العنوان المجتمع.. التعليق الأسبوعي (العدد 205)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1974
مشاهدات 58
نشر في العدد 205
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 18-يونيو-1974
المجتمع..
التعليق الأسبوعي
موضوع الغلاف
صنم.. قد هام.. في صنم!
التهافت.. على أمريكا.. غباء ضخم!!
العمى الاقتصادي والسياسي والعقائدي وراء هذا التهافت
أمريكا هي المحتاجة للعرب.. وليس العكس!
●أن ينحرف الناس، و يخبطون في طريق الظلام والضلال، فهذا شيء معروف في تاريخ البشرية.
أما أن يعمد أناس إلى تحويل الانحراف إلى استقامة، ويستعملون أدوات خداع البصر ووسائل غش الشعوب، لجعل الهزيمة انتصارًا، والانكسار التاريخي فتحًا عظيمًا.. فهذا هو الاستهتار بعقول الناس ووعي الأمة.
قالوا لنا: إن الاشتراكية هي طريق المجد.
وقالوا لنا: إن صداقة الاتحاد السوفيتي هي السبيل إلى التقدم.
وقالوا لنا: إن عدوان عام ١٩٥٦ تحول إلى انتصار.
وقالوا لنا: إن الحزب القائد هو أمل الأمة في التحرير.
وقالوا لنا: إن الحياد الإيجابي هو إستراتيجيتنا الدولية.
ذلك قولهم بأفواههم.. ولكن ماذا كان الواقع في الحقيقة؟
الاشتراكية كانت بؤسًا.
وصداقة السوفيت كانت قيدًا دوليًا يشل حركتنا، ويربطنا بعجلة السياسة الروسية سلبًا وإيجابًا.
وكان عدوان ١٩٥٦ هزيمة حقيقية، إذ فتح خليج العقبة أمام سفن العدو وتحركت نحو إفريقيا.
وأسفرت دعاوى الحزب القائد عن كارثة رهيبة في الأنفس والثمرات والدين!!
وأصبح الحياد الإيجابي انحيازًا وارتماءً مباشرًا، في أحضان الاستعمار الدولي.
فهل تبدل شيء الآن؟
الذي تبدل هو الصورة فحسب، أما مضمون المأساة.. فهو.. هو!!
لقد حولوا قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ إلى انتصار، بينما هو عين الهزيمة، فهو يكرس -بصراحة- وجود العدو في فلسطين، ويحول وعد بلفور إلى موقف عربي يقر وجود الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
القرار الهزيمة جعلوه نصرًا، وهو قرار بلغ من التفاهة والظلم حدًا جعل اللورد کاردون نفسه -وهو الشخص الذي صاغه- يخجل منه ويطالب بتعديله وتطويره!
وجعلوا الخضوع للاحتكارات الأمريكية فتحًا اقتصاديًا.. بالضبط كما حاولوا إيهام الشعوب طوال ربع قرن بأن الاعتداء على حقوق الغير باسم المصادرة والتأميم، إنما هو إنجاز اقتصادي يدفع التنمية خطوات واسعة إلى الأمام.
وجعلوا زيارة نكسون لبعض البلدان العربية.. انتصارًا لإرادة الأمة وتعبيرًا عن تصميمها!!
لاحظوا: إن كل شيء يتم باسم الأمة!!
الاتجاه نحو الشيوعية يجري باسم الأمة!
التأمرك.. يتم باسم الأمة!
دعاوی تحرير فلسطين تطلق باسم الأمة!
إجراءات بيع فلسطين تجري باسم الأمة!
والتلويح باسم الأمة في كل هذه الأحوال دجل سياسي، وتزوير واضح، فالأمة غائبة، ومحجوبة -عمدًا- عن حقيقة ما يجري.
والتحدث باسمها انتحال ظالم لهذا الاسم.
●ولنأخذ مثلًا واقعيًا تستبين من خلاله الحقيقة المرة.. حقيقة أن هؤلاء لم يفقدوا معنى الأمانة الذي تقتضيه مسئولية قيادة الشعوب.
وإنما فقدوا أيضًا ملامح الذكاء السياسي، وعمق الإحساس بالتحول التاريخي، وفقدوا عزة الإيمان، فقدوا رؤية كل شيء.. فجاءت التصرفات ضريرة.
لماذا يستقبل نكسون هذا الاستقبال المذهل في الوطن العربي؟
إن التهافت الذي جرى سيعطي الأمريكان صورة مخزية عن الشعوب العربية.
صورة أن هذه الشعوب تمجد الذين يذلونها، وتفرح بمقدم الذين قتلوا أطفالها بطائراتهم وصواريخهم!
صورة الجماعات التي تستسلم أمام راعي البقر.. ثم تنهض لحمله على الأعناق تقديرًا له على إذلالها!
●لقد بلغت معونات أمريكا للعدو خلال ربع قرن ٤٥ مليار دولار، وهذا غير المعونات الفنية والعلمية والعسكرية، وستتضاعف هذه المعونات مستقبلًا.
●ففي الساعة الواحدة من صباح الخميس الماضي، بثت إذاعة الكويت نبأ يقول: إن أمريكا ستمنح العدو ١٥٠٠ ألفًا وخمسمائة مليون دولار كل عام ..
وسيستمر هذا الاتفاق خمس سنوات، ويصبح مجموع المبالغ في السنوات الخمس القادمة سبعة مليارات ونصف مليار دولار.
وإلى جانب ذلك ستتدفق على العدو المعونات الفنية والعسكرية والتكنولوجية.
ولقد قيل لنا: إن الجيوش العربية كانت ستمضي في تحرير الأرض المحتلة، لولا الجسر الجوى الذي أقامته أمريكا لدعم العدو بما يريد من السلاح.
هذه شهادة الذين يهشون اليوم لاستقبال نكسون بحرارة!!
ومعنى ذلك أن نكسون -وهو الشخص الذي اتخذ قرار إقامة الجسر- قد حرم الأمة من فرصة تحرير أراضيها.. وأخذ حقوقها.
وهو من ثم عادى أمتنا في أحرج ظروفها.
فهل ينبغي لإنسان ينطوي على العزة والكرامة، أن يستقبل نكسون القاتل هذا الاستقبال العجيب؟!!
التهافت.. عمره ما رفع مكانة أمة!
والتدحرج.. لا يمكن أن يؤدي إلى الصعود!
ونكسون شخص لا يحترم نفسه في بلاده.. فلماذا يحاط بأكثر من الاحترام في بلادنا؟!
لقد خاض في فضيحة ووترجيت من أقدامه إلى رأسه.. فهل هذه الهالة الغريبة التي أحيط بها، تعتبر نوعًا من تكريم المزورين والمزيفين الذين يتجسسون على خصومهم في الانتخابات؟
●ويقولون إن نكسون -ومعه أمريكا- قد تغيروا وتبدلت أحوالهم.
والصحيح: أن بعض العرب هم الذين تأمركوا، و طفقوا يقدمون من التنازلات ما أذهل العدو نفسه.
●لا مفاوضات مباشرة مع العدو.. أصبحت مفاوضات مباشرة معه في جنيف.
●لا اعتراف بالعدو.. أصبح اعترافًا بالعدو سواء عن طريق قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، أو عن طريق التصريحات الرسمية.
●لا تفريط في القضية الفلسطينية، أصبح تفريطًا صريحًا بالقضية، ودفنًا كاملًا.
أمريكا لم تتغير..
إنما بعض العرب هم الذين تأمركوا.. وتنازلوا في تهافت ذليل!
●يقولون: إذن لماذا هذا الانفتاح الأميركي على العالم العربي؟ هذا الانفتاح في صالح أمريكا.. وصالح العدو اليهودي.
●و لنلق نظرة على الظروف الراهنة، حتى يتضح الإطار العام لهذا التحرك الأمريكي الجديد.
●مؤشرات التاريخ والنمو الاجتماعي والعقائدي والبشري والاقتصادي والاستراتيجي والعسكري للأمة، هذه كلها عوامل ليست في صالح العدو، ومهما قيل في بواعث الحرب الأخيرة وأهدافها، فإن الجنود المؤمنين المقاتلين قد أثبتوا أن في الإمكان قهر العدو، وتحرير فلسطين.
هذه الظاهرة أزعجت العدو، وأزعجت بالتالي أمريكا، ومن هنا استعدت الأخيرة للقيام بحركة احتواء واسعة النطاق.. لتطويق هذه الظاهرة وقتلها، حتى لا يتحول ميزان المنطقة لصالح العرب المسلمين.
إن أحد أهداف أمريكا من تحركها الأخير هو توفير أمن طويل الأمد للعدو، ولقد اقتضت حركة الاحتواء الأمريكية ترويض البلدان المتاخمة لفلسطين المحتلة، عن طريق الإغراء المادي، والدعم الاقتصادي.
ولذلك نحن نعتبر وقف إطلاق النار إجهاضًا للمسيرة الميمونة، التي بدأها الجنود الطيبون على ضفاف القناة، وفوق هضبة الجولان.
●منذ فترة والأمريكيون يهددون باحتلال منابع النفط في الوطن العربي.. ولظروف دولية ومحلية، اتضح لهم أن هذا التفكير بالغ الغباوة والحماقة، حيث إن تصرفًا من هذا النوع، سيقابل بمقاومة شعبية تحول آبار النفط إلى جحيم، تلتهم رعاة البقر و تشويهم.
عدلوا عن هذا التفكير.. ورأوا أن الخطة المناسبة لمصالحهم هي حركة الاحتواء
والتسرب من الداخل.. لا الهجوم من الخارج.
●إن أمريكا تريد إسكات المعارضة العالمية ضدها، حتى تنفرد هي بالسيطرة والسيادة.
●استغلت الخلاف بين روسيا وأمريكا، ولعبت على الحبلين حتى يسكت الطرفان، ويلتزمان بالصمت إزاء تصرفاتها.
- أقدمت على تطويق نزعة الاستقلال الأوربية، حتى تكون هي أداة التفاهم بين أوروبا والعالم.
- في العالم العربي تريد أن تحتفظ بالعدو وتدعمه، وفي نفس الوقت تحاول خداع العرب بأنها معهم!!
والمحاولة الأمريكية لإسكات المعارضة ذات سببين:
▪سبب مادي وهو الحصول على أكبر قدر ممكن من المواد الخام والأسواق.
▪سبب أدبي وهو إرضاء الغرور الأمريكي التقليدي في الحصول على الزعامة العالمية.
العمى السياسي والعقائدي يتجاهل الحقائق الموضوعية
الحقيقة واضحة جدًا..
بيد أن بعض الناس أصيب بالعمى السياسي، والعمى العقائدي والعمى الاقتصادي، والعمى العصري.
بعض الصحفيين خرج من قبره ليتحدث بعقلية الأربعينات، وأخذ يحرق البخور لأمريكا، وكأنها القوة الوحيدة في العالم.
تمامًا كما كان يفعل الذين فقدوا شرفهم، إبان الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي والهولندي للعالم الإسلامي.
وإذا كنا نستنكر هذا المسلك من بعض الصحفيين، فإن إنكارنا له أشد وأقوى حين يصدر من بعض الزعامات.
ولنطو صفحات الحديث عن الخيانة، وخداع الشعوب.
إننا نتهم هؤلاء بالبلادة والغباء والعمى.. نتهمهم بفقدان الرؤية والإحساس التاريخي.. وهذه هي الأدلة.
●قالوا: إن بلادنا تحتاج للتنمية والازدهار الاقتصادي، ومن أجل ذلك سعينا إلى الارتباط بأمريكا.. وهذا عمى اقتصادي!
فالعالم العربي لا يحتاج إلى أموال، بل إن الدول الصناعية تتهم العالم العربي بأنه يملك فائضًا من الأموال أكثر مما يحتاج.
وفي إحصائية حديثة للبنك الدولي، أن دخل الدول العربية ذات الإنتاج الرئيسي في البترول، سيبلغ هذا العام ٥٠ خمسين مليار دولار.
وفي أكثر من تصريح للشيخ أحمد زكي يماني «وزير البترول السعودي» سبب دعوته لتخفيض أسعار البترول بأن حجم التنمية لا يبتلع الفوائض، وبأن الأسعار الحالية تسبب عجزًا في ميزان مدفوعات الدول الصناعية.
ولنغير تعبير «الفوائض» بمصطلح «الاكتفاء الذاتي».. ثم ننظر هل نحن المحتاجون إلى المال.. أم غيرنا؟
لنقل أن العرب لديهم اكتفاء ذاتي من الأموال.. فما هو حال الدول الأخرى؟
في آخر تقرير عن العجز المتوقع في ميزان مدفوعات بريطانيا وفرنسا واليابان والولايات المتحدة.. اتضح الآتي:
●بريطانيا تعاني عجزًا قدره ۱۰ عشرة مليار دولار.
●اليابان تعاني عجزًا قدره ۸ مليار دولار.
●فرنسا تعاني عجزًا قدره ٦ مليار دولار.
●الولايات المتحدة تعاني عجزًا قدره ٥ خمسة مليار دولار.
فمن المحتاج إلى المال نحن.. أم هم؟!!
