العنوان المجتمع التربوي 1713
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 05-أغسطس-2006
مشاهدات 64
نشر في العدد 1713
نشر في الصفحة 50
السبت 05-أغسطس-2006
ما قل وكفى خير مما كثر وألهى
القناعة
القناعة سمة من سمات المسلم المؤمن الراضي بما آتاه الله تبارك وتعالى، المدرك لحقيقة أن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى وهي صفة من صفات المفلحين الذين هدوا إلى الإسلام وأتاهم الله تبارك وتعالى من الرزق ما يكفيهم ولا يلهيهم، وقد قنعوا بعطاء الله تبارك وتعالى.
فقد أخرج الإمام الترمذي وصححه في سننه عن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أنه سمع النبي ﷺ يقول: «قد أفلح من هدي إلي الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به»، وفي رواية: «وقنعه الله بما آتاه».
والقناعة معناها : الرضا بما قسم الله تبارك وتعالى.
دعاء الرسول بالقناعة
كان رسول الله ﷺ يدعو ربه بأن يرزقه القناعة، وكان قانعًا بكلِّ ما آتاه الله -عز وجل- وعود أصحابه على ذلك، يقول أبو هريرة: قسم رسول الله ﷺ بيننا تسع تمرات، وكنا تسعًا، فأعطى ثمرة تمرة.
هذا العطاء اليسير الذي قد تزهد فيه النفوس يبين لنا أبو هريرة أن أصحاب رسول الله قنعوا به ورضوا به ورضوا بما آتاهم الله ورسوله من فضله.
وقد كان الحبيب المصطفى ﷺ يدعو ويعلم أصحابه، ويعلمنا أن ندعو كذلك بأن يرزقنا الله تبارك وتعالى القناعة، ففيما أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس -رضي عنهما- أن رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير».
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني دعاء أنتفع به، قال: «قل اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع في خُلقي، وبارك لي في كسبي، وقنعني بما رزقتني ولا تفتني بما زويت عني» - أي لا تعلق قلبي بما أخفيت عني حتى لا أفتن وأتعلق بما لم تقدره لي.
من الأسباب المعينة على القناعة ما يلي:
١- أن تدرك أنك في هذه الدنيا ضيف لا يلبث أن يرحل. كما كان رسول الله ﷺ يقول: «إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب».
إذا أدركنا ما عند الله تبارك وتعالى من الخير فإننا ندرك أن ما نحن فيه إنما هو بمثابة نزل الضيف، والضيف لا يتعلق بما في دار الضيافة، إنما يأخذ ما يكفيه في أدب وفي قناعة، ثم هو يدرك أنه راحل عن هذا، وذلك يعينه على أن يلتمس القناعة.
كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- من خيار أصحاب النبيﷺ وقال فيه: «سلمان منا أهل البيت» وتولى الولايات المختلفة للخلفاء الراشدين وغيرهم، ومع ذلك لما نزل به الموت بكي فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أخشى ألا نكون حفظنا وصية رسول الله ﷺ إنه كان يقول: «ليكن بلاغكم من الدنيا كزاد الراكب» أي ليكن ما تأخذونه من الدنيا بلاغًا لكم فيها، مثل الزاد الذي يأخذه الراكب الراحل لا يحمل معه إلا ما يلزمه، ولا يتعلق بما يزيد على حاجته.
هذا الرجل الجليل لما مات نظروا في أمتعته فوجدوا ما عنده لا يساوي قيمة ثلاثين درهمًا، ولكنه يخشى أن يكون قد فوت نصيحة رسول الله ﷺ وبهذا يعطينا صورة عملية تطبيقية لما كان يربي عليه النبي أصحابه
2- أن تدرك أنه لا فائدة من جمع ما لا تنتفع به: لقد خلق الإنسان جموعًا منوعًا. والعاقل إذا تأمل سأل نفسه: ما قيمة الجمع الكثير الذي لا آكله ولا أشربه ولا أتمتع به ولا يكون لي فيه فائدة عملية؟
يقول الحبيب المصطفي ﷺ: «ما طلعت الشمس قط إلا وبجنبـتـيـهـا ملكان يناديان يسمعان كل ما على الأرض إلا الثقلين أيها الناس هلموا إلى ربكم ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
ليس لك يابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، كل ما سوى ذلك هو زاد تتعب في جمعه وتحاسب على منعه، وتسأل عنه بين يدي الله تبارك وتعالى».
إن مما يملأ القلب قناعة أن يدرك الإنسان أن جمع ما لا فائدة فيه، وجمع ما لا ينتفع به هو تعب من غير طائل؛ ومن ثم يرضى بما آتاه الله تبارك وتعالى ويقنع به.
أما فوائد القناعة، فهي عظيمة جليلة:
1- فأقنع الناس هم أغنى الناس؛ لأن الغنى كما قال النبي ﷺ ليس عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس.
الغني؛ أن تدرك أنك لست في حاجة إلى غير الله تبارك وتعالى، وأن تستغني عن الناس وعما في أيديهم، هذا هو الغنى الحقيقي، فالقانع هو أغنى الناس.
وقد ورد أن موسى سأل ربه -عز وجل-: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال -عز وجل-: «أكثرهم لي ذكرًا»، قال: يارب، فأي عبادك أغنى؟ قال -عز وجل-: «أقنعهم بما أعطيته» قال: يا رب فأي عبادك أعدل؟ قال -عز وجل-:
«من دان نفسه».
2- أنها تغني صاحبه عن الوقوف على أصحاب المال أو التذلل لذوي الجاه والسلطان وهذا هو عز النفس الذي تحققه القناعة للقائع.
وقد كتب أحد أبناء بني أمية للرجل العابد الزاهد أبي حاتم يعزم عليه أن يرفع إليه حاجته فكتب أبي حاتم إليه يقول: «أما بعد فقد جاءني كتابك تعزم على أن أرفع إليك حوائجي وهيهات، قد رفعت حوائجي إلى ربي فما أعطاني منها قبلت وما أمسك على منها قنعت» هكذا كان الصالحون.
٣- أن يرزق الإنسان الحرية، فإن العبد يكون حرًا متى قنع، عبدًا متى طمع، فهو عبد للدينار، عبد للدرهم، عبد للقطيفة، عبد لمن أحسن إليه، عبد لمن كان بيده أن يعطيه أو يمنعه.
فإذا تخلص الإنسان من هذا المعنى ورزق القناعة، لم يكن عبدًا
إلا لله تبارك وتعالى.
قناعة مذمومة
وإني أشير في نهاية المطاف إلى معنى خاطئ من معاني القناعة عند بعض الناس يفهم بعض الناس القناعة أنها رضا بالواقع وعدم تغييره وعدم السعي إلى تحسينه، وهذا غاية الخطأ فالقناعة ليست رضا بالواقع بكل ما فيه، إنما رضا بعطاء الله رضا بقدر الله وأما الواقع الفاسد فالقناعة تعني السعي في تغييره.
لا يعني أن ترى بابًا من الرزق الحلال فتقعد عنه بزعم القناعة، ولا أن تقعد عن تغيير المنكر وإنكاره وتغيير الباطل وإزهاقه، بل هذا من السلبية ومن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مما يفقد الأمة خيريتها.
شهر رجب
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: أية36). والأشهر الحرم هي: محرم، ورجب وذو القعدة، وذو الحجة.
عن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان» رواه البخاري (٤٦٦٢) ومسلم (١٦٧٩).
وسميت هذه الأشهر حرمًا:
- لتحريم القتال فيها، إلا أن يبدأ العدو؛ لذا يسمى رجب الأصم؛ لأنه لا ينادى فيه: يا قوماه، أو لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح.
- لأن تحريم انتهاك المحارم فيها أشد من غيرها.
وفي الوقت الذي عم فيه الجهل وساد لا شك أن المحافظ علي دينه هو الغريب الذي قـال فـيـه الـرســـول ﷺ: «طوبي للغرباء».
كذلك حينما تكون في وقت قوتك وصحتك لابد أن تذكر الله تعالى وتريه منك شكر هذه النعم الذي هو من أسباب دوامها إن لم يكن هو سبب زيادتها: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم:7)
والعبادة مع القدرة وفي وجود الفتن والصوارف عن الطاعات هي العبادة في الرخاء التي تجلب فضل وعفو ورحمة الله في الشدائد، يقول الرسول ﷺفي وصيته لابن عباس -رضي الله عنهما-: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». لذا فاني أذكر إخواني وأخواتي بالصيام في هذا الشهر الحرام الذي يغفل عنه كثير من الناس.
ولا أخص أو أذكر فضلًا خاصًا لهذا الشهر فإني أبرأ إلى الله تعالى من
البدع والابتداع.
ولكني أذكر القراء فقط بأن شهر رجب هو شهر حرام فضله الله تعالى وعظم فيه الأجر وإثم الذنوب.
وسن لنا رسولنا ﷺ الصيام في الأشهر الحرم التي هو من بينها .
والأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. يستحب الإكثار من الصيام فيها، فعن رجل من باهلة: أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنا الرجل الذي جئتك عام أول فقال رسول اللهﷺ: «لم عذبت نفسك؟» ثم قال: «صم شهر الصبر، ويومًا من كل شهر» قال: زدني، فإن بي قوة قال: «صم يومين» قال: زدني، قال: «صم من الحرم واترك. صم من الحرم واترك. صم من الحرم واترك»، وأشار بأصابعه الثلاث، فضمها، ثم أرسلها . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند جيد.
وصيام رجب، ليس له فضل زائد على غيره من الشهور، إلا أنه من الأشهر الحرم.
وأن ما جاء في ذلك مما لا ينتهض للاحتجاج به قال ابن حجر: «لم يرد في فضله، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة منه حديث صحيح يصلح للحجة».