العنوان المجتمع التربوي (2005)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012
مشاهدات 92
نشر في العدد 2005
نشر في الصفحة 52
السبت 02-يونيو-2012
دور أخلاق الراعي والرعية في استتباب الأمن
تحلي المواطنين بالآداب الشرعية لاستعمال السلاح والسلطة يوفر الأمن للوطن
د. حامد محمد إدريس
لا تنمية بلا أمن، ولا أمن دون أن تحكم العلاقة بين المواطن وسلطانه أخلاق تراعي حرمات الآخرين وحقوقهم وواجباتهم، وتسعى للحد من الاستعمال السيئ للسلاح والاستغلال السيئ للسلطة، وتوجب الحب والولاء والتعاون في المعروف بين الطرفين.
ماذا تتوقع أن يحدث للناس البائعين والمشترين لو أن شخصا جرد سيفه أو فتح رشاشه على الناس في سوق مزدحمة؟ أو لو أن شخصا اقتحم بسلاحه شركة واستلب منها قسرا بعض مالها؟ ماذا تتوقع أن يكون موقف جهة صديقة أنت لتساهم في تنمية البلد؟ أتستمر في عملها مع الاقتحامات المتكررة أم ترحل؟ ما رأيك في وطنين أحدهما يعمل أهله ليلا ونهارا آمنين: أسواقهم نشطة في الكسب المادي، تسخر كل لحظة من الزمن الإضافة كسب جديد، ووطن آخر تغلق أبواب متاجره مع مغيب الشمس خوفا من اعتداءات محتملة أو استجابة لحظر تجول مفروض؟ أي الوطنين أجدر بازدهار التنمية فيه؟ قيمة الأمن ووجوب حمايته للأمن قيمة عالية تساعد في التنمية الوطنية، لكنها تأتي من سلوك يقوم به المواطن - صاحب سلطة أو عاطل عنها - تجاه البلد وتجاه الآخرين، فالأمن إذا ثمرة ناتجة من علاقة إيجابية متبادلة بين المواطنين، وبينهم وبين سلطتهم الحاكمة.
والأمن كلمة محببة تفيد توافر السلامة للمواطنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم وأديانهم، لكنها ليست جلبابا يشتريه الناس من الأسواق.
وضد الأمن يأتي الخوف، وتسببه أخلاق تؤدي إلى أضرار، وأكثر أنواع الأخطار شيوعا استعمال السلاح أو استغلال السلطة لتهديد خصوصيات الآخرين وحقوقهم وحرماتهم ولهذا جاء الإسلام يوجب السعي إلى توفير الأمن للوطن والمواطنين بداية من الأمن العقدي : ﴿لا إكراه في الدين قد تبينَ الرُّشْدُ مِنَ الغي﴾ (البقرة : ٢٥٦)، وانتهاء بحماية الإنسان من سلطة تفرض السلوك المنحرف عليه: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحْصُنًا﴾ (النور : ٣٣).
ولأن الخطر الأكبر الذي يهدد أمن الوطن والمواطنين يأتي نتيجة الاستعمال السيئ للسلاح، جاء الإسلام يهذب في الإنسان هذا الجانب، فأمر الناس ألا يجعلوا ما لديهم من صلاح - سلاح السلطة وسلاح الأفراد - سبيلا الترويع الآمنين على اختلاف عقائدهم وتعدد
مللهم يقول صلي الله عليه وسلم : لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع فيقع في حفرة من النار (صحيح البخاري، كتاب الفتن).
وجعل مجرد الإشارة بالسلاح إلى مواطن جريء جريمة تستحق لعن الملائكة لفاعلها حتى لو كانت الإشارة غير مقصود بها الإيذاء والترويع، ولو كانت موجهة إلى أقرب الأقربين ممن لا يتوقع أن يصدر الاعتداء إليه، يقول صلي الله عليه وسلم : من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمه صحيح مسلم بشرح النووي كتاب البر والصلة والآداب ينزع يرمي ويفسد، وأصل النزع الطعن والفساد .
ومثل الحديدة كل أنواع الأسلحة، وقد نهى صلي الله عليه وسلم عن تداول السلاح بين الناس دون إيجاد الضمان الكافي لاتقاء شره: نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يتعاطى السيف مسلولا رواه أبو داود والترمذي وقال: (حديث حسن، سنن الترمذي كتاب الفتن).
الأمر الذي يوجب على الأمة أفراداً وجماعات، رعاة ورعية أن تتعارف على إجراءات تساعد في الحد من شيوع الأسلحة في أسواق الناس ومواقع تجمعاتهم أو مساكنهم .
● صورة سلبية
أما رأيت شخصا اختلف مع صاحبه في أمر بسيط، يهدد بخنجره أن يطعن به غريمه انتقاما ؟ أما شاهدت أو سمعت قصة شخصين انتهى بهما الأمر إلى قاتل ومقتول بسبب خلاف في حدود أرض أو عشب أو بئر ماء أو وجهة نظر فكرية أو سياسية؟ أما رأيت فئة من المجتمع تجتهد في احتكار السلاح دون وجه شرعي بهدف تسخيره ضد خصومها ؟ كم من الحالات اليومية والصور نشاهد أو نسمع ذهب فيها ضحايا لأسباب تافهة لا تستحق الخصومة، فضلا عن التقاتل والمطاعنة؟ كم هي الحروب التي تشتعل بين حزب وحزب أو قبيلة وأخرى، أو إقليم وآخر تذهب بأرواح عديدة بسبب مصدر اقتصادي سواء كان ماء أو بترولا أو ذهبا .. كان يكفيهم لو تقاسموه سلما دون أن يريقوا قطرة دم.
إن السلوك المخاصم الذي يلجأ لاستعمال السلاح والعنف الجسدي لحسم موقف ضد آخر، يسقط كل خصائص الإنسان من عقل وحكمة ومسؤولية.
● من عوامل استتباب الأمن
من أجل توفير الأمن، ولأن يكون خلقا للمواطنين وسلطانهم وعامل تنمية للوطن شرع الله القتل على القاتل والقصاص على الجاني وتوعد من يعتدي على دم حرام أن يعذبه بنار جهنم واعتبر قتل النفس بغير حق كقتل الناس جميعا، وإنقاذها كحياة الناس جميعا. وفرض على السلطان العدل بين الناس وحمله مسؤولية رعاية الأمة عقيدة وخلقا وحرمات وفرض على الأفراد طاعة السلطان ولو كان جائرا ما دام يقيم فيهم الصلاة، كل ذلك بهدف استتباب الأمن للناس ونشر السلامة في الوطن، وهذا بدوره من أهم عوامل التنمية الوطنية.
فمتى كان سلوك المواطنين متحلياً بالآداب الشرعية السامية في استعمال السلاح أو استعمال السلطة يمكن أن يتوافر الأمن، فلا يؤذي أحد أحدا، ولا يعتدي أحد على مال أحد، ولا يهدد شرطي مواطنا، ولا حزب حزيا، ولا سلطة شعبا، وتكون أجهزة الأمن مصدر اطمئنان للمواطنين وثقة، وبهذا يجد الناس أمنا في أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم، وعندئذ تتجه الجهود نحو التنمية وتصرف كل الإمكانات إلى الاستثمار والصالح العام والتنمية الشاملة.
ومما يدل على أهمية الأمن في التنمية ما ذكر الله من أن أكبر نعمة منحها قريشاً كانت الأمن: سلامة وغذاء: أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (1) (قريش). وكان من أكبر النعم على أهل الحرم ما نص الله عليه بقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ تُمكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمَنَا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رَزْقًا مَن لَدُنَا ولكن أكثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص).
إنها نعمة الأمن ونعمة الغذاء، والثانية تبع للأولى؛ لأن الأمن إذا توافر للعباد أمكنهم الاتجاه إلى استثمار خيرات الأرض لتوفير قوتهم وتحسين معيشتهم وبناء مستقبلهم. وبدون الأمن لا يمكن أن يتحقق النمو الاقتصادي؛ لأن الأمة التي تنشغل بالحرب دفاعا وهجوماً ليست مستعدة لتستفيد مما خلق الله لها من رزق لأن الذي يزرعه بعضها يمكن أن يتهدم في معركة واحدة يقوم بها بعضها الآخر ضد صاحبه وصدق من قال: متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم .
المخرج من محنة الخوف
ولا يوجد مخرج من محنة الخوف إلا إذا ساهم كل فرد من أفراد الأمة في إيجاد الجو الآمن في العلاقة بين الناس، وذلك بالتخلق بالأخلاق الفاضلة السامية التي تفرض الحد من استعمال السلاح وتوجهه إلى المختصين من أفراد الأمة بمقارعة الأعداء وتأمين البلاد من الغزو الخارجي، وإلى المكلفين بحماية الأمن الداخلي من المفسدين، أو لمن يرخص لهم بإذن من جهات مختصة.
وفيما عدا هذه الفئات لا يصح للمواطن الاحتفاظ بالسلاح والتباهي به واستعماله وسيلة لترويع الآمنين وتهديد الأمن بوجه عام أو ليكون وسيلة ارتزاق يؤخذ بها أموال الناس بالباطل، فإن ذلك مما يدخل في المحرمات التي نهى الدين عنها، وتنهى عنها القوانين والأعراف النبيلة، ومما قاله في ضرورة أن ينشر الأمن بين الناس: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه (صحيح البخاري، كتاب الإيمان).
وحتى غير المسلم، قد جعل التعرض له بأذى من أسباب دخول النار يوم القيامة، بل ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك، حيث ربط الإضرار بالحيوانات بالعقاب يوم القيامة روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلي الله عليه وسلم قَالَ: عُذِّبَتْ امْرَأَةَ فِي هِرَّةٍ حبستها حَتَّى مَاتَتْ جُوعا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّار قَالَ فَقَالَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَا أَنْتَ أَطْعَمْتَهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِهَا وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ (صحيح البخاري، كتاب الشرب والمساقاة).
ويؤيده حديث آخر، فعن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (صحيح مسلم، کتاب الصيد والذبائح).
يضاف إلى ذلك؛ نهيه أن تعذب البهيمة بالحبس حتى تموت كما يفيده الحديث: نهى رسول الله صلي الله عليه ولم أن تصبر البهائم (صحيح مسلم، کتاب الصيد والذبائح).
وعن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله أن يقتل شيء من الدواب صبرا صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح.
فإن كان من يعذب الحيوان يستحق اللعنة والطرد من رحمة الله والعذاب بالنار، فكيف بمن يعذب الأبرياء تهديداً بالسلاح وسلباً للأموال وإراقة للدماء وهتكا للأعراض وكبتا للرأي ؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل