; المجتمع التربوي (1642) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1642)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2005

مشاهدات 60

نشر في العدد 1642

نشر في الصفحة 54

السبت 12-مارس-2005

آفات على الطريق.. الاحتقار.. آثاره وأسبابه

د.السيد محمد نوح

ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجًا لها... وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف. وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.

الاحتقار، آفة أخلاقية واجتماعية خطيرة وحتى يخلص منها من ابتلي بها، ويحترز منها من سلمه الله عز وجل. منها، فإنه لابد من تصور دقيق لأبعادها ومعالمها وذلك من خلال هذه الجوانب.

أولًا: ماهية الاحتقار لغة واصطلاحًا:

لغة: الاحتقار:

1 الإذلال والاستهانة، يقال: حقر الشيء حقرٍا، وحقرة، وحقارة أذله، واستهان به، وفلان حقير، أي ذليل، وهين.

٢- الاستصغار، تقول: تحافر تصاغر وتحاقرت إليه نفسه: تصاغرت (۱) وقوله ﷺ:« إياكم ومحقرات الذنوب»... الحديث (۲). يريد: صغائر الذنوب ولا تعارض بين هذه المعاني، إذ الاحتقار، هو الاستصغار المؤدى إلى الإذلال والإهانة مطلقًا

 اصطلاحًا: أما الاحتقار اصطلاحًا فهو: استصغار شخص ما أو طائفة لشخص آخر، أو الطائفة أخرى في نفسه أو فيما يصدر عنه بصورة تؤدي إلى الإذلال والإهانة مع المبالغة أو بلا مبالغة.

ثانيًا: سمات الاحتقار وموقف الإسلام منه:

للاحتقار سمات تدل عليه منها:

1- مقاطعة الكلام، ومصادرته، وإظهار معايبه.

٢- محاكاة السلوك القولي والفعلي.

٣- السب والشتم والإهانة.

٤- الإبعاد عن الصدارة والريادة.

٥- الترفع عن مشاركة المحتقر الحديث. إلى غير ذلك من السمات.

 ويقف الإسلام من الاحتقار موقف الرفض، بل والتحريم إذ يقول رسول ﷺ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات يحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (۳).

وقال أبو جري جابر بن سليم رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ قلت عليك السلام يا رسول الله مرتين قال: لا نقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت قل: السلام عليك.. قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر، فدعوته كشف عنك، وإن أصابك عام سنة، فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء، أو فلاة فضلت راحلتك، فدعوته ردها عليك قلت: اعهد إلى قال: لا تسبن أحدًا. قال: فما سبيت بعده حرًا ولا عبدًا، ولا يعبرًا، ولا شاة، قال: «لا تحقرن شيئًا من المعروف وأن تكلم أخاك، وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك، وغيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه (٤). وقال ﷺ: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» (٥)، وقال ﷺ: «إن من أربي الريا الاستطالة في عرض المسلم بغير الحق» (6) إلى غير ذلك من الأحاديث. 

ومن قبل قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

ثالثًا: آثار الاحتقار، وعواقبه:

  1. على العاملين:

هناك آثار سيئة للاحتقار وعواقب وخيمة على العاملين تذكر منها:

 ١- الحرمان من التأييد، والعون الإلهي:

ذلك أن الله يعطي نصره بسبب الصالحين. والضعفاء، وعليه فالواجب احترامهم وتوقيرهم لمكانتهم في الأمة، فإن قوبلوا بالاحتقار والحط من أقدارهم سحب الله نصره، وتأييده من أولئك الذين حطوا من أقدارهم واحتقروهم.

جاء في بيان فضل الصالحين والضعفاء، قول نوح عليه السلام ردًا على الملأ الذين احتقروا الضعفاء والفقراء طالبين منه طردهم ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (هود:٣٠). 

وقول النبي ﷺ «أبغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم »(۷).

٢- الغضب والسخط الإلهي: ذلك أن الله جعل رحمته في صحبة الضعفاء، ومجالستهم، فإذا ما نظر إلى هؤلاء نظرة احتقار، وانتقاص وإهانة كان العقاب الإلهي المتمثل في غضبه، وسخطه سبحانه.

إذ يقول أبو هبيرة عائد بن عمرو المزني. وهو من أهل بيعة الرضوان -رضي الله عنه-: إن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبوبكر -رضي الله عنه-: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخيره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لتن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأناهم، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي (۸).

٣- «ضياع رصيد المحتقر من الحسنات» ذلك أن الاحتقار يكون سببًا في تضييع رصيد المحتقر من الحسنات لأنه يقضي عمره في سب الآخرين.

وقد فهم، وسلب أموالهم، وسفك دمائهم، وكل ذلك على حساب رصيده من الحسنات. 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذامن حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه: أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (1).

٤- الاعتداء على حرمات المحتقر: ذلك أن المحتقر ينظر إلى المحتقر على أنه ضعيف، لا حول له ولا قوة، وقد تحمله هذه النظرة على العدوان عليه في حرماته من سفك دم، وانتهاك عرض وسلب مال، ونحو ذلك، على نحو ما صنع ويصنع الكبراء في كل عصر ومصر مع الضعفاء والفقراء.

٥- تسليط الجبارين على المحتقرين ذلك أنه مضت سنة الحق -سبحانه- أنه كما يدين المرء يدان، وعليه فإن المحتقرين للضعفاء والفقراء يبتليهم الله بمن هو أقوى منهم يستذلونهم ويسومونهم سوء العذاب، من باب: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: ٤٠).

ومن باب ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( الأنعام: ١٢٩).

٦- كراهية الناس للمحتقرين والابتعاد عنهم: ذلك أن الناس يحبون من يحنو عليهم ويعرف قدرهم. وعلى العكس يبغضون من يقسو عليهم، ويهينهم، ويبتعدون عنه. وعليه فإن من كانت مسيرته في الحياة احتقار الآخرين. والعدوان عليهم، فإن الناس يبغضونه، وينفضون عنه ولا سيما في ساعات الشدائد والمحن، فيندم ولا ينفع الندم، ويتحسر ولا تفيد الحسرة.

٧- تعريض النفس لدعوات المحتقرين المقهورين: ذلك أن المحتقرين المقهورين لا يجدون ملاذًا ولا مأوى إلا الله، فتراهم بالليل والنهار يستغيثون الله، ويستصرخونه الانتقام ممن احتقروهم، وآذوهم، وهؤلاء لكونهم مظلومين منقطعين يجيب الله دعاءهم، لحديث:.... وإياك ودعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (۱۰) وحديث: ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين (۱۱).

  1. على العمل الإسلامي:

وكما أن للاحتقار آثارًا على العاملين، فإن له على العمل الإسلامي آثارًا منها: 

١- الحرمان من كسب الأنصار: وتكون العاقبة الحرمان من العون والتأييد الأخوي، وكما قيل: المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه

٢-الفرقة والقطيعة: ذلك أن عملًا يقوم على احتقار أبنائه بعضهم بعضًا، فماذا يرجى منه أو ينتظر سوى الفرقة والقطيعة الأمر الذي يمكن الأعداء من رقاب المسلمين، ويكون ما لا تحمد عقباه.

٣- طول الطريق وكثرة التكاليف: ذلك أنه إذا خيراتها وثرواتها، وفكر الناس في التحرر، وخلع تمكن الأعداء من رقاب الأمة، واستنزفوا ريقة الأعداء، فإن الأمر يتطلب منهم كثرة تكاليف وتضحيات، ويطول الطريق إلا أن تدرك الناس رحمة الله.

رابعًا: الأسباب المؤدية إلى الاحتقار:

هناك أسباب كثيرة تؤدي إلى الاحتقار، نذكر منها:

١- احتقار الأسرة للآخرين: قد ينشأ المرء في أسرة شأنها احتقار الآخرين، والنيل منهم وتكون العاقبة سريان هذا الداء إليه من حيث لا يدري، لا سيما وأن تأثير السلوك أوقع وأفعل في النفس من تأثير القول.

 ٢- احتقار الأصدقاء للآخرين: كما قد يعيش المرء في جو من الصداقة، شأنه احتقار الآخرين والاعتداء على حرماتهم، ويأخذ في الاقتداء بهم، أو على الأقل محاكاتهم والتشبه بهم. حتى يصبح الاحتقار للآخرين خلقًا من أخلاقه

٣- الاغترار بالنعمة ونسيان المنعم: إذ قد يختص الله -عز وجل- بعض الناس بنعمة أو أكثر من مال، أو أهل، أو ولد أو وجاهة أو رياسة أو علم، أو نحو ذلك، فيقف عند هذه النعمة أو تلك النعم، وينسى المنعم، وتكون النتيجة احتقار الآخرين، والنيل منهم.

٤- الجهل بميزان التفاضل في هذا الدين ذلك أن ميزان التفاضل في هذا الدين ليس بالمال. والأهل والولد ونحوها.. إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، والتقوى كما قال سبحانه: 

﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سبأ:٣٧)، وكما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، ومن يجهل هذا الميزان يقع لا محالة في آفة احتقار الآخرين والنيل منهم والعدوان عليهم.

٥- عدم عناية المرء بمظهره: ذلك أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده سواء في الملبس، أو المركب أو المسكن، أو نحوها. والذي يخفي لنعمة ويظهر بمظهر غير لائق به يفتح الباب أمام الآخرين لاحتقاره والنيل منه. إنما والعدوان عليه، وربما على أهله وذويه.

٦- عدم قيام المجتمع بواجبه: ذلك أن واجب المجتمع حماية الفضيلة، ومحاربة الرذيلة ومن ذلك مقاومة احتقار الناس بعضهم بعضًا. وإذا لم يقم المجتمع بواجبه في مقاومة داء الاحتقار والقضاء عليه، فإنه يتفشى وينتشر.

٧- تقصير ولي الأمر: ذلك أن واجب ولي والنظام، وضبط كل الأمر في الأمة حفظ الأمن شؤون الحياة، ومن ذلك مقاومة الاحتقار والقضاء عليه بكل ما منحه الله من أساليب القوة، ووسائل المواجهة وحين يهمل في القيام بذلك يتفشى الاحتقار، وينتشر.

٨-نسيان الآثار والعواقب المترتبة على الاحتقار: قد يكون نسيان الآثار والعواقب المترتبة على الاحتقار من بين أسباب الوقوع فيه، سيما إذا كانت النفس تميل إلى ذلك وتهواه.

٩- عدم مراقبة الله والغفلة عن اليوم الآخر: ذلك أن عدم مراقبة الله والغفلة عن اليوم الآخر وما قد يكون فيه من شدائد وأهوال قد تقود جميعًا إلى احتقار الآخرين والنيل منهم والعدوان عليهم.

الهوامش

(1) انظر: المعجم الوسيط ۱۸۷/۱، الصحاح في اللغة والعلوم للمرعشليين ص ۲۱۷ بتصرف..

(۲) الحديث أخرجه أحمد في المسند ٤٠٢/١- ٤٠٣

من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا بهذا اللفظ، وتمامه: «فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل يتطلق فيجيء بالعود والرحل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا فأججوا نارًا وأنضجوا طعامًا».

(3) أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في السنن وابن ماجه في السنن، كلهم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا، واحمد في المسند، من حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- مرفوعًا.

(4) أخرجه أبو داود في السين، وذكره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح أبي داود وقال: صحيح والترمذي في السنن، كلاهما من حديث جابرين سليم -رضي الله عنه- مرفوعًا، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: «هذا حديث حسن صحيح».

(5) أخرجه البخاري في الصحيح، ومسلم في الصحيح كلاهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا بهذا اللفظ.

(6) أخرجه أبو داود في السان، وذكره الألباني في صحيح أبي داود وقال. صحيح، وأحمد في المسند، كلاهما من حديث سعيد بن زيد -رضي الله عنه- مرفوعًا وروى أبو داود رقم ٤٨٧٧ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السيان بالسبة».

(7) أخرجه أبو داود في السنن، حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-، مرفوعًا بهذا اللفط. 

(۸) أخرجه مسلم في الصحيح.

(9) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح.

(۱۰) جزء حدث أخرجه البخاري في الصحيح، ومسلم في الصحيح، وأبو داود في السنن، والترمذي في السنن، والنسائي في السنن، وابن ماجة في السني، وأحمد في المسند كلهم من حديث عبد الله ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا.

(11) أخرجه ابن ماجه في السان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا.


المرأة بين الإسلام وسائر الأديان (1)

الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى المرأة ميراثا من الوالد

أهل الكتاب والهندوس يحرمونها من التعليم والميراث والحرية

الكتاب المقدس والأسفار الهندوكية: المرأة سبب ولادة البنت.. والقرآن الكريم والعلم الحديث يؤكدان مسؤولية الرجل

 يوسف أبو بكر المدني

توجه للإسلام انتقادات عنيفة بخصوص وضع المرأة وحقوقها، ويدعي الناقدون أن دين الإسلام يحجز المرأة بين جدران البيت ويعاملها كالأمة أو يعتبرها كالمزرعة.

وفي طليعة هؤلاء الناقدين، يأتي الرأسماليون الذين يرون المرأة كالسلعة التجارية والصهاينة الذين يعتبرون المرأة كالماكينة الحرفية، والملحدون الذين يروون المرأة كسبًا عامًا للدولة.

فما الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة؟ وما موقف سائر الأديان تجاهها في أمورها الدينية والشخصية والاقتصادية بالإضافة إلى سائر المجالات مثل اكتساب العلم والعمل والميراث والزواج والطلاق والأمومة فضلًا عن وضعها بعد الموت هل تجد الجزاء من الله أم تنتهي حياتها في الضريح؟

يعتقد اليهود والنصارى أن المرأة هي التي تسببت في توريط الإنسانية في الإثم أكلت الثمرة المحرمة وأغرت زوجها بأكلها، يقول العهد القديم فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت، فقال: من أعلمك أنك عريان هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت (تكوين (۱۲-۱۰:۳ )

وفي رأي النصارى: لولا المرأة لما صلب المسيح ابن الله في الصليب...

وتقول أسفار الهندوكية إن المرأة بؤرة جميع الآثام والمصائب للإنسانية. لذا تضع مبادئ الهندوكية لها أغلالًا بتحديد أفكارها واعتقادها وأقوالها. وحسب آية السابع عشر من سفر ينجويلكيوبانشات: المرأة هي الشبكة التي جعلتها آلهة الغرام لاجتذاب الرجال، وأما القرآن فيقول في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)

البداية وهي جنين

تبدأ مأساة المرأة منذ أن تكون جنينًا في بطن أمها حتى صارت أرحام النساء في العصر الحديث أكبر مجزرة في العالم، وبواسطة التقنية الحديثة يمكن للإنسان تشخيص جنس الجنين ويقدر على إزالته إن كان بنتًا، فقد زادت هذه الجريمة بين أهل الهند والصين وسائر الدول المكتظة بالسكان، وإذا أمعنا النظر في موقف الأديان من هذا الإثم رأينا أن أهل الكتاب والهندوكية تسمح بهذه الجريمة، يقول الكتاب المقدس: إن الأم التي تلد البنت تكون نجسة في مدة أطول ممن تلد الابن، إذا حبلت امرأة وولدت ذكرًا تكون نجسة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة.... وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين (اللاويين ١٢: ١-٥)

ويقول تلمود الهندوكية (مانو سمرتي) يجوز للرجل طلاق زوجته إن كانت عقيمًا بعد المكث معها ثماني سنوات، وبعد المكث معها عشر سنوات إن كانت تلد الأنثى دون الذكر (۹ (۸۱) ويقول الكتاب المقدس للهندوكية إن الابن هو الرمز لليمن والخير والبركة، فكيف يمكن أن نعاتب عامة الهندوكيين الذين يحاولون إجهاض البنات من أرحام أمهاتهن مخافة الفقر والعار؟

وعندما يقول الكتاب المقدس والأسفار الهندوكية إن الأم هي السبب في ولادة البنت يوضح القرآن أن مني الرجل هو الذي يحدد جنس الجنين، بقوله:﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ (النجم: 45-46)، وجاء العلم الحديث ليؤيد ذلك بعد ١٤ قرنًا من الزمان ويثبت أن الجنين يكون ولدًا عندما يلتقي كروموسوم Y للرجل مع كروموسوم X لبويضة المرأة، ويكون بنتًا حينما يلقح X كروموسوم من نطفة الرجل مع X كروموسوم من بويضة المرأة. وتكشف هذه الحقيقة العلمية أن نطفة الرجل هي التي تحدد جنس النسل.

عار ونجاسة

وإذ يعتبر الكتاب المقدس ولادة البنت مأساة أو عار ومسببة للتنجس، يذكر القرآن هذه العادة الجاهلية بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 58-59).

فضلًا عن تحريم القرآن قتل البنات مخافة العار والفاقة بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31) وبقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9).

حرية المرأة

إذا ناقشنا موقف أهل الكتاب من حرية المرأة رأينا أنهم يحرمون عليها أبسط مبادئ الحرية، حيث يقول الكتاب المقدس «لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن» (الرسالة إلى أهل كورنثوس ٣٦:١٤). وأما الهندوكية فلا ترى أي كتاب ديني في العالم يحرم حرية المرأة، كما حرم سفر الهندوس المسمى بمانو البيت الثاني من الكتاب التاسع، يقول فحواه: إن المرأة لا تستحق الحرية أبدًا، حيث تكون المرأة تحت رعاية الأب أيام الطفولة، وتكون تحت رعاية الزوج أيام الشباب، وتكون تحت رعاية الأبناء أيام الشيخوخة.

أما القرآن فيقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٨)، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء:٣٢).

 ومن الغريب أن أهل المذاهب التي حرمت حرية المرأة يذرفون دموع التماسيح على حقوق المرأة أما إن كان معنى حرية المرأة خروجها من البيت دون ضابط ولا رابط لقضاء شهواتها مع من تحب من الأجانب أو ترقص عارية في النوادي والفنادق وتهيم في الأسواق دون حجاب أو التزام فهذه الحرية لا يقبلها الإسلام.

التعليم

وهنا تذكر أن الكتاب المقدس حرم التربية والتعليم للبنات والنساء حسب آياته التالية...... ولكن إن كن يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن رجالهن في البيت الرسالة إلى أهل كورنثوس (٣٧:١٤) كما صرحت أسفار الهندوكية أنه لا حاجة للبنت في التعليم والتربية بما ورد في أبيات مانو زوجوا بناتكم إلى أسرة كريمة فأعطوا الأبناء التعلم والتربية. أما في الإسلام فالوضع مختلف فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة».

المرأة والميراث

وإذا ألقينا نظرة على ما قررته الأديان بخصوص ميراث البنات لآبائهن وجدنا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطاهن ميراثًا بينما نرى أن العهد القديم يمنع حق الميراث للمرأة بقوله، إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة (التثنية ٢١: ١٦-١٧). توضح بعض الآيات أن البنت لا تستحق من مال أبيها إن كان له ولد مثل آية أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته (۸:۲۷ ) وأما القرآن فأعطى النساء حق الميراث بقوله ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: ٧).

 

من أحب الأمور إلى الله

التوسط والاعتدال..

حفيظ الرحمن الأعظمي

لا شك أن الدنيا دار معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وإدراكنا لهذه الحقيقة يوجب علينا أن نفقه مسألة هي من الأهمية بمكان، وهي كيف نتعامل مع هذه الدنيا؟ ذلك لأننا نعيش في مجتمع يعج بكثير من الأفكار والنظريات.

وهذه النظريات تختلف فيما بينها اختلافًا كثيرًا، ولأجل هذا التفاوت الكبير يحتار المسلم، ويتبلبل فكره، فكان لابد -والحال هذه- من نور يبدد ذلك الظلام وهنا يتقدم الإمام أبو حامد الغزالي -يرحمه الله- ليقدم شعلته النيرة إلى كل مسلم ليسير بضوئها في دروب الحياة بكل طمأنينة وأمان، وعبر نظريته الراشدة التي يقول فيها: انقسم الناس في تعاملهم مع الدنيا إلى قسمين يندرج تحت كل قسم عدة طوائف:

أما القسم الأول: فهم الذين نسوا الغاية من الرحلة إلى الآخرة واشتغلوا بمحطة الدنيا، ويندرج تحت هذا القسم طوائف كثيرة منها: 

- طائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز فأسهروا ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع وطائفة ظنوا أن السعادة في انطلاق الألسن بمدحهم والثناء عليهم، وطائفة ظنوا أن السعادة في الجاه وانقياد الخلق لهم بالتواضع والتوفير، ووراء هؤلاء طوائف وفرق كثيرة وكلهم ضلوا وأضلوا وتشعبت بهم الهموم في أودية الناس حتى هلكوا..

والقسم الثاني: هم الذين نسوا الحكمة من محطة الدنيا، وحاولوا الوصول إلى الآخرة دون عبور الدنيا. وموقف هؤلاء إنما هو رد فعل الموقف الطائفة الأولى وفيهم قال الإمام الغزالي وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان ولم يتركهم وأضلهم في الإعراض أيضًا، وينقسم هؤلاء إلى أصناف منها:

 طائفة رأت في الدنيا بلاء ومحنة. وفي الآخرة دار سعادة فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا وطائفة رأت أن القتل لا يخلص، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب، وطائفة ظنت أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد إلى معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، وبعد الوصول يستغني عن الوسيلة فتركوا السعي والعبادة وزعموا أن التكاليف على عوام الخلق!

ووراء هذه الطوائف مذاهب باطلة وضلالات هائلة يطول إحصاؤها، والناجي من الخلق فرقة واحدة هي التي تسلك ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وهو: ألا يترك الدنيا بالكلية ولا ينغمس في الشهوات بالكلية، أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد، وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، ويتبع العدل فلا يترك كل شيء من الدنيا، ولا يطلب كل شيء منها، ويحفظه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، ومن المسكن ما يحفظه من اللصوص والحر والبرد، ومن الكسوة كذلك.. حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بهمته واشتغل بالذكر والفكر طول العمر، ويظل محافظًا على حد الاعتدال والتوسط في الشهوات حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى والصحابة -رضي الله عنهم- كانوا على النهج المعتدل لا يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط، بل توسط واعتدال وهما أحب الأمور إلى الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

975

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

172

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة