العنوان أثر الغناء على القلب
الكاتب الشفيع الماص أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 84
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 14-مارس-2000
الاستغراق في الغناء يوجد جوًا وهميًا تفقد فيه النفس الوعي بانسياب الزمان.
عندما يعيش الإنسان في عالم مصطنع لا وجود له تتعطل فاعليته، ويفقد القدرة على الالتزام بمتطلبات الحياة الحقيقية.
المقصود بالنفاق هنا هو عدم الانسجام بين حركة القلب وحركة الحياة.
د. الشفيع الماص أحمد- أكاديمي بكلية التربية جامعة الملك سعود الرياض.
عرفت حاسة السمع من بين الحواس الخمس بشدة تعلقها بالقلب، وعظم حاجة القلب إليها، وهو أمر نكاد نفتقده حتى في أقرب الحواس شبها بالسمع وقربًا من القلب، مثل حاسة البصر، ومرد ذلك إلى أن إدراك حاسة السمع أعم وأشمل من إدراك البصر؛ لأن السمع يدرك الموجودات والمعدومات والحاضر والغائب، والقريب والبعيد، والممكن والممتنع والحسي والمعنوي، مما يعني أن ما يدركه أضعاف ما يمكن أن يتحصل عليه بأي حاسة أخرى، ولذلك قيل إن فقدان حاسة السمع يوجد ثلمًا في القلب لا يمكن إصلاحه.
وإذا قورنت حاسة السمع بغيرها من الحواس وجدنا أنها أقوى الحواس صلة بعالم الإنسان الباطني، وذلك لأن المرئيات والمذوقات والمشمومات تدرك وتصاغ في قالب مكاني وعلى نحو مباشر ومستقل عن الإنسان، بينما المسموعات تدرك وتصاغ في قالب زماني يتعاقب بعضها وراء بعض، فهي لهذا تعتمد على الذات التي تتلقاها اعتمادًا أساسيًا، وتبعث في الإنسان الشعور بأنها صادرة عن أعماقه الباطنية، ولعل هذا ما أدى إلى اعتبار الغناء من ألصق الفنون بأعماق الذات الإنسانية، وعلى أي حال فإن حاسة السمع قد خلقت على هيئة خاصة تستقبل الصوت -أكثر المدركات تجردًا عن المادة- والصوت كما هو معروف ينبئ عن مدرك ما، ومن ثم يصبح المدرك معلومًا ومعروفًا للإنسان، ومجمل ما يستقبله الإنسان يرجع إلى نوعين الأول يستفيد منه معرفة وعلمًا، والثاني لا يستفيد منه معرفة ولا علمًا، فالأول هو ما يرد عليه بحقيقته، أي أصوات مجردة دون أن يضاف إليها ما يخرجها عن حقيقتها، والثاني ما يرد بأصوات انحرف بها عن حقيقتها بمؤثرات عديدة أخرجتها عن أصلها وعن حقيقتها معًا.
والغناء من جملة ما يرد على الإنسان متضمنًا لجميع خصائص النوع الثاني، ويحدث فيه من التأثير ما لا يحدثه سائرها، وهو ما دفعنا لأن نقف عنده وقفة متأنية مبينين خطورته على القلب ملك الأعضاء، وعمدة البدن، والمعول عليه في صلاحه وفساده.
عرف الغناء تعريفًا عامًا بأنه ما طرب به الصوت، والمراد بالصوت هنا تحسينه وترقيقه وترنيمه حتى يؤدي بالإنسان إلى تلك الخفة التي تعرف بالطرب، غير أن الإنسان لا يبلغ حالة الطرب إلا بوجود عنصرين أساسيين، هما: اللحن، والإيقاع.
أما اللحن فهو النغمة، أي جرس الكلام وحسن الصوت، وهذا يحدث حركة في القلب فيها لذة وفرح وسرور، وذلك من ائتلاف النغمة واختلافها في الحدة والثقل في السرعة والبطء والإطالة والتقصير، والارتفاع والانخفاض إلى غير ذلك مما هو شبيه به. وأما الإيقاع (الموسيقي) فهو تقسيم الصوت بفواصل زمنية، بمعنى أنه النظام الوزني للأنغام في حركتها المتتالية، لذلك يغلب على الإيقاع عنصر التنسيق أو التنظيم المطرد، ذلك لأن الإيقاع هو تكرار ضربة أو مجموعة من الضربات بشكل منتظم، فالإيقاع لا يضيف إلى اللحن شيئًا جديدًا، وإنما هو تنظيم زماني الحركة اللحن، بحيث يتناوب خلال هذه الحركة عنصر التأكيد المتوتر، وعنصر إطلاق هذا التوتر وتخفيفه، وعلى هذا فالزمان هو لب الإيقاع، بل إن الإيقاع هو أقوى العناصر تعبيرًا عن الزمان، وحين عرف الإيقاع بأنه تنظيم للحركة خلال الزمان إنما أريد بذلك أن الإيقاع يقوم بإدخال تنظيم معين على الحركة بحيث يشعر الإنسان في الإيقاع بأنه يتحكم على نحو ما في مجرى الزمان وينظمه بدلًا من أن ينساب معه دون وعي.
يتبين مما سبق أن حاسة السمع لا تدرك الغناء كصوت من سائر الأصوات، وإنما تدركه كأصوات قد كسرت ومطت ولينت بطريقة تفصح بأنه عدل فيها، وأضيف إليها ما يُخرجها عن حقيقتها فصارت لذلك نغمًا، ثم أدخل فيها عنصر الإيقاع لتصل إلى حاسة السمع بفواصل زمنية متتالية لتحدث في القلب حالة الطرب، فالغناء إذن لم يقصد به أن يفيد معرفة، وإنما قصد به أن يحدث حالة فرح في القلب، أو حالة جمالية، غير أن تلك الحالة قد تولدت صناعيًا مما أضيف إلى الأصوات الحقيقية، وهي -بلا ريب- إضافة أريد بها أن تتجاوز حدود المعرفة لتدفع بالقلب إلى أن يتحرك خارج دائرة حركته التي فطر عليها، وبها ينسجم مع حركة الحياة الخارجية، أما كيف يحدث الطرب، فإن هذا مما يحتاج
إلى تفسير لا يفهم الكلام السابق بدونه، فمن المعلوم أن حركة القلب مقسمة تقسيمًا زمانيًا ومكانيًا، وبهما تظهر دقات القلب في صورتها المألوفة، ولا يمكن للغناء أن يحدث تأثيره المراد إلا إذا خضع لنفس حركة القلب؛ ولذلك أدخل على الغناء عنصر الإيقاع ليصل إلى القلب منغمًا وبفواصل زمنية، فيحدث انسجام بين حركة القلب وحركة الإيقاع.
بيد أن حركة الإيقاع الزمانية المجردة لا يمكن وحدها أن تؤثر في حركة القلب الزمانية والمكانية إلا بوجود عنصر يأتي مصاحبًا للإيقاع ليجرد الحركة من العامل المكاني، وهذا العنصر هو الخيال الذي يتولد من معاني الكلام المسجع؛ لأن المعاني والصور المستمدة من الكلام لا تعطي السامع معرفة حقيقية، ولم يقصد بها معنى يخاطب الذهن، وإنما هي فقط موجهة لإثارة قوة الخيال، حتى يجرد تلك من ماديتها ومحسوسيتها مما يترتب عليه تعلق القلب بالخيال وحده، وبذلك تجرد قوة الخيال حركة القلب عن الثبات، أي المكان، عندئذ تنفك حركة القلب عن الواقع وعن الحياة، فتحدث الخفة، وبحدوث الخفة تصبح حركة القلب زمانية خالصة، عندها يحدث الطرب فيشعر الإنسان وكأنه انتقل من عالم إلى عالم، ومن دنيا إلى دنيا.
ومهما بلغ الشعور المصاحب للطرب فهو حالة من الخفة تخرج بالإنسان عن كل ما يشده إلى إيقاع الحياة البطيء، وينطلق به إلى عالم من الفرح، عالم كل ما فيه ينتظم تحت حركة الزمان في تعاقبها وتناسقها المتوازي، والذي لا اضطراب فيه ولا اختلال، حينها ينكشف للنفس ما كان محجوبًا عنها بثبات المكان، ويثقل المادة فتنطلق إلى السعادة، ولذا فهي تتحرك وترتاح وتهتز، بل قد تنسل تمامًا عن حصار الجسم وتتحرر من رباطه.
ومكمن الخطورة هنا أنه ليس ثمة انتقال أو تحرك، وليس ثمة انطلاق أو خرق للحجب، ولا غيبوبة تامة عن الوجود كل ما في الأمر أن الفرح وما يرافقه من معان وأحاسيس ومشاعر قد خلق جوًا عجيبًا فقدت فيه النفس الوعي بانسياب الزمان، وانمحى تمامًا الشعور بإيقاع الحياة وتتابعه البطيء والممل، لو كانت هذه الحالة المؤقتة التي تطرح فيها النفس كل ما يشدها إلى الواقع، وتزول بزوال مسبباتها لهان أمرها، ولكن الخطورة في أن تتحول الحالة بكثرة التكرار، وبحكم التعود ودوامه إلى صفة راسخة في النفس، حينها تتحول الخفة إلى ملكة من ملكات النفس، وربما أصبحت لنفس الأسباب خلقًا له من الرسوخ ما للملكة، وكلاهما يسبب انفراطًا لقوى القلب ويشيعان فيها الوهن والضعف، ومن ثم يفقد تماسكه، وهنا تتجلى أبشع آثار الغناء.
نعم، هنا تتجلى بشاعة الخفة على القلب ذلك لأنها في تعاملها الأول لا تتعامل معه إلا كفاية وهدف، وهو أن تصرفه إلى وجهة أبسط ما يمكن أن يقال عنها إنها غريبة عنه؛ وذلك حتى ترفع عن النفس ما يشدها إلى الجسم، فتنطلق بلا قيود إلى تلك السعادة التي ما ذاقتها إلا بعد إجهاد القلب، وتشتيت قواه وإكراهه على الإدبار عن الواقع وعن الحق، والحقيقة -ولا شك- أن ذلك الإدبار أول ما يعطل فاعلية الإنسان أمام مواقف الحياة بأنواعها المختلفة، والتي تتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والجدية المستندين إلى معطيات الواقع وأسسه الجوهرية، وإذا تعطلت فاعلية الإنسان وهنت عزيمته، وفقد القدرة على مجاهدة الحياة والالتزام بمتطلباتها، وفي هذا وذاك محو تام لشخصيته، وذوبان كامل لذاتيته في عالم مصطنع لا حقيقة له ولا وجود، وقد فطن الإسلاميون إلى أن مظاهر الخفة تتجلى بوضوح تام في خلع الإنسان ما له بحكم المعاني التي هو بها إنسان من رزانة واتزان فوق ماله بحكم التكليف من بهجة الإيمان ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، ولبس ما ليس له مما هو نقيض لذلك، فينقص العقل، ويقل الحياء، وتذهب المروءة، ويتخلى عن بهاء العقل الذي يزينه، وعن بهجة الإيمان، ووقار الإسلام اللذين استأهل بهما أن يوصف بما لم يوصف به أحد من العالمين.
ويظهر ذلك كله منذ لحظة السماع الأولى فيتمايل الإنسان من جراء الطرب، ويتكسر في حركته حتى إذا بلغ به الطرب مداه خرج عن كل ما يشده إلى الواقع، ومزق كل ما يربطه به، فكأنه بذلك يريد أن ينسل عن كل ما لصق به، فتراه وهو يميل برأسه ويهز منكبيه ويضرب الأرض برجليه ويصفق بيديه، وتارة يدور حول نفسه، وتارة يرقص، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق كالمجنون، ويصاحب كل هذه الحركات تصاعد في أنفاسه، وتزايد في اشتعال أشواقه.
