; المجتمع التربوي (1636) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1636)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005

مشاهدات 78

نشر في العدد 1636

نشر في الصفحة 52

السبت 22-يناير-2005

من ذكريات الحج والعيد
د.زيد بن محمد الرماني
الزمان قديم موغل في أعماق الماضي.المكان: مكة عندما كانت قفرًا يبابًا في الوادي الأجرد، لا يعمرها إنس، وإنما تلم بها بين حين وآخر جماعات من الرعاة، يحطون رحالهم عند أطلال البيت العتيق، التماسًا للراحة والبركة، ثم لا يلبثون أن يشدوا الرحال ويضربوا في تيه الصحراء بحثًا عن مساقط الغيث ومنازل المطر.
في تلك البقعة المهجورة، وفي ذلك الزمن الغابر وراء التاريخ، جاء إبراهيم -عليه السلام-يسعى من الشمال ومن ورائه هاجر تحمل في حضنها وليدها إسماعيل.
خرج إبراهيم من أرض كنعان، ضاربًا في طريق الجنوب إلى البلد العتيق ومن ورائه الأم هاجر مهزولة في أعقاب نفاسها منصرفة عن التفكير فيما كان ويكون بهذا الصغير الرضيع الذي يسكن إلى حضنها فينسيها كل الدنيا.

تيه كبير
عند أطلال البيت العتيق حط إبراهيم رحله ثم تهيأ للعودة من حيث جاء، تاركًا هاجر وولدها، مع جراب فيه تمر وسقاء فيه ماء،وأدارت هاجر عينيها في هذا التيه القفر فسألت مرتاعة: أتتركنا هنا بهذا القفر الموحش؟ قال: نعم، فأمسكت هاجر عن الكلام برهة،ثم سألت إبراهيم عليه السلام الله أمرك بهذا؟!
أجاب: نعم.
قالت: إذن فالله لن يضيعنا. ولم تزد.
وسار إبراهيم منصرفًا، حتى إذا بلغ ثنية الوادي رفع رأسه إلى السماء وقال في ضراعة وابتهال:﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾(إبراهيم:37).
نفاد الزاد: ومضى، وظلت هاجر تتبعه بعينيها حتى غيبه منعطف الوادي، فأقبلت على وليدها تستمد منه الأنس في وحشتها والقوة على احتمال محنتها، ثم ما لبثت أن نقد الزاد الضئيل الذي تركه لها سيدها إبراهيم-عليه السلام-ونفد الماء، وخف ثديها فلم يعد يبض بقطرة.
إذ ذاك بدا لها أن تبحث هنا وهناك عن شيء يمسك الحياة على طفلها، فراحت تضرب فيما حول الأطلال دون أن تهتدي إلى شيء.
وسعت إلى جبل الصفا فعرجت إلى قمته لتشرف من عل على الوادي لعلها تلمح من بعيد أثرًا لحياة.
وهبطت من الصفا وسعت مهرولة إلى المروة، فصعدت وحدقت فيما حولها لعل أحدًا غيرها يضرب في التيه.
ولا أثر ولا أحد.. وأعادت الكرة، وظلت تسعى مهرولة بين الصفا والمروة مرتين وثلاثًا وسبعًا، حتى وهنت قواها وهدها اليأس فأرتمت إلى جانب طفلها، لكنها لم تقو على احتمال رؤيته وهو يلهث ظمئًا..والحياة تتسرب من كيانه اللطيف وغطت وجهها بلفاعها وقالت: لا أنظر موت الولد ثم استسلمت لقضاء الله.

تفجر الماء
وتفتحت السماء المشهد الأم فيما تكابد من هموم أمومتها وتجلت رحمة الله، فتفجر نبع زمزم من تحت أقدام الوليد المبارك، وهرولت الأم إلى النبع فارتوت وسقت وليدها، وردت الروح إلى الطفل وأمه، وبعثت الحياة في الوادي الأجرد.. وقد استجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام. من ذلك العهد السحيق، دخلت هاجر تاريخنا الديني، فكان مسعاها مهرولة بين الصفا والمروة شعيرة من شعائر حج العرب في الجاهلية والمسلمين في الإسلام. قال عز وجل:﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾(البقرة:158).
وتمضي الدهور والأحقاب والأم هاجر ملء الحياة، فكلما دار عام القمر دورته وأهل عيدنا الأكبر، سعى الألوف من الحجيج بين الصفا والمروة مهرولين سبعة أشواط، كما سعت هاجر من قبل التاريخ!!.
تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن«بنت الشاطئ»: في مكان بعينه بين الصفا والمروة وبالحركة نفسها: هرولة بينهما سبعة أشواط. وفي موعده الذي لا يتخلف، من عام القمر على مدار السنين من قديم بعيد وإلى الأبد، ذلك هو عيد الأمومة عندنا شعيرة من شعائر الله.
صبغة روحية: أقول: لقد كانت الأمم الماضية تعرف الأعياد لهوًا ولعبًا وشرابًا وطريًا وجلبة وصخيًا، بل إن بعض الأديان القديمة كانت تتخذ أعيادها الدينية من مادة الإباحية المستهترة والفوضى الخلقية السافرة.
ويجيء الإسلام بموازينه العادلة ومعاييره الدقيقة الفاصلة، فيلقي على فكرة الأعياد ضوءًا جديدًا يبعد بها عن انحلال المادية وفجورها .
تلك هي فكرة الأعياد في الإسلام، فالصبغة الأولى-كما يقول الأستاذ محمد دراز-الأعيادنا الإسلامية صبغة روحية.

من بدع زيارة المدينة والمسجد النبوي
د.حمدي شلبي
لما كان من السُنة النبوية الصحيحة شد الرحال إلى المساجد الثلاثة، لما ورد في ذلك من الفضل والأجر، وكان الناس عادة يزورونها قبل الحج أو بعده، وكان الكثيرون منهم يرتكبون في سبيل ذلك العديد من المحدثات والبدع المعروفة عند أهل العلم رأيت من تمام الفائدة أن أسرد ما اطلعت عليه منها تبليغًا وتحذيرًا فأقول:
1-قصد قبره الشريف بالسفر:
والسُنة قصد المسجد النبوي لقولهﷺ : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى(۱).
فإذا وصل إليه وصلى التحية زار قبره ﷺ.
وأحب أن أنبه أمانة للعلم ونصيحة للناس، بأن شد الرحال لزيارة قبره الشريف وغيره شيء والزيارة بدون شد الرحال شيء آخر، خلافًا لما شاع عند المتأخرين من الخلط بينهما ونسبتهم هذا الكلام إلى شيخ الإسلام ابن تيمية-خصوصًا-أنه ينكر مشروعية زيارة قبر الرسول فهذا(إفك مبين).
2-إرسال العرائض «الرسائل » مع الحجاج والزوار إلى النبي«نثرًا أو شعرًا»
مثل:
يا رايح المدينة سلم لي على النبي وقل له فلان مشتاق لك يا نبي أو: بشائر بشائر من عند الحبيب وبليل يا طائر سلم لي على الحبيب أو: أنا نفسي أزوره وأتملى بنوره.
3-قصد استقبال القبر الشريف أثناء الدعاء، والسنة استقبال القبلة بعد الزيارة. 
4-وضعهم اليد تبركًا على شباك حجرة قبره الشريف ﷺ وحلف بعضهم بذلك بقوله: وحق الذي وضعت يدي على شباكه.
5-تقبيل القبر الشريف أو استلامه، أو ما يجاور القبر من عود ونحوه.
ولقد أحسن حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي-رحمه الله-حين أنكر التقبيل المذكور، وقال في الإحياء«إنه عادة اليهود والنصارى» فهل من معتبر؟(۲)
6-زيارة ما يسمى بالمساجد السبع أو ما يسمي بالمزارات. ويستثنى من ذلك ما ذكر في السُنة الصحيحة كجبل أحد ورؤيته، وزيارة أهل البقيع والصلاة في مسجد قباء وذي القبلتين.
فقد ورد في السنة الصحيحة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ صعد أحدًا، وأبو بكر،وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال ﷺ:«اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق و شهيدان» وورد أيضًا:«الله أكبر أحد جبل يحبنا ونحبه» (۳).
7-مسجد قباء:
-وهذا لا يعارض ما سبق عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة فإن ذهابه إلى قباء لا يحتاج إلى شد الرحل إليه.
-ولذلك كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يأتيه كل سبت، ويصلي فيه تأسيًا بالنبي ﷺ.
-فعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله ﷺ:«من خرج حتى يأتي هذا المسجد-يعني مسجد قباء، فيصلي فيه كان كعدل عمرة»(٤).
-وفي رواية أخرى:«من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة».(٥).
8-زيارة أهل البقيع:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله«كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول:«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»(٦).
فهنيئًا لأهل البقيع استغفار رسول الله ﷺ وصلاته عليهم ودعاؤه لهم، وأعظم بذلك من فضل، أكرم بها من منقبة.(۷)
-ولم يزل الصالحون الصادقون يتمنون الموت بالمدينة، والدفن بالبقيع المبارك، أملًا في شفاعة رسول الله ﷺ وشهادته، وطمعًا في الدخول تحت دعائه بالمغفرة، فاللهم اكتب لنا حياة ووفاة في بلد نبيك، ورحم القائل:«يا ليت روحي بالمدنية تقبض.....»والله ولي التوفيق.

الهوامش
(1) الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد.
(3)الحديث أخرجه أحمد والبخاري والطبراني والهيثمي.
(٤) الحديث أخرجه أحمد في المسند بسند حسن وغيره.
(٥) الحديث أخرجه مسلم وابن ماجه.
(6)الحديث أخرجه مسلم والنسائي وأحمد. 
(۷) انظر كتاب التحفة الزكيه في فضال المدينة النبوية للأستاذ الدكتور: عبدالرحمن البر، ص۱۱۱.

لا يعلم الغيب إلا الله
الكاتبة: سمية رمضان
تجربتي في التحرك بالقرآن
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي، وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا، دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي:نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاء للحزن.
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًا وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
ذكرت في مرات سابقة أن الآيات التي كنا نتفق على التحرك بها في الفترة التالية، كان يتم التعرف عليها أولًا وبشكل تفصيلي وكانت خطتهن في ذلك تتضمن تفسير هذه الآيات والتعرف على الأحكام الفقهية المتصلة بها وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وغير ذلك، إلى جانب حفظ هذه الآيات مع ما تيسر من كتاب الله، وتعلم أحكام التلاوة، ثم الاتفاق على كيفية التحرك بهذه الآيات، وكان ذلك يتطلب الاستعانة بالمتخصصين في بعض هذه العلوم، وقد تم الأمر بيسر شديد وبدأت لبنات العلم تتماسك وتتشابك، في ظل الحب في الله الذي كان يغمرهن به المولى سبحانه، إلا أنه كانت هنا بعض النذر التي تدعو للقلق.
فقد تم الاتفاق مع أحد مدرسي علم التجويد على أن يقوم بتعليمنا أحكام هذا العلم وكيفية التلاوة الصحيحة، وكم كانت فرحة رائدات المسجد الحاضرات لهذه الدروس حين بدأت السنتهن تلين وتستقيم بتلاوة القرآن بشكل أفضل، يومًا بعد يوم، إلا أنه بين الحين والآخر كان المدرس يتطرق في درسه إلى الحديث عن أولياء الله وأهمية الأضرحة وزيارة القبور وتقديس ساكني هذه القبور والأضرحة، كانت الحاضرات يتأذين من مثل هذه الأحاديث،فالأحكام الشرعية المتصلة بهذه الأمور معروفة،إلا أن هذا الشعور بالأذى لم يكن يصل إلى درجة الشكوى والتذمر حرصًا على الاستفادة من العلم الذي يقدمه الرجل، ومع زيادة الحديث عن هذه الموضوعات كن يصبرن ويتواصين بالصبر.

حتمية المواجهة
كان هذا دأبهن حتى جاء يوم لم يعد فيه مجال للصبر وتحتمت المواجهة، ففي ذلك اليوم أخذ الرجل يثني على شيخ له اعتاد من قبل أن يكثر من ذكره والثناء عليه، لكن في هذه المرة قال الرجل إن شيخه هذا يعلم الغيب واستدل على ذلك بقصة مؤداها أنه هو وشيخه ذهبا مرة لحضور حفل عرس وبعد عقد الزواج، سأل شيخه العريس والعروس عن تاريخي ميلادهما، ثم أخرج ورقة وقلمًا وأخذ يسجل ويحسب، ثم انتحى بالعريس جانبًا وقال له: إن زواجك هذا مصيره الفشل، وسوف تطلق عروسك، فنظر العريس إلى الشيخ باستهجان، ولم يلق بالًا لما قال، ولم تمض عدة أشهر بعد ذلك إلا وقد طلق هذا العريس عروسه، بل إن ذلك العريس حين قرر أن يتزوج مرة أخرى ذهب إلى الشيخ، وطلب منه أن يصاحبه حتى يعلم ماذا سيكون أمر زواجه الجديد من العروس الأخرى.
نظرت إلى المستمعات وقد صمتن وكأن على رؤوسهن الطير، ثم استقر بصري على مدرس التجويد، وهو يتهلل فرحًا بهذا النصر المبين وهذه الحجة الدامغة التي قدمها كدليل على معرفة شيخه بالغيب، بينما كنت أشعر أن أعمدة المسجد تكاد تنطق بآيات الرحمن؛احتجاجًا على ما يقول الرجل، لذا فقد تحرك لساني بصوت مسموع وبعفوية شديدة مرددة: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾(الجن:26).
نظر الرجل إلى بغيظ وتحد وقال بحدة:أكملي، فقلت:﴿إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا﴾(الجن:28:27)، قال الرجل معاندًا:أرأيت؟

رجمًا بالغيب
رددت عليه واثقة مطمئنة لا يستطيع شيخك ومن شابهه من المنجمين وممن يضرب بالحصى ويزجر الطير ويعمل بحساب الأرقام وينظر في الكتب أن يدعي أحد منهم أنه ممن ارتضاه سبحانه من رسول فيطلعه على ما شاء من غيب، إن ما حدث إن هو إلا حدس وتخمين قد يصدق وقد يكذب ولكنه في كل الحالات افتراء. غضب الرجل غضبًا شديدًا وأخذ بدنه كل يهتز وكأن رجفة أصابته وقال بعصبية شديدة وبصوت كالرعد : لن أسمح لك أن تقللي من شأن شيخي في وجودي وأخذ يرغي ويزبد.
ألحت علىّ حرمة المسجد فآثرت السكوت وفي الوقت نفسه استأذن الرجل وانصرف مؤقتًا لبعض شأنه، وأخذت أسترجع ما ادخرته ذكراتي، فتذكرت قول الشاعر:
حكم المنجـــــم أن طالع مــــــــولـــــــدي
                                 يــــــــقضـــــــــــــي عـــــــــــلي بميــــــــــــــتة الغـــــــــــــــــرق
قل للمنجــــم صبـــــــحة الطوفـــــان هل
                                ولــــــــــد الجميــــــــع بكـــــــوكــــب الغـــــــــــــــــرق!

هداية في الظلمات
ثم تذكرت واقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم:«عندما أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الخروج، فقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال علي بن أبي طالب:ولِمَ؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وأصبت ما طلبت، فقال علي رضي الله عنه: ما كان لمحمد ﷺ منجم ولا لنا بعده، فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ندًا أو ضدًا، اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ثم قال للمتلكم:نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيت وبقيت ولأحرمنك من العطاء ما كان لي من سلطان.
ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها ولقي القوم فقتلهم، ثم قال: أيها الناس، توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي من سواه،(القرطبي الجزء التاسع عشر ص ۲۸)

فتح عمورية
وتذكرت بعد ذلك ما حدث مع المعتصم حين أجمع أمره على غزو عمورية تأديبًا للروم لعدوانهم وبطشهم بالمسلمين، واستجابة لنداء امرأة هنا صاحت قائلة: وامعتصماه ولكن المنجمين-كعادتهم-حاولوا إثناءه عن الخروج في ذلك الوقت لأنه لا يوافق طالعه، إلا أنه لم يلتفت إليهم وخرج على رأس جيشه وفتح عمورية وأذل الله به الروم، وفي ذلك قال أبو تمام بائيته ورائعته التي مطلعها:
السيف أصدق إنبـــاء من الكتـب
                                 في حـــــده الحد بــــين الجــــــد واللــــــــعب
بيض الصـــــفائح لا ســـــود الصحــــائف
                                في متونهــــــــــن جــــــلاء الشـــــك والريــــب
وقد سبق إلى علمي أن مدرس التجويد لا ينجب الأطفال بسبب زوجته التي هي دومًا في علاج مستمر وتساءلت: لماذا تزوجها إن كان شيخه للغيب عالمًا؟ وانتبهت إلى حال الحاضرات المستمعات اللاتي كن في حيرة حقيقية بين ما تعلمنه من قبل، وما سمعنه توًا من مدرس التجويد، فبادرت إلى التحدث إليهن وشرحت لهن باختصار ما دار في فكري منذ قليل ثم أردفت قائلة: ما قولكن في قوله تعالى:﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ﴾(الأعراف: ۱۸۸). 
قلن جميعًا: صدق الله العظيم، وقالت واحدة: إن بعضهم يقولون إنهم يعلمون الغيب عن طريق الجن، فرددت بقوله تعالى:﴿فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ﴾(سبأ:14). 
الرسول لا يعلم الغيب
وقلت: نعم إن الجن كانوا يدعون العلم بالغيب، ولكن الله فضحهم وأظهر كذبهم وزيغهم. وللأسف مازال البعض منا يصدق ادعاءات الجن والدجالين ويعمون عن كلام الله سبحانه وتعالى، وتابعت القول: وها هو سيدنا نوح عليه السلام-رسول ونبي من أنبياء الله الأطهار ينفي عن نفسه معرفة الغيب إلا بوحي الله تعالى:﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ﴾(هود:31).
شعرت بالراحة والطمأنينة، تبدو على وجوه الحاضرات فآيات الله سبحانه واضحة قاطعة لا تدع مجالًا للشك أو و الحيرة، لذلك عندما عاد المدرس مرة أخرى واستمر يحكي ويقص ويعدد أمثلة وحكايات مشابهة لما كان يقول من قبل، لم يلق آذانًا صاغية لما يقول، بل كان هناك استهجان صامت منع من إظهاره احترامهن لعلم التجويد الذي يحمله الرجل، وبعد انصرافه كان الأثر الذي تركه لدى الحاضرات هو الضيق والتبرم من الاستماع إلى حكاياته وتمنى عدم تكرار ذلك.
أردت أن أغتنم الفرصة السانحة فقلت: ما رأيكن في أن نضيف إلى الآيات التي نتحرك بها، هذه الآية التي ذكرت اليوم:﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾(الجن:26).

أوهام وخيالات
أبدى الجميع ارتياحهن وحماستهن لذلك، قالت إحدى الحاضرات: لا يستبعد أن يكون هذا المدرس وأمثاله يتصورون أن أوهامهم حقيقة ثابتة وقالت أخرى: لقد سمعت أن بعضهم يخيل إليهم أنهم يرون الملائكة ويتحدثون معهم، بل وتصل جرأة البعض ويشطح بهم الخيال ويتصورون أنهم يرون عرش الله سبحانه!
كنت سعيدة بما أسمع وبتجاوب الحاضرات وحسن فهمهن فقلت: علينا ألا ننبهر بمثل هذه الخرافات والادعاءت وأن نعي الدرس جيدًا، فما كان موافقًا للكتاب والسنة كما ينبه العلماء الثقات أخذنا به، وما عدا ذلك رددناه ولا حاجة لنا به.
سألت إحدى الحاضرات: الآن بعد أن تبين لنا ما تبين ماذا نحن فاعلات بخصوص مدرس التجويد؟ فعلت الأصوات كارهة استمراره معنا، وكان القرار الجماعي والسليم ألا نواصل دروسنا مع هذا المدرس مهما كان نصيبه من العلم، خاصة أن العلم ليس حكرًا على واحد أو على طائفة. وفي الدرس التالي كان يحل محل مدرس التجويد أخت فاضلة دراسة متخصصة تطوعت لتدريس أحكام التجويد، وقد سار ركبنا بعد ذلك سيرًا حسنًا بعد أن انقشعت غمامة الفتنة وتجاوزناها؛بفضل الله ثم استجابتنا للعقيدة الصافية من نبعها الصافي وتحركنا بآياتها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

185

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

163

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

193

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة