; المجتمع التربوي 1881 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي 1881

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1881

نشر في الصفحة 52

السبت 19-ديسمبر-2009

ذكرت في أربع عشرة سورة قرآنية.. الهجرة حدث يستحق أن يؤرخ به

فاطمة عليوة (*)

(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

● ما أحوجنا نحن للهجرة من نفوسنا الأمارة بالسوء وعقولنا الغافلة عن صحيح المنهج القويم

جمع عمر بن الخطاب الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، واستشارهم بأي حدث نؤرخ، وكان ذلك في العام السابع عشر من الهجرة، فتعددت الآراء، فمنهم من أشار بأن يتم تاريخ الأحداث كالفرس الذين يؤرخون بملوكهم الواحد بعد الآخر، وقال آخر: بل كتاريخ الروم، الذين كانوا يؤرخون بالملك إسكندر بن قلس المقدوني ، وقال آخر، بل بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم  ، ورأي آخر بمبعثه صلى الله عليه وسلم  ، وآخر بتاريخ هجرته عليه الصلاة والسلام، وأخيرا بتاريخ وفاته.. فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه  يكتب التاريخ من يوم هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وترك أرض الشرك، ففعله عمر . الظهور هذا التاريخ واشتهاره وأثره العظيم في أمة الإسلام كلها فاتفقوا جميعا على ذلك.

ونعم ما فعلوا .. فالهجرة حدث عظيم يستحق أن يؤرخ به وله كيف لا ؟! وقد خصها الله سبحانه وتعالى بالذكر ليس في سورة واحدة أو موضوع واحد في القرآن الكريم كباقي الأحداث العظيمة المؤثرة في تاريخ وحياة المسلمين، بل خصها سبحانه بالذكر في مواقع عديدة، وفي عدة سور، فقد ذكرت في اربع عشرة سورة، من خلال عشرات الآيات وهذا لعظم شأنها، وحتى لا يكون ذكر الهجرة كأي واقعة مرت أو حدث ينتهي أثره بانتهاء حدوثه، بل لكي تحيي الهجرة في نفوسنا حتى تؤثر في حركاتنا وحياتنا كلها كمسلمين يتعبدون بكلام الله القرآن الكريم...

فمرة تذكر الهجرة بذكر الرسول ص ونصر الله سبحانه له .. كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السَّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  (التوبة: 40) .

وتبين لنا آيات أخرى الكثير من المعاني القيمة التي تدور حول الهجرة وأهلها، منها شهادة الله للمهاجرين بأنهم المؤمنون حقا والنية في الهجرة بأن المهاجرين يرجون رحمة الله، وأن ثواب المهاجرين هو المغفرة والجنة.

● دلالات تربوية

بالإضافة إلى ما اشتملت عليه السنة الشريفة من أحاديث عن الهجرة، وفضلها وفضل الأوائل من المؤمنين والمهاجرين.

فالهجرة حدث إيماني تربوي ذو دلالات تربوية، ممتد الأثر شديد التأثير على كل نفس مؤمنة، وعلى كل صادق يريد أن يتخذ السبيل إلى الله، ويقتفي الأثر حتى ينعم بصحبة الإيمان وينال الثواب.

فكل منا يستطيع أن يهاجر إلى الله سبحانه، حتى ولو لم ينتقل من بلده إلى بلد آخر كما فعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، الذين ضحوا بكل غال، من أهل، ومال، ووطن، فارين بدينهم وإيمانهم، محققين كلمة الله بنفس مطمئنة إلى ما عند الله ، وثقة في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، مهاجرين بنفس راضية؛ لأنهم فقهوا أن السعادة ليست في الدنيا، ولا في التنعم بحدود وطن صغير، بل سعدوا في الدنيا

عندما امتدت حدود وطنهم بامتداد إيمانهم. ما أحوجنا نحن للهجرة من نفوسنا الأمارة بالسوء، وعقولنا الغافلة عن صحيح المنهج القويم، ما أحوجنا إلى التوطن في نفوسنا المطمئنة، والثقة في سلامة منهجنا كتاب الله وسنة رسوله)، والتي تأخذنا إلى حياة مطمئنة. بعد معرفة حقيقة الدنيا الزائلة، فلا تتعلق النفوس إلا بما هو باق تلك النفوس المطمئنة إلى ما عند الله من خير للأبرار.

 حقا يستحق حدث الهجرة منا إلى الوقوف عنده والتأثر به حتى تزداد العقول نورا وتمتلئ النفوس يقينا، وتتضح أمامنا معالم الطريق، فلا نسلك السبل فنضل.

ويتبصر كل مبتلى بفقد الغالي، ويثق كل مضطهد بأن نصر الله قريب، وأن الحق عائد في يوم من الأيام، ونتعلم من الهجرة كيف نحيا تلك الحياة حياة الشرفاء الرجال العظماء صحابة رسول الله الذين كانوا خير عون له، حتى نتعلم كيف نكون خير عون لنصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

● من دروس الهجرة

- حسن التخطيط ودقة التنفيذ والأخذ بالأسباب.

- نزاهة القائد وعفة نفسه.

- حسن اختيار الصديق.

- الثبات على الأخلاق حتى مع العدو.

- للمرأة المسلمة دور في المجتمع. 

- الإيثار ودوره في استقرار مجتمع المدينة

- دور المسجد في بناء الأمة.

●  دروس وعبر 

ونتعلم من حدث الهجرة ونستخلص الكثير من العبر، وهي على سبيل المثال وليس الحصر :

۱- حسن التخطيط ودقة التنفيذ والأخذ بالأسباب، ثم ترك النتائج لرب الأسباب، ونلمس ذلك في طلب النبي صلى الله عليه وسلم  من علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه، واختيار من يرافقه في الهجرة أبي بكر الصديق) واستعمال دليل ماهر خبير بمعرفة الطريق عبد الله بن أريقط، واختيار غار للاختباء فيه من أعين الأعداء.

٢- حسن اختيار الصديق فقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم  الصديق قبل الطريق الآن المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل فلو افترضنا على سبيل المثال أن صاحب الرسول في الهجرة لم يكن على خلق الرسول ومنهجه فلو كان مثلا أحد المنافقين أو الفاسقين لتوقعنا ماذا كان سيحدث، فربما فكر بالغدر

برسول الله صلى الله عليه وسلم  ، أو ربما حاول أن يثني الرسول عن هدفه العظيم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا بطريق عملي فقه اختيار الأصحاب، فانظري أيتها الفتاة كيف تختارين صديقتك، وانظر أيها الشاب كيف تختار صديقك، فصديقك يجب أن يشاركك - أو يتوافق معك إلى حد - الميول والرغبات المبنية على منهج سليم يؤدي إلى طاعة الله والفوز بمرضاته، كما كان أبو بكر نعم الصاحب الرسول الله صلى الله عليه وسلم 

٣-  نزاهة القائد وعفة نفسه: نتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم  نزاهة النوايا وعفة النفس فعندما اشترى أبو بكر الراحلتين، ودفع بهما إلى الدليل لكي يرعاهما، ويسمنهما حتى تقدران تحمل مشاق الطريق، فقال له الرسول بالثمن يا أبا بكر رغم الحب الشديد. بينهما. وبهذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأن ما أخذ بسيف الحياء فهو باطل، وهو درس عظيم لينتبه إليه كل مستبيح لمال غيره، أو لشيء ليس من حقه.

٤- الثبات على الأخلاق حتى مع العدو، وقد ظهر ذلك من حرص النبي صلى الله عليه وسلم  على رد الأمانات إلى قريش، وترك علي بن أبي طالب ليردها إليهم، فالذي تميل نفسه لدنايا الأخلاق لن تهفو يوما لعظائم الأمور.

٥- الكتمان والحرص عند رسول الله صلى الله عليه وسلم 

أ- فقد ترك علي بن أبي طالب لينام في فراشه، الذي كان محل مراقبة من قريش ليموه عليهم حتى يتحقق له قدر من الأمان، وقطع جزء من الطريق، وأعداؤه منشغلين بمراقبة فراشه.

ب- سلك طريقاً مغايرة للطريق التي تألفها قريش حتى يصعب عليهم العثور عليه.

جـ- الكتمان الشديد الذي أحاط خطة الهجرة، فلم يعلم بها إلا نفر قليل بقدر دورهم في نجاح الخطة عملا به واستعينوا على قضاء حوائجكم بالصبر والكتمان..... أما نحن فتفاجأ بأن عدونا يعرف عنا أكثر مما يعرفه أصدقاؤنا.

٦- للمرأة المسلمة دور في خطة الرسول للهجرة عندما اثتمن الرسول صلى الله عليه وسلم  أسماء بنت أبي بكر على خبر الهجرة، بل وذهابها بالطعام له ولأبيها في الغار، وكيف أنها تحملت ما يصعب على كثير من الرجال تحمله (حيث كانت حاملا في الشهور الأخيرة، وكانت تصعد الجبل حتى تصل إلى الغار بالطعام، ثم تعاود هذا الفعل عدة أيام ، تعلمنا أسماء كيف تبذل، ونصبر على البذل من أجل ديننا، ومن أجل نصرة الحق، فأين نساء المسلمين اليوم من هذا العمل الرائع الأسماء بنت أبي بكر ؟!

٧- الإيثار ودوره في استقرار مجتمع المدينة: فقد قدم لنا أهل المدينة (الأنصار) أعظم المثل في العطاء والإيثار، عندما تقاسموا مع إخوانهم من المهاجرين المال والديار، فما أحوجنا لهذا الخلق الذي تلاشي كثيرا في حياتنا، فلا أخ يسد حاجة أخيه، ولا جار يعين جاره، ولا غني يعطي فقيراً، حتى جار كثير من الناس ليس فقط على فضائل الأخلاق بل على الواجبات مثل بر الوالدين، الذي حل محله العقوق، فانتشرت دور المسنين، بدلا من انتشار مظاهر العطاء والرحمة، حتى نزعت البركة من أسرنا، كما قال رسول الله : إن

الله لا يرحم من لا يرحم... المسجد وأثره في بناء الأمة فأول عمل اهتم به رسول الله صلى  الله عليه وسلم  في المدينة هو بناء المسجد لعظم دوره ففي المسجد تربى عظماء الأمة، وفيه تعلموا دينهم الصحيح وفيه تجهزت الجيوش، وفيه نوقشت أمور الأمة، فضلا عن دوره الأساس وهو عبادة الله سبحانه وتعالى، وقد خرج من المسجد رجال مؤمنون عابدون لله مصلحون لمجتمعاتهم. محافظون عليها ، فأين ذلك الدور العظيم الذي غاب عن مساجدنا اليوم ؟!


الهجرة النبوية من أعظم حوادث الإسلام وأكرم مناقب سيد الأنام

محمد مسعد ياقوت

● لم يؤرخ المسلمون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم  ولا بوفاته ولا بيوم الفرقان ولا بيوم الفتح.. إنما أجمعوا على الهجرة

● نقلت المسلمين من مرحلة الجماعة إلى مرحلة الدولة ومن عهد الاستضعاف إلى عصر التمكين ومن سمة المحلية إلى سمة العالمية

أورد الإمام البخاري باب الهجرة في كتاب المناقب تحت عنوان طويل يقول: باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه إلى المدينة، وقال عبد الله بن زيد وأبو هريرة رضي اللهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ لولا الهجرة لكنتُ امرأ من الأنصار وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِي : رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب ..

وهذا العنوان يدلل لك على حصافة البخاري ولطافة المعنى الذي وفق لفهمه: إذ أورد الهجرة في كتاب المناقب، فالهجرة منقبة، وأي منقبة فهي أعظم حوادث الإسلام، وأكرم مناقب سيد الأنام، ولم يسقها البخاري في سياق التاريخ، رغم أن الهجرة من أجل أحداث التاريخ، ذلك الحادث الذي أعاد دورة التاريخ من جديد إنما سطرها في كتاب المناقب ليعلم فضلها ولتفهم منقبتها .. نعمة خصت الدين، وعمت المسلمين، وأعلت للإسلام يدا، وفتتت من الباطل عضدا، وشدت من الإيمان سنناء وازالت عصر الوثن سرمداً.

ولم يؤرخ المسلمون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم  ولا بوفاته، ولا بيوم الفرقان، ولا بيوم الفتح إنما أجمعوا على الهجرة لفقههم بقدرها. ولعلمهم بأهميتها إذ هي التي نقلتهم من مرحلة الجماعة إلى مرحلة الدولة، ومن عهد الاستضعاف إلى عصر التمكين، ومن سمة المحلية إلى سمة العالمية.

 فلما عظم فضل الهجرة على كل فرد من أمة الإسلام حتى قيام الساعة أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم  استمساكه بجماعة المهاجرين التي ينتسب إليها من الناحية الحركية، فقال يؤكد فضل الهجرة: لولا الْهَجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأَ مِنْ الأنصار.

إنه يبين لك أن درجة الهجرة أعلى في الدرجة من النصرة، وكلتاهما أبطنت أحشاؤها فضلا ومجدا، وكرامة وسؤددا !

وهو يبين لك في هذا الجملة البلغية : لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار - فَضْلُ الهجرة وفضل الأنصار في عبارة واحدة. فَمَنْ عَلِمَ فَضْل الأنصار وجهدهم وقدرهم؛ عَلِمَ على أثر ذلك فضل الهجرة.. ومَنْ عَلمَ أهمية الهجرة وخطير فضلها ؛ علم بذلك فضل الأنصار وجليل دروهم...

ويبدو أن الله تعالى أراد أن يمهد لهذا الحدث العظيم، بحيث يتقبل الصحابة أمر هجرة الأوطان والأهل والديار بنفوس مهيأة ولقد تمت هذه التهيئة - بالفعل - على عدة نطاقات.

● نطاق نظري فكري

بنزول القرآن يشرح فضل الهجرة وأهميتها في تاريخ الدعوات، فكانت الآيات القرآنية تقص هجرات الأنبياء، إبراهيم ولوط ويوسف وموسى .. فضلا عن قصة أصحاب الكهف الذين هاجروا في سبيل الله. كما تفضل الآيات الهجرة من أجل العبادة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (العنكبوت: 56).

﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ  لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ  وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ  إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ  (الزمر: 10). وتذكر فَضْل من هاجر حفاظاً على دينه ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً  وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ  لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (النحل: 41).

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  (النحل: 110).

ونطاق تطبيقي تدريبي بتقرير مشروعية الهجرة فكانت الهجرة إلى الحبشة وكانت اختيارية.

 ونطاق روحي نفساني من خلال الرؤى، ومن ذلك قول النبي صلى  الله عليه وسلم : رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أَهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ. فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةَ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هي المدينة يثرب. وهذه الرؤيا، تظهر معرفة النبي صلى الله عليه وسلم  بالبيئة الجغرافية المحيطة به، فهو يعرف أي البلاد يكون بها النخل، ويذكر بلدان النخل التي وقعت في نفسه:

اليمامة: وهي بالفعل أرض نخل . ومكانها مدينة الرياض الآن .

هجر: وهي بدولة البحرين الآن، وهي أرض نخيل أيضا . وهكذا حتى أوحى الله إليه أنها المدينة يثرب.

أرأيت كيف كانت ثقافة النبي  صلى الله عليه وسلم ؟ أعلمت مدى ثقافته الجغرافية؟ تلك التي لا تقل عن ثقافته السياسية ومعرفته بطبائع الأنظمة الحاكمة في العالم آنذاك الاستبدادية منها وغير الاستبدادية، فهو القائل: إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه البيهقي في «السنن» (۹/۹) عن أم سلمة، وهو في السلسلة الصحيحة برقم (۳۱۹۰).

 إنه - صلوات ربي وسلامه عليه - يعرفُ أنظمة الحكم العادلة وأين تقع، ويعرف ظلام الظلم وأين يخيم، لم تكن ثقافة النبي صلى الله عليه وسلم كثقافة بعض حكام زماننا، الذين لا يعرفون هرا من برا

وتأسيا بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم  ينبغي أن يتزود القائد المسلم بالثقافات اللازمة والمعارف المختلفة، في السياسة والاجتماع، والجغرافيا والاقتصاد والتنمية والإنتاج، وغيرها من فروع المعارف التي تمكنه من ناصية القيادة وتجمع في يديه أزمة الريادة، وتزلل له الصعاب وتمحق له العقبات.

ينبغي على القائد المسلم أن يكون كثير المطالعة، سريع المراجعة، قوي المناظرة شديد المقارعة، لا تنخرم له قاعدة أخلاقية في أدب الخلاف.


من فقه الأولويات

لبني شرف

إن كثيراً من المسلمين اليوم يسيرون خبط عشواء، تارة إلى يمين وتارة إلى شمال، ويضيع بسبب ذلك كثير من الجهد والوقت والمال، ومن أسباب ذلك أنهم في عماء شديد عن فقه الأولويات في حياتهم والأمثلة على هذا كثيرة فنحن مثلا نجد من الرجال والنساء من يحرص على أخذ دورات في الإعجاز العلمي ولكنهم لا يجيدون قراءة القرآن بالطريقة الصحيحة، أو يجهلون أحكام ستر العورة !!

ومن النساء من تعنى بدراسة أحكام العدة، وهي لم تتزوج أصلاً !! والأولى أن تهتم بفقه الزواج قبل فقه الطلاق والعدة ومنهن من تحرص على التنفل بالصلاة والصيام والقيام، ولكنها مقصرة جدا في حق زوجها وأولادها وبيتها، فهي منشغلة بالنوافل عن أداء واجباتها، وهل تقبل النوافل إذا لم تؤد الفرائض ؟!

● مسائل فرعية

ومن المسلمين من يهتم بالقضايا الصغيرة والمسائل الفرعية، ويهمل القضايا الكبيرة والأصول، وتراه يبحث عن المسائل الاجتهادية وينشئ من خلالها عداوات بين المسلمين والأولى بنا كمسلمين وخاصة في هذا الزمن أن نسعى لتوحيد الجهود ولم الشمل، وألا نسمح بشق الصف وتمزيق الأمة، يقول الشيخ علي الطنطاوي - يرحمه الله - : إن الاجتماع على العمل بالقول المرجوح أقل ضررا من شق الصف، وإيقاع الخلف بين المسلمين للعمل بالقول الراجح في المسائل الفرعية التي لا تحل حراماً ولا تعطل واجبا، وليست من أصول الدين. ويقول الخليفة عمر بن عبد العزيز ال : ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  لم يختلفوا، لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة.

فلا ينبغي إذن أن نجعل القضايا الاجتهادية والخلافية بين المذاهب معول هدم في صرح الأمة، وأداة تمزيق لشملها بل الأولى والأخرى بنا أن نبحث عما يقرب بين المذاهب، ويجمع شمل الأمة وكفانا هذا التمزق وهذه العداوات. إن بعض الدعاة - وللأسف - يجهلون فقه الأولويات هذا في دعوة الناس، يقول الداعية الأستاذ عباس السيسي: فهذا شاب يدخل المسجد وفي رقبته سلسلة ذهبية، ما كاد ينتهي من صلاته حتى يتسابق إليه من ينهاه وينذره ويكاد يخرجه من المسجد، ولو فقه هؤلاء الشباب وعرفوا رسالتهم لعلموا أن هذا الشاب قد جاءهم من المسارح والملاهي منيبا إلى الله تعالى، فكان الأولى بهم أن يفرحوا به ويستقبلوه أحسن استقبال إنه عضو جديد، ورصيد جديد، لو كانوا يعلمون !!».

إن الذي يدخل في الإسلام، لابد قبل أن نعلمه الصلاة، أن نعلمه الوضوء، ففقه الأولويات فقه مهم جدا، وحري بنا ألا نغفل عنه في حياتنا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1002

الثلاثاء 17-مارس-1970

دروس من الهجــرة وما سبقها

نشر في العدد 2100

128

السبت 01-أكتوبر-2016

دروس للمهاجرين المعاصرين