ولا يقتصر تأثير الطرب على هذه الحالة الشائنة وحدها، بل يمتد بعامل الإدمان إلى صبغ القلب بصبغة النفاق؛ لأن الطرب إذا صار ملكة للنفس فسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق لا محالة، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل»، وقال بعض العارفين: «إن السماع يورث النفاق».
والمقصود بالنفاق هنا أوسع معانيه، وهو أن يظهر مدمن الغناء على خلاف حقيقته لا كما هو عليه بالفعل، وهذا الوجه من النفاق يلاحظ في عدم الانسجام والاتفاق بين ما فطر الله عليه حركة القلب نحو الحقيقة المجردة، وبين حركة الحياة في إيقاعها البطيء والواقعي الذي لم يدخل عليه ما يميل به عن مساره الذي خلقه الله عليه.
ذلك لأن الطرب يجرد القلب من التوازن الدقيق بين الحركتين حتى يتيح للنفس فرصة الانطلاق نحو الفرح والسعادة، فيحدث من جراء ذلك انقسام حاد وتفرق وتشتت شديدان بين قواه الداخلية، وبين قوى الحياة الخارجية، فيحاول نتيجة لذلك أن يوازن ما بين وجهة القلب الفطرية والإيجابية، وبين حركة الحياة في سريانها المتدفق والمحكوم بعاملي الزمان والمكان، ولكنها محاولة المضطر، من هنا يظهر للناس بوجهين وجه مضطر لإظهاره، وبه يعيش الحياة التي بدونها يستحيل أن يعيش في عالم السعادة، ووجه آخر يظهر عندما يطرب ويخف ويغادر عالم الواقع إلى عالمه الذي صنعه له الغناء، عندها تبرز بجلاء حقيقته المخفية، وذاته التي استعبدها الغناء، ومن ثمرات النفاق المرة أن يطبع صاحبه بطابع الافتقار إلى الصدق، ودلالة ذلك تتمثل في قدرته الهائلة على طرد كل معنى صادق في تعبيره عن الحق والفضيلة، بل إن الصدق يصبح على من هذا حاله ثقيل الوطأة، وربما تبرم به كما يتبرأ القلب المبرأ من النفاق من الكذب، ولعل هذا ما عبر عنه ابن قيم الجوزية بقوله: «ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى».
ومقصوده أن معاني القرآن لا تميل بمحبة عن الحق ولا تصرفه عن الواقع، وإنما هي تخبر بالصدق عن الحقيقة حتى ينسجم مع حركة الحياة، ولا يمكن أن تجتمع الحركتان معًا، فلا بد أن تزيح من وجدت في القلب محبة وتعلقًا تلك التي طرأت عليه.
ويساوق نفاق القلب زيادة في الشهوة وانبعاث مفرط على الافتتان بها، والشهوة المنبعثة من الغناء لا تشترك مع الشهوة المنبعثة من ميل طبيعي نحو الحاجات الضرورية إلا في الاسم فقط؛ إذ هي شهوة تتشوق فيها النفس إلى كل ما يلذ ويسر بلا قيد ولا ضابط، لأنها هي الشهوة التي بها تكتمل سعادة النفس.
ولأجل ذلك تجاوزت كل الحدود الضابطة للشهوة، وأصبحت من ثمرات الغناء من الطرب ما فيه من خفة واستهانة بكل ما هو ثابت وحقيقي كالأخلاق والقيم النبيلة، حتى وصف الغناء بأنه داعي الفجور، ورائد المعصية، وصوت الشيطان.
ولقد تنبه الخليفة الأموي الوليد بن يزيد إلى ثمرات الغناء المرة فقال في نصيحة له لقومه وللناس أجمعين:
«يا بني أمية إياكم ومحبة الغناء، فإن محبة الغناء تزيد الشهوة، وتهدم المروءة، وتنتقص الحياء، وتنوب عن الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنى، وإني لأقول ذلك وهو أحب إليّ من كل لذة، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يتبع».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل