; المجتمع التربوي (1665) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1665)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1665

نشر في الصفحة 54

السبت 20-أغسطس-2005

جعفر الطيار ولغة الخطاب الإسلامي
•    الطغاة يرون الطليعة المؤمنة شرذمة قليلين ويجب استئصالهم
•    وجود البذرة المسلمة شيء عظيم يستحق أن يدمر الله له الجاهلية
•    أغرق الله قوم نوح لنصرة ۱۲ فردًا مؤمنًا

د. فاروق عاشور
لا شك أن سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تزخر بكل معاني الهداية والاقتداء للمسلمين على مر الأزمان والعصور، وخاصة المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي.
ولكن أريد أن أعرض لنموذج مشرق جميل يفصح عن نظرة إسلامية ثاقبة لفقه الواقع والمكان، ولكنه نموذج خاص بالمسلمين في الغربة، والحديث يبدأ حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة، وقد خرج هؤلاء الصحابة من بلادهم ليصبحوا جالية إسلامية في بلد غريب عنهم بعاداته وتقاليده وديانته وأعرافه. وما إن حطت هذه الجالية المسلمة رحالها في أرض الحبشة حتى بدأت تكابد ظروف الحياة الجديدة في الغربة بكل ما تحمله من معان إيجابية أو سلبية. 
ولا يخفى ما كان من أمر عمرو بن العاص ومحاولاته مع ملك الحبشة من أجل إعادة المسلمين إلى مكة، حتى وصل الأمر أن استدعى الملك المسلمين لاستجوابهم وسماع وجهة نظرهم في العديد من القضايا والشبهات المثارة حولهم، فكان الخطاب الإسلامي الواعي الذي صرح به رئيس الجالية المسلمة جعفر بن أبي طالب. وأترك المجال هنا لجعفر الطيار حتى نرى صورة مشرقة للخطاب الإسلامي للجالية في الغربة. 
فبعد أن سأله الملك عن هذا الدين؟ ولماذا فارقوا دينهم لاتباعه؟ ولماذا لم يدخلوا في دين الملك بدل دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال جعفر: «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك فقال النجاشي «هل معك مما جاء به الله من شيء»؟ فقال له رضي الله عنه: «نعم» وقرأ عليه من سورة مريم، فبكى النجاشي وبكت أساقفته، ثم قال النجاشي: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة!» ثم قال لعمرو بن العاص وصاحبه: «انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون».
وكان الملك قد استمع إلى عمرو بن العاص الذي أثاره ضد المسلمين أبناء الجالية قبل أن يرسل في طلبهم، ولما جاء رسول النجاشي إلى المسلمين اجتمعوا ليتشاورا فيما سيقولونه للملك إن سألهم عن دينهم، فاتفقوا جميعًا على رأي واحد حيث قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا، كان في ذلك ما هو كائن». 
وأود هنا أن أستنتج مجموعة من العناصر في الخطاب الإسلامي الذي قد قدمه أبناء الجالية المسلمة في الحبشة وهي:
1-    الصراحة والوضوح وعدم الظهور بوجهين، والالتزام بالمبدأ والصدق، وكذلك الخطاب الإسلامي في عصرنا يجب أن يتحلى بمعاني الشفافية والصدق، وأن يعتمد في طرحه على المبدئية في الخطاب، وألا يكون خطابًا تصالحيًا انهزاميًا في حال الضعف، وعدائيًا استئصاليًا في حال القوة والتمكين.
2-    نبذ القيم الهدامة والرذائل والعادات الضارة، حيث يسعى الإسلام لتطهير المجتمعات والشعوب من أدران الجهل والتخلف والفحش والرذيلة والظلم، ويساند كل القوى في العالم التي تدعو لأن تحل مبادئ العدل والمساواة والعلم بدل مبادئ الطغيان والظلم والجهل.
3-    الاعتزاز بالتراث والحضارة والموروث وحري بأبناء الجاليات المسلمة في الغرب اليوم أن يفخروا بدينهم وموروثهم الحضاري، ويترجموا ذلك في محاضرات ومؤتمرات وندوات ودراسات تعبر عن افتخارهم بدينهم ودعوتهم، ويقينهم بقدرته على إصلاح المجتمعات والارتقاء بها.
4-    بيان محاسن الإسلام، وأشعر في هذا الخطاب كأن جعفرًا -رضي الله عنه- يريد أن ينبه كل متحدث باسم الجالية المسلمة في أي مكان أن يكون منطلق خطابه إظهار محاسن هذا الدين، وتأكيد التزام أبناء الجالية به نظريًا وفعليًا.
5-    نطبق ما اعتقدناه فلا يكفي أن نرفع شعارات القيم والمبادئ والأخلاق ونسطر معانيها في الصحف والمجلات، فإن تكلمنا عن حقوق المرأة مثلًا لابد أن نبرهن ذلك بحسن تعاملنا معها، وإن تحدثنا عن احترام الإسلام للأديان الأخرى فعلينا ألا نسب أتباعها أو ننظر لهم نظرة دونية، ونحن في بلادهم وعلى أرضهم.
6-    استمالة المجتمع المحيط للتعاطف مع أطروحاتنا، فحينما ندخل على مجتمع نحن فيه أقلية بثقافاتنا وعقيدتنا، لا بد من استمالة هذا المحيط للتعاطف معنا بدل الاصطدام به ومعاندته التي لا تجلب لأبناء الجالية سوى الانحسار والتشرذم.
7-    إظهار إيجابيات ومحاسن المجتمع المضيف- «فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك»، ولا شك أن لكل مجتمع عادات وتقاليد وقوانين وموروثات إيجابية، يمكن أن يتوسم فيها أبناء الجالية المسلمة نوعًا من العدل والإنصاف، فلا بد من الاندماج في المجتمع وسبر أغواره لمعرفة هذه الإيجابيات والتعامل معها وفق منهجية تنمي جوانب الخير. كما لا بد من إرجاع الفضل لأهل الفضل وشكر المجتمع المستضيف لهذه الجالية بما هو أهله والشكر لا يعني كلمة نقولها ونعمل عكسها، بل انضباط والتزام واحترام للعادات والتقاليد والقوانين وحب صادق للبلد المضيف وأهله.
8-    محاكاة دائرة الاهتمام- وأقصد بها أن يكون طرحنا متطرقًا لقضايا تهم المجتمع وتشغل باله وقريبة منه، وأن نراعي في خطابنا للمجتمع أمورًا تثير انتباهه ويشعر بأنها تخصه بالدرجة الأولى «وقد فعل جعفر ذلك حين طلب منه الملك أن يقرأ عليه شيئًا من القرآن، فكان في قمة الوعي والذكاء حيث اختار سورة مريم ليقرأها على الملك والأساقفة الذين كانوا على النصرانية»، وقد كان خطاب جعفر مؤثرًا فيهم لدرجة أن النجاشي وحاشيته لم يتمالكوا أنفسهم من البكاء والخشوع.
9-    إظهار الألفة والتفاهم بين أبناء الجالية- وقد تكون هذه القضية أحد أهم أسباب معاناة أبناء الجاليات الاسلامية في الغرب عمومًا، وأظن أن أبناء الجالية في أوكرانيا أيضًا يكتوون كل يوم بسبب فقدانهم لعنصر التفاهم والتآلف، وهذا يظهرنا بمظهر المشوه المفلس أمام المجتمع، إذ كيف نستطيع أن نخاطب المجتمع وندعوه إلى أخوة الإنسانية، والتفاهم وقبول الرأي الآخر، ونحن كأبناء جالية ودعاة وحدة نتنازع ونتحاقد فيما بيننا، أما أبناء الجالية المسلمة في الحبشة فكانوا غير ذلك، إذ إنه حين دعاهم الملك أجمعوا على رأي واحد، فلم يتخلف منهم عن هذا الرأي أحد.
10-    معايشة هموم أهل البلاد، فأنت كعنصر ينتمي إلى جالية تقيم في أوكرانيا، لا بد أن تعيش هموم هذه البلاد وأفراحها وأتراحها تعيشها بروحك ووجدانك وضميرك وجسدك، تفرح لفرحها، وتتأثر لألمها ومصابها.
ومن المصادفة أيضًا أن هذا حدث للجالية المسلمة في الحبشة؛ حيث قام أحد المناوئين للنجاشي بمحاولة انقلابية على حكمه أثناء وجود المسلمين في الحبشة، فكان المسلمون شديدي الحرص على وحدة الحبشة، واستقرار الحكم فيها فعرضوا أنفسهم على الملك ليستخدمهم في الدفاع عن وحدة البلاد والدولة إلا أنه رفض أن يعرضهم لخطر الحرب، وآثر أن يؤمن وجودهم حتى لا يمسهم أحد بسوء. 
هذه معان جالت في خاطري وأنا أقرأ تلك الكلمات المشرقة لجعفر بن أبي طالب، ومن معه من أبناء الجالية المسلمة في أرض الحبشة وكيف استطاعوا ببلاغة خطابهم ووضوحه وقوة إقناعه، وملامسته لواقع البلاد والعباد، وتميزه بالعزة والوحدة والانتماء، وإقراره باحترام الآخر وحقه، وشفافيته وصدقه، كيف استطاع هذا الخطاب أن يؤمن لأبناء تلك الجالية حياة كريمة في أرض الحبشة محفوظة برعاية الملك وإشرافه، حتى إنه أصدر قرارًا ملكيًا يقول فيه: من أذى أحداً من المسلمين فأغرموه ثمانية دراهم. فمتى يعمد أبناء الجالية المسلمة في الغرب عمومًا وفي أوكرانيا خصوصًا إلى فهم لغة خطاب جعفر الطيار حتى يعزوا ويرتقوا وينادي عبر وسائل الإعلام: من آذى أحدًا منهم فأغرموه!

كثيرًا ما تطالعنا أبواق الإعلام، برد فعل من لا يريدون الإصلاح للأمة ومن يسيرون في ركابهم من المرتزقة، وأصحاب المصالح الشخصية، ومن لا يريدون العزة والتمكين للأمة، حيث ينفث هؤلاء غيظهم قائلين: إن هؤلاء لا يمثلون مصالح الشعوب ولا يمثلون إلا مصالحهم الشخصية.


الطليعة المصلحة
في ميزان الله وميزان الطغاة

توفيق علي

ويقللون من قيمة تحركهم، وقلة عددهم. وكأن العدد هو مقياس الصدق في الإصلاح ونسوا -أو تناسوا- أن قيمة هؤلاء في ميزان الله مالك السموات والأرض، وأن هؤلاء -نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- من عباد الله الصالحين الذين وعدهم الله بوراثة الأرض ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105».

ميزان الله
قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40).

قصة نوح نموذج للطليعة المصلحة
إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها، والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل والاستشهاد، إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلًا أمام هذا الأمر الخطير، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير.
إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى، شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعًا، كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد!
هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية، وحين تغليها الجاهلية إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة، وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان، فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ﴾ (المدثر: ۳۱).
وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها، وتعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه وتصبر حتى يأتي الله بأمره، وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء، وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء.
إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية، كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ (القمر: 10).
إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة، إن الجاهلية تملك قواها، ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله، والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية -حينما يشاء وكيفما يشاء- وأيسر هذه القوى أن يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب!
وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله، ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله. ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثني عشر مسلمًا، ولكن هذه الفئة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة والتدمير على البشرية الضالة جميعًا، وتوريث الأرض لتلك الفئة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها.
إن عصر الخوارق لم يمض فالخوارق تتم في كل لحظة -وفق مشيئة الله الطليقة- ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطًا أخرى، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها. وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها، ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائمًا، ويلامسون آثارها المبدعة.
والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملًا، بكل ما في طاقتهم من جهد، ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة، وعندما يغلبون عليهم أن يلجؤوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه كما جار عبده الصالح نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ (القمر: 10) ثم ينتظروا فرج الله القريب وانتظار الفرج من الله عبادة، فهم على هذا الانتظار مأجورون (۱).

ميزان الطغاة
قال الله تعالى: ﴿ ِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (الشعراء: 54).

معنى الشرذمة:
الشرذمة: جماعة منقطعة وهو من قولهم: ثوب شراذم أي متقطع (۲).
قال القرطبي -يرحمه الله-: الشرذمة: الجمع القليل المحتقر والجمع شراذم (۳).
وقال البغوي -يرحمه الله-: «الشرذمة: القطعة من الناس غير الكثير وجمعها شراذم» (٤).
وقال ابن عاشور -يرحمه الله-: «الشرذمة: الطائفة القليلة من الناس» (٥).

تدبير الله للقلة المؤمنة مع موسى عليه السلام:
لقد أوحى الله إلى موسى أن يسري بعباده، وأن يرحل بهم ليلًا، بعد تدبير وتنظيم ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده وأمره أن يقود قومه إلى ساحل البحر. وعلم فرعون بخروج بني إسرائيل خلسة، فأمر بما يسمى التعبئة العامة، وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجنود ليدرك موسى وقومه، ويفسد عليهم تدبيرهم، وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير!
وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند، ولكن هذا الجمع قد يشي بانزعاج فرعون وبقوة موسى ومن معه وعظم خطرهم حتى ليحتاج الملك الإله -بزعمه- إلى التعبئة العامة، ولابد إذن من التهوين من شأن المؤمنين.

أثر أعمال القلة المؤمنة على الطغاة:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (الشعراء: 55).
الغيظ: الغضب.
أي: كل وقت يصل إلينا منهم ما يغيظنا، وهم أعداء لنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها (٦).

سياسة الطغاة في مواجهة القلة المؤمنة:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (الشعراء: 56)- وقرأ طائفة من السلف ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ (الشعراء: 56).
أي: في كل وقت نحذر من غائلتهم، ونحن مستعدون بالسلاح، متيقظون لمكائدهم، محتاطون لأمرهم ممسكون بزمام الأمور والحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع والمصلحة مشتركة، وأريد أن استأصل شأفتهم وأبيد خضراءهم.
إنها حيرة الباطل المتجبر دائمًا في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين (۷). 
وقال ابن عاشور- يرحمه الله: إنا من عادتنا التيقظ للحوادث والحذر مما عسى أن يكون لها من سيئ العواقب، والمحذور هو الاغترار بإيمان السحرة بالله وتصديق موسى، ويبعد أن يكون المراد خروج بني إسرائيل من مصر، لأنه حينئذ قد وقع فلا يحذر منه وإنما يكون السعي في الانتقام منهم (۸).
فعاقب الله عز وجل فرعون وجنوده بمثل ما كان يدبر لهم، فهل يستيقظ هؤلاء من غفلتهم، فإما أن يعودوا إلى الله وإما الطوفان الطوفان الذي أصاب حاكم العراق، الطوفان الذي أصاب نوربيجا الذي اختطفته أمريكا ولم يظهر عنه شيء، الطوفان الذي أصاب بورقيبة الذي عزل بشهادة طبية، الطوفان الذي أصاب بیونشيه الذي عذب شعبه، الطوفان الذي سيصيب من يشاقق ويحادد الله ورسوله. يا قومي، أالله أم الطوفان؟
 

الرابط المختصر :