العنوان المجتمع التربوي (1742)
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 10-مارس-2007
مشاهدات 88
نشر في العدد 1742
نشر في الصفحة 52
السبت 10-مارس-2007
المجتمع التربوي
الأخوة.. وفن المصافحة الربانية
د. حمدي شعيب
للأخوة في المجتمع الإسلامي فضل كبير في ترابط الأمة وتنميتها وتماسكها، وقد تناولتها أدبيات الحركة الإسلامية بصورة مفصلة.
موقعها التربوي في أدبيات الحركة الإسلامية: المنزلة الأخوة الربانية موضع بارز في أدبيات الحركة الإسلامية ونوجزها فيما يلي:
1- معناها: أن ترتبط القلوب برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب.
۲- مراتبها أقل الحب سلامة الصدر وأعلاها مرتبة
3- دور الأخ الصادق: يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة:71) وهكذا يجب أن تكون[1].
ما المؤاخاة؟ هي الأخوة الأخص: وهي الرابطة الخاصة من الأخوة الإيمانية وهي أخوة الطريق التي تجمع بين المسلم وأخيه داخل المؤسسة التربوية أو الدعوية الواحدة، وذلك كما يترابط المسافرون الغرض واحد في سفر الدنيا.
وهي المؤاخاة العهدية على الخير والمعروف وهي من حق المؤمنين يزيده التعاهد بينهم رسوخًا، ويكون الوفاء به ملزمًا الوفاء ببقية العقود الشرعية.
ووقودها الالتزام بالقواعد الشرعية والضوابط المؤسسية دون تعصب.
وأثرها.. الثبات على الطريق وتحقيق الأهداف والمبادئ المؤسسية.
عقد المؤاخاة: إن منحنى أخوة الطريق يظل يتنامى حتى يصل إلى كونه عقدًا واجب الوفاء، فقد تكلم ابن تيمية رحمه الله عن (عقد الأخوة) هذا، وبين أن الحقوق التي ينشئها إذا كانت من جنس ما أقره -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنما هي: حقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على مؤمن وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة[2].
وقال الإمام الغزالي -رحمه الله- (فإذن الوفاء بعقد الأخوة إذا سبق انعقادها واجب)[3].
وقد نادى أحد أدباء المهجر صاحبه، وهو إنسان غربي بهذه الأبيات الطيبة:
يا بن ودي يا صاحبي يا رفيقي ليس حبي تطفلا أو ثقالة
فأجبني بـ (يا أخي) يا صديقي وأعد إنها ألذ مقالـــــــة
وإذا شئت أن تسير وحــــــــيدًا وإذا اعترتك مني ملالة
فامض، لكنما ستسمع صوتي صارخًا: (يا أخي) يؤدي الرسالة
وسيأتيك أين كنت صدى حبي فتدري جماله وجــــــــــــــــلاله[4]
(۱) مجموعة الرسائل (رسالة التعاليم): الإمام البناء
(۲) مجموع الفتاوى ابن تيمية ۱۰۱/۱۱
(۳) إحياء علوم الدين: الغزالي ١٨٥/٢
(4) شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة: د. محمد علي الهاشمي دار القرآن الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية
11 عامًا على رحيل فارس المنابر
الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله
بدر محمد بدر
أمس الجمعة التاسع من مارس الجاري مرت الذكرى الحادية عشرة لوفاة فارس المنابر الشيخ محمد الغزالي السقا يرحمه الله، وفي هذه المناسبة نستذكر طرفًا من حياة الشيخ المجاهد: عسى الله أن ينفعنا بها.
نشأته، ولد الشيخ الغزالي عام ١٣٣٥هـ ١٩١٧م في قرية نكلا العنب، إحدى قرى مركز المحمودية محافظة البحيرة (شمال الدلتا) بمصر، وكان أبوه تاجرًا صدوقًا يحب الدين، فسماه تيمنًا باسم الإمام أبو حامد الغزالي وكان أكبر أبنائه وفي العاشرة أكمل محمد الغزالي، حفظ القرآن الكريم، فانتقل به والده إلى مدينة الإسكندرية ليلتحق بالمعهد الديني الأزهري، وأكمل تعليمه ليلتحق بجامعة الأزهر وليحصل على العالمية في عام ١٩٤١م، ثم اشتغل خطيبًا في مساجد مصر وتأثر بالشيخ محمود شلتوت، أستاذه في المعهد، والذي أصبح شيخًا للأزهر فيما بعد وكان تأثره الأكبر بالشيخ حسن البناء حيث ظل وفيًا لمدرسته في الاعتدال ولمنهجه الوسطي.
مساهماته العلمية
كان الشيخ محمد الغزالي شغوفًا بالقراءة منذ الصغر، محبًا للتأليف في سن مبكرة فكتب العشرات من الكتب منها خلق المسلم عقيدة المسلم فقه السيرة الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر ظلام من الغرب قذائف الحق دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين وغيرها بالإضافة إلى ألاف المقالات في الصحف والمجلات ومئات الخطب والمحاضرات واللقاءات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية.
زار الشيخ الغزالي عشرات الدول، أستاذًا في جامعاتها، ومشاركًا في مؤتمراتها وندواتها، وأسس جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية في قسنطينة بالجزائر التي أمست منارة للإسلام في شمال إفريقيا، وظل يديرها حتى ضعفت صحته، فأعتذر عنها وكان له دوره الكبير في ترشيد الصحوة الإسلامية هناك.
جرأة في الحق
اشتهر الشيخ الجليل بعلمه الغزير وأفقه الرحب، وقلمه السيال، وعباراته المتدفقة وحماسته المخلصة، وجرأته في عرض ما يقتنع به وتشخيصه الدقيق لأمراض الأمة ومهارته في الدفاع عن الحق الذي يعتقده وتقريع المخالفين له، وحدته في مواجهة الخصوم وأعداء الإسلام.
ثقافة واسعة
كان يرحمه الله موسوعي الثقافة يتابع الأحداث في العالم، ويقرأ لكبار الكتاب والمفكرين، حتى كأنه عالم في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع، مثلما كان فقيهًا في العقيدة والشريعة وأصول الدين كان يرى أن الداعية يجب أن ينهل من كل المعارف والثقافات ويناقش كل الأفكار والاتجاهات، حتى يعمق رؤيته، ويخدم دعوته كان فارسًا في الحرب ضد التدين الفاسد الذي ينشغل بقشور المسائل عن أصولها، وألف عشرات الكتب لتعميق فهم الأمة لدينها وتبصيرها بما يحيط بها.
أقام منهجه على تربية العقل بحسن التفكير وتربية القلب بحسن الإيمان وتربية السلوك بحسن الخلق وتربية الوجدان بحسن الأدب.
لم تقعده سنوات الشيخوخة والمرض عن أداء رسالته حتى خطب عيد الفطر في مسجد محمود بالمهندسين قبيل وفاته بأيام وكان يتوافد إليه الآلاف من الشباب ينهلون من علمه، ويتغذون من حماسته.
زهد في المناصب
كان زاهدًا في الدنيا، لا يطرب لمنصب ولا يحزن لفقده، وعندما عين وكيلًا لوزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة وجد أن أعباء المنصب لا تناسبه، فاعتذر عنه وفي شهر رمضان الأخير في حياته (رمضان ١٤١٦هـ اعتكف طوال الشهر في مسجد صغير بإحدى القرى النائية في مصر.
نهاية جهاده
اكرمه الله بالعمل لخدمة الإسلام حتى آخر رمق من حياته، حيث لقي ربه مساء السبت ١٩ من شوال ١٤١٦هـ ٩ من مارس ١٩٩٦م، بينما كان يلقي كلمته في ندوة عن الإسلام والغرب ضمن فعاليات مهرجان الجنادرية، الذي أقيم بالرياض بالمملكة العربية السعودية، حيث فاجأته أزمة قلبية نقل على أثرها إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة، ليطوى بذلك صفحة من صفحات الجهاد والبذل والعطاء نهلت من معينها الفياض، شعوب الأمة المسلمة في أرجاء المعمورة وليكون آخر عهده بالدنيا، وهو الذي قارب الثمانين من عمره، أن يكون فارسًا يصول ويجول دفاعًا عن الإسلام وجهادًا في سبيله، وقد دفن بالبقيع في المدينة المنورة بناء على وصيته.
وللشيخ الغزالي سبعة من الأبناء الدكتور علاء والمهندس بهاء وخمسة من البنات إحداهن زوجة الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس يرحم الله العالم الجليل، ونسأل الله أن ينزله منازل الأبرار.
المجتمع التربوي
بين الورد والمورود والرفد والمرفود
شيبتني هود
سناء الشاذلي (*)
ينتاب أحدنا الروع حين يهم بقراءة سورة (هود) عليه السلام ولا يدري لم هذه القشعريرة التي تملكه حين يقرؤها وهذه الخيالات السابحة بما يبصره وما لا يبصره حوله مع دقات قلب تترنم عفويًا مع كل حرف من (هود) ما دعاني إلى التعمق فيها من أولها حتى آخرها مرات عديدة، وفي كل مرة اكتشف توجيهًا إلهيًا يندرج متعاقبًا بين الشدة واللين الترغيب والترهيب الإنذار والاستبشار مع غلبة الرحمة، واللطف والرأفة في كل توجيه فآيات العذاب لم تخل من رحمة موجهة إلى العباد بوجوب الالتزام بالمنهج الرباني كي ما تتحقق السعادة، وهو ما نلحظه بداية حين أحكمت الآيات من لدن حكيم خبير بعباده بألا يعبدوا إلا الله، مع الإكثار من الاستغفار الذي تزدان به العبادة شموخًا.
واعتزازًا، وتقربًا، وتخلصًا من آثام المعاصي التي تعلق بالعبادة فتقلل من نتائجها ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (هود:3) مقدمًا الإرشاد والاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها ومعقبًا على المتاع لأن الاستغفار وسيلة إلى المتاع وقد قيل إن التوبة من متممات الاستغفار وهي دعوة افتتاحية على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بوجوب عبادة الله مع الاستغفار والتوبة الموصلتين إلى المتاع والنعيم في الدنيا والآخرة، وهو مطلب يكاد يكون سمة وعلامة في جميع سور القرآن، فتساءلت عن السر الكامن وراء السورة في كونها من السور التي شيبت رسولنا الا في حديث من طريق مسروق عن أبي بكر الصديق -رضى الله عنه- مرة قال: قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشيب فقال: «شيبتني هود، والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت ثم حاولت الربط بين السور والربط بين أجزاء السورة ذاتها فأبصرت عجبًا).
أما بالنسبة للسور فلأن جميعها ذكرت مال الناس يوم القيامة وبالذات المعرضين عن الحق، أما عن السورة فقد حيرتني وأنا أغوص في أعماقها، أحاول مستكشفة السر في إسراع الشيب للرسول -صلى الله عليه وسلم- حين نزولها فارتأيت مستعينة بالله أن غلبة الرأفة والرحمة والشفقة منه عليه السلام على الأمة والخوف عليها من العذاب والهلاك الدنيوي والأخروي يكمن وراء الآيات، في قصص متنوعة لرسل عدة، كانت قد نهجت نفس المنهج الذي ابتدأته السورة على لسان نبينا عليه السلام، فهذا نوح عليه السلام ينذر قوميه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾(هود:26) مع نفس التوجيه ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(هود:41) كمتلازمة ضرورية من العباد والتنعم بالاستغفار، وها قد ختم الجزء الخاص بنوح عليه السلام بالتذكير بمال الفريقين المنع بالسلام والمتألم من العذاب ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(هود:48) فهل كار هذا الجزء الخاص بنوح عليه السلام سببًا في إسراع الشيب لنبينا لخوفه على أمته أن تحذر حذو قوم نوح، وهو الرؤوف الرحيم الذي ينادي يوم الحساب يا رب أمتي يا رب أمتي؟!
ولننتقل الآن إلى نبي آخر ونبا آخر لا يختلف كثيرًا عما قبله ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود :٥٠)، وهي دعوة نوح عليه السلام نفسها وبالتوجيه نفسه ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾(هود:52) وينتهي الأمر إلى فريقين ومالين ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾(هود:58) ولننتقل الآن إلى ثالث نبي في السورة يدعو للنهج نفسه، والنتيجة مذكرًا أو مخوف سيدنا صالح عليه السلام ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ ﴾(هود:61) ويا له من إحكام عجيب فيما بين الرابط بـين توحيد الله والاستغفار ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾(هود:61) والنتيجة عينها ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾(هود:66)، ثم ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (هود:67)، ألا يحق لنبينا أن يسرع له الشيب وقد قصت عليه أنباء الغيب التي لم يكن يعلمها عن أمم خاف أن تكون أمته تحمل النهاية نفسها، خصوصًا إذا علمنا أن إبراهيم عليه السلام وهو النبي الرابع في السورة لم يأمر قومه بعبادة الله والاستغفار كي يكون نهج السورة واحدًا، في دعوة حقة تودع في النفس معنى الحنفية التي جاء بها كدعوة عالمية معروفة لجميع الأمم التي يجب أن تؤمن بالحنفية السمحة فقد قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ﴾(هود:69)، وهي بشرى تمتد إلى أجيال عدة يحملها إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، أما لوط عليه السلام فلتزامنه مع إبراهيم عليه السلام كان له نصيب من الدعوة الحنفية، لذا لم تذكر الآيات دعوته للعبادة والاستغفار، وبالانتقال إلى سادس نبي في السورة شعيب عليه السلام يعود الأمر مرة أخرى ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ﴾(هود:84) ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾(هود:90) عبادة واستغفار وتوبة ثلاثية مهمة لأي أمة تطمع في العيش بهناء ونفس النتيجة التي كان يترقبها رسول الله يخاف أن تصيب أمته ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ أما الفريق لآخر ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾(هود:94)
أما خاتمة الرسل فموسى عليه السلام الذي ختمت به السورة عن غيره لاجتراء قومه على عبادة غير الله، واتخاذهم إلهًا غيره، فدفعوا دفعًا إلى عذاب الدنيا والآخرة، العذاب الذي ينتظر أي أمة تعبد غير الله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾(غافر:23) فكانت النتيجة اتباع قومه لأمر فرعون كأنه إله للكون ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود:97) والنتيجة ﴿ َقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (هود:98) ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾(هود:99) فبين الورد والرفد خيفة تمتلك قلب خاتم الأنبياء من أن تكون إحدى الخاتمتين سأل أمته، خصوصًا وقد ختمت السورة بالبداية نفسها ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ ﴾ فما أشفقه من نبي.
إحدى معجزات القرآن الكريم
القلوب التي في الصدور
ا.د. حامد بن محمود آل إبراهيم
القلب.. ذلك العضو العامل بلا كلل ولا نصب، ننام وهو يقظان لا ينام، إذا فرحنا يكاد يطير من شدة الخفقان، وإذا حزنا أحسسنا بنبضة الخافت الحزنان، فيه معجزات عدة لا يتسع المقام للحديث عنها، فقد صنف علماء الأعضاء عضلة القلب على أنها عضلة لا تتعب
Non-Fatigue Muscle
ولكنهم قالوا عنه إنه مضخة للدم وأوحوا إلينا أن ما يقال عن الحب والبغض والخفقان، إنما هو قول الأدباء والشعراء لا علاقة له بالعلم والطب!! إنما هو مضخة وحسب.
وكعادتنا إذ استشكل علينا أمر من أمور القرآن فيما يقوله أهل العلم الحديث، قلنا: سمعنا لقول ربنا وأطعنا وسوف تظهر الأيام صدق وإعجاز آيات القرآن الذي لا تفنى عجائبه وقلنا قول الحق سبحانه في سورة فصلت: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:35).
يذكر القرآن القلب ويحدد موضعه في الصدر في سورة الحج: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:46).
وفي إحصاء سريع على الحاسب الإلكتروني نجد أن مادة قلب على مستوى جذر الكلمة قد ذكرت ١٨٦ مرة وقد أعطى القرآن العظيم للقلب أوصافًا ومسميات شتى ولكنها لا يعقل أن تقتصر على مضخة للدم فقط فيصف القلب بأوصاف عديدة منها:
صفات حميدة: قلب منيب قلب سليم، قلب مطمئن قلب مؤمن قلب لين قلب تقي، قلب فيه سكينة قلب فقيه قلب وجل، قلب فيه خير قلب عاقل قلب مخبت قلب مهدي.
صفات غير حميدة قلب مريض قلب متكبر، قلب جبار، قلب قاس قلب مختوم عليه قلب غلف، قلب أثم، قلب زائغ، قلب غليظ، قلب مطبوع عليه، قلب مقفول عليه، قلب غلول، قلب عليه ران قلب مقطع قلب مشدود عليه قلب غافل.
وغير ذلك من الصفتين كثير.
ويأتي الحديث النبوي ليضيف صفة عظيمة للقلوب يقول النعمان بن بشير سمعت رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أَلَا وَإِنْ فِي الجسد مُضْغَةً إِذا صلحت صلح الحمد كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجُسَدُ كُلُّهُ الا القلب» هنا جاء العلم الحديث قريبًا جدًا ليؤكد إعجاز القرآن الكريم العظيم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إن القلب ليس بمضخة للدم فقط، بل تبين أن به شبكة عصبية تشابه ما في المخ!! وأن الرسائل المتبادلة بين القلب والمخ، تبين أن المرسل من القلب أكثر بكثير من تلك القادمة إليه من المخ.
ومع التوسع في متابعة هذه الظاهرة الجديدة، كما عرض في قناة الجزيرة الوثائقية، تبين أن الأفراد الذين تم زرع قلب جديد لهم من أشخاص قد ماتوا دماغيًا، قد ظهرت عليهم علامات وهوايات وميول لم تكن عندهم من قبل ولم يتوقف البحث في هذه الظاهرة ظاهرة القلوب العاقلة، فقام فريق البحث - بالتنسيق مع أهل وعائلة الذين منحوا قلوبهم - ليلتقوا بمن يحملون في صدورهم قلوب المانح، فتعرف الحاملون للقلوب الجديدة على هذه العلامات التي جدت عليهم، وعلى هذه الهوايات والميول التي لم تكن عندهم من قبل!! وكانت المفاجأة أنها هي هي التي كان يحملها أصحاب قلوبهم، فكانت معجزة من معجزات القرآن الكريم العظيم، وصدق رسول الله صلى الله عليه.
الهوامش:
(*) كاتبة سعودية