; النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين (5).. رحم الله عليّا دار معه الحق حيث دار | مجلة المجتمع

العنوان النبي صلى الله عليه وسلم مع خلفائه الراشدين (5).. رحم الله عليّا دار معه الحق حيث دار

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009

مشاهدات 92

نشر في العدد 1852

نشر في الصفحة 56

السبت 16-مايو-2009

•    ولد في جوف الكعبة وتربى في حجر النبي ونشأ بين أحضانه وتحت رعاية السيدة خديجة ولم تدنسه الجاهلية.
•    كاتب الوحي وحامل راية النبي في أكثر الغزوات الإسلامية.
•    كرم الله تعالى وجهه وحمى جبهته أن تنحني إلا له وحده فلم يسجد لصنم ولم يقترب من عبادة الأوثان.
•   قال عنه العلماء: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه ويستوحش من الدنيا وزهرتها.
لم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا إلا بعد أن خلف رجالًا ربانيين، رباهم في مدرسة القرآن، وسقاهم من نبع الإيمان فتر عرعوا على حب الله ورسوله، ولم تغرهم الدنيا بزينتها وزخرفها فتهلكهم في مفازاتها، ولم يزعزعهم شيطان الهوى فيصدهم عن سبيل الله، ولم تستطع شياطين الإنس والجن أن تفتنهم فتصرفهم عن الغاية، فقد ترك لهم إرثًا عظيمًا من العلم ورثوه عنه، فحملوه في صدورهم، وأظهروه في أعمالهم، ونشروه بالدعوة إليه وتعليمه والمحافظة عليه، فكانوا بحق خير الرجال.
ومن هؤلاء العظماء الأفذاذ كان الخليفة الرابع للمسلمين، علي بن أبي طالب أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن كتاب الوحي، وحامل راية النبي ﷺ في أكثر الغزوات.
أبو السبطين 
هو رابع الخلفاء الراشدين، وابن عم رسول الله ﷺ وربيبه وصهره، وأبو السبطين الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ولد في جوف الكعبة قبل البعثة بعشر سنين، وقد تميز هذا الخليفة الراشد بما لم يتميز به غیره، فقد تربى صغيرًا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم،ّ إذ عاش ونشأ بين أحضانه وتحت رعاية السيدة الطاهرة خديجة رضي الله عنها، فلم يتدنس بدنس الجاهلية نشأ وهو يرى النبي يتعبد في غار حراء ويوحد الله تعالى ويدعوه، فكان أن شب حنيفًا على الحنيفية السمحة فكرم الله تعالى وجهه وحمى جبهته أن تنحني إلا لله وحده، فلم يسجد لصنم قط، ولم يفعل ما كان يفعله أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والاستقسام بالأزلام واتخاذ الشركاء من دون الله الواحد الأحد، ونهل من أخلاق النبوة وفاضت عليه بركاتها وهو لم يزل بعد طفلًا لم يتعد الثامنة أو العاشرة من عمره، فكان أول الصبيان إسلامًا واتباعًا لرسول الله، ولم يمنعه صغر سنه هذا أن يكون محل اهتمام النبي ﷺ وموضع سره وأهل دعوته.
كان هذا وهو لا يزال طفلًا في العاشرة من عمره المبارك، وقيل: إن أباه لما علم بإسلامه قال له: يا بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، فقال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.

منزلته عند النبي ﷺ
وقد حظي علي رضى الله عنه بمنزلة كبيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم ونال مكانة عظيمة، فعندما آخي النبي بين المسلمين في مكة قبل الهجرة جعله أخاه، وقال له:«أنت أخي في الدنيا والآخرة» (الترمذي)، وعن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه قال: خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟! فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (مسلم)

زوج خير النساء.. ورجل من أهل البيت
وعلي هو زوج فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ أفضل نساء الجنة، وأمها السيدة خديجة الطاهرة الكاملة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» (أحمد) وقد زوّجه إياها بعد أن طلبها أبو بكر وعمر كلاهما لنفسه، لكن الله تعالى اختار لها أن تكون زوجة لعلي بن أبي طالب، وقد دعا النبي لفاطمة وعلي يوم البناء دعاء طيبًا، إذ قال لعلي:«لا تحدثن حديثًا، أو قال: لا تقربن أهلك حتى آتيك» ثم إنه صلى الله عليه وسلم دعا بإناء فيه ماء فقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم مسح به صدر علي ووجهه، ثم دعا فاطمة فقامت إليه تعثر في مرطها من الحياء، فنضح عليها من ذلك وقال لها ما شاء الله أن يقول، ثم قال لها: «إني لم ألك أن أنكحتك أحب أهلي إلي» ( الطبراني ). وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن علي رضى الله عنه فقالت للسائل: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله دعا عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا رضي الله عنهم، فألقى عليهم ثوبًا فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا».

الفدائي الأكبر.. والقوي الأمين
وعلي فدائي كبير من طراز فريد، إذ سجل له التاريخ موقفه العظيم في الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وما قام به من دور بطولي يعجز عنه الأبطال الفرسان، فقد روي أن النبي ﷺ قال له: «نم في فراشي وتسج ببردي هذا الخضري فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم». وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن عليًا قد شرى نفسه تلك الليلة حين لبس ثوب النبي، ثم نام مكانه.
وكما استخلفه النبي ﷺ أن ينام في فراشه في ليلة الهجرة استخلفه في رد الأمانات إلى أهلها في مكة، فقد أمره أن يقيم بها أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل وأداء الأمانة، وحين ردّ كل الأمانات إلى أهلها وقام بمهمته خير قيام سارع باللحاق بحبيبه صلى الله عليه وسلم، فهاجر إليه من مكة بعد ثلاث ليال قضاها فيها، مهاجرًا سائرًا على قدميه، إذ لم يكن له راحلة يمتطيها، فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار دون رفيق يؤنسه في سفره أو يشاركه في مشقته ووعثائه، وما إن وصل إلى المدينة حتى تورمت قدماه وتفطرت، لكن الأهم له أنه لحق بالنبي ﷺ واجتمع شمله به، فكانت هجرته رضى الله عنه تضحية وفداء وشجاعة، تجلى فيها صبره الشديد، وإرادته القوية، وعزمه الكبير، ومن قبل ذلك كله حبه الصادق لله ورسوله.

علي.. ودعاء النبي 
ومن فضائل علي أنه كان صاحب نصيب أوفى من دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم، فكثيرًا ما كان يدعو له، وقد دعا له قائلًا: «اللهم ثبت لسانه واهد قلبه (أحمد).
وحين اشتكى وجعًا ذات مرة دعا له:«اللهم اشفه، اللهم عافه ثم قال له: «قم»، يقول علي: فقمت فما عاد لي ذلك الوجع بعده» ( أحمد )، وحين بعثه إلى اليمن قاضيًا بشره وقال له:«إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك» ( أبو داود).

رجل يحبه الله ورسوله 
وعلي محب لله ورسوله بشهادة النبي، ففي يوم خيبر قال النبي: لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجونه، فقال: «أين علي؟» فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله رجلًا بك خير لك من أن يكون لك حمر النعم (البخاري)
أعطاه الراية وعلمه آداب القتال ورحمة الإسلام وخلق الداعية وفضل الهداية، ففتح الله عليه.

النبي ( ﷺ ) في فراش فاطمة وعلي 
ويحكي لنا علي ويقول: إن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وقد بلغه أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم، فقال: «على مكانكما»، فجاء، فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما، أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا  ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» (البخاري).

قالوا عن علي... 
وصفه ضرار الطائي فقال: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلًا ويحكم عدلًا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه ويستوحش من الدنيا وزهرتها، وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من الثياب ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، يقول: يا دنيا غري غيري، علي تعرضت أم إلي تشوفت!
هيهات هيهات قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك قليل، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. 
وقال عنه الحسن البصري: كان علي والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة وذا فضلها وذا سابقتها وذا قرابتها من رسول الله..

الرابط المختصر :