العنوان المجتمع التربوي (1565)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1565
نشر في الصفحة 54
السبت 23-أغسطس-2003
السنن الإلهية في النصر والتغيير
● قاد المسلمون العالم قرونًا عدة.. عندما أخذوا بأسباب النصر والتمكين
محمد عبده
yuomna@hotmail.com
● للنصر أسباب أهمها: الإخلاص.. الوحدة.. ترك المعاصي.. الصبر.. إعداد العدة.. الدعاء وصدق التوجه إلى الله
● لا نصر على الأعداء.. إلا بالانتصار على أنفسنا
سؤال يدور في خلد كل غيور على الإسلام الذي استبيحت حرماته.. وانتهكت حدوده.. ألسنا بالمؤمنين؟ ألسنا بالمسلمين؟
وقبل أن نجيب عن السؤال لا بد من بيان سنن الله في الأرض التي من خلالها يدار هذا الكون الكبير.
فلقد تعلق الجميع بحبال الأمل والرجاء.. هفت القلوب إلى تحقيق النصر والتمكين.. عاشت النفوس أحلامًا يقظة على مدار واحد وعشرين يومًا ترقب فيها عزًا منتظرًا للمسلمين، وتعالت الأصوات تحدوها الآمال بنصر عزيز يقترب.
البعض حاول إقناع نفسه أن النصر قد يأتي على يد طاغية.. ليس حبًا فيه ولكن تعطشًا وشوقًا إلى نصر تعز فيه الأمة بعد ذل مرير.. وانكسار لإرادتها ورغباتها.
ومن صدق هذه الآمال.. أو عاشها إنما هو في الحقيقة جاهل بحقائق الأمور.. وأسباب النصر والتمكين.. مع احترامنا لهذه الفئة، لأن تلك الآمال والتعلق بها إن دل على شيء فإنما يدل على غيرة وعاطفة قوية تجاه الإسلام.
نعود ونقول: إن لهذا الكون سننًا وقوانين يدار بها، فقد خلقه الله عز وجل بالحق.. وعلى الحق قام، ووضع لكل النتائج أسبابًا، فمن اتبع تلك الأسباب وصل إلى النتائج برًا كان أم فاجرًا.. ويبقى لله تعالى حق التوفيق أو الخذلان لحكمته ومشيئته.
فلقد كان في قدرة الله تعالى التي لا حدود لها أن ينتصر المسلمون من أول يوم بكلمة «كن» الإلهية، ولكنها الأسباب التي أرادها الله لعباده أن ينتهجوها والقوانين السماوية التي تسير الحياة بين الناس، فلو شاء الله لما كان هناك حصار للمسلمين في شعب أبي طالب، ولا كان هناك تعذيب للمسلمين المستضعفين في مكة.. ولا تخفى الصحابة الكرام في دار الأرقم بن أبي الأرقم.. ولا خاض المسلمون كل هذه الحروب التي كلفتهم أموالًا وأرواحًا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
إنها مشيئة الله التي اقتضت أن ينتشر هذا الدين، وفق ما يقدمه البشر من مجهود وفي حدود طاقتهم البشرية.. وأن يكون ما يقدمه المؤمنون الصادقون من جهد وعمل ستارًا لقدرة الله.
من عند أنفسكم
وهنا يقف المرء حائرًا: كيف لأمة الإسلام - التي قادت العالم قرونًا من الزمان - أن تستضعف وتذل هكذا؟ أني هذا؟ وتأتينا الإجابة في تعالى أو في قوله ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ﴾ (آل عمران: 165).
يقول الشهيد سيد قطب في تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران 165).
«أنفسكم التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر.. وأنفسكم وأنفسكم التي أخلت بشرط الله معكم وشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس.. وأنفسكم هي التي عصت أمر الرسول وخطته للمعركة، فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم؟ وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم بانطباق سنة الله عليكم، حين عرضتم أنفسكم لها.. فالإنسان حين يعرض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه مسلمًا كان أو مشركًا، ولا تنخرق محاباته له.. فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء.
من هنا كان لا بد من التفتيش في النفس لمعرفة السبب.. فلابد أن يكون هناك سبب لما نحن فيه، فالله عز وجل لا يظلم الناس شيئًا﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ﴾ (ق: 182)، فلقد كنا سادة فأصبحنا عبيدًا، وكنا أعزاء فصرنا أذلاء، وكنا رعاة الأمم فبتنا من رعاعها، كنا في الصدارة والريادة، فأصبحنا في ذيل الأمم.. فلماذا هذا التحول والتبدل؟﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 165).
فلنرجع إلى أنفسنا، لنقارن بين هذه النفوس وهي في حالتها تلك من الذل والضعف والاستكانة، ونفوس من عاشوا في زمن الريادة.. والنصر والتمكين.. ننظر في قلوبهم وقلوبنا.. في إيمانهم وإيماننا.. في علاقتهم بربهم وعلاقتنا بربنا، فالله عز وجل لا يحابي أحدًا.. ولا يجامل أحدًا.. فهي السنن الإلهية والقوانين السماوية التي لا تتبدل ولا تتغير ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلً﴾ (الفتح: 23)، فكما يقول تعالى وقوله الحق ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء: 123)، فالقاعدة هنا : «من يعمل السوء.. يجز بالسوء».
وعلى الجانب الآخر والقاعدة الأخرى يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: 7).
مقدمات ونتائج
لقد اختار الله تعالى بني إسرائيل وفضلهم على العالمين.. لماذا؟ لأنهم صبروا على إيذاء فرعون وأطاعوا موسى - عليه السلام - يقول تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الأعراف: 137).
فلقد تحقق طرفا المعادلة: صبر على أوامر الله فكان التفضيل والإحسان.
ولكن عندما اختلت المعادلة بانحرافهم عن الطريق.. وتمردهم على موسى.. وعدم محافظتهم على ما حباهم الله من نعم، واستمرارهم في طغيانهم وعصيانهم، ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: 55)، وقولهم لموسى - عليه السلامك ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾ (المائدة: 42)، عندها حق عليهم العقاب من الله وانطبقت عليهم المعادلة الإلهية ﴿فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160)، وقال تعالى﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ﴾ (الأنفال: 146).
ظلم وبغي وصد عن سبيل الله أدى إلى حرمان من الطيبات.
أما العمل الصالح فثماره عظيمة في الدنيا والآخرة ويقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).
كفر - بنعم الله بالشكر ولم تقابلها فكانت النتيجة الخوف والجوع.
ويقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97).
من عمل الصالحات يحيا حياة طيبة، ويجزى بالحسنى في الدنيا والآخرة.
ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).
والقاعدة هنا واضحة بشقيها:
إيمان وتقوى يؤديان إلى معية الله ورزق الله الذي لا حدود له.
تكذيب وعدم إيمان يؤديان إلى خذلان وعقاب بما كسبت الأيدي.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن النصر والهزيمة كليهما نتائج.. لهما أسباب!! فمن أخذ بأسباب النصر نصره الله.. ومن تخلى عنها.. باء بالخسران.
أسباب النصر
فمن أسباب النصر:
1 - الإخلاص وعدم الشرك بالله ﴿ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 88).
2 - البعد عن معصية الله.. وعدم ارتكاب الذنوب أو ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأعراف: 100).
3 - عدم التنازع والفرقة والخلاف: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).
4 - طاعة الله والاستجابة لتوجيهاته والعمل بها: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء).
5 - الإيمان وتقوى الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).
6 - تحقيق معنى العبودية الصحيحة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (النور: 55).
7 - الخوف من الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم 13).
8 - الصلاح في الأرض: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).
9- الصبر على البلاء: ﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: 125).
10 - الدعاء وصدق التوجه إلى الله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 147 - 148).
11 - عدم طاعة الكافرين أو السير في آمنوا ركابهم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 149).
12 - تذكر نعم الله بصفة دائمة والاعتراف بها وشكرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (الأحزاب: 9).
13 – الثبات: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45).
14 - بذل الوسع وإعداد العدة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).
15 - التغيير إلى ما فيه رضا الله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53).
16 - نصرة الله عز وجل:﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
والسببان الأخيران هما أو القانون الرئيس الذي يضبط قانون النصر والهزيمة والذي يقدم الإجابة عن سؤالنا الذي طرحناه.. فعندما تتوافر الأسباب في الفئة التي تريد النصر، ينصرها الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
وإذا تغير حال العباد إلى مرضاته، كان التغيير الذي يرجوه العباد من ربهم ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
ومن هنا يتضح أن المعركة قبل أن تكون مع الأعداء فهي مع أنفسنا.. لذا لا بد من العمل على إصلاحها وتزكيتها.
واجبات ثلاثة
أولًا: واجب على الحكام وولاة الأمور: أن يعودوا إلى منهج الله تعالى.. فيحكموه في شعوبهم وعلى أنفسهم.. وقد صدق عثمان رضي الله عنه: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».
ثانيًا: واجب دعاة الصحوة الإسلامية وأبنائها في كل مكان: أن يفرغوا طاقاتهم وجهودهم في التربية.. وأن يعملوا على تنشئة جيل قرآني جديد يفهم القرآن ويعي قوانينه وسننه.. وأن يضاعفوا من أوقاتهم للدعوة.. ويبذلوا قصارى جهدهم في الميدان الحقيقي للمعركة التي بيننا وبين أعدائنا، وهي النفس المسلمة وتربيتها وتكوينها التكوين الدقيق على مراد الله تعالى من عباده.
ثالثًا: واجب على الغيارى والملتزمين وعامة المسلمين: فإن الرغبة في النصر وحدها لا تكفي.. وإن انتظار النصر دون العمل بأسبابه يعد انتكاسة كبيرة ويجافي متطلبات النصر الإلهي، لذا فإن عليهم أن يبحثوا عن هؤلاء المخلصين من الدعاة.. ويمدوا لهم أيديهم ويعملوا معهم ولا أظنهم سيجدون عناء في العثور عليه، فهم موجودون في كل مكان.. كي يتضاعف العمل والجهد.. فالعمل الفردي وحده لا يكفي.. ولا بد من تكوين جيل جديد يفهم الإسلام.. يطبقه ويعمل به حتى ينزل عليه نصر الله، كما قال المستشار حسن الهضيبي رحمه الله: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم».
وبعد هذا، على الجميع الصبر على عقبات الطريق وأخطاره.. فإن في نهايته النصر المؤزر بإذن الله.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
كيف تكون داعية على بصيرة؟
● احذر أن تكون داعية أخرس أو متشائما محبطًا
السيد الشامي
● موجات اليأس والتشاؤم التي تنتاب بعض الدعاة تحول دون استنهاض الهمم وإيقاظ النائمين
الدعاة الذين يذكرون الناس هم أولى الناس بالتذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين كما تنفع الدعاة، هذه الكلمات قد تكون من قبيل الأبجديات المكررة والبديهيات المعادة، ولكن التكرار وتفصيل القول طريقة قرآنية في الدعوة لترسيخ المعاني وتأكيد الرسالة والاطمئنان إلى تحقيق أهدافها ووصولها إلى قلوب وعقول المعنيين بها.
والدعاة المعنيون بهذه الكلمات ليسوا هم عموم الدعاة، بل طائفة منهم مأمورون بالتفقه في الدعوة وطرائقها ووسائلها وخطابها وآدابها ليتحقق لهم الرشد المطلوب دائمًا والمفقود أحيانًا فلا يكون الدعاة مرشدين إلا إذا كانوا راشدين، وطلب الرشد والسعى إليه ديدن الدعاة الراشدين المرشدين، فنعلمه من فتية الكهف حين أووا إلى الكهف، وقالوا: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: 10)، ونحن إذ ندخل إلى كهف الدعوة فإننا مطالبون بتحقيق الرشد، وعلى كل فهذه مجرد اجتهادات قد تخطئ وأرجو أن تصيب، وفي كلا الأمرين المجتهد مأجور.
وفي الآونة الأخيرة ترددت بعض الشعارات والمقولات حول ضرورة تطوير الخطاب الديني والدعوي، وجاء بعض هذه المقولات من أطراف معادية لا تريد الخير لهذه الدعوة ولا لهذا الخطاب، والبعض أتي من مخلصين غيورين وهم كثر، وأنا أفضل تعبير الترشيد على التطوير، وأرى أن المعني بهذا الترشيد هم الدعاة أنفسهم، وليس الدعوة، فالدعوة راشدة بحمد الله.
وإذا كانت الأمة تتعرض لهجمات ومواجهات من أعدائها تستهدف العقائد والأوطان، كما تستهدف الشعوب والثقافات والثروات، فإن الأنظار تتجه صوب الدعاة باعتبارهم الطليعة وقائد الركب والرائد الذي لا يكذب أهله وأمته، فعن هؤلاء الدعاة تأخذ جماهير الأمة الرأي والرؤية فيما يمر بها من أحداث، كما تتعرف على الأحكام الشرعية والواجبات الإسلامية تجاه هذه المواقف والأزمات.
وإذا كانت مهمة الدعاة لا تخرج عن كونها أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو دعوة إلى خير، أو موعظة بليغة، فإنها كذلك تتراوح بين الشهادة والتبشير والإنذار والدعوة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب 45 - 46)، وأي خطاب دعوي يخلو من هذه الأمور الأربعة: الشهادة على الحدث، والتبشير، والإنذار، والدعوة، يكون قاصرًا عن مؤهلات الخطاب الدعوي الرسالي أو صاحب الرسالة.
والدعاة إزاء هذه اللحظات التاريخية التي تمر بها أمتهم لا ينبغي أن يقتصر خطابهم على الشهادة على الحدث ومعرفته فقط دون التحذير والإنذار من مخاطر هذه الأحداث على واقع الأمة ومستقبلها، كما لا يصح أن يغرق الدعاة في التحذير وتضخيم المخاطر والتحديات بما يدفع جمهور الأمة إلى التشاؤم والخوف والهلع، ومن ثم تظل الحاجة إلى البشارة وبعث الأمل في النفوس ملحة وضرورية لتتكامل مفردات ومكونات الخطاب الدعوى الرشيد، وبذلك تتحقق الخيرية لخير الأمم، ويتحقق الثبات لها في مواجهة المحن والأزمات ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ (النساء: 66).
وهكذا يصبح التوازن في خطاب الداعية وطرحه مهمًا وضروريًا لتحقيق البلاغ المبين، ويخطئ الدعاة حين يكونون واحدًا من ثلاثة:
1- ساسة وليسوا دعاة: صحيح أن الداعية يسوس الناس بدعوته، وصحيح كذلك أن الدعاة لا بد أن يستفيدوا بتحليلات وتقارير السياسيين، لكن يبقى هو الداعية المنوط به حمل الرسالة وتوصيلها متوازنة دون إفراط أو تفريط أو تضخيم جانب على حساب آخر، فلا ينقلب الداعية محللًا سياسيا أو ملقيًا لبيانات سياسية، فتلك ليست مهمته ولا دوره، وإنما دوره أن يوظف الحدث ويستخدمه ضمن أشياء أخرى، فالحدث السياسي يوظفه الداعية لتربية مخاطبيه واستخراج الدروس والعبر المستفادة ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، (يوسف: 111).
ومن ثم لا يغرق الداعية في سرد الحدث وتحليله والتعليق عليه إلا بالقدر الذي يوصل رسالته وخطابه المتوازن إلى من يتلقون هذه الرسالة عنه.
وحين يقال: إن الدعاة ليسوا ساسة فليس معنى ذلك أن السياسة ليست من صميم رسالتهم ودعوتهم، وإنما المعنى أن يظل الحدث السياسي ضمن حجمه وإطاره العام والكلي دون تضخيم أو إلغاء، فالناس تجفل كثيرًا من دعاة أو خطباء كل حديثهم عن السياسة والساسة لا يقرأون آية أو حديثًا.
2 - منعزلون عن الحدث «الداعية الأخرس»:
هذا الفريق من الدعاة عكس الفريق السابق، فهؤلاء تراهم يخوضون في أحاديث لا تمت إلى واقع الناس ولا إلى أزماتهم ومشكلاتهم ولا إلى عالمهم الذي يعيشون فيه، وتراهم ينظرون إلى الحدث خصوصًا السياسي نظر الخائف الوجل، وهذا يتناقض مع أخلاقيات المسلم، فضلًا عن الداعية، فالمسلمون - والدعاة على رأسهم - يجب أن يكونوا عالمين بزمانهم وواقعهم، وليس من المعقول ولا من المقبول أن يكون حديث الخاصة والعامة والمثقفين والجماهير الحرب على العراق والهجمة على الإسلام والمسلمين، والداعية ما زال يتحدث في حديث آخر عن فقه الصلاة أو الوضوء - وهذا ليس تقليلًا من هذه الأمور، بل هي من أبجديات وواجبات الدعاة الأولى.
لكن أن يترك الدعاة أزمات الأمة ومواجهاتها فلن يُترك الخطيب أو الداعية يتحدث عن نواقض الوضوء، ناهيك عن فقه الصلاة والجهاد، فالمسلسل بدأ بعزل الدين عن واقع الناس بما فيه السياسة وتم حصر الدعاة في المساجد، وحوصر الدعاة داخل مساجدهم في حدود ضيقة لا تتعدى ركنًا واحدًا من أركان الإسلام، والآن هناك دعوات حق أريد بها باطل حول تطوير وعولمة الخطاب الديني والدعوي تهدف إلى محاصرة الدعوة والدعاة تمهيدًا للقضاء عليهما، وهكذا نجد أن الداعية الذي لا يتألم لمصاب أمته وجراحات وطنه قد ترك أفضل الجهاد الذي هو كلمة حق عند سلطان جائر، ماذا يبقى للدعاة إن لم يقولوا كلمة الحق؟ وإن لم يكونوا كالمرأة التي قالت لعمر: «اتق الله»، وإن لم يقفوا من الطغاة والمتألهين موقف مؤمن آل فرعون؟
وقد جاء في الحديث أن «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، فالدعاة وظيفتهم الجهر بالحق لا السكوت عنه، والسكوت ليس من سمات الدعاة، وإنما الحديث والنطق، والدعاة حين يسكتون عن الحق يتركون الفرصة للشياطين الناطقين، فضلًا عن الخرس، وما تكلم ونطق شيطان إلا لسكوت داعية أخرس أو «شيطان أخرس» بتعبير الحديث النبوي الشريف، وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ ﴾ (الأحزاب: 39)، ويقول أيضًا: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ (الفتح: 28)، فإن من مقتضيات حامل الرسالة أن يبلغها لا أن يسكت عنها، وأن تكون علنية ظاهرة ليتم الظهور للرسالة والدين والحق والهدى، وقد يكون السكوت بسبب عزلة الدعاة وبعدهم عن واقع أمتهم أو جهلهم به، أو بسبب خوف من الصدع بكلمة الحق، وهذا لا يليق بدعاة يفترض أنهم طليعة الأمة وقادتها وروادها والداعية الأول خاطبه ربه بقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ﴾ (المائدة: 67).
وقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94)، وكان إذا غار مغير على المدينة وفرع الناس وخرجوا وجدوا رسول الله أولهم قائلًا لهم: «لن تراعوا»، «وكانوا إذا حمي الوطيس اتقوا برسول الله»، هكذا يكون الدعاة طليعة الأمة وفرسانها غير خائفين ولا مرتعشين، بل يبثون الطمأنينة في قلوب الناس، شعارهم «لن تراعوا».
3 - متشائمون ومحبطون: الأصل في الدعاة أنهم يحملون البشرى كما يحملون النذارة، والبشارة دائمًا مقدمة على التنفير «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا»، والداعية الحق هو الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، بل يفتح لهم أبوابًا من التوبة والأمل في عفو الله، وينظر إلى جوانب الخير في الناس، وما أكثرها، وينميها ويقويها، ويبين للناس ما لهم من عظيم الأجر والمثوبة في الدنيا قبل الآخرة وفي معاشهم قبل معادهم جزاء ما يقدمونه لأنفسهم وأمتهم من خير ولو كان مثقال ذرة، وإذا وقعت أزمة للفرد أو للأمة يفتح الدعاة أبواب الأمل أمام الناس ويحدثونهم عن المبشرات لا عن المثبطات والمعوقات، وللدعاة في سيرة النبي الأسوة الحسنة في كيفية بعث الأمل في النفوس في الأوقات العصيبة، وفي أوقات الشدة، لكنه الأمل الإيجابي والتبشير المحرك للعمل، ولا يحسين الدعاة أنهم بمفازة أو بمنأى من سنن الله في خلقه وكونه ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء: 123)، وإذا ترك الدعاة الأمل والمبشرات، وكان جلة تركيزهم على الجوانب المظلمة فلن يروا الطريق الصحيح أمامهم، وإذا نظروا إلى الجانب السيئ في الناس فسوف يعتزلونهم، إن لم يتهموهم في عقائدهم وإسلامهم، حتى في هذا الجانب السيئ فإن الدعاة إذا نظروا إليه فيجب أن يكون دافعًا لهم لدعوتهم وإنقاذهم من حفر المعاصي وطرق الغواية، فهؤلاء هم مجتمع الدعوة، أما الخيرون فقد كفوا الدعاة بعض مؤنة دعوتهم وكفى الله الدعاة دعوتهم، وهناك نفر من الدعاة ينظرون إلى الجوانب السلبية في المجتمع وفي الناس نظرة غير صحيحة لأنه إذا كانت وظيفة الدعاة مخاطبة أهل الخير والملتزمين فقط، فمن إذن يسعى لإنقاذ الناس من حفر النار ومهاوي المعصية الله ﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ﴾ (آل عمران: 103) إذا لم تكن وظيفة الدعاة الذهاب إلى الطغاة، فما هي إذن وظيفتهم؟ ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات 17 – 18 - 19).
وفي السياق نفسه، فإن موجات اليأس والتشاؤم التي تنتاب بعض الدعاة لا تؤهلهم لاستنهاض العزائم والهمم والأخذ بأيدي الناس إلى آفاق العمل الجاد والمثمر والصالح والنافع، لا بد للدعاة من اتباع سنن جملة الرسالة في المزج بين التبشير والإنذار له﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (النساء: 165)، ولا بد من الجمع بين أسلوب ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: 61)، وأسلوب ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62)، ولا بد من الجمع بين منطق: «لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا»، ومنطق ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة 40).
إن الإفراط أحيانًا في تضخيم صورة العدو وتهويلها قد تدفع بالناس إلى اليأس وترك العمل وانتظار المصير المحتوم غير دافعين قدرًا بقدر، وكذلك التهوين من شأن الأعداء والغرور بالكثرة أو الغرور بأنا مسلمون - مجرد مسلمين - دون الأخذ بأسباب القوة المادية والإيمانية.. كل أولئك ينافي سنن الله في خلقه وكونه، فلا بد من أن يضع الدعاة الأمور في نصابها ويعطوا كل شيء وزنه وحجمه وأهميته حتى يكونوا دعاة على بصيرة، كما أمر الله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108).
هل تحب الرسول حقًا ؟
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).. يا لها من منزلة ربانية عظيمة، يسمو بها المؤمن إذا هو صلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأية صيغة من صيغ الصلاة والتسليم، ذكرًا باللسان، أو كتابة بالأقلام.
قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا» (رواه الترمذي)، وقد شرعت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع وفي أوقات عديدة: شرعت بعد الأذان، وبعد التشهد في الصلاة، وقبل الدعاء وبعده، وفي مستهل خطبة الجمعة، وفي ليلتها، وفي أذكار الصباح والمساء، وعند زيارة مسجده والمرور على قبره، والصلوات والتسليمات المطلقة كلما ذكره الذاكرون أو كتب اسمه الكاتبون، وما شرع ذلك إلا لتوثيق الصلة بالرسول صلى الله عليه وسلم وحبه واتخاذه قدوة ومثلًا، وإن المسلم حينما يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لينضم إلى المصلين عليه، ومن هم الله وملائكته.
يقول صاحب الظلال - سيد قطب - رحمه الله: «وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملا الأعلى، وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله - سبحانه وتعالى - ويا لها من مرتبة سنية، حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه، ويشرق به الكون كله، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي، وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمهم؟ وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته، وتسليمهم إلى تسليمه، وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم».
والسؤال: هل هناك قيمة للصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم باللسان، والقلب لاهٍ والعزم واهٍ؟ لقد نطق المنافقون بالشهادتين، ولم تؤمن قلوبهم، إنما العبرة بالسلوك العملي، لقد أحب المؤمن نبيه من سويداء قلبه، فأخذ يلهج بالصلاة والسلام عليه في منظومة الاتباع والاقتداء: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، ما قيمة النطق بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من إنسان يشاقق فيتبع غير شريعة الحبيب، في حياته الخاصة والعامة؟
ما قيمة المنشد الذي يقضي الليل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل المغرب ولا العشاء في أول الليل، ولم يصل الفجر في آخر الليل؟ لقد ذهب إنشاده مثلما ذهب طبله ومزماره والحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بريء منه ومن أمثاله، وبريء ممن اجتمعوا على هذا اللهو المنسوب إليه.
وقد صدق القائل:
تعصي الرسول وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
إنني حينما أصلي على النبي الله صلى الله عليه وسلم بتأدب وحضور قلب، إنما أكرر العهد والبيعة للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وعلى الاقتداء به في جميع جوانب الشريعة.
إن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم علامة ولاء ودليل انتماء وهو اقتداء يشمل الكبير واليسير من الأقوال والأعمال، ثم تتوارد أقوال وأعمال الاقتداء بالنبي العظيم صلى الله عليه وسلم حتى تشمل حياة المسلم كلها : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162 - 163).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل