصحى محل العامية بـ«تفصيح
المؤسسات» أو «تفصيح الأمة».
4- «تعريب الأمة» أي اعتماد
الأمة كلها -مؤسسات وأفرادًا- اللغة العربية الفصحى أداة وحيدة للتعبير في كل أمر
ذي بال، وتظهر أهمية هذا المستوى من التعريب إذا قصدنا بالأمة هذه الأمة الإسلامية
كلها وليس العرب فقط، وهو التحدي الضخم الذي يواجه المسلمين اليوم، والذي نجح
أسلافنا الصالحون في إنجازه حين حملوا الإسلام إلى خارج جزيرة العرب وحملوا معه
اللغة العربية فأسلمت الشعوب وتعربت.
إن التعريب بهذه الإطلاقات والدوائر
ميدان واسع من ميادين الجهاد الحضاري؛ فالأمم كما تتصارع حضاريًا في الميادين
السياسية والاقتصادية والعسكرية، تتصارع أيضًا في الميدان اللغوي الذي لا يقل
أهمية وآثارًا عن الميادين الأخرى، بل إنه لسلاح عظيم الفعالية في إحراز النصرة في
ميادين الصراع الأخرى. ومن هنا نفهم السر في الاهتمام العظيم الذي أولته الدول
الاستعمارية -غربية أو شرقية- لنشر لغاتها بين شعوب الأرض، خاصة تلك التي كانت ضمن
دائرة مطامع كل دولة، ولا تزال هذه الدول حتى بعد انحسار مدها الاستعماري تتصارع
لنشر لغاتها وجعلها تسود على غيرها، ولا تزال الإنجليزية والفرنسية والإسبانية
تستعمر لغويًا مناطق من العالم كانت تحت السيطرة الاستعمارية لدول هذه اللغات.
وفي إطار ذلك الصراع أو الحرب
اللغوية، حوربت العربية بشراسة في موطنها الأصلي وفي كل البلاد الإسلامية، حتى
مجرد الكتابة بالحروف العربية كما أشير في حلقة سابقة «الحرف العربي: الفاتح
المطارد»، المجتمع (1051)».
ولا تزال العربية حتى اليوم في
معقلها الأصلي تواجه تلك الحرب التي تنفذ اليوم -واخزياه- بأيدي أبنائها «الذين
يخربون بيوتهم بأيديهم»، تحارب على كل صعيد ومستوى؛ بحيث إن الجهاد ضد هذه الغارة
الشاملة بات فرض عين على كل مسلم وعربي، فالغزو قد وصل إلى عقر الدار، ولكل جهاد
رجاله وخططه وأسلحته، وكل من يقعد عن هذا الجهاد ويخلد إلى الأرض فهو آثم، وكيف لا
وهو يرى شخصية الأمة تغتال، ومقوماتها تنتهك، وعوامل تماسكها تحطم ثم يتقاعس؟! أما
أولئك الذين يقفون مع العدو في خندق واحد يؤازرون مخططاته ويحرسون تنفيذها فهم لا
يقلون خيانة عمن يعمل لحساب العدو أيام الحرب العسكرية، وما يستحقه هؤلاء يستحقه
أولئك.
إن القتل الحضاري ذلًا ومسخًا
وتذويبًا لأشد وأنكى من القصف بالراجمات ودك البيوت على الرؤوس، ولا تقبل أي تعلات
مهما تكن لتبرير الرضى بقتل هوية الأمة الذي نرى آثاره شاخصة في المسوخ التي باتت
تتكاثر في كل مكان.
واحة الشعر
شعر: محمود مفلح
شجر الشهادة
دمعي
يغالبني وما يترقرق هل
في الشعر نجم يبرق؟
هل أنت
يا مطر القصائد مدركي أم
أن برقك خلب وملفق؟
ودعت هذا
الشعر منذ تقلبت فيَّ
السنون، ومنذ ضاع المنطق!
هل
للقصائد نكهة بعد الذي فعل
الجناة، وهل لهن تذوق؟
سحبوا
البساط وليلهم متعهر وتقاسموه
وصبحهم متزندق
بالأمس
كانوا يعرفون بأنهم رسل
البطولة والرعاع تصفق
بالأمس
كانوا يسرجون خيولهم وسيوفهم
بالأمس فوق الأعنة تبرق
بالأمس
كانوا يطلقون قذائفًا والناس
من هول القذائف تشهق
صدق
الإله ألم يقل في مثلهم خشب
مسندة وصوت ينعق
سقط
القناع فما أظنك ساذجًا حتى
تصدق ما يقول «الأشدق»
يدري
الظلام بأنه شبح به وبأنه
في خزيه «يتمنطق»
طعن
الرجال وخانهم بل كان
فوق ظهورهم يتسلق
يده على
كتف الصديق وأختها في
كف من ذبحوا الصديق توثق
هذا زمان
يستبد به الأذى وبه
مهازيل الرجال تعملقوا
هم حفنة
والله أكبر منهم وحوادث
التاريخ منهم أعرق
درن على
وجه القضية طافح وعصابة
عما قريب تزهق
هذا سلام
الخانعين وعندنا شجر
الشهادة كل يوم يورق
أين
السلام وما تزال مساجدي في
كل يوم تستباح وتحرق؟
أين
السلام وهذه أرواحنا من
دون ذنب كل يوم تزهق؟
أين
السلام وأمتي مغلولة ودمي
على كل الخناجر يهرق؟
أين
السلام وها هم أطفالنا قبل
الفطام تكسروا وتمزقوا
شدوا
الوثاق أيا رجال عقيدتي فالنصر
آت، والرجاء محقق
لا
يرهبنكم الظلام وجيشه فالسيف
أولى بالظلام وأخلق
يا موطن
الإسراء جرحك نازف وعليك
أهل الجاهلية أطبقوا
لكن رأسك
سوف يبقى شامخًا ولديك
من جند العقيدة فيلق
يستعذبون
الموت قبل لقائه وهم
إذا حمى الوطيس تدفقوا
ضموا
المصاحف للصدور وأسرعوا ووجوههم
فيها الشهادة تشرق