ثم إن الاستثمارات الأمريكية في البلدان العربية تقوم بدور الوسيط فحسب.. أي إن الأموال العربية تنتقل إلى البلدان العربية، لا بطريق مباشر، وإنما عبر الشركات
الأمريكية!!
لقد تغير الزمان..
وسقطت أسطورة: أمريكا الغنية أو أمريكا التي تستطيع تزويد العالم بما يحتاج أو أمريكا التي تستطيع أن تكتفي ذاتيًا.
إن الجديد في عالم اليوم هو أن أمريكا أمست أمة تفتقر إلى العديد من الخامات الشائعة والنادرة.
وتلبيةً لهذه الحاجات، انطلق القياصرة الجدد يبحثون عن حاجاتهم لدينا.
غبي -أكثر من غبي- من يظن أن أمريكا تنفتح علينا لمصلحتنا نحن!
●و توكيدًا لحاجة أمريكا إلى المواد الخام، نستعرض هذه الحقائق:
- عام ۱۹۳۷ كانت أمريكا تستورد ۳٪ من حاجتها من خام الحديد، فأصبحت تستورد عام ١٩٦٦ ٤٣٪.
- عام ۱۹۳۷ كانت تستورد ۱۳٪ من النحاس، عام ١٩٦٦ استوردت ۱۸٪.
- عام ١٩٣٧ لم تستورد شيئًا من الرصاص، وفي عام ١٩٦٦ استوردت ۱۳۱٪.
- عام ۱۹٣٧ استوردت ۷٪ من التوتياء، وفي عام ١٩٦٦ استوردت ١٤٠٪.
- عام ۱۹۳۷ استوردت ۱۱۳ من البوكسيت، وفي ١٩٦٦ استوردت ٦٣٨٪.
- في عام ۱۹٣٧ استوردت ٤٪ من النفط.. وفي عام ١٩٦٦ استوردت ۳۱٪.
ومع التوسع في حركة التصنيع وتحقيق معدلات أعلى في التنمية، تصاعدت حاجات أمريكا إلى الاستيراد.
ووفق التقديرات العلمية، سيصل ما تستورده أمريكا من المواد الخام إلى ٥٠٪ عام ۱۹۸۰، وسيصل إلى ٧٥٪ عام ۲۰۰۰.
عام ١٩٨٥ ستحتاج أمريكا إلى ٢٦ برميل نفط يوميًا، ٥٨٪ منها مستورد، ومن ال٥8٪ يصدر الشرق الأوسط منها ٨٦٪. أليس من الغباء الكريه أن يقال لنا بأن الارتباط بأمريكا كان بدافع الازدهار الاقتصادي والمالي؟
▪وقالوا: إن الأوضاع السياسية تحتم التكامل مع أمريكا بهذه الطريقة، وبهذا الأسلوب.. وهذا عمى سياسي!
فالسياسة الحكيمة تقتضي استثمار الظروف والإمكانات كأفضل ما يكون الاستثمار.
إن ارتفاع نسبة التعليم بمعدل معقول، ووجود النفط كوقود وكسلعة إستراتيجية هامة، وتدفق عائدات النفط بشكل كبير، ونمو الوعي الديني واتساع نطاقه، وتنامي الخبرات العربية في كل مجال.. كل هذه العوامل تشکل ظرفًا سياسيًا ممتازًا، يجعلنا في موقف أفضل يوجب التماسك والإصرار.. لا التهافت والتنازل!
▪وقالوا: إن أمريكا دولة عظمى، فلا قبل لنا بمواجهتها وهذا عمى عقائدي!
ولا يقول هذا القول رجل يؤمن بالله، ولا أمة تتوكل على الحي الذي لا يموت.
ومتى أدى الخوف إلى موقف سليم؟
لقد خافت إندنوسيا..
وخافت تايلاند..
وخافت تركيا..
خاف هؤلاء جميعًا من أمريكا.. فما زادهم الخوف إلا ذلًا.. ولا حماهم من غطرسة الأمريكان وتسلطهم.
ولو جعلت الأمم الخوف باعثها ودافعها، لظل الاستعمار القديم حتى اليوم جاثمًا فوق أنفاسها.
ونحن أمة ترتب حياتها على أحد احتمالين:
إما النصر على العدو..
وإما الشهادة في سبيل الله.
هذه سبيلنا.. وهذا موقفنا.
أما الذين يؤثرون نكسون وكيسنجر على هذه القيم، فلن يضروا الله شيئًا، وسيجزي الله المؤمنين الصابرين المجاهدين.